الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خاتمة عن النظم
حين وضحنا رأينا في ارتباط التقسيم والموازنة، وتساوقهما إلى أن ظهر الوزن التام، ثم افتراقهما بعد ذلك، ذكرنا ستة أطوار "راجع الباب السابق"، رجحنا أنها هي المراحل التي مر بها نظم الكلام العربي من الموازنة اللفظية، إلى الصياغة البحرية القافوية المحكمة. وبين هذه المراحل، مرحلة مهمة جدًا، لم نطل الوقوف عندها، لأن منهج بحثنا، وسياق كلامنا، كان يقتضينا ألا نتريث ريثًا يبعد القارئ عن غرضنا الذي سقنا الكلام له من أجله (وهو صلة الموازنة بالتقسيم). هذه المرحلة المهمة هي المرحلة الخامسة، التي انتقل أسلوب النظم فيها من السجع الموزون إلى التسميط المحكم، وقد قلنا عنها في حديثنا السابق: إن الناظم بعد أن عرف الأسجاع الموزونة، "اهتدي إلى أولي خطوات الوزن الرصين. وما هو إلا قليل، حتى جعل يعمد إلى التسميط، كلما جاء بأسجاع ثلاثة متوازنة، أتبعها سجعة تخالفها، وتوافق أخر تقع في موقعها، بعد ثلاثة أقسام مسجوعة تالية. وليس لدينا من هذا النوع شيء نستشهد به. ولكن لدينا أشعارًا تحمل أثاره قوية واضحة"(1)
…
ثم ذكرنا من هذه الآثار أبيات الهذليين والخنساء.
ولعل القارئ يكون قد حدس من كلامنا هذا، أن المرحلة الخامسة في تطور النظم العربي، يمكننا أن نستدل عليها، بما وصلنا بعدها من شعر هذيل والخنساء، وبعض تقسيمات امرئ القيس بن حجر، مثل قوله:
بلاد عريضة، وأرض أريضة
…
مدافع غيث، في فضاٍء عريض
(1))) راجع قبله 321.
وقوله:
فتور القيام، قطوع الكلا
…
م، تفتر عن ذي غروب خصر
كأن المدام، وصوب الغمام
…
ونشر الخزامي، وريح القطر
إلخ
وقوله: وعين لها، حدرة، بدرة
وقوله: ألص الضروس، حنى الضلوع
وقوله: برهرهة، ر ودة، رخصة
وقوله:
إلا إنني باٍل، على جمٍل بالي،
…
يسير بنا باٍل، ويتبعنا بالي (1)
وقوله:
سباط البنان، والعرانين، والقنا
…
لطاف الخصور، في تمام وإكمالي
وقوله:
وأوتاده ماذية، وعماده
…
ردينية، فيها أسنة قعضب
وقوله:
له أيطلا ظبي، وساقا نعامٍة
…
وإرخاء سرحان، وتقريب تنفلي
وقوله:
إذا أقبلت، قلت دباءة
…
من الخضر معموسة في الغدر
وإن أدبرت، قلت أثفية
…
ململمة ليس فيها أثر
وإن أعرضت، قلت سرعوفة
…
لها ذنب خلفها مسبطر
(1))) هذه الياء للروي وقد أري كثيرًا ما يقع الخطأ فترسم بعلامة التنوين فأثبت الباء ليتجنب ذلك.
وقوله:
أفاد فجاد، وشاد فزاد
…
وقاد فذاد، وعاد فأفضل
ويحلق بهذا قول أبي دؤاد الإيادي (العمدة 2: 26):
والعين قادحة، والرجل ضارحة
…
واليد سابحة، واللون غربيب (1)
والشد منهمر، والماء منحدر
…
والقضب مضطمر، والمتن ملحوب
وأكثر هذا قد سبق لنا الاستشهاد به.
وهنا نتساءل: هل هذه هي المرحلة الخامسة، التي تدل عليها هذه الشواهد، جاءت طبيعية سليقية، تدعوها سجية التوازن، التي لا تفارق السجع والمزاوجة؟ هل أدراك الناظم العربي القديم، بما ركب فيه من حدس صادق، وفطرة سلمية، جوهر الصلة الوزنية بين قولة،
حامي الحقيقة
نسأل الوديقة
معتاق الوسيقة
والوزن الكبير -وزن البسيط- الذي يمكن أن تدرج فيه هذه السجعات جميعًا، إذا أضيفت إليها فقرة تتممها؟ ثم هل هدته الفطرة أيضًا، إلى أن هذه الفقرات المتممة، التي تصير بها كل سجعات ثلاث بيتًا محكم الوزن، ينبغي أن تكون جميعها متحدة في القافية، حتى ينشأ من تألفها مع ما قبلها، وانسجامها مع ما بعدها،
(1))) أي عينه كالشرر، ورجله تضرح الحصي وتطرحه، ويده تسبح جريًا، ولونه أسود غريب، وشده: أي عدوه كالمطر المنهمر، وعرفه ماء منحدر، وقصبه: أي بطنه ضامر، ومتنه أملس كالطريق اللاحب.
تسميط رصين؟ ثم هل دلته إلى أن أمثال هذه المجموعة من السجعات:
حامي الحقيقة
نسأل الوديقة
معتاق الوسيقة
وهذه المجموعة من السجعات:
مناع مغلبة
رباء مرقبة
ركاب سلهبة
كلها تنتمي إلى سنخ واحد، مع الاختلاف الوزني الواضح بين الأقسام المكونة لها؟ وأنه لن يحتاج في إبراز هذه الحقيقة، إلى أكثر من أن يعتمد إلى المجموعة الأولى، فيتمها بفقرة قصيرة مثل:"لانكس ولا وان". وإلى لمجموعة الثانية، فيتممها بفقرة أطول من هذه مثل:"قطاع أقران". وأعجب من هذا قول امرئ القيس:
بلاد عريضة وأرض أريضة
…
مدافع غيث ففضاٍء عريض
فالقسيمان الأولان مختلفان جدًا عن القسيمين الأخيرين، فهل الفطرة أيضًا هي التي هدت إلى أن جميع الأقسام، يمكن جمعها في نطاق البحر الطوي الثالث؟
ربما يميل بنا الظن بادئ الرأي إلى القول بأن الفطرة السليمة، وطبيعة التكافؤ في السجع والازدواج، هما اللتان مكنتا من كل هذا. ولكنا نسأل بعد، لماذا لم تفعل الفطرة السليمة مثل هذا الفعل في اللغة العبرية القديمة، التي نزلت بها التوراة في الدهر الأول، ولماذا كان أسلوب المزامير، والأناشيد العبرية، والأحاديث الإنجيلية الرفيعة التي تحدث بها المسيح، كل ذلك مبنيًا على أسلوب الموازنة. وليس
فيه شيء من الأعاريض (1)؟ أليست اللغة العبرية التي نزلت بها التوراة، والأرامية التي تكلم بها عيسى، كلتاهما من أخوات العربية، وتشبهانها شبهًا عظيمًا؟ فلماذا إذا لم تهتديا بالفطرة، إي ما اهتدت إليه العربية، أو إلى شيء شبيه به؟
ولعلك تقول: إن لغة العرب أحدث عهدًا من جميع هذه اللغات، ونجيبك حينئذ بأن في رصانة أوزان العربية، وإحكام التقاليد التي في قصيدها ومقطعاتها، ما يدل على أنها موغلة في القدم. فإن كنت تريد بالحداثة أنها عاشت حية إلى عهد طويل، بعد موت تلك اللغات، فإن في قولك هذا تسليمًا بأنها قد تعرضت من عوامل التطور، لما لم تتعرض له أخواتها. ولعل أهم هذه العوامل جميعًا أن تكون اقتباسها
(1) ((هذا هو رأي مانسون، وقد أشرنا إليه، راجع كتاب the Teaching of Jesus والموسوعة الدينية المسماة Encyclopedia
…
Biblica طبعة سنه 1899 (المجلد الثالث: 3794) نقترض وجود وزن عروضي في العبرية، محتجة بأن اليهودية كانوا يرتلون ويغنون أناشيد التوراة، يوقعونها على آلات رفيعة. ثم بعد ذلك تعترف بالجهل التام بماهية هذه الأعاريض. ونعترف به كثيرًا ما يعسر تمييز مواضيع الشعر من مواضيع النثر في التوراة. وافتراضها الأعاريض قائم على لا أساس. لأن الكلام لا يلزمه الوزن العروضي، حتى يكون صالحًا للتغني والترنم. بل من طبيعة التغني والترنم أن يحدثا الوزن فيما لا وزن فيه. ذلك بأن المغنى يقدر على أن يمط ويقصر، حيث لا يمط المتكلم ولا يقصر، ويقدر على ملئ الفجوات التي بين الكلمات، بمد الصوت والترتيل، واصطناع الغنن والنبرات. وعندنا في الأغنى الشعبية ضروب من النظم ليس فيها الوزن العروضي، واعتمادها كله عي الموازنة. والناس يغنون بها ويرتلون مثل قول المادح:"الكفة طالا. ودحاج حمد يا باهي الرجالا" وأغاني قبائل البقارة وشعرها، كل ذلك سجع وازدواج. وذكر الفارابي أن الكلام الجود يمكن تلحينه.
وقد تنبه الأستاذ Bentezen إلى عسر الوقوف على أعاريض في اللغة العبرية، كما في كتاب: المدخل إلى التوراة Intro-duction to the old Testament (طبعة كوبنهاجن 1952 ص 119) وشك شكا شديدًا في الذي زعمه بعضهم من وجود الوزن السداسي في التوراة. ورجع حدسًا بلا دليل أن النظم العبري من الصنف الارتكازي، مدعيًا أن في الدنيا ثلاثة أصناف من اوزن: هي المقطعي، والكمي، والارتكازي وقد بينا فساد هذا الراي. بمعرض الحديث عن أسلوب الأنجلوسكسونين القديم في التجنيس. وقد حاو أستاذ بينتزن، أن يحسن حدسه فيها نسبه إلى العبرية من استعمال الارتكاز، بقوله إننا نجهل كل الجهل الطريقة التي كان ينطق بها اليهود الأوائل لغتهم. ولعمري أن هذا الجهل وحده، لكاف رفض فكرة الارتكاز. مع التسليم بأنه قلت لغة تخلو منه. وإلى أن تصنا معلومات أوفي فلا محيص من رأى لوث ومانسون في الموازنة العددية ولا تقطع بذلك قطعا.
الوزن في صيغة بدائية من فارس، أو من الشعر اليوناني، من طريق آثاره التي تركها في الأدب الفارسي بعد غزوة الإسكندر. وقيام مستعمرة إغريقية في بلاد ما وراء النهر!
ولا يهولنك هذا الحدس، فتطالبني بالدليل النقلي. فأنا لا أزعم أن بعض العرب الأولين اطلعوا على "أوميروس" في كتاب إغريقي، أو زيروا صحفية مما خلفه دارا وقمبيز، وإنما ألتفت إلى هذه الطريقة المحكمة من العروض والقافية، التي سلكها العرب، فأعجز أن أقتنع بأن الفطرة السليمة وحدها، هي التي طورتها من الموازنة والازدواج إلى هذا القدر العظيم من الإحكام، الذي يعتمد على كم المقطع ورنته، لا مقابلة التركيب بالتركيب، كما هي الحال النظم العبرية القديمة، ثم أنظر في حال الأمم القديمة، فأجد الإغريق هم قد احكموا الشعر في الزمان الغابر، مثل إحكام العرب، "وأكثر من أحكامهم في رأي النقاد الفرنجة". وقد عرفوا الوزن المقطعي والكمي: سداسيًا وغير سداسي، وعليه بنوا روائعهم في الملاحم والمسرحيات. هكذا يخبرنا النقاد الإنجليز الذين درسوا الإغريقية، عندما يعرضون تحليل الوزن عند شعرائهم أمثال شكسبير، ومارلو، وبوب، وهؤلاء الإغريق قد فتحوا الدنيا في عهد الإسكندر، وأثروا أعظم تأثير في الفرس من جهة دولتهم التي شادوها في بلاد ما وراء النهر. ثم جاء الرومان أولو الملك الواسع، فنشروا علم يونان في كل مكان. وأنت تعلم أن حدود دولتهم كانت عند الفرات وبادية الشام، وأن سفنهم كانت تصل إلى بلاد اليمن وحضر موت. ثم بعد تصدع دولة الرومان القديمة، ونهوض بيزنطة بالمشرق، استحكم الاتصال بين الإغريق والفرس (1).
(1) وقد ظل هذا الاتصال قويًا إلي قريب من ظهور الإسلام. ولاسيما بعد أن أغلق الإمبراطور بوستنيان مدرسة أثينا سنه 529 م، وطرد علماءها. فهؤلاء أوي كثير منهم إلى فارس. وأسست فيما بعد مدرسة جندي سابور. وكان لها أثر عظيم في الفرس الساسانيين. على أننا لا نريد أن نزعم، أن هذه المدرسة أحدثت أثرًا في تطور النظم العربي، فتاريخ تأسيسها حديث جدًا بالنسبة إلى قدم التطور الذي تطوره هذا النظم، أليس أمرؤ القيس الكندي قد عاصر بوستنيان، وإليه كانت رحلته التي وصفها في الرائية الرائعة؟
وكلا المدنيتين الإغريقية والفارسية (التي تأثرت بها) كانتا تتاخمان بلاد العرب والأستاذ الكبير "أرنولد توينبي" يقول في كتابه: "دراسة في التأريخ"، في غير ما موضع واحد، إن المدنيات العظيمة كانت لا تملك أنفسها من إرسال "إشعاعات" تجتذب تلك الأمم، فبعضها يخضع للمدنية العظيمة ذات الإشعاع، ومثل هذا قد حدث فرنسة وبريطانيا بعد فتح الرومان، وبعضها يعدو على المدينة العظيمة ويخربها، ونحو من هذا قد حدث لروما على أيدي القبائل المتوحشة في القرن الخامس الميلادي، ولبغداد على أيدي التتار، في القرن الثالث عشر.
ولا يفوت الأستاذ "توينبي" وهو يقص علينا أمر الرومان واليونان، أن يذكر أن مدنياتهم قد أرسلت "إشعاعات" قوية، وصلت إلى أعماق الجزيرة العربية، وأن هذه الإشعاعات قد اجتذبت العرب، فانضوى بعضهم في ظل المدينة الرومانية والفارسية، كالذي حدث من أمر "تدمر" في عهد أورليان وقبله، وكالذي حدث من شأن لخم وغسان، ثم اعتدي سائرهم علي كلتا دولتي فارس والروم، حين فاض الإسلام.
وأدلة هذه "الإشعاعات" التي كانت ترسلها الحضارة الإغريقية من طريق فارس أو غيرها (وطريق فارس أرجح عندنا، ما سنذكره فيما بعد) واضحة، تقريناها في كلام الجاهلية القديم. وأسوق لك على سبيل المثال قصه "ذات الصفا" التي جري بها المثل، ونظم فيها النابغة أبياته الرائية. وأصل هذه القصة "كما هو معروف" من خرافات "إيسوب (1) ".
فهل تستبعد إذن، أيها القاري الكريم، أن يكون الوزن المحكم من بعض ما وصل من " إشعاعات" المدينة الإغريقية الفارسية؟ ألا تجد أن اللغة السريانية قد
(1))) بل لعل أصل خرافات يسوب عربي فعند العلماء أدلة تشهد الآن بفهم أخذه اليونان الأولين عن العرب والله أعلم.
استعملت الوزن المقطعي (1)، بسيطا بلا كم، وهو شيء لم يكن معروفًا في أمها الآرامية؟ أليس في قوة اتصال السريان بالحضارة الإغريقية، ما يشرح سر هذا الوزن المقطعي الدخيل؟ وإذ نرى أن "إشعاع" الإغريق قد أصاب السريان، فأثر فيهم هذا التأثير، ألا يجوز أن يكون قد أصاب العرب، فأثر فيهم تأثيرًا أقوي عن طريق مدينة الفارسية؟ (2).
والوزن كما لا يخفى أخو الغناء والموسيقا. والناس وأسرع شيء إلى أخذ الغناء والتأثر به. ولو لم يفهموا معانيه. ونحن نشاهد دليل ذلك الآن في بادنا، إذ يأخذ الناس عن المغنيات الأثيوبيات بعض النغمات، مما ينشدنه بلغتهن التي لا يفهمونها. وغنية المعروفة:"يا حبيبي تعالا"(ولا أدري أغنتها أسمهان رحمها الله أم غيرها) إنما هي منقولة النغم من أغنية أوربية، وأنا لا أتزيد فأزعم أن الوزن المقطعي شع على العرب في فخامته الناضجة، كما عرفها الإغريق، أو على طريقة ومنهج واضح حذا عليه الناظم العربي عن قصد وتعمد. وكل ما أريد أن أزعمه هو أن فكرة الوزن بالمقاطع، شعت علي العرب من بريق يوناني فارسي. وتلقوها هم بشغف، وأخذوها وكأنهم لا يشعرون، شأنهم في هذا شأن الصليبين حين أخذوا القافية من العرب. وما إن وجدوا هذه الطريقة المقطعية سبيلها إلى النظم العربي،
(1))) راجع المدخل إلي التوراة لبنتزن ص 119.
(2)
لا يسبقن إلى وهمك يا سيدي أني أريد إلى أن العرب تأثروا بالفرس، الذين تأثروا بالسريان الذين تأثروا بالإغريق. فهذا حدس بعيد. ثم إن السريان لم يزدهر أمرهم بالرها إلا في القرن السادس الميلادي، وفي هذا القرن عاش أمرؤ القيس وعاش قبله المهلهل وجماعة من شعراء ربيعة. فلا بد أن يكون تطور النظم العربي ودخول الوزن المقطعي الكمي فيه، وقد سبق ازدهار السريانية بزمان قديم. وكل الذي أريد إليه هو أن الوزن المقطعي الإغري قيسرى، فأصاب أطرافًا من الأرامية، أدت إلى الوزن المقطعي السرياني، وأصاب أطرافًا من العربية، فأدى إلى الأعاريض العربية المحكمة. وليس الأمر ضربة لازب، أن يحدث الإشعاع الإغريقي في جميع اللغات السامية أثرًا واحدًا. فهي تتفاوت في الجودة والرصانة والقابلية للنماء والآن لا نقول بهذا لما جعل يصح عندنا من أقدامية سبق العرب، والله أعلم.
الذي كان عماده الموازنة والسجع والمزاوجة والتقسيم، حتى أحدثت فيه معجزة التغيير، التي أدت إلى اختراع البحور.
ولعلك تقول لي: إنك استدللت بالسريانية، لتقوي أمر ما تزعمه من تأثر العربية بالمدينة الإغريقية الفارسية. فلماذا تهمل أمر العبرية وتغفل عنه، وأدبها أعظم وأعمق واليهود، من بين سائر الأمم، اتصلوا بالرومان واليونان والفرس اتصالا أقوى وأعنف مما اتصل السريان؟ أليس اليهود قد عاصروا رمسيس وبختنصر وكورش وأباطرة الرومان جميعًا؟ فلماذا لم يقتبسوا الوزن من الإغريق أو الرمان؟ أو من أي أمة عساها أن تكون اقتبسته من هاتين الأمتين؟ لماذا لم يسبقوا العرب إلى الكامل والوافر والبسيط أو شيء نحوهما، إذ قد كانت لديهم أداة التأثر كاملة؟ وهذا الاعتراض يحمل فيطياته عناصر الرد عليه. ذلك أن اليهود أمة في غاية الغايات من المحافظة على التراث القديم والحرص على إبقائه نقيًا، وكانوا أمة ذات كبرياء، معتزة بتواراتها ومزاميرها وأخبار صلحائها، فخزرًا بما خصها الله من النبوة والكتاب. وكانت تأنف من أن تدنس هذه الخاصة التي خصها بها الله، بالزينة التي كانت تراها عند أبناء الغرل والأميين (هكذا كان بنو إسرائيل يسمون غيرهم من الأمم). فهذا فيما أرى هو سر إعراضهم عن أن يأخذوا الوزن عما سمعوه من شعر اليونان وغيرهم. على أن المتأخرين منهم جدًا، لم يستنكفوا أن ينظموا في الوزن المقطعي اللاكمي، وفي أوزان عروضية أخذوها من العرب المسلمين.
وقد كان أهل مشرق الجزيرة العربية، من قبائل ربيعة وتميم وإياد، هم أول من نقل الوزن عن فارس فيما أرى، لقربهم منها، واحتكاكهم بها، وقلة تحفظهم في الأخذ عن مدنيتها، والمحاكاة لها ما استطاعوا. كما قد كان أهل الحجاز هم آخر من استعمل الوزن، وإنما أخذوه من جيرانهم من المجموعة التميمية. ولعلك تقول: إن بعد الحجاز عن فارس، ليس معناه أن الحجاز لم يتصل بالأجانب، فتجارة مكة ورحلاتها الصيفية والشتوية وحدها، دليل كافٍ على أن العرب الحجازيين عرفوا
غيرهم من الأمم وخالطوها. وقد اتصلوا عن كتب بآثار المدينة الرومانية في الشام. ورأوا أملاكا عربا يسيرون سيرة رومية أيام "تدمر" وأيام "غسان" من بعد ذلك ويجاب عن هذا الاعتراض، بأن أهل الحجاز كانوا في جملتهم قوما محافظين، ومحافظتهم هذه كانت دينية السنخ (1).
وإنما نزعم لأنا لا نرتاب في أن العرب قد عرفوا في دهرهم السالف ربا واحدا غيورا، كالذي عرفته يهود. ثم جعلوا يتناسبون غيرته شيئًا، وأشركوا معه أربابا آخرين، أخذهم عن العقائد الوثنية، التي كانت عليها بداية جاهليتهم، والتي رأوها في أمم تجاوزهم. وقد نفر بعضهم من هذا الإله الذي دنسه الإشراك، إلى النصرانية واليهود وغيرها. وبقي أهل الحجاز وحدهم أشد الناس حرصا عليه وتمسكًا به، مع ما خالطه من عناصر الإشراك، لمكان البيت الحرام في ديارهم. وقد ظهر بينهم على توالي العصور هداة وأنبياء يذكرونهم شأن هذا الإله، ويدعونهم إلى عبادته دون غيره، مثل صالح نبي ثمود، عليه السلام، ومثل خالد بن سنان، نبي بني عبس (2)، ومثل جماعة المتألهين الذين كانوا يذكرون دين إبراهيم بمكةـ وقد حفظ لنا الأخباريون أسماء بعضهم، مثل قس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، وعبد المطلب بن هاشم. وكل هؤلاء متأخرو العهد، ولا بد أن قد سبقهم رجال اقتبسوا هم منهم هذا التأله.
هذا، وبعض الحكايات والخبار والآثار المروية، وبعض القصص التي وردت في القرآن الكريم، ترينا مدى الرهبة والخشية التي كان ينظر بها أهل الحجاز إلى البيت المقدس بمكة. من ذلك ما رووه من أن بني جرهم فجروا وغدروا، فسلط الله عليهم أضعف خلقه "الذر"، فلم يبق منهم ولم يذر (3) وأحسب أن أكل الذر لجرهم
(1) نجد في السيرة أن قريشًا اتهمت النبي بأنه كان يعلمه دينه الجديد، رجل من اليمامة، راجع السيرة 1:317.
(2)
العقد: 3: 351.
(3)
راجع مقدمة معجم ما استعجم البكري.
كأنه كناية عن قحط توالت عليهم سنواته. ومن ذلك أن خزاعة بدلت وغيرت، فسلط الله قصي بن كلاب، فانتزع مفاتيح الكعبة من أيديها، وأجلاها إلى الظواهر، ومن ذلك أن أبرهة رام غزو البيت، فبلاه الله بطير أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل. وقد عرف أهل الحجاز عامة بين قبائل العرب، بالحرص على الدين، والتمسك به وعرفت قريش وكنانة وبطون من القبائل الموالية لها خاصة، بشدة التحمس في مراعاة الشعائر والحرمات، وسموا من أجل ذلك بالحمس، وسميت بنو عامر، وهم ليسوا بعيدين في الدار من قريش بالأحامس لتشددهم (1).
أما المجموعة الشرقية من تميم وربيعة وإياد، فلم تكن في مثل هذا التحفظ، بل كانوا سراعًا إلى تقليد الأعاجم، والأخذ عنهم، والاقتداء بهم والأخباريون يروون لنا أن إيادًا بنت الحضر. وأن بعض القائل الأخرى بنت قصورًا عرفت باسم: سنداد، والسدير وبارق والخورنق. وقد ذكر ذلك الأسود بن يعفر النهشلي، في قوله:
ماذا أؤمل بعد آل محرق
…
تركوا منازلهم وبعد إياد
أهل الخورنق والسدير وبارق
…
والقصر ذي الشرفات من سنداد
وقد بنت بنو حنيفة مدينة حجر باليمامة، وبنى كسرى قصرًا لعامله بالبحرين، سماه المشقر، وقد بلغ من تأثر المجموعة التميمية بالأعاجم، أن جماعة منهم سكنوا الحيرة، وعرفوا بإسم العباد، وتعلموا الفارسية، وصاروا يكتبون بها وبالعربية بين يدي كسرى، منهم عدي بن زيد العبادي. وأن فروع تميم صار من مآثرها ومفاخرها أن تحصل على ألقاب، من هذه الألقاب التي كان يطلقها ملوك الفرس والروم على جيرانهم من الأمم المتوحشة، مثل قولهم: أرداف الملوك، يعنون أولئك الرؤساء منهم، الذين كان يستصفيهم صنائع الفرس، مثل المناذرة،
(1) راجع السيرة: 216: 1.
ويستصحبونهم في مواكبهم، وهذا اللقب لا تجده مما كانت تفاخر به القبائل الحجازية مثل غطفان وهوازن وكنانة، ومن طريف ما روته لنا السيرة، أن وفد تميم حين قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أوسعهم شاعره حسان، رضي الله عنه، تبكيتًا وتقريعًا على أنهم كانوا يرتدون زيًا أعجميًا، ذلك قوله:
فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم
…
وأموالكم أن تقسموا في المقاسم
فلا تجعلوا لله ندا وأسلتوا
…
ولا تلبسوا زيًا كزي الأعاجم (1)
ولا شك أنهم قد عرفوا من آلة البذخ الأعجمية، شيئًا كثيرًا غير الزي، يدلنا على ذلك قول عدي بن زيد (2):
يا ليت شعري وان ذو عجة
…
متى أرى شربًا حوالي أصيص (3)
بيت جلوف بارد ظله
…
فيه ظباء ودواخيل خوص (4)
والربرب المكفوف أردانه
…
يمشي رويدًا. كتوقي الرهيص (5)
والمشرف المشمول نسقى
…
أخضر مطموثًا بماء خريص (6)
وقد عاب النقاد قول عدي هذا -ذكر ذلك الآمدي (7) - ينكرون قوله:
(1) سيرة ابن هشام: 232: 4. وراجع خبر وفد الأشعث بن قيس الكندي: 254: 4.
(2)
رسالة الغفران (ابنة الشاطيء): 73.
(3)
الأصيص: الدن.
(4)
قوله: بيت جلوف، يعني: حانة. وكأنه أراد في بيت جلوف، وجر البيت على الإضافة إلى "حوالي" ودواخي الخوص: لعلما عنى بها اسفاط الخوص التي كانت توضع فيها الحناتم، والجرار.
(5)
الربرب المكفوف: أي القيان المكفوفة الأردان، شبهها بالظباء. والرهيص: الذي ينزف، أو أصابه جرح. يصف تكفأهن في مشيتهن.
(6)
المشرف: عني به إبريق الخمر، وخضرته، إما لأنه من خزف وإما لأن ما فيه كان خمرة خضراء، والماء الخريص: هو العذب البارد، واشتقاقه: من السحاب الخريص.
(7)
انظر الموازنة: 33.
"أخضر" بمعرض نعته للخمر. ولو قد تفطنوا قليلا أن عديًا إنما كان يعني ذلك الخزف الأخضر الفارسي المسمى الحنتم، الذي ذكره الشاعر الإسلامي فيما بعد، حيث يقول:
ومن يبلغ الحسناء أن حليلها
…
بفارس يسقى في زجاج وحنتم
أم لعله عنى نوعًا أخضر من الخمر، مما لم تكن تعرفه العرب، وكان يلم به عدي في ديارات النساطرة. ومهما يكن من شيء، فهذا الأخضر الذي يصفه لم يكن للعرب علم به.
ومن ذلك الأعشى (ديوانه: 162):
ولقد أغدو على ذي عتب
…
يصل الصوت بذي زير أبح
فما علمه بالعود ذي العتب والزير الأبح؟ ولفظة الزير خاصة ليست عربية. وهل ترى الأعشى كان يجرؤ على استعمالها: لو لم يتوقع من سامعيه فهم مراده؟ وقل مثل ذلك في كلمة "المزهر" التي يخبرنا العلماء أن أصلها سرياني أو نبطي، ومثلها في ذلك الفعل "ازدهر". ويبدو أن أول استعماله كان في صنعة الغناء. وقد أنشدوا في ذلك (راجع زهر في اللسان) قول القائل:
كما ازدهرت قينة بالشراع
…
لأسوارها عل منها صباحا
وهذا البيت مشرقي بلا أدنى ريب، لما فيه من ذكر الأسوار، وهو اصطلاح مأخوذ من الفرس، يراد به الجندي الرامي بالنبل.
وقد تلطف جرير (المادة نفسها في اللسان) وهو تميمي، مشرقي الأصل، فأشار إلى أصل معنى "ازدهر" الغنائي، في قوله يهجو الفرزدق:
فإنك قين وابن قينين فازدهر
…
بكيرك، إن الكير للقين نافع
أي ترنم بكيوك لانك ابن قين أي حداد وابن قينة أي مغنية تطرب لهذا القين وتطربه فانظر إلى هذه البراعة والبلاغة.
فلعل هذا كله يقوي ما زعمناه، من قلة تحفظ المشارقة، وإسراعهم إلى الأخذ من الأعاجم. ومن شاء أن يستقصى هذا الباب فعليه بأشعار ربيعة وتميم، وخاصة أشعار عدي بن زيد، والمرقشين، والمهلهل، والمخبل السعدي.
ونحن كأنا لا نرتاب أن والوزن المقطعي، مما أخذوه من الأعاجم، أقدموا عليه حذرين متهيبين أول الأمر. ثم وجدوا من طبيعة لغتهم ما يعين على تنميته وتقويته. ومما يدلك على أن الوزن لا بد أن يكون قد بدأ بالمشرق بين ربيعة وتميم وإياد، هذه الأوزان الغريبة الشاذة التي نجدها في منظومهم، ولا نجدها عند شاعر من شعراء الحجاز، مثل كلمة المرقش:
هل بالديار أن تجيب صمم
…
لو أن رسمًا ناطقًا كلم
ومثل كلمة عدي بن زيد (1):
أنعم صباحًا علقم بن عدي
…
أثويت اليوم لم ترحل
وهذا الوزن، كان كثيرًا عندهم، رويت منه كلمات لعدي والمرقش والأعشى، ولم يرد منه شيء لزهير والنابغة وعامر بن الطفيل وطفيل الغنوي ولبيد بن ربيعة. وكذلك وزن المرقش:
لابنة عجلان بالجو رسوم
…
لم يتعفين والعهد قديم
وهذا كما ترى "بسيط" في طور التكوين. ولا تجد من نحوه مثلا واحدًا فيما وصلنا من الشعر الحجازي.
(1) رسالة الغفران: 83.
وقد ذكرنا لك في كتابنا الأول، أن البحر الخفيف والكامل الأحذ والمنسرح، كلها مما جاء كثيرًا في أشعار ربيعة، ولم يجيء منه إلا النادر، وذلك بأخرة، في شعر الحجاز (1). وقل مثل ذلك في بحر المديد، الذي في كلمة عدي:
يا سليمى أوقدي النارا
…
إن من تهوين قد حارا
فهذا لم يجيء منه شيء في شعر زهير والنابغة والذين ذكرنا من شعراء الحجاز، وجاء في شعر امريء القيس، وهو رجل عرف مشرق الجزيرة، وعاش فيه دهرًا مع عمه شرحبيل، بين بني دارم، ولا تنس بعد أنه كندي، وأن جده الحارث آكل المرار، إنما غزا العرب من صقع عمان.
ومما هو جدير بالملاحظة، أن هذه الأوزان التي لم يستعملها أهل الحجاز إلا أخيرًا، أو لم يستعملوها قط، تمثل طورًا بدائيًا، بالنسبة إلى أوزان أكمل منها، كالذي نجده في قول المرقش "لابنة عجلان"، وفي كلمة عدي:
أنعم صباحًا علقم بن عدي
…
أثويت اليوم لم ترحل
وكلمة الأعشى (2):
أقصر فكل طالب سيمل
وهذا كله شيء بين الكامل الأحذ والسريع، كما قلنا من قبل (3).
وبعضها يمثل نهجًا فيه عسر على أسلوب الموازنة العربي، كبحر المنسرح وبحر الخفيف، إذ ليست أجزاؤها ستة متساوية، كما في البحر الكامل:
متفاعلن متفاعلن متفاعلن
(1) المرشد إلى فهم أشعار العرب (1955) راجع: 170، 188، 205.
(2)
ديوانه: 189.
(3)
راجع المرشد: 175: 1 في الهامش.
أو ثمانية متساوية، كما في البحر الطويل والبحر البسيط، أو ستة كالمتساوية، كما في البحر الوافر.
ويؤيد هذا الحدس الذي نحدسه، من أن الشعر الموزون بدأ في مشرق الجزيرة، وانتقل من بعد إلى الحجاز، ما يذكره لنا الرواة من أن أول من هلهل القصائد هو المهلهل الربعي. وما أجمعوا عليه من أن الشعر بدأ في ربيعة، وانتقل إلى اليمن، يعنون امرأ القيس، ثم انتقل إلى تميم، ثم منهم إلى قيس بالحجاز. وكلهم قد أجمعوا على أن حظ قريش من الشعر لم يكن كبيرًا (1).
ولعلك تسأل بعد، كيف انتقل الوزن من مشرق الجزيرة إلى مغربها. والجواب عن هذا ليس بعسير. فقد كانت للعرب أسواق تقام طول العام، تبدأ من دومة الجندل، ثم تنتقل إلى اليمامة والبحرين وحضرموت، ثم تصل إلى اليمن، ثم من بعد إلى الحجاز، وتوافي هناك الأشهر الحرم. وقد صور لنا أبو حيان التوحيدي، في كتابه الإمتاع والمؤانسة، صورة، لا تدع مجالا للشك في أن الاختلاط كان شديدًا بين مجموعة تميم ومجموعة الحجاز، بحيث أمكن كل واحدة منهما أن تؤثر في الأخرى تأثيرًا عظيمًا (2). وقد استدل أبو حيان من كثرة أسواق العرب وانتظامها لأكثر أصقاع الجزيرة، واتصال مواسمها، وتكررها من عام إلى عام، على أن العرب قد كانوا في باديتهم متحضرين. وهذا رأي جيد منه، ويقوي ما نحن بصدد زعمه، من أن تبادل المعارف والأساليب، كان أمرًا شائعًا بينهم، ومن طريقه كونوا لغتهم الفصحى وشعرهم الرصين (3) ويخيل إلي أن الأوزان الركائك التي استحدثها الربعيون مثل
(1) راجع العمدة: 69: 1 - 73، ومقدة الطبقات لابن سلام.
(2)
راجع الإمتاع والمؤانسة، الجزء الأول، الليلة السادسة.
(3)
مما يبعث الدهش والتعجب أن أكثر مؤرخي اللغة العربية المتأخرين، ولا سيما في عصرنا هذا، يزعمون أن اللغة الفصحى، بما نراه من شعرها الجاهلي المحكم، تفرعت من لهجة قريش. لا، بل إنها هي لغة قريش ذاتها، انتشرت بين القبائل، وصارت عمود التخاطب. ولعمري إني لأعجب لقوم لم يكن منهم امرؤ القيس ولا المهلهل ولا النابغة ولا زهير، ولا شاعر واحد ذو بال، كيف تسنى لهم أن يفرضوا لهجهم على الجزيرة؟ والراجح عندي أن اللغة الفصحى إنما نشأت بعد مجهود طويل، بذلته طبقات العلية من كلتا المجموعتين الحجازية والتميمية، في إحكام صناعتي النظم والقريض. ولعله لم يكن يتكلم بها إلا من كانوا على حظ من الثقافة في ذلك الزمان السحيق. وأحيل القارئ بعد على كل كتاب رابين Rabin المسمى Ancient western Arabian ففيه آراء لا تخلو من طرافة. ولماذا رابين؟ هذا سيبويه يتحدث عن لغة أهل الحجاز ويصفها بأنها القدمى ويصف لغة تميم أنها أقيس وذكر علماء اللغة طعنا في لغات من جاور العجم من العرب إلا عبد القيس فقد وصفت بالفصاحة وديارها بالبحرين وشاطئ أوال وبعد ذلك عن ديار قريش وأهل الحجاز لا يخفى فتأمل.
الكامل الأخذ، وأوزان المرقش وعدي، وقول الآخر:
لو وصل الغيث لأبنينا امراً
…
كانت له قبة سحق بجاد
يخيل إلي أن هذه الأوزان لم تلبث أن نفحتها ريح التقسيم والموازنة القوية، وهي التي كانت غالبة على أساليب الحجاز، فأفادتها قوة أعانتها على التطور والنضج. ولعلك إن نظرت إلى بنية الكامل، عندما كان أخذ ومضمرا هكذا:
متفاعلن متفاعلن فعلن
وبنيته حين تم صار:
متفاعلن 6
تجد مصداق ما نقول. فإن (متفاعلن متفاعلن) اقرب وأنسب لأن يقع فيه قسيم يتبعه آخر مثله، ثالث من (متفاعلن متفاعلن فعلن).
وأوضح من هذا بحر الطويل وبحر البسيط. فهما من مطاوعة الموازنة والتقسيم بمكان يوهم أنهما إنما تفرعا عن الأقسام القديمة بالفطرة والطبيعة من دون مؤثر خارجي خذ مثلا قول امرئ القيس:
بلاد عريضة وأرض أريضة
…
مدافع غيث في قضاء عريض
وخذ قول الهذلي (1):
شدوا على القوم، فاعتطوا أوائلهم
…
جيش الحمار، ولاقوا عارضًا بردا
فالطعن شغشغة، والضرب هيقعة
…
ضرب المعول تحت الديمة العضدا
وللقسي أزاميل، وغمغمة
…
حس الجنوب تسوق الماء والبردا
ومن كلام هذيل في تقسيم الطويل، قول ساعدة بن جؤية (2):
ومشرب ثغر للرجال كأنهم
…
بعيقاته هدءا سباع خواشف
أي مارة مرا سريعًا.
به القوم، مسلوب قليل، وآئب شماتا، ومكتوف أوانا، وكاتف
وقوله من أخرى:
فجال وخال أنه لم يقع به
…
وقد خله سهم، صويب، معرد
وهذا من الشعر الناضج، إلا أنه يحمل آثار التقسيم كما ترى. وتقسيم امرئ القيس الذي استشهدنا به من قبل، أقرب إلى النهج القديم، الذي إنما هذه آثاره.
وانظر في هذا الطراز من كلام أبي المثلم (3):
أصخر بن عبد الله، إن تك شاعرًا،
…
فإنك لا تهدي، القريض لمفحم
أصخر بن عبد الله، قد طال ما ترى
…
ومن لا يكرِّم، نفسه لا يُكرَّم،
أصخر بن عبد الله، من يغو سادرًا
…
إليك ارتجاعي، أفندي وتسلمي
(1) ديوان الهذليين، دار الكتب 1945 (القسم الثاني) 40 - 41 وقوله: اعتطوا: أي شقوا وجيش الحمار: زعموا أنه كان معهم حمار. والشغشغة والهيقعة: كل ذلك حكاية لصوت الطعن والضرب. والمعول الذي يبني عالة، والعالة: شجر يقطعه الراعي فيستظل به. والأزاميل جمع أزملة، وهي الدوي.
(2)
نفسه: 224: 1.
(3)
نفسه: 226: 2.
وشبيه هذا، وفي توخي الجزء من البيت، وموازنته بقطع واضحة من الكلام، قول مالك بن خالد الخناعي الهذلي (1):
فدى لبني لحيان، أمي وخالتي،
…
بما ما صعوا بالجزع، رجل بني كعب
ولما رأو نقرى، تسيل إكامها،
…
بأرعن جرار، وحاملة غلب،
فضاربهم قوم، كرام أعزة،
…
بكل خفاف النصل، ذي ربد عضب
فما ذر قرن الشمس، حتى كأنهم
…
بذات اللظى خشب، تجر إلى خشب
كأن بذي دوران، والجزع حوله
…
إلى طرف المقراة، أرغية السقب
أي كأن سقب السماء رغا على من بهذه المواضع فأهلكم.
ويجري هذا المجرى، من كلام هذيل في البحر البسيط، قول صخر الغي يهجو أبا المثلم (2):
أبا المثلم، إني غير مهتضم،
…
إذا دعوت تميمًا، سالت المسل،
أبا المثلم أقصر، قبل فاقرة،
…
إذا تصيب سواء الأنف تحتفل،
أي ينكشف العظم منها.
أبا المثلم، قتلي أهل ذي خنب،
…
أبا المثلم، والسيء الذي احتملوا
يذكره بهؤلاء القتلى والسيء من الأمر الذي احتملوه.
أبا المثلم، لا تخفرهم أبدًا،
…
حتى الممات، ولا تنس الذي فعلوا
أبا المثلم مهلًا، قبل باهظة،
…
تأتيك مني، ضروس، نابها عصل
أبا المثلم، إني، ذو مبادهة،
…
ماض على الهول، مقدام الوغي، بطل
(1) نفسه: 15: 3 - 16.
(2)
وفي السيرة أبيات غير مستقيمة الوزن تجري هذا المجرى، راجع 230: 1 و 79: 4 و 199: 4.
وهذا الذي تمثلنا به كله، يبين لك قوة ما بين الموازنة المجارية للتقسيم، والموهمة له، وما بين هذين البحرين الطويل والبسيط، فأنت ترى الشاعر فيه، إما يقسم عند كل جزء، وإما يشير إلى التقسيم بما يتعمده من الموازنة.
ومما يلفت النظر كثرة هذه الأصناف التي يجيء فيها التكرار والإيهام والسجع عند هذيل (1). وهذيل كانوا في طرف الحجاز مما يتاخم نجدًا شرقي مكة والطائف، وكانوا موغلين في البداوة والتأبد، وكانوا يسعون إلى الأسواق ولا تسعى إليهم. فهم بهذا كانوا أبعد من التأثير المشرقي التميمي، إذا قسناهم بالقبائل الكبيرة مثل غطفان والقبائل التي كانت تسكن في مكة وحلولها، وفي الطائف وحولها. وكأن الوزن المشرقي، لما وصلهم من إخوانهم الحجازيين ولما سمعوا ذرءً منه في الأسواق، غبر زمنًا بينهم وهو ممزوج بالأصناف التقسيمية التوازنية، الصارخة الظاهرة، الغالبة عليها دندنة التأبد والوحشية.
وبنو أسد يشبهون هذيلًا شيئًا، من ناحية انتحائهم عن الحجاز، ومتاخمتهم نجدًا، وبعدهم عن سبيل الأسواق، فقد كانوا يسكنون قريبًا من ناحية أجأ وسلمى وذانك معدودان في طرف الحجاز، متوسطين (إلى الجانب النجدي) بين غطفان وطيء. وقد ترك لنا بنو أسد أثرًا شعريًا مهمًا للغاية، يدل على غلبة التقسيم في مذهبهم، وهو قصيدة عبيد بن الأبرص المعلقة:
أقفر من أهله ملحوب
…
فالقطبيات فالذنوب
وقد عاب قدامة هذه القصيدة من جهة الوزن (نقد الشعر 107)، وذكر أن عبيدًا أسرف في تخليعها، وفي مداومة الزحاف، حتى لم يكد يسلم منه فيها بيت واحد واستشهد بقوله:
(1) وفي أبيات غير مستقيمة تجري هذا المجرى، راجع: 230: 2، 4، 79، 199.
والمرء ما عاش في تكذيب
…
طول الحياة له تعذيب
وقال: "هذا معنى جيد، إلا أن وزنه قد شانه، وقبح حسنه، وأفسد جيده". ولو قد أحسن قدامة التأمل، لوجد أن شاعر هذه القصيدة أجراها على التقسيم والموازنة، مشربًا لها روح الوزن البسيط المخلع، وهو وزن لم يستقر في فؤاده، يدلك على ذلك توفيقه إليه في نحو قوله:
وكل ذي غيبة يئوب
…
وغائب الموت ولا يئوب
من يسأل الناس يحرموه
…
وسائل الله لا يخيب
ولعل امرأ القيس أعجبه اضطراب عبيد الجاري على الموازنة والتقسيم، فباراه بكلمته:
عيناك دمعهما أوشال
…
كأن غربيهما سجال (1)
وقد وقع عروة بن الورد في قريب مما وقع فيه عبيد، إذ حاول الوزن الكامل الأحذ، وهو وزن مشرقي لم يستقر في قلبه، فما كان منه إلا أن مزجه بالتقسيم، فجاء له منه هذا البيت الذي رواه قدامة:
ونكحت راعي ثلة يثمرها
…
والدهر فائته بما يبقي
فعجز هذا جار على الكامل الأحذ، إلا أن صدره جار على الموازنة والتقسيم.
وقد اتصل امرؤ القيس ببني أسد اتصالا شديدًا، وظهرت أوائل خلاعته وهو بين ظهرانيهم، فطرده أبوه كما يروي الرواة، فجعل يتنقل بين مياه العرب، ويأوي أحيانا إلى عمه شرحبيل بين بني تميم. ولا شك أن امرأ القيس قد علق بفؤاده من التقسيم والموازنة التي رآها عند بين أسد، شيء كثير، وشعره ناطق بذلك، إذ لا تجد
(1) لنا عودة إلى بائية عبيد في الجزء الرابع إن شاء الله.
بين الشعراء الفحول، أحدًا يشبهه في الإكثار منه، وقد قدمنا لك شواهد من كلامه، ودونك هذا الشاهد، زيادة على ما سبق (1) وتأمل فيه موضع الموازنة التي توهم القسمة، والقسمة التي تجري معها الموازنة:
ألما على الربع القديم، بعسعسا،
…
كأني أنادي أو أكلم أخرسا
وفيها يقول:
تأوبني دائي القديم، فغلسا،
…
أحاذر أن يرتد دائي، فأنكسا
فيا رب مكروب، كررت وراءه،
…
وطاعنت عنه الخيل، حتى تنفسا،
ويا رب يوم قد، أروح مرجلًا،
…
حبيبًا إلى البيض، الكواعب، أملسا،
يرعن إلى صوتي، إذا ما سمعنه،
…
كما ترعوي عيط، إلى صوت أعيسا
أراهن لا يحببن، من قل ماله،
…
ولا من رأين الشيب، فيه وقوسا،
وما خفت تبريح الحياة، كما أرى،
…
تضيق ذراعي أن أقوم، فألبسا،
فلو أنها نفس، تموت سوية،
…
ولكنها نفس، تساقط أنفسا
وبدلت قرحًا داميًا، بعد صحة،
…
فيالك من نعمى، تحولن، أبؤسا،
وهاك مثالا آخر لتقسيمه وموازنته أوضح من هذا (2):
تروح إذا راحت، رواح جهامة،
…
بإثر جهام، رائح، متفرق
كأن بها هرا، جنيبًا تجره،
…
بكل طريق، صادفته، ومأزق
كأني، ورحلي، والقراب، ونمرقي،
…
على يرفئي، ذي زوائد، نقنق
واليرفئي: ذكر النعام شبه به ناقته.
تروح من أرض، لأرض نطية،
…
لذكرة قيض، حول بيض، مفلق
(1) مختارات الشعر الجاهلي: 65 - 66.
(2)
مختارات الشعر الجاهلي: 93.
هذا، وأحسب أن بحري الطويل والبسيط، إنما صارا أجل بحور الشعر العربي، وأعمرها بالنغم، وأصلحها للكلام القوي الجزل الفحل، لما اجتمع فيها من رصانة الموازنة بكامل أداتها، وتمام الوزن كما أخذ في أصله من المشارقة، وصلاحية أرباعها للأقسام، وإيهام الأقسام، كما ترى، جعلهما من أحب الأوزان إلى الحجازيين وأعلقها بآذانهم، ولعل الحجازيين أن يكونوا هم الذين اخترعوهما في صيغتهما الكاملة، بعد أن وصلتهم أصولهما من المشرق. ويقوي هذا ظهور التقسيم واضحة في الأمثلة التي ذكرناها من شعر هذيل ولا سيما الرصع المسمط منه، وفي شعر امرئ القيس ولا سيما المسجع والمزاحف منه، ولعله أخذه عن بني أسد (1).
وقد لبس الطويل والبسيط في شعر النابغة وتزهير أبهتهما كاملة. وإنك لتجد هذين الشاعرين اللذين تنكبا البحور القصار والخفيف والمنسرح كل التنكب، (ربما لعدم الثقة من أنفسهما أن سيحكمان أوزانها)، قد بلغا من تصنيع الطويل والبسيط المبلغ الذي لا بعده. فقد كانت روح الموازنة الحجازية الراقية، لا البدوية الخشنة، كالتي كانت عند أسير وهذيل وسليم، راسخة في نفوسهما وأنفس الذين عنها أخذوا، فتجد النابغة مثلاً، زوج هذه الموازنة إلى أشطار الطويل، في الأكثر الغالب، لا إلى أقسامه، وتعمد بذلك أن يجري هذا البحر إجراء يوهمك به أنه من قبيل النظم التوازني القديم، برغم القافية ورصانة الوزن وإحكامه، تأمل قوله (2):
وإني لألقى من ذوي الضغن منهم،
…
وما أصبحت تشكو من الوجد ساهره
كما لقيت ذات الصفا من خليلها،
…
وما انفكت الأمثال في الناس سائره
فقالت له أدعوك للعقل وافياً،
…
ولا تغشيني منك بالظلم بادره،
(1) أوهم أخذوه عنه والله أعلم.
(2)
نفسه: 256.
فوقها بالله حين تراضيا،
…
فكانت تديه المال غباً وظاهره
فلما توفي العقل إلا أقله،
…
وجارت به نفس عن الحق جائرة
تذكر أنى يجعل الله جنة،
…
فيصبح ذا مال ويقتل واتره
وأراد بالعقل هنا: الدية. ولعلك تأملت هنا كيف جعل شطر البيت قسيماً، حتى إنك لو حذفت الوزن لم يفسد ذلك ما جاء به من الموازنة. ونحو هذا قوله (1):
أتاني أبيت اللعن أنك لمتتني،
…
وتلك التي تستك منها المسامع،
مقال أن قد قلت سوف أناله،
…
وذلك من تلقاء مثلك رائع،
لعمري وما عمري علي بهين،
…
لقد نطقت بطلا علي الأقارع،
أقارع عوف لا أحاول غيرها،
…
وجوه قرود تبتغي من تجادع
وفيها:
فإن كنت لاذو الضغن عني مكذب
…
ولا حلفي على البراءة نافع
ولا أنا مأمون بشيء أقوله،
…
وأنت بأمر لا محالة واقع،
فإنك كالليل الذي هو مدركي،
…
وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
فالموازنة ناصعة بينة في كل هذا، وكأن الكلام سيق من طريقها، لا من طريق الوزن.
ومذهب زهير، كما قدمنا لك منه طرفاً في بحر البسيط، يعتمد على المواقف الخفية، وفي الطويل يدخله تقسيم المواقف الواضح نوعاً ما، والموازنة التي تكاد توهم التقسيم، مع مراعاة الموازنة الكبرى، التي تكون بين شطري البيت على أسلوب النابغة. وهاك مثلاً قوله:
إذا السنة الشهباء بالناس أجحفت،
…
ونال كرام المال في الجحرة الأكل
رأيت ذوي الحاجات عند بيوتهم،
…
قطيناً لهم، حتى إذا نبت البقل،
(1) نفسه: 203 - 204.
هنالك إن يستخبلوا المال، يخبلوا
…
وإن يسألوا يعطوا، وإن ييسر وايغلوا،
وفيهم مقامات حسان وجوهم
…
وانديه ينتابها القول والفعل
على مكثريهم رزق من يعتريهم،
…
وعند المقلين، السماحة والبذل،
وهكذا بلغ النظم الذي لعله بدأ موازنة وتقسيماً في الدهر السالف، ودخله الوزن من طريق ربيعة وإياد وتميم، كماله وغاياته، بعد أن تزاوجت فيه الموازنة، بالوزن المقطعي الكمي التزاوج التام، واستخدما التقسيم خفياً وجلياً بين أيديهما وصيفاً ومنصفاً وساعياً ومبارياً.
ولما بلغ الوزن هذا الإحكام، تم معه أيضاً إحكام البيان، على الأسلوب الرمزي، الذي يستهل بشجن النسيب ثم يسيح في الفلوات، ثم يخلص بعد ذلك إلى الغرض المراد، خلاص لا يراد منه الإفصاح، كما يراد الترنم والإيماء. وكان هذا الأسلوب الرمزي، مع ما يمازجه من الانسجام الموسيقي اللفظي المركب، يعكس صورة هذه البداوة المتحضرة في وثنيتها، التي نسيت الإله الغيور الفرد ذا الحرم المقدس بمكة، وعكفت على بطولة قوامها فضائل مستمدة من الفطرة السحيقة والمدنيات الكافرة المجاورة. وحتى أهل الحجاز المحافظون قد بلغهم نضج هذه الوثنية، فضربوا في غمرتها بسهامهم. ألم ينتقل الشعر من تميم إلى قيس؟ أم لم يصر النابغة وزهير وأوس هم فحول الشعراء لا يزاحمهم في ذلك إلا الأعشى، الذي كان على ربعيته شاعراً جوالاً، يمدح سادات قيس، ويدخل في منافراتهم، ويتاح رفدهم، ويباري شعراءهم؟
لا، بل حتى قريش الحمس حقاً الذين كانوا أقل الناس نصيباً من الشعر، قد أصابتهم موجة هذه البلاغة الوثنية الناضجة، فجعل ينبت بينهم الشعراء، الذين ينظمون في الطويل والوافر - أليس يخبرنا أصحاب السير، أنهم تعاضدوا على هجاء النبي صلى الله عليه وسلم؟ ألا يذكرون عبد الله بن العري وأبا عزة الذي أسر ثم
غدر؟ أم لا ينسبون لامية طويلية إلى أبي طالب، توشك، على ما داخلها من منحول، أن تبلغ مبلغاً حسناً، ولا شك أن عدداً من أبياتها صحيح؟ (السيرة? : 286)
لقد كان المسرح مهيئاً لثورة دينية كبيرة، تهز هذا الرضا المشرك الذي عم الجزيرة العربية. وقد جعلت بوادر هذه الثورة تبرز دفعاً دفعاً، يحمل ألويتها هؤلاء الديانون، والمأهون، والأنبياء المضيعون، أمثال خالد بن سنان، ثم انفجرت في تيارها الذي اجتاح أمامه كل شيء، حين أسفر نور سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، يدعو إلى الإسلام، دين إبراهيم القديم، ويهيب بالناس إلى عبادة الله الواحد الفرد الصمد الذي لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك، ويحمل في بين يديه القرآن كتاباً عربياً مبيناً، يتحدى الفصحاء والبلغاء، ويهزأ بالكهان والشعراء، وإذا تأملت هذا الكتاب الأزلي القدمي، كما تأمله الوليد بن المغيرة وأبو جهل والنضر بن الحارث وصناديد صريش، وجدته كما وجدوه، ينكر الشعر، ولا يستعمل من أساليب النظم البلاغي، غير الموازنة، بإجمالها وتفصيلها، موافقتها ومخالفتها، وتدرجها وتبلجها تلك الموازنة التي نزلت بها ألواح موسى، ونطقت بيانها مزامير داود، وكان بها دعاء إبراهيم الخليل. إذ يرفع القواعد من البيت هو وإسماعيل، فهل عجيب أن بهرهم ودحرهم، وأن رأوا منه الإعجاز الذي ليس كمثله إعجاز!