الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
آراء القدماء في التقسيم
لعل القارئ قد فطن أن التعريف الذي ذكرناه في التقسيم، يختلف كثيرًا عن تعريف القدماء له. والغالب على مذهب القدماء، أنهم لم ينظروا إلى التقسيم من حيث كونه أمرًا جرسبًا، ولكن من حيث كونه أمرًا يتعلق بالمعنى. وقد عرفه بعضهم بأنه "استقصاء الشاعر جميع أقسام ما ابتدأ به"(1) - روى ذلك ابن رشيق، وذكر شاهدًا عليه قول بشار بن برد:
بضرب يذوق الموت من ذاق طعمه
…
ويدرك من نجى الفرار مثالبه
فراح فريقٌّ في الإسار ومثله
…
قتيلٌ ومثل لاذ بالبحر هاربه
قال: "فالبيت الأول قسمان: إما موت، وإما حياة تورث عارًا ومثلبةً؛ والبيت الثاني ثلاثة أقسام: أسيرٌ، وقتيل، وهارب، فاستقصى جميع الأقسام" اهـ. وأقول لو جاز لنا أن نقبل هذا الذي ذكره ابن رشيق من تعريف التقسيم، للزمان أن نصف الكلام كله بأنه تقسيم، لأن صاحبه لا يخلو من طلب الاستقصاء، وتنويع وجوه الآراء. وهذا أمرٌ مركبٌ في طباع البشر، يستدل عليه بالمشاهدة. وقد تنبه ابن رشيق إلى هذا الضعف في التعريف الذي ذكره، فاستدرك بأن اشترط لجودة التقسيم أن يكون جامعًا لكل أقسام ما عليه مدار الحديث في المعاني، مثل قول أبي العتاهية:
وعلي من كفلي بكم
…
قيدٌ وجامعةٌ وغل
قال: "فأتى على جميع ما يتخذ للمأسور والمجنون، ولم يبق قسمًا
…
هذا وأمثاله فيما قدمت هو الجيد من التقسيم. وأما ما كان في بيتين أو ثلاثة، فغير عاجز عنه كثيرٌ من الناس" (2). اهـ. وهذه الجملة الأخيرة هي محل استشهاد من حديث ابن رشيق.
(1) راجع العمدة 2: 20.
(2)
نفسه 2: 21.
وبعد فانه لا يخفى أن التقسيم بحسب ما عرفه ابن رشيق وأضرابه كالعسكري (1)، يختلط أمره بالمقابلة. ولذلك ما زعم ابن رشيق في حديثه عن المقابلة أنها بين الطباق والتقسيم. وكأنه أراد بهذا الوصف الدقيق الرشيق، أن يقيس مالا يمكن أن يقاس. وقد سبق لنا أن ذكرنا تعريف القدماء للمقابلة، بأنها إعطاء كل شيء حكمه. فهل ترى هذا، وبين قولهم في التقسيم إنه استقصاء الشاعر أقسام ما ابتدأ به، كبير فرق؟
وإذا نظرت في أبيات بشارٍ السابقة، تنتقد حكم ابن رشيق وأصحابه عليها، وجدت أن الذي زعموه من تقسيم في البيت الأول:
بضربٍ يذوق الموت من ذاق طعمه
…
وتدرك من نجى الفرار مثالبه
ليس بتقسيم حقًا، وإنما هو مقابلة بين الموت والحياة الذليلة، يشفعه توازن بين المصراعين الأول والثاني. وأما البيت الثاني:
فراح فريقٌ في الإسار ومثله
…
قتيلٌ ومثل لاذ بالبحر هاربه
ففيه تقسيم، ولكنه ليس في تعداد حالات الفرار والإسار والقتل كما زعموا، وإنما في هذه الموقف اللسانية، التي جزأ الشاعر عليها وزن بيته.
وتأمل هذا المثال مما يستشهدون به على التقسيم، وهو وصف امرئ القيس للفرس:
إذا أقبلت قلت دباءةٌ
…
من الخضر مغموسةٌ في الغدر
وإن أدبرت قلت أثفيةٌ
…
ململمةٌ ليس فيها أثر
وأن أعرضت قلت سرعوفةٌ
…
لها ذنبٌ خلفها مسبطر
(1) راجع الصناعتين: 341 الخ.
وقد استشهدنا بهذه الأبيات من قبل، وشرحناها في معرض الحديث عن الجناس الازدواجي، وبينا موضع التكرار فيها، ومكان التوازن بين أقبلت وأدبرت.
وعندي أن وصف الشاعر لحالات الفرس المختلفة، كما فعل امرؤ القيس، ليس بتقسيم، وإنما هو موازنة ومقابلة. ومن عجبٍ للقدماء عدهم هذا ونحوه تقسيمًا؛ والمقابلة - وهي كما وصفوها إعطاء كل شيء حكمه - أصدق عليه. والتقسيم في هذه الأبيات، لو تأملته، قليل، وهو عند مواقف اللسان، في: أقبلت، وأدبرت، وأعرضت. وأحسب أن الذي راع الأوائل من كلام امرئ القيس هذا، هو عنصر الموازنة الناشئة من المقابلة والتكرار والطباق والتقسيم في أوائل الأبيات. وكأن ابن رشيق "فطن لهذا حين سمي كلام امرئ القيس لمذكور، تنسيقيًا، ذلك حيث يقول: "ولو لم يكن إلا تنسيق هذا الكلام بعضه على بعض
…
الخ"
قد شهدت حقيقة التقسيم على النقاد، واختلط أمرها عندهم اختلاطًا شديدًا بالمقابلة والموازنة، جعلهم يستكثرون من المصطلحات، كل ذلك محاولة للتوضيح ودفع الالتباس، فلم يكن من هذه المصطلحات إلا أن زادت الأمر تعقيدًا. من ذلك تسميهم لنحو قول أبي العميثل الأعرابي:
والطف ولن وتأن وارفق واتئد
…
واحزم وجد وحام واصل واقطع
تقطيعًا، وقد ذكرناه في باب الحديث عن الجناس. وقد خلطوا بينه وبين التقطيع في نحو قول ديك الجن.
حر الإرهاب وسميه، بر الإياب كريمه، محض النصاب صميما ومن ذلك ما سماه قدامة "التوشيح"، وسماه ابن رشيق التسهيم، وقد اضطرب فيه ابن رشيق، فزعم أن منه ما يشبه المقابلة (1). مثل قول جنوب أخت
(1) العمدة 2: 30.
عمرو ذي الكلب الهذلية:
فأقسم يا عمرو لو نبهاك
…
إذن نبها منك داءً عضالا
إذن نبهات ليث عريسةٍ
…
مفتيا مفيدًا نفوسًا ومثالا
وخرقٍ تجاوزت مجهولةٍ
…
بوجناء حرفٍ تشكي الكلالا
فكنت النهار به شمسه
…
وكنت دجى الليل فيه الهلالا
ثم زاد به الأمر إضرابا، فخلط بين التسهيم والترديد الذي ذكرناه في باب الحديث عن التكرار، قال: "وسر الصنعة في هذا الباب: أن يكون معنى البيت مقتفيًا قافيته، وشاهدًا بها، دالا عليها، كالذي اختاره قدامة للراعي وهو قوله:
وإن وزن الحصى فوزنت قومي
…
حدت ثرى ضريبتهم رزينا
فهذا النوع الثاني، هو أجود من الأول، للطف موقعه اهـ. وعني بالأول ما رأيته من قول جنوب، أخت عمرو ذي الكلب.
ومن اصطلاحاتهم التي تدل على التباس الأمر عليهم، ما سماه ابن رشيق "باب التفسير"، قال: "وهو أن يستوفي الشاعر شرح ما ابتدأ به مجملًا، وقلما يجيء هذا إلا من بيت واحدٍ، نحو قول الفرزدق، واختاره قدامة:
لقد جئت قومًا لو لجأت إليهم
…
طريد دمٍ أو حاملًا ثقل مغرم
لألفيت منهم معطيًا ومطاعنا
…
وراءك شزرًا بالوشيج المقوم
هذا جيدٌ في معناه، إلا أنه غريب مريب، لأنه فسر الآخر أولا، والأول آخرًا، فجاء فيه بعض التقصير والإشكال. على أن من العلماء من يرى أن رد الأقرب على الأقرب، والأبعد على الأبعد، أصح في الكلام. اهـ. وأقول مستطردًا: لله ابن رشيق كيف يجرح ويأسو!