المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

لو لم تخنه نفيلٌ، وهي خائنةٌ، … ألم بالقوم وردٌ - المرشد إلى فهم أشعار العرب - جـ ٢

[عبد الله الطيب المجذوب]

فهرس الكتاب

- ‌ الجزء الثاني/في الجرس اللفظي)

- ‌[تقدمة الجزء الثاني]

- ‌الإهداء

- ‌كلمة شكر للدكتور طه حسين

- ‌اعتراف وتقدير

- ‌خطبة الكتاب

- ‌الباب الأولالجرس

- ‌فصاحة الكلمة والكلام

- ‌أصول الألفاظ:

- ‌الألفاظ والبيئة:

- ‌الزمن:

- ‌الزمن وتطور الأخلاق:

- ‌المكان:

- ‌الطبقات:

- ‌المودة:

- ‌المزاج والألفاظ:

- ‌مقاييس الألفاظ:

- ‌ضرورة التحسين:

- ‌الباب الثانيحقيقة الجمال

- ‌حقيقة الانسجام:

- ‌الانسجام في لفظ الشعر

- ‌أركان الرنين

- ‌المطلب الأول

- ‌1 - التكرار المحض:

- ‌ التكرار المراد به تقوية النغم

- ‌خلاصة:

- ‌التكرار المراد به تقوية المعاني الصورية:

- ‌قصيدة مالك بن الريب:

- ‌التكرار الصوري في الرحلة والسفر

- ‌التكرار الصوري في المدح والفخر

- ‌التكرار المراد به تقوية المعاني التفصيلية

- ‌خاتمة عن التكرار

- ‌المطلب الثانيالجناس:

- ‌أصناف الجناس الازدواجي

- ‌أصناف الجناس السجعي

- ‌السجعي الاشتقاقي

- ‌الجناس السجعي المتشابه:

- ‌الجناس الموهم:

- ‌الجناس التام:

- ‌مذهب أبي تمام:

- ‌مذهب البحتري في الجناس:

- ‌بعد البحتري

- ‌المتنبي

- ‌أبو العلا المعري

- ‌المعري وبغداد

- ‌المعري وشيطان اللغة:

- ‌انتقام المعري

- ‌المعري والجناس

- ‌خلاصة:

- ‌خلاصة عن قيمة الجناس، من ناحية الجرس:

- ‌المطلب الثالثالطباق:

- ‌آراء القدماء في المطابفة

- ‌أنواع الطباق

- ‌الخطابة والإخبار:

- ‌كلمة عن الطباق:

- ‌خلاصة:

- ‌المطلب الرابعالتقيم

- ‌آراء القدماء في التقسيم

- ‌أنواع التقسيم:

- ‌التقسيم الواضح

- ‌وقفة عند المتنبي

- ‌التقسيم والموازنة:

- ‌تطور التقسيم والموازنة:

- ‌تعقد الموازنة في الشعر العربي

- ‌خلاصه عن التقسيم والموازنة

- ‌خاتمة عن النظم

- ‌تعقيب على الخاتمة

- ‌تذييل

الفصل: لو لم تخنه نفيلٌ، وهي خائنةٌ، … ألم بالقوم وردٌ

لو لم تخنه نفيلٌ، وهي خائنةٌ،

ألم بالقوم وردٌ منه، أو صدر

وراد حربٍ، شهابٌ يستضاء به،

كما يضيء سواد الطخية القمر،

والشطر الأول تقسيمه واضحٌ كما ترى. وفيه صيحةٌ آيسةٌ من صيحات النوح.

إما سلكت سبيلا، كنت سالكها

فاذهب، عليك سلام الله، منتشر

وهذا هو المقطع، وبه تنتهي هذه القطعة الرائعة المتحدة المتماسكة من أولها إلى آخرها، ومع وجود أمثال هذه الكلمة العربية مما الوحدة فيه بينةٌ ظاهرةٌ، لا تزال تجد من يتحذلقون قائلين: إن الجاهليين والأوائل ومن بعدهم من الشعراء المحدثين، لم يكونوا يعرفون وحدة القصيدة، وإنما يعنون بوحدة القصيدة وحدة الموضوع. وقد ذكرنا أنفًا أننا لا نقول بوحدة القصيدة بهذا المعنى (1). أما إن كان المعني بوحدة القصيدة، وحدة روحها العاطفي؛ وهذا ما ينبغي، فمن الخبال والضلال أن يزعم زاعم أن الشعر العربي ليس فيه شيء من ذلك. ونأمل أن نفصل الحديث في هذا عندما نعرض لأمر البيان.

هذا، ولعل كلمة أعشى باهلة، والأبيات التي قدمناها من قبل، تكفي في الدلالة على ماهية التقسيم الخفي، وقوة فعله في الارتفاع بموسيقا الشعر وتنويعها.

‌التقسيم الواضح

التقسيم الواضح، كما لعله قد بدا للقارئ الكريم من سياق حديثنا، هو ما كانت المواقف اللسانية فيه ناصعةً، بينةً، بحيث لا يمكنك تجاوزها أو تجاهلها. نحو قول زهير:

(1) المرشد 1: 305.

ص: 316

تقاسمها المها شبها، ودر البحور، وشاكهت فيها الظباء.

وقول النصيب:

فقال فريق القوم لا، وفريقهم

نعم، وفريقٌ قال ويحك ما ندري

وقول عمر بن أبي ربيعة:

وغاب قمير كنت أرجو غيوبه،

وروح رعيانٌ، ونوم سمر

وقوله من الكلمة نفسها:

تهيم إلى نعم، فلا الشمل جامعٌ،

ولا نأيها يسلي، ولا أنت تصبر

وأخرى أتت من دون نعمٍ، ومثلها

نهى ذا النهى، لو ترعوي أو تفكر

والوقوف بعد قوله: تهيم إلى نعم، قريبٌ من الخفي.

وقول المتنبي:

أطعنها بالقناة، أضربها

بالسيف، جحجاحها، مسودها

شمس ضحاها، هلال ليلتها،

در تقاصيرها، زبرجدها،

وهذا النوع من التقسيم، أعني النوع الواضح كله، لا تقسيم المتنبي في بيتيه هذين، أقل مجيئًا في الشعر من النوع الخفي، والسبب فيما أرى، هو أنه طراز قديمٌ من الأسلوب الشعري، عفت عليه أساليب أحدث منه؛ وهذا الذي نراه منه في تضاعيف كلام الشعراء، إنما هو آثار، قوية منه أبت إلا بقاء. وسنتحدث عن هذا عما قليل إن شاء الله.

والتقسيم الواضح ضروبٌ. فمنه ما يقع فقرًا فقرًا، يراعى فيها سجع ولا وزن عروضي، أو كالعروضي، مثل بيت زهير، وبيت النصيب. وقول طرفة:

ص: 317

ولا تجعليني كامرئٍ ليس همه

كهمي، ولا يغني غنائي، ومشهدي

وقوله:

ولكن نفى عني الرجال جراءتي

عليهم، وإقدامي، وصدقي، ومحتدي

لعمرك، ما أمري علي بغمةٍ

نهاري، ولا ليلي علي بسرمدٍ

وقول علقمة بن عبدة يصف الخمر:

تشفي الصداع، ولا يؤذيه صالبها،

ولا يخالط منها الرأس تدويم

وهذا الصنف عزيزٌ جدًا، لأنه أقدم أنواع التقسيم الواضح جميعها فيما نرى. ودعنا نصطلح له اسم التقسيم المرسل. ومن خير أمثلته، وأندرها، قول زهير يصف القطاة ومطاردة الصقر لها؛ وكان قد شبه بها فرسه (1).

كأنما من قطا الاحباب، حلأها

وردٌ، وأفرد عنها أختها الشبك،

جونية، كحصاة القسم، مرتعها

بالسي ما تنبت القفعاء والحسك،

أهوى لها أسفع الخدين، مطرقٌ

ريش القوادم، لم ينصب له الشبك،

لا شيء أسرع منها، وهي طيبةٌ

نفسًا بما سوف ينجيها وتترك

وهذا البيت فيه مواقف، ولكنها خفية اختيارية، فلذلك لم نبينها، ويوشك

(1) مختارات الشعر الجاهلي: 291. يقول: هذه الفرس تشبه قطاة الآبار الصحراوية، أرادت أن ترد، فحلأها: أي منعها من الورود أن رأت قومًا يردون، والورد: جماعة الواردين، وكانت أخت لها قد اصطيدت. وهي جونية تشبه الحصاة التي يقسم بها الماء في الصحراء، ومسكنها في السي: أي الصحراء البعيدة (ونقول في السودان: الصي بالصاد) حيث تغتذي القفعاء: بتقديم القاف على الفاء، من نبت البادية، وتشبه به الدروع؛ والحسك: نبت ذو شوك ويعرف بهذا الاسم، وباسم الحسكنيت في السودان. ثم يقول الشاعر: هذه القطاة أهوى لها صقر في خديه سفعة: أي حمرة تضرب إلى السواد وريش قوادمه ملبد كثيف، فلا شيء أسرع منها حين تنجو منه. وقوله مطرق، فالمطرق والمطارق على صيغة اسم المفعول: هو ما كان كثيفًا، كأنه من طبقتين. تقول: طارقت نعلي: أي جعلتها من طبقتين.

ص: 318

البيت الثاني أن يكون مثله في العجز دون الصدر:

دون السماء وفوق الأرض قدرهما،

عند الذنابى، فلا فوت ولا درك

عند الذنابى، له صوت وأزملة

يكاد يخطفها طورًا، وتهتلك

وفي الأصل: "لها صوت" وهذا لا يستقيم، لأم الأزملة: هي الصوت الشديد، وهذا أشبه بوصف الصقر، وأذكر أني وجدت البيت هكذا في شرح الأعلم:

حتى إذا ما هوت كف الغلام لها

طارت، وفي كفه من ريشها بتك

وهذا البيت يمثل عنف المطاردة، فقد اشتد الصقر في طيرانه وراء القطاة حتى أوشك أن يدركها، ثم لما كاد، دفعت نفسها دفعة قوية هاوية إلى أسفل، حتى هم غلام عابث أن يمسك بها، وقد مست أنامله ريشها، فاقتطفت منه بتكا: أي قطعًا. وإذا قد بلغت القطاة مكانًا فيه الصبية العابثون، فقد أمنت الصقر، لأن اقتفاءها حينئذ يكون عسيرًا عليه.

ثم استمرت إلى الوادي، فألجأها منه، وقد طمع الاظفار والحنك

وعسى أن يكفي هذا القدر في التمثيل على التقسيم المرسل. وهو أول ضروب التقسيم الواضح كما قدمنا.

والضرب الثاني هو التقسيم المفصل، ونسميه مفصلا مستعيرين هذا اللفظ من تفصيل العقود بالدر والفضة، لا من التفصيل الذي هو نظير الإجمال وقرنه وضده. والتقسيم المفصل نوعان:(1) ما نظر فيه الشاعر إلى ناحية الوزن. (2) وما نظر فيه الشاعر إلى ناحية القافية، ودعنا نسمي الأول التقسيم الوزني، والثاني التقسيم القافوي، وكلا القسمين يلتقيان في أنواع سنبينها.

والتقسيم الوزني، نوعان: ما لم يراع الشاعر فيه مسايرة التفاعل، ووضع الموافق في مكان التقطيع. وما راعى فيه الشاعر مسايرة التفاعيل، ووضع المواقف

ص: 319

في مكان تقطيع الوزن، على حسب وحدات وزنه الظاهر. ودونك أمثلة توضح الطراز الأول: قال امرؤ القيس:

مكر، مفر، مقبل، مدبر، معًا

كجلمود صخر حطه السيل من عل

الشاهد هنا في تقسيم الأول إلى أجزاء هي: فعول فعول فاعل فاعل فعل، وهذه تجزئة كما ترى لا تساير الأجزاء الطبيعية للبيت، وهي: فعولن مفاعيلن، جزء، فعولن مفاعلن، جزء، وهكذا. وإنما كانت هذه تفعيلات طبيعية، لأن كل واحد منها يساوي ربع البيت.

ومثال آخر قوله:

برهرهة، رودة، رخصة،

كخرعوبة البانة المنفطر

فالمصراع الأول مفاعلة فاعلن فاعلن. والقسمة الطبيعية أن تجعله أرباعًا:

فعولن فعولن فعولن فعولن.

ومثل هذا قوله:

وعين لها، حدرة، بدرة

ومن غريب هذا الضرب قول المتنبي:

مخلى له المرج، منصوبا بصارخة،

له المنابر، مشهودا بها الجمع

فقوله: "منصوبا بصارخة" موازن لقوله "مشهودا بها الجمع". وقوله "مخل له الرج" موازن لقوله "له المنابر" إلا أن الثاني مزاحف بالخبن مرتين في مستفعلن وفي فاعلن.

ومن غريب ما وقع له أيضًا من هذا القري قوله:

خير قريش أبا، وأمجدها،

أكثرها نائلا، وأجودها

ص: 320

أفرسها فارسًا، وأطولها

باعًا، ومغوارها، وسيدها

شمس ضحاها، هلال ليلتها

در تقاصيرها، زبرجدها

فالبيت الأول لا يطاوع تقطيع المنسرح الطبعي "مستفعلن فاعلون مفتعلن"، وإنما يجري على مستفعلن فأعلن، مفاعلتن، وكذلك قوله "أفرسها فارسًا" وسائر البيت بعد من نوع التقسيم المُرسل. والبيت الثالث كأنه مُرسل، وليس كذلك إذ مباراة الوزن فيه واضحة.

هذا، والنوع الثاني من التقسيم الوزني، وهو ما وضع الشاعر فيه مواقف اللسان الواضحة، مكان التقطيع الطبعي، عرفه النقاد الأوائل وسموه التقطيع، ومن أمثلته قول عمر بن أبي ربيعة:

تحن إلى نُغم، فلا الشمل جامع

ولا نأيها يُسلي، ولا أنت تصبر

ومنه لامرئ القيس:

له أطيلا ظبي، وساقا نعامة

وإرخاء سرحان، وتقريب تنقل

وقوله:

وليس بذي رُمح، فيطعنني به

وليس بذي سيف، وليس بنبال

وأمثلة هذا كثيرة في الشعر.

والتقسيم القافوي، منه ما ينظر إلى قافية البيت، فيسجع في داخل البيت بقواف مثلها، ومنه ما يسجع بقواف ليست مثلها. ومن تأليف هذين النوعين القافويين مع النوعين الوزنيين، تحصل عندنا الأقسام الثمانية الآتية:

1 -

التقسيم الوزني من غير تقطيع.

2 -

التقسيم الوزني من غير تقطيع، مع سجع مخالف للقافية.

ص: 321

3 -

التقسيم الوزني من غير تقطيع، مع سجع يشبه القافية.

4 -

التقسيم الوزني التقطيعي.

5 -

التقسيم الوزني التقطيعي مع سجع مخالف للقافية.

6 -

التقسيم الوزني التقطيعي مع سجع مثل القافية.

7 -

التقسيم القافوي بسجع مخالف للقافية.

وهذان القسمان الأخيران، لا يحصرني شيء أُمثل لهما به، ولا أحسب أنه يجيء في الشعر شيء منهما إلا تابعًا للوزن، ولعل هذا دليل قوي على أن القافية إنما جاءت بعد الوزن. فإن حذفنا هذين القسمين (ولنا في الحذف قُدوة صالحة في قُدامة ابن جعفر، على أنه حذف اثنين من تأليفه، من دون مبرر (1) صارت الأقسام ستة.

ومن هذه الأقسام الستة واحد (هو التقسيم الوزني اللاتقطيعي، مع سجع يشبه القافية)، لا أحسبه يوجد في الشعر، ولا يحضرني منه شيء أتمثل به. وعندي أن ذوق العرب قد نبأ عنه، كما قد نبأ عن السجع بشيء يشبه القافية أو يخالفها من دون مراعاة للوزن. ذلك بأن في نظرتك للوزن من دون أن تطاوع التقطيع،

(1) عرّف قدامة الشعر: بأنه لفظ، موزون مقفي، دال على معنى، فله أربعة أركان، ينبغي للناقد أن يبحث عن صفات الجودة والرداءة فيها، هي: اللفظ، والوزن، والمعنى، والقافية. وهذه الأركان يتكون من ائتلافها معًا ستة أنواع: ائتلاف اللفظ والوزن، واللفظ والمعنى، واللفظ والقافية والوزن والمعنى، والوزن والقافية، والمعنى والقافية، فهذه ستة. إلا أن قدامة استكثر أن تكون الائتلافات أكثر من الأركان، فادعى أن القافية ليست شيئًا جوهريًا، له ذات قائمة، ورأى لذلك أن يحذف الائتلافات معها، فصارت جملة الائتلافات ثلاثة. وهذه النتيجة لم تسر قدامة. فاحتال على ائتلاف واحد من ائتلافات القافية، فأدخله، بحجة أن القافية تكون أحيانًا مستكرهة، ولا تلائم المعنى، وأحيانًا تكون طبيعية ملائمة. فصارت ائتلافاته في جملتها أربعة. هي ائتلاف اللفظ والوزن، واللفظ والمعنى، والوزن واللفظ، والمعنى والقافية. وقد نبهنا آنفًا على خطئه في حذف القافية من تأليفه. (راجع مقدمة نقد الشعر لقدامة).

ص: 322

واستعمالك مع ذلك سجعة لقافية البيت، ما يُشعر بأن القافية مستبدة بالبيت استبدادًا كاملاً، من غير نظر للوزن. وإذ الوزن هو الأول والأقوى، فقد رأى الشعراء بحسهم الصادق الدقيق أن يتنكبوا هذا النوع وأحسب أنهم استعاضوا منه التجنيس السجعي، لذلك ناب في أسماعهم مناب السجع المشبه للقافية حقًا- كما في قول امرئ القيس:

برهرهة رودة رخصة

كخرعوبة البانة المنفطر

فالراءات هنا تناغي القافية، من دون أن يكون في الكلام سجع ظاهر.

وقد ضربنا لك أمثلة على الشعر الذي يقع فيه التقطيع من دون سجع. والذي يباري الوزن ولا يسجع. وهاك أمثلة على الأنواع الثلاثة الباقية.

أ- التقسيم الوزني من غير تقطيع مع سجع مُخالف للقافية:

قال أبو المثلم الهذلي يرثي صخر الغي:

آبي الهضية، ناب بالعظيمة متلاف الكريمة، جلد غير ثُنيان وقال أمرؤ القيس يصف ثوبًا نصبوه، ونزلوا تحته:

وقُلنا لفتيان كرام إلا انزلوا

فعالوا علينا فضل ثوب مُطنب

أحسب الفعل "عالوا" على صيغة الماضي لا الأمر، أي فرفعوا علينا فضل ثوب وجعلوا له طُنبًا، ويدلك أنه على صيغة الماضي، سياق الوصف بعده، إذ جعل امرؤ القيس يصف هذا الطنب، والبيت الثاني هو محل الشاهد من كلامنا:

وأوتاده ماذية، وعماده

رُدينية، فيها أسنة قعضب

وأطنا به، أشطان خُوص نجائب

وصهوته، من أتحمي مشرعب

أي حبالة من حبال نوقنا النجائب، وصهوته من ثوب أتحمي مُمزق.

ص: 323

وقوله من اللامية يصف حصانًا:

سليم الشظئ عبل الشوى، شنج النسا

له حجبات مشرفات على الفال

وقد جارى هذا أبو العلاء المعري بقوله:

صحبت الملا، حتى تعلمت بالفلا

رنو الطلا، أو صنعة الآل بالخدع

ومن أغرب ما جاء له في هذا الضرب قوله:

تلاق، تفرى عن فراق، تذمه

مآق، وتكسير الصحائح في الجمع

فقوله: "تفرى عن فراق" موازن لقوله "تذمه مآق" حذو النعل بالنعل. ومن النادر أن يتسنى لشاعر أن يجيء بمثل هذه القسمة الوزنية السجعية، في بيت رباعي الأجزاء، من الطويل، مثل هذا، على هذا النحو:

ب- التقسيم الوزني التقطيعي، مع سجع مخالف للقافية:

قال أمرؤ القيس:

فتور القيام، قطيع الكلا

م تفتر عن ذي غروب، خصر

ولك أن تجعل الميم في الصدر، ويكون العجز مخرومًا، أو تجعل البيت موصولاً.

وقال أيضًا:

كان المُدام، وصوب الغمام

وريح الخُزامي، ونشر القُطر

يُعل به برد أنيابها

إذا طرب الطائر المُستحر

وقال:

بلاد عريضة، وأرض أريضة

مدافع غيث، في فضاء عريض

ص: 324

هكذا على ترك الاعتماد (1) أو تعتمد بأن تجعل الفضاء مضافًا إلى العريض فيستقيم الوزن في عجز البيت، كما يريد العروضيون.

ومما يجري هذا المجرى قول الخنساء:

شهاد أندية، هباط أودية

حمال ألوية، للجيش جرار

ويجري هذا المجرى قول أبي الطيب:

الدهر مُعتذر، والسيف مُنتظر

وأرضهم لك مُصطاف ومُرتبع

ج- التقسيم الوزني التقطيعي، مع سجع مثل القافية:

نحو قول امرئ القيس:

ألا إنني بال، على جمل بال

يسير بنا بال، ويتبعنا بال

ولك أن تُعد هذا من التكرار، ولكن هذا لا يخرجه من صنف القسم الذي نحن بصدده.

ونحن قول المتنبي:

فنحن في جذل، والروم في وجل

والبر في شُغل، والبحر في خجل

ومما جعل فيه المتنبي بين الصنفين، قوله:

للسبى ما نكحوا، والقتل ما ولدوا

والنهب ما جمعوا، والنار ما زرعوا

وهذا أوان التمثل بأشعار تجمع كل هذه الأصناف، فذلك أجدر أن يدل على قيمتها الجرسية، وأن يبين طريقة استعمال الشعراء لها:

(1) الاعتماد: هو القبض في الجزء السابع من الطويل الثالث.

ص: 325

ونبدأ بذكر شيء يسير من امرئ القيس:

وبيت عذارى يوم دجن ولجته

يطفن بجباء المرافق، مكسال

سباط البنان، والعرانين، والقنا

لطاف الخصور، في تمام وإكمال

نواعم، يُتبعن الهوى، سبل الردى

يقلن لأهل الحلم، ضل بتضلال

وقد سبق لنا الاستشهاد بهذا الكلام، والتنبيه على محاسنه.

وقال أبو المُثلم الهذلي، يرثي صخر الغي، وهذا مما استشهد به قُدامة في باب التقسيم (1):

لو كان للدهر مال كان مُتلده

لكان للدهر صخر، مال قُنيان

آبي الهضيمة، متلاف الكريمة، نا

ب العظيمة، جلد غير ثُنيان (2)

حامي الحقيقة، نسال الوديقة، معـ

تاق الوسيقة، لا نكس ولا وان (3)

رباء مرقبة، مناع مغلبة

وهاب سلهبة، قطاع أقران (4)

هباط أودية، حمال ألوية

شاد أندية، سرحان فتيان (5)

ولعلك رأيت أن البيتين الأولين مما سجع فيه الشاعر من غير تقطيع، والبيتين الأخيرين مما قطع فيه وسجع، وهذا يسميه النقاد ترصيعًا، ثم تخلص من هذا جميعه بسجعات أطول غير متشابهة كل التشابه، وأتبعها بيتًا كاملاً مُقسمًا بحسب المواقف ليس إلا:

(1) نقد الشعر: 28 - 29.

(2)

أي يأبى الضيم، وينبو بالأمر العظيم: أي يرتفع به وينهض. والثنيان: هو الذي دون الرئيس.

(3)

الوديقة: الرمضاء، والحر الشديد، والوسيقة: هي الطريدة.

(4)

السلهبة: الفرس الكريمة الطويلة. والأقران: الحبال: كنى بقوله "قطاع قران» عن تفكيك قيود الأسرى.

(5)

السرحان بلغة هذيل: الأسد.

ص: 326

يحمى الصحاب، إذا كان الضراب، ويكـ

في القائلين، إذا ما كُبل العاني (1)

يُعطيك ما لا تكاد النفس ترسله

من التلاد، وهوب غير منان

وروي قدامة كلمة شبيهة بهذه لأبي صخر الهذلي يتغزل، قال:

وتلك هيكلة، خود مُبتلة

صفراء رعبلة، في منصب سنم (2)

عذب مُقبلها، جزل مُخلخلها

كالدعص أسفلها، مخضودة القدم (3)

سود ذوائبها، بيض ترائبها

محض ضرائبها، صيغت على الكرم (4)

عبل مُقيدها، حال مُقلدها

بض مُجردها، لفاء في عمم (5)

سمح خلائقها، دُرم مرافقها

يُروى مُعانقها، من بارد شبم (6)

كأن مُعتقة، في الدن مُغلقة

صهباء مصفقة، في رابئ رذم (7)

شيبت بمرهبة، من رأس مرقبة

جرداء سلهبة، في حالق شمم (8)

خالط طعم ثناياها وريقتها

إذ يكون توالي النجم كالنظم

(1) العاني: هو الأسير: أي يكفي القائلين بأنه يتحمل العرم، ويطلق الأسير.

(2)

الهيكلة: الجسيمة. المبتلة: ذات الخصر غير المفاضلة المترهلة. والرعبلة: اللينة الجسم. والمنصب السنم: أي الشربات العالي.

(3)

المخلخل: موضع الخلخال من السابق. وجزالته: امتلاؤه. والدعص: فوز الرمل الصغير، عنى إنها ممتلئة الكفل. والقدم المخضود: هو الصغير الذي لا يرى عظامه ناتثة، شبهه بالغصن الذي خضد شوكه.

(4)

أي ذوائب شعرها سود. ونهودها وما حولها بيض، وسجاياها كريمة. والضريبة: هي النحيزة والطبيعة.

(5)

المقيد: هو موضع الحجل من الساق، إذ الحجل كالقيد. وعبل: أي ممتلئ مكتنز. والمقلد: موضع القلادة، عنى به العنق واللبة. واللفاء: هي التي يكسوها الشحم الناعم.

(6)

درم مرافقها: أي مدمجة، لا تظهر عظامها. والشيم: هو البارد.

(7)

أي كأن خمرًا معتقة أغلفت في الدن دهرًا ثم صبت في كأس، وكان مزاجها عسل جيء به من رأس جبل، خالطت ثنايا هذه الجارية، وخالطت ريقتها، في ذلك الوقت الذي تتغير فيه رائحة الأفواه، وهو وقت الفجر، حين تصير النجوم في جانب الأفق، كأنها عقد منظوم. هذه هي خلاصة المعنى. وقوله: "رابئ رذم»: أي كأس الأت حتى ربت وسال الشراب من جوانبها. وقوله مرهبة: أي صخرة ذات مرهبة، يخاف منها (وشعراء هذيل تصف العسل بأنه يؤخذ من أعالي الجبال، ويصفون الصخور التي يكون فيها نحلة بالمرهبة والمهلكة). ومرقبة: هي الصخرة العالية؛ التي يقف عليها الرقب، جرداء سلهبة: هذا من أوصاف الصخرة: أي طويلة عالية ملساء.

(8)

أي كأن خمرًا معتقة أغلفت في الدن دهرًا ثم صبت في كأس، وكان مزاجها عسل جيء به من رأس جبل، خالطت ثنايا هذه الجارية، وخالطت ريقتها، في ذلك الوقت الذي تتغير فيه رائحة الأفواه، وهو وقت الفجر، حين تصير النجوم في جانب الأفق، كأنها عقد منظوم. هذه هي خلاصة المعنى. وقوله: "رابئ رذم»: أي كأس الأت حتى ربت وسال الشراب من جوانبها. وقوله مرهبة: أي صخرة ذات مرهبة، يخاف منها (وشعراء هذيل تصف العسل بأنه يؤخذ من أعالي الجبال، ويصفون الصخور التي يكون فيها نحلة بالمرهبة والمهلكة). ومرقبة: هي الصخرة العالية؛ التي يقف عليها الرقب، جرداء سلهبة: هذا من أوصاف الصخرة: أي طويلة عالية ملساء.

ص: 327

والتقسيم هنا، كما ترى، ترصيغ كله، تجري الأقسام منه على أرباع البيت. وقد استحسنه قُدامة غاية الاستحسان، وتبعه ابن رشيق، من دون أن يصرح بتعليق من عند نفسه، وإنما اكتفى بأن يقول:(العمدة 2: 25)"وإذا كان تقطيع الأجزاء مسجوعًا، أو شبيهًا بالمسجوع، فذلك هو الترصيع عند قُدامة، وقد فضله وأطنب في وصفه إطنابًا عظيمًا، وأنشد أبيات أبي المُثلم يرثي صخر الغي. أما أبو هلال العسكري فتحفظ شيئًا في استحسان هذا النوع، وانتقد أبيات الخنساء، وأبي صخر، وأبي المثلم قال (1): "فمن ذلك ما يروى أنه للخنساء:

حامي الحقيقة، محمود الخليقة مهـ

ـدي الطريقة، نقاع وضرار

هذا البيت جيد.

فعال سامية، وراد طامية

للمجد نامية، تعنيه أسفار

هذا البيت رديء، لتبرؤ بعض ألفاظه من بعض. ثم قالت:

جواب قاصية جزاز ناصية

عقاد ألوية، للخيل جرار

آخر هذا البيت لا يجري مع ما قبله، وإذا قسته بأوله؛ وجدته فاترًا باردًا، ثم قالت:

قالت:

حلو حلاوته، فصل مقالته

فاش حمالته، للعظم جبار

وهذا مثل ما قبله. وقول أبي صخر الهُذلي:

وتلك هيكلة، خود مُبتلة

صفراء رعبلة، في منصب سنم

هذا البيت صالح، وبعده:

عذب مُقبلها، جذل مُخلخلها

كالدعص أسفلها، مخصورة القدم (2)

(1) الصناعتين: 378.

(2)

كذا: جذل، بالذال ومحصورة بالمهملة والراء، وما أثبتناه أولاً أجود.

ص: 328

كأن قوله: مخصورة القدم، ناب عن موضعه، غير واقع في موقعه، وبعده:

سُود ذوائبها، بيض ترائبها

محض ضرائبها، صيغت على كرم

وهذا البيت أيضًا قلق القافية، وبعده:

سمح خلائقها، دُرم مرافقها

يُروى مُعانقها، من بارد شبم

هذا البيت رديء، لبُعد ما بين الخلائق والمرافق، وما بين الدرم والسمح، ولولا أن السجع اضطره لما قال: سمح، وليس لعظم مرفقها حجم. وهذا مثل قول القائل لو قال: خُلق فلان حسن، وشعره جعد. وليس هذا من تأليف البلغاء، ونظم الفصحاء. وقول أبي المثلم:

آبي الهضيمة، ناء (1) بالعظيمة، متلاف الكريمة، جلد غير ثنيان حامي الحقيقة، نسال الوديقة، معتاق الوسيقة، لا نكس ولا وان البيت الثاني أجود من الأول، وبعده:

هباط أودية، حمال ألوية

شهاد أندية، سرحان فتيان

قوله: "سرحان فتيان" ناب قلق، وبعده:

يُعطيك ما لا تكاد النفس ترسله

من التلاد وهوب غير منان

التارك القرن مُصفرًا أنامله

كأن في ريطتيه نضح أرقان

هذا البيت جيد. وقد سلم من سائر العيوب، إذ لم يتكلف فيه السجع، ولم يتوخ الموازنة". أهـ.

والذي جسر أبا هلال على هذا النقد فيما أرى، هو أنه وجد قُدامة يقول:

(1) الرواية الجيدة (ناب بالعظيمة).

ص: 329

(نقد الشعر 28): "وأكثر الشعراء المصيبين، من القدماء والمحدثين، قد غزوا هذا المغزى، ورموا هذا المرمى، وإنما يحسن إذا اتفق له في البيت موضع يليق به، فإنه ليس في كل موضع يحسن، ولا على كل حال يصلح، ولا هو أيضًا إذا تواتر واتصل في الأبيات كلها بمحمود، فإن ذلك إذا كان، دل على تعمد، وأبان عن تكلف، على أن من الشعراء القدماء والمحدثين، من قد نظم شعره كله، ووالى بين أبيات كثيرة منه، منهم أبو صخر، فإنه أتى من ذلك بما يكاد لجودته أن يُقال فيه: أنه غير متكلف إلخ". وكأن أبا هلال، قد هاله أن يقدم قدامة قاعدة، ثم يرجع فينتقضها محاباة للقدماء، فانبرى هو ليعود به، إلى رشده وينبهه على أن القدماء أنفسهم قد وقعوا في التكلف، لا يستثني منهم أبا صخر، ولا أبا المُثلم، ولا الخنساء كما رأيت.

ولا يخالجني ريب في أن قُدامة قال ما قاله، من أن كثرة التقسيم المسجع المرصع في الشعر، والموالاة بين أبيات منه في كلمة واحدة، تدل على التكلف، مدفوعًا بحكم العادة التي جرى عليها نقاد عصره، من تحذير المولدين، وصرفهم ما استطاعوا عن الإكثار في التجنيس والتصنيع، وما أحسبه إلا قد ندم على ما قدمه هكذا مندفعًا، بدليل اعتذاره عن أبي المثلم، وأبي صخر وزعمه أن ترصيعهما غير متكلف، على توافره، ولعله مما زاده ندمًا، أنه لم يجد عند المولدين شيئًا يُضاهي ما جاء به هذان، من التزام الترصيع، وقوة النفس.

وقد غلب على أبي هلال ذوقه الحضري، وطمى على حاسته النقدية، فحكم بالتكلف، ضربة لازب، على كلام الخنساء وأبي صخر وأبي المُثلم، لاشتماله على عنصري، السجع والموازنة. وفي قلة التقسيم المسجع المتوازن بين أشعار المحدثين، ما ينبئ عن قوة الذوق الحضري، الذي كان يتحدث بلسانه. إلا أنه، من حيث كونه ناقدًا، قد عجز كل العجز، أن يفطن إلى أن هذا النوع الذي كان يرد في أشعار القدماء من التقسيم، لا يمت إلى صناعة المولدين بشيء، وليس بين "تكلفه"

ص: 330

وتكلفهم قُربى ولا نسب، ونفوره هو نفسه عن عنصري السجع والموازنة اللذين فيه، بنبيء بذلك، لأن هاتين خصلتان من صميم آثار البداوة.

وقد كان ابن رشيق أحذق من أبي هلال ومن قُدامة، إذ تنبه لما تنبها إليه، من أن هذا الصنف من التقسيم، كان يرد كثيرًا في أشعار القدماء، وزاد عليها بأن القدماء كانوا لا يعرفون غيره حين يعمدون إلى التسجيع، ومماثلة الأقسام في الوزن، وكأن المحدثين لم يعجبهم هذا من طريقة القدماء، فعمدوا إلى الأقسام، فصغروها، وجعلوها كلمات كلمات، يتبع بعضها بعضًا، إما تكون صفات، وإما تكون أفعالاً، مثل قول البحتري:

قف مشوقًا، أو مُسعدًا، أو حزينًا

أو مُعينًا، أو عاذرًا، أو عذولاً

وقول ديك الجن:

أحل وأمرر، وضر وأنفع، ولن واخـ

شن، ورش وابر، وانتدب للمعالي

قال ابن رشيق (2: 27) بعد أن أنشد بيت ديك الجن:

حُر الإهاب وسيمه، بر الإيا

ب كريمه، محض النصاب صميمًا

فأكثر البيت ترصيع كيف أردته، وكان المذهب الأول، وهو المحمود، أن يؤتي ببيت من هذا، أو بعض بيت، كما قال امرؤ القيس

وأوتاده ماذية، وعماده

رُدينية فيها أسنة قعضب

وكما قال أمرؤ القيس:

كحلاء في برج، صفراء في نعج

كأنها فضة قد مسها ذهب (1)

(1) المشهور في رواية هذا البيت: أنه لذي الرمة ولا ريب أنه ليس لأمرئ القيس فهذا من أخطاء الناسخ، والله أعلم.

ص: 331

وأما ما هو شبيه بالمسجوع، فقال امرئ القيس:

فتور القيام، قطوع الكلا

م، تفتر عن ذي غروب أشر

وقوله:

ألص الضروس، حني الضلوع

فجاء فتور، في وزن قطوع، وكذلك الضروس والضلوع، وألص وحني. ثم أدخل المولدون في هذا الباب أشياء عدوها تقطيعًا وتقسيمًا. وذلك نحو قول أبي العميثل الأعرابي:

فأصدق، وعف، وجد، وأنصف، واحتمل

واصفح، ودار، وكاف، واحلم، وأشجع

إلى آخر ما قاله". أهـ.

ومما يُلفت النظر أن ابن رشيق مر بباب التقسيم مرور مُتحفظ، وكأنه كان في حيرة من أمره، أيعده تصنيعًا كتصنيع المحدثين، أم لا. ومن تأمل الأمثلة التي ذكرها هو في التقسيم والترصيع والتقطيع، وجد أكثرها للقدماء، وقد ذكر ستة وستين بيتًا، منها أربعة وعشرون للمحدثين، وسائرها للقدماء، وقد تبلغ بها ثلاثين، إن عددت ابن أبي ربيعة والنصيب والكميت وذا الرمة من المحدثين. ومن هذه الأبيات المُحدثة ستة للمتنبي وحده. وأبو تمام، وهو شيخ الصناعة، لم يذكر له ابن رشيق إلا قوله:

تجلى به رُشدي، وأثرت به بني

وفاض به ثمدي، وأورى به زندي

وقوله:

تدبير مُعتصم بالله مُنتقم

لله مرتقب، في الله مُرتغب

وقوله:

عن ثامر ضاف، ونبت قرارة

واف، ونور كالمراجل خافي (1)

(1) المراجل: ضرب من الثياب المزخرفة. خافي: أي لامع.

ص: 332

ولم يزد فيما رواه من ترصيع المحدثين على البيت الواحد لا يتبعه بقرين، إلا المتنبي، فإنه ذكر له بيتين وعابهما، وإنما فعل ذلك لإكثار المتنبي من هذا الصنف.

وأنشد أبو هلال ثمانية وثلاثين بيتًا، ليس للمحدثين منها إلا بيتان، وللإسلاميين الأوائل ثلاثة فقط، أما قُدامة، فأنشد ثلاثة وثلاثين بيتًا، ليس فيها واحد محدث وفيها بيتان فقط لغير المخضرمين.

وقد نظرت في دواوين الشعراء التي بيدي، فوجدت أن الشاعر كلما كان أدخل في البداوة، أو أقدم في العهد، كان الترصيع وشبه الترصيع، أظهر وأوضح في كلامه. من ذلك شعراء هذيل، وقد رأيت كلام صخر الغي وأبي المُثلم هنا. وأوردنا لك من قبل كلمة أبي المُثلم:(يا صخر إن كنت ذا بز تجمعه). ومن ذلك نساء البدو، وشعر الخنساء كثير فيه هذا الصنف. ومن ذلك شعراء اللصوص، وأحيلك مثلاً على وصف الذئاب، الذي جاء به الشنفري في لاميته، وعلى تائيته المفضلية. وامرؤ القيس وهو شاعر قديم، خالط البداوة، وتنقل بين مياه العرب. كثير التقسيم المسجع، لا تكاد تخلو قصيدة له منه، وقد رأيت استشهادنا بكلامه في مواضعه، وقل كتاب من كُتب البلاغة لا يفتتح به الاستشهاد. أما طبقات النابغة وزهير والأعشي، فهذا النصف قليل في أشعارهم. وقد ذكرنا أن زهيرًا يرد في كلامه التقسيم الواضح بلا تسجيع، وأن هذه ظاهرة قديمة من ظواهر النظم؛ أبت آثارها إلا بقاء في شعره وشعر مقلديه، وأخذها الناس عنهم فيما بعد. وربما قولنا هذا مُناقضًا لما زعمناه في الترصيع، من أنه من أسلوب البداوة والقدم، وأن شعر زهير خال منه. ولكن مثل هذا التناقض (ومن الأفضل أن نسميه شذوذًا) كلا تناقض، وهو من المعالم الهامة، التي قد تُعيننا على فهم طريقة النظم العربي، وكيف تم لها النضج والنماء. ذلك بأنه كثيرًا ما يحدث في تاريخ التطور اللغوي، لأسلوب حديث، أن تكون فيه ظواهر عتيقة السنخ، لا توجد في أسلوب أقدم منه، فالناقد- يمكنه أن يحدس لها مكانًا في

ص: 333