الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اختلاف مقتضيات الأحوال:
مما تقدم تعلم أن مقتضيات الأحوال تختلف باختلاف تلك الأحوال؛ ذلك أن الحال سبب مقتضٍ، واختلاف الأسباب في الاقتضاء يوجب اختلاف المسببات. فإذا كانت الحال إنكارا من المخاطب مثلا كان المقتضى توكيدا، أو كلاما مؤكدا على القولين السابقين؛ لأن ذلك هو اللائق بحال المنكر. وإن كان الحال خلو ذهن المخاطب عن الحكم كان المقتضى خلوا من التأكيد، أو كلاما خاليا منه؛ لأن ذلك هو المناسب لحال خالي الذهن. وإن كان ذكاء في المخاطب كان المقتضى هو الإيجاز، أو الكلام الموجز ذا العبارات اللطيفة والمعاني الدقيقة. وإن كان الحال وعظا كان المقتضى هو الإطناب، أو الكلام المطنب ذا العبارات الصريحة الواضحة ليبلغ أعماق قلوب المخاطبين، وهكذا: لكل مقام مقال، فالذي يعتبر في مقام يخالف ما يعتبر في مقام آخر، فمقام تعريف المسند إليه مثلا يخالف مقام تنكيره، ومقام تقديمه يغاير مقام تأخيره، ومقام الإيجاز -كما سبق- يباين مقام الإطناب، وهكذا.
وللسوقة كلام لا يصلح لسراة القوم وأمرائهم، وفي مواقف الحروب، أو الوعيد، أو التهديد كلام يغاير ما يقال في مواطن توديع الأحبة، وبث الأشواق، وذكر أيام الفراق، وما قارب ذلك من معاني الاستعطاف والمعاذير. ففي الأول يستعمل اللفظ الضخم، والمعنى الفخم، وفي الثاني يستعمل اللفظ الرقيق الحاشية، اللين المجس، الناعم الملمس، اللطيف الموقع.
ألا ترى إلى قول بشار بن برد:
إذا ما غضبنا غضبة مضرية
…
هتكنا حجاب الشمس أو أمطرت دما
إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة
…
ذرا منبر صلى علينا وسلما
وإلى قوله:
وجيش كجنح الليل يزحف بالحصا
…
وبالشوك والخطي حمر ثعالبه
غدونا له والشمس في خدر أمها
…
تطالعنا والطل لم يجر ذائبه
بضرب يذوق الموت من ذاق طعمه
…
وتدرك من نجى الفرار مثالبه
كأن مثار النقع فوق رءوسنا
…
وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
بعثنا لهم موت الفجاءة إننا
…
بنو الموت، خفاق علينا سباسبه
إذا الملك الجبار صعر خده
…
مشينا إليه بالسيوف نعاتبه
وإلى قول البارودي:
وإني امرؤ لولا العوائق أذعت
…
لسلطانه البدو المغيرة والحضر
من النفر الغر الذين سيوفهم
…
لها في حواشي كل داجية فجر
إذا استل منهم سيد غرب سيفه
…
تفزعت الأفلاك والتفت الدهر
فإنك إذ يقرع سمعك هذا الشعر لتحس معاني الرهبة تملأ جوانب نفسك، وتملك عليك زمام قلبك وحسك.
ثم لا تلبث أن يمر بسمعك، وأنت ثائر قول إبراهيم للمأمون:
"يا أمير المؤمنين" ولي الثأر محكم في القصاص، "والعفو أقرب للتقوى"، ومن تناوله الاغترار بما مد له من أسباب الشقاء أمكن عادية الدهر من نفسه، وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب، كما جعل كل ذي ذنب دونك، فإن أخذت فبحقك وإن عفوت فبفضلك:
ذنبي إليك عظيم
…
وأنت أعظم منه
فخذ بحقك أولا
…
فاصفح بفضلك عنه
إن لم أكن في فعالى
…
من الكرام فكنه
حتى تنقلب الثورة لطفا، القسوة عطفا، كالصخرة الصماء تفتِّتها ليونة الماء؛ فأنت ترى الألفاظ في المقام الأول تنحدر كما تنحدر الصخور من شواهق، وتراها في الثاني تسيل كما يسيل العذب الفرات سائغا للشاربين.
بل إن لكل كلمة إذا قرنت بأخرى مقاما ليس لها إذا قرنت بغيرها، وإن لنا في القرآن الكريم لخير قدوة في مراعاة مثل هذه الخصائص؛ فها هو ذا يحدثنا، فيقول عز من قائل:{فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ 1 قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} فقد عبر في جانب الحسنة بالفعل مصحوبا "بإذا" الموضوعة للجزم والتحقيق؛ لأن المقام مقام جزم ويقين، إذ إن المراد مطلق حسنة بدليل تعريفها بأل الجنسية، ومطلق الحسنة مجزوم بوقوعه، وأتى في جانب السيئة بالفعل مصحوبا "بإن" الموضوعة للشك والتردد؛ لأن المقام مقام شك وعدم جزم بالحصول، إذ إن السيئة بالقياس إلى الحسنة المطلقة نادرة الوقوع، والنادر مما يشك في حصوله ووقوعه.
إلى هنا وضح لك أن للفعل مع "إذا" مقاما ليس له مع "إن"؛ لأن مقامه مع "إذا" الجزم، ومقامه "مع أن" الشك، وهذا هو معنى قولهم المشهور:
"ولكل كلمة مع صاحبتها مقام": أي: لكل كلمة "كالفعل" مع كلمة أخرى مصاحبة لها في تركيب واحد "كإذا" مقام ليس لها مع كلمة أخرى "كان" كما تراه واضحا في الآية الكريمة. ويتجلى لك هذا في قولهم: "إن جاء محمد آتيك، وآتيك إذا احمر البسر"، عبر أولا مع الفعل "بإن"، ثم عبر ثانيا "بإذا" لأن مقام الأول الشك في وقوع المجيء من محمد، ومقام الثاني الجزم بوقوع احمرار البسر؛ ولهذا لا يصح العكس فيه.
1 يريد بالحسنة الخصب والرخاء، وبالسيئة الجدب والبلاء.