الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصاحة الكلمة:
فصاحتها: أن تسلم من العيوب الثلاثة: تنافر الحروف، مخالفة الوضع، الغرابة. ووجه حصر فصاحة الكلمة في السلامة من هذه الثلاثة: أن كل كلمة لها "مادة" هي حروفها، "وصورة" هي صيغتها، ودلالة على "معناها" فعيبها إما في مادتها وهو "التنافر"، أو في صيغتها وهو "مخالفة الوضع"، أو في دلالتها على معناها وهو "الغرابة". فبسلامتها من هذه العيوب تسلم مادتها، وصيغتها، ومعناها من الخلل، وهاك بيان العيوب الثلاثة على هذا النسق:
تنافر الحروف: هو أن تكون الكلمة ثقيلة على اللسان؛ يتعسر النطق بها، وهو نوعان: تنافر شديد، وتنافر قريب منه.
فالأول: كلفظ "الظش" للموضع الخشن، و"كالهعخع" لنبات ترعاه الإبل في قول أعرابي، وقد سئل عن ناقته: تركتها ترعى الهعخع. فهاتان الكلمتان غير فصيحتين؛ لما فيهما من تنافر الحروف تنافرا شديدا يشعر به كل ناطق، وهو خلل واقع في مادتهما.
والثاني: كلفظ "النقاخ" بضم النون، وهو الماء العذب في قول الشاعر:
وأحمق ممن يكرع الماء قال لي
…
دع الخمر واشرب من نقاخ مبرد
وكقول امرئ القيس الشاعر الجاهلي1:
غدائره مستشزرات إلى العلا
…
تضل العقاص في مثنى ومرسل2
يصف الشاعر حبيبته بكثرة الشعر وغزارته، وأنه مرتفع فوق رأسها، وأنه لكثافته منوع الأجزاء، فبعضه معقوص ملوي، وبعضه مثنى، وبعضه مرسل لا عقص فيه ولا تثنية، وأن المعقوص منه يتيه ويختفي فيما ثني وأرسل منه. فهاتان الكلمتان "في البيتين" غير فصيحتين؛ لما فيهما من تنافر في الحروف وإن كان أخف وقعا مما قبله، وهو خلل واقع في مادتهما كذلك.
قيل: إن الضابط المعول عليه في ضبط التنافر قرب مخارج الحروف أو بعدها بمعنى: أن تكون الحروف متقاربة في المخرج، أو متباعدة فيه؛ فلفظ "الهعخع" مثلا متنافر ثقيل لتقارب حروفه في المخرج؛ لأن الهاء والعين والخاء خارجة كلها من مخرج واحد هو الحلق إلا أن بعضها خارج من أقصاه، وبعضها من قريب منه. ولفظ "مستشزرات" متنافر ثقيل أيضا لتقارب حروفه في المخرج كذلك، إذ إن حروفه ما عدا الميم خارجة من مخرج واحد هو "اللسان"، غير أن بعضها خارج من طرفه، وبعضها من وسطه. ونحو "ملع" بمعنى:
1 هو أسبق شعراء الجاهلية إلى ابتداع المعاني، وحسن التعبير عنها، وأول من وقف على الديار واستبكى الأطلال.
2 الغدائر: جمع غديرة، وهي المسماة بالضفيرة، والضمير راجع إلى "فرع" في البيت الذي قبله وهو:
وفرع يزين المتن أسود فاحم
…
أثيث كقنو النخلة المتعثكل
أي: فرع محبوبته، ومستشزرات بكسر الزاي بمعنى: مرتفعات، ويروى بفتح الزاي بمعنى: مرفوعات، والعقاص: جمع عقيصة، وهي الخصلة من الشعر مجتمعة فوق الرأس، "والمثنى" الشعر المفتول، "والمرسل" ضده.
أسرع، متنافر الحروف أيضًا لتباعد حروفه في المخرج، إذ إن الميم خارجة من الشفتين، والعين من أقصى الحلق
…
وهكذا.
ورد هذا القول بأن الضابط المذكور غير مطرد؛ لأنا لا نجد تنافرا في لفظتي "الجيش والشجي" مع تقارب الجيم والشين في المخرج، كما لا نحس تنافرا في مثل "علم وملح" مع تباعد العين والميم والحاء في المخرج.
على أننا لو اعتبرنا التباعد في المخرج، أو التقارب فيه منشأ للتنافر المخل بالفصاحة لاقتضى ذلك وقوع غير الفصيح في القرآن، فقد ذكرت مادة "علم" في غير موضع منه مع تباعد العين والميم في المخرج، كما ورد في قوله تعالى:{أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ} الآية، مع تقارب الهمزة والعين والهاء في المخرج، وورود غير الفصيح في القرآن المعدود في أعلى طبقات الفصاحة مما لا يؤمن به عاقل.
وقد يجاب بأن ورود كلمة غير فصيحة في جمهرة الكلام الفصيح لا يخرجه عن فصاحته، كما أن ورود كلمة أعجمية في كلام عربي لا يخرجه عن عربيته بدليل ورود كثير من الكلمات الأعجمية في القرآن، ومع ذلك لا يسع عاقلا أن ينكر عربيته، كيف وقد قال تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا} .
ورد هذا الجواب: بألا يسلم لهذا القائل ما ادعاه من أن اشتمال الكلام الفصيح على كلمة غير فصيحة لا يخرجه عن فصاحته؛ لأن علماء البلاغة شرطوا في فصاحة الكلام أن تكون أجزاؤه كلها فصيحة، والقياس على الكلام العربي قياس مع الفارق؛ لأنهم لم يشترطوا في الكلام العربي أن تكون كل كلماته عربية كما شرطوا في الكلام الفصيح، على أن مجرد ورود كلمة غير فصيحة في القرآن مما يجرّ إلى ما لا يليق به "سبحانه" من نسبة العجز له عن إبدال غير الفصيح بالفصيح في كلام قصد به الإعجاز، والتحدي لبلوغه أعلى طبقات البلاغة.
أما من زعم1 أن منشأ الثقل في نحو: "مستشزرات" توسط الشين -وهي من الحروف الرخوة المهموسة- بين حرفين يضاربانها في صفتها، وهما "التاء الزاي" إذ إن التاء من الحروف الشديدة، والزاي من الحروف المجهورة فبعيد عن الصواب أيضًا لعدم اطراد ما زعم؛ إذ لا نجد تنافرا في لفظ "مستشرف" مع توسط "الشين" بين حرفين يضاربانها في صفتها كما في "مستشزر" فأي فرق بينهما؟
وإذًا فقرب المخارج أو بعدها، أو غيرهما لا يصلح ضابطا يعول عليه لعدم اطراده -كما عرفت- بل الحكم في ذلك للذوق السليم، فما عده الذوق ثقيلا متعسر النطق فهو متنافر، وما لا فلا، سواء أكان متقارب الحروف، أو متباعدها، أو غير ذلك ا. هـ.
مخالفة الوضع2: هي أن تكون الكلمة مخالفة لما ثبت عن الواضع، سواء أخالفت القياس الصرفي أيضا أم لا. فمدار المخالفة على ما ثبت عند الواضع بغض النظر عن القياس المذكور.
فمثال ما خالف الأمرين معا لفظ "بوقات" جمع مؤنث مفرده "بوق" بمعنى المزمار، في قول المتنبي يمدح سيف الدولة:
فإن يك بعض الناس سيفا لدولة
…
ففي الناس بوقات لها وطبول
يقول: إذا كنت سيفا لدولتك له أثره وخطره فغيرك من الملوك بمثابة البوق والطبل لا أثر له، ولا غناء فيه. فلفظ "بوقات" في البيت غير فصيح؛ لمخالفته لما ثبت عن الواضع، وللقياس الصرفي؛ إذ الثابت عن الواضع جمعه جمع تكسير، والقياس الصرفي أيضًا يقتضي
1 هو العلامة الخلخالي.
2 إنما آثرت هذا التعبير على قولهم: مخالفة القياس؛ لأنه أنسب بالمعنى المراد منه، وهو مخالفة الكلمة لما ثبت عن الواضع وإن وافق القياس.
جمعه مكسرا، فيقال:"أبواق"؛ لأن جمع المؤنث السالم له مواضع خاصة ليس هذا الاسم منها. ومثله لفظ "ضننوا" بمعنى بخلوا في قول الشاعر العربي:
مهلا أعاذل قد جربت من خلقي
…
أني أجود لأقوام وإن ضننوا
يخاطب الشاعر من لامته على إحسانه إلى من بخلوا عليه، فيقول: اقصدي من لومك، وهوني على نفسك الأمر، فقد عرفت أن من خلقي مجازاة من يسيء إلي بالإحسان إليه؛ لأني إنما أصنع المعروف للمعروف، لا لشيء وراءه، فلفظ "ضننوا" غير فصيح؛ لأنه مخالف لما ورد عن الواضع، وللقياس الصرفي. إذ الوارد عن الواضع "وإن ضنوا" بالإدغام لا بالفك، والقياس الصرفي أيضا يقتضي إدغام المثلين -كما عرفته في محله- ومثله لفظ "الأجلل" في قول الفضل بن قدامة الشاعر الإسلامي1:
الحمد لله العلي الأجلل
…
أنت مليك الناس ربا فاقبل
فلفظ "الأجل" غير فصيح؛ لأنه مخالف لما ثبت عن الواضع، وللقياس الصرفي كما ترى.
ومثال ما خالف الثابت عن الواضع، ووافق القياس قولك:"يأبي" بكسر الباء مضارع "أبى". فهو غير فصيح؛ لأنه مخالف لما ثبت عن الواضع، إذ الثابت عنه "يأبى" بفتح الباء لا بكسرها في حين أنه موافق للقياس الصرفي؛ لأن "فعل" بفتح العين لا يأتي مضارعه على "يفعل" بفتح العين إلا إذا كان عين ماضيه، أو لامه حرف
1 هو المكنى بأبي النجم، وهو من رجازي الإسلام ومن الفحول المقدمين أي: في الطبقة الأولى. وقيل: تمام البيت: "الواحد الفرد القديم الأول". وقيل: تمامه: "الواهب الفضل الكريم المجزل". وقيل: إن البيت على عكس ما يروى، فالعجز للصدر والصدر للعجز، و"ربا" منادى مضاف لياء المتكلم المنقلبة ألفا، حذفت منه ياء النداء على حد "يا حسرتا" وقيل: إن "ربا" منون حالا من الضمير في مليك.
حلق كسأل يسأل، ومنع يمنع، وليس "أبى يأبى" من هذا القبيل. كذلك لا يأتي مضارعه على "يفعل" مضموم العين إلا إذا كان مضعف العين متعديا "كمده يمده"، أو أجوف واويا "كقال يقول"، أو ناقصا واويا "كسما يسمو" وليس أبى يأبى أحد هذه الأنواع، فكسر عين مضارعه حينئذ موافق للقياس الصرفي ولكنه مع ذلك غير فصيح؛ لمخالفته ما ثبت عن الواضع. فالشرط إذًا في المخالفة أن تخالف الكلمة ما ثبت عن الواضع، سواء خالفت القياس الصرفي أيضا، أو وافقته -كما عرفت- وذلك خلل واقع في الصيغة يخرج اللفظ عن الفصاحة.
تنبيه:
علم مما تقدم أن ما ثبت عن الواضع، سواء وافق القياس الصرفي أو خالفه فصيح، فنحو "آل وماء" من قولك:"هؤلاء آلك فاعطف عليهم" و"هذا ماؤك فاشربه" مخالف للقياس الصرفي؛ لأن الأصل فيهما "أهل وموه" أبدلت الهاء فيهما همزة، وهذا الابدال لا يقره القياس، ولكنه فصيح لموافقته ما ورد عن الواضع. ومثله "أبى يأبى" بفتح الباء في المضارع، والقياس كسرها لما تقدم بيانه، ولكنه فصيح لوروده هكذا عن الواضع. كذلك قولهم:"عورت عين فلان"، و {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ} فإن القياس فيهما أن يقال: عارت عينه، واستحاذ عليهم بقلب الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فتصحيح الواو حينئذ مخالف للقياس لكنه فصيح؛ لأنه ورد هكذا عن الواضع ا. هـ.
الغرابة: هي أن تكون الكلمة وحشية أي: غير ظاهرة الدلالة على المعنى الموضوعة له1، ويكون ذلك لسببين:
1 فلا يرد ما ورد في القرآن في المجمل والمتشابه، فإنهما غير ظاهري الدلالة على المعنى المراد لله تعالى لا على المعنى الموضوع له، وإلا اشتمل القرآن على الغريب غير الفصيح.
الأول: عدم تداول الكلمة في لغة العرب الخلص، فيحتاج في معرفتها إلى بحث وتنقيب في معاجم اللغة إذ لا يذكرها من اللغويين إلا القليل.
فتارة يعثر على معناها بعد البحث كلفظتي "تكأكأتم وافرنقعوا" من قول عيسى بن عمر النحوي وقد سقط عن دابته، فاجتمع الناس حوله:"ما لكم تكأكأتم علي كتكأكئكم على ذي جنة، افرنقعوا" فمعنى "تكأكأتم" اجتمعتم، ومعنى "افرنقعوا" انصرفوا. يقول متعجبا: ما لكم اجتمعتم علي كاجتماعكم على ذي جنون، تنحوا عني. ومنه لفظ "رخاخ" بفتح الراء في قولهم:"نحن في رخاخ من العيش" أي: في سعة ورغد، ونحو "مسحنفرة" بمعنى متسعة في قول امرئ القيس:"رب طعنة مسحنفرة".
وتارة لا يعثر عليه بعد البحث كلفظ "جحلنجع" من قول أعرابي يسمى أبا الهميسع1: "من طمحة2 صبيرها3 جحلنجع" بجيم مفتوحة فمهملة ساكنة فلام مفتوحة فنون ساكنة فجيم مفتوحة فعين مهملة، ومثله "ترللج" بفتح فسكون ففتح فكسر.
فكل هذه الكلمات غير فصيحة؛ لأنها غريبة، غير ظاهرة المعنى لعدم تداولها، وذلك خلل واقع في المعنى.
الثاني: عدم استعمال الكلمة عند العرب الخلص بالمعنى الذي أريد منها، فيحتاج في معرفتها إلى تخريج على وجه بعيد كلفظ "مسرجا" في قول رؤبة بن العجاج4:
1 بفتح الهاء والميم والسين وسكون الياء.
2 الطمحة: النظرة.
3 السحاب المتراكم.
4 كان هو وأبوه العجاج رجازين مشهورين، لكل واحد منهما ديوان رجز ليس فيه سوى الأراجيز.
أيام أبدت واضحا مفلجا
…
أغر براقا وطرفا أدعجا
ومقلة وحاجبا مزججا
…
وفاحما ومرسنا "مسرجا"1
يصف الشاعر من محبوبته عدة أشياء، منها الأنف في قوله:"ومرسنا مسرجا" فقد أراد بالمرسن أنفها، وهو في "الأصل" أنف البعير، إذ هو موضع الرسن2 منه، ثم أريد به مطلق أنف مجازا مرسلا -كما سيأتي بيانه في موضعه- فقوله:"مسرجا" غير فصيح؛ لأنه غريب، غير ظاهر الدلالة لعدم استعماله بالمعنى الذي أريد منه، وهو خلل واقع في المعنى.
بيان ذلك: أن "مسرجا" في كلام الشاعر اسم مفعول مشتق، وكل مشتق لا بد له من أصل يرجع إليه في الاشتقاق، غير أنه فتش في معاجم اللغة، فلم يعثر على مصدر لهذا المشتق، وإنما وجد من هذه المادة "سريجي وسراج"، وحمل هذه الكلمة على الخطأ لا يجوز لوقوعها من عربي عارف باللغة، فاحتِيج إلى تخريجها على وجه تسلم به من الخطأ، وإن كان بعيدا، وهذا هو وجه التخريج، والدافع إليه.
ولما لم يعلم ما أراده الشاعر بقوله: "مسرجا" اختلف في تخريجه.
فقيل: هو من قولهم: سيوف سريجية3، أي: منسوب إليها من
1 ضمير "أبدت" عائد على محبوبته في البيت قبله، و"واضحا" صفة لموصوف محذوف أي: سنا واضحا متميزا، و"الفلج" بالتحريك: تباعد ما بين الأسنان، و"الأغر": الأبيض، و"الدعج" بالتحريك: اتساع العين وحسنها، و"المقلة": بياض العين مع سوادها وقد يراد بها الحدقة، و"التزجيج": التدقيق مع تقويس، و"فاحما": صفة لمحذوف أي: شعرا أسود كالفحم، فهو من نسبة المشبه للمشبه به.
2 هو مقود البعير.
3 نسبة إلى حداد كان يجيد صناعة السيوف، يقال له:"سريج" بضم ففتح.
نسبة المشبه للمشبه به، يريد -على ما يظهر- أن يشبه أنفها بالسيف السريجي في الدقة والاستواء.
وقيل: هو مأخوذ من السراج، أي: منسوب إليه نسبة تشبيهية أيضًا يريد -على ما يبدو- أن يشبه أنفها بالسراج في الرونق والضياء.
وعلى كلا القولين هو غير ظاهر الدلالة على ما ذكر؛ لأن مادة "فعل" المضعف العين إنما تدل فقط على مجرد نسبة الشيء إلى أصله، فيقال: كفر فلان فلانا نسبه إلى الكفر، وفسقه نسبه إلى الفسق، فهو مكفر أو مفسق أي: منسوب إلى الكفر أو الفسق. ولما لم يوجد "لمسرج" أصل ينسب إليه اعتبر منسوبا للسريجي أو للسراج -على ما سبق في القولين- غير أن النسبة التشبيهية -وهي أن يكون المنسوب شبيها بالمنسوب إليه- لا تدل عليها المادة المذكورة، فأخذ ذلك منها بعيد؛ لهذا كان اللفظ غريبا، غير ظاهر الدلالة؛ لعدم استعماله عند العرب بهذا المعنى المراد.
وقد حاول بعضهم لهذه الكلمة علاجا تصح به وتسلم، فقال: إن "مسرجا" اسم مفعول مأخوذ من سرج الله وجهه: حسنه وبهجه، وإذًا فقول الشاعر:"ومرسنا مسرجا" معناه: وأنفا محسنا مبهجا، من غير اعتبار نسبة إلى شيء، أو تشبيه به. وبهذا يخرج اللفظ المذكور سليما معافى من داء الغرابة؛ لظهور دلالته على معناه.
وأجيب بأنها محاولة غير مجدية؛ لأن اللفظ بهذا المعنى لا وجود له في المبسوط من معاجم اللغة، إذ لم يشتهر بهذا المعنى في كتبها، فهو وإن سلم من عيب الغرابة بالمعنى الثاني -وهو ما احتيج فيه إلى التخريج البعيد- لا يزال يشكو داء الغرابة بالمعنى الأول، وهو ما احتيج فيه إلى التفتيش والبحث في كتب اللغة.
على أنه لا يبعد أن يكون "سرج" مأخوذا من السراج، واستعمل
بمعنى سرج الله وجهه: حسنه وبهجه، أي: أوجده على هذه الصفة، لا على معنى النسبة التشبيهية كالذي تقدم، ويكون ذلك من ابتكار المولدين ومواضعاتهم غير أنه لا يصح أخذ "مسرجا" منه؛ لامتناع أخذ السابق من اللاحق.
ووجه انحصار "الغريب" في السببين المتقدمين، أن اللفظ يدل على معناه بجوهره وهيئته، فعدم ظهور دلالته؛ أما باعتبار جوهره فيحتاج إلى التنقير والتفتيش، وإما باعتبار هيئته، فيحتاج إلى التخريج على الوجه البعيد.
تنبيهان:
الأول: اعلم أن عدم ظهور المعنى المتقدم ذكره في مفهوم الغرابة منظور فيه إلى الخلص من الأعراب سكان البادية، فهم قد يخفى عليهم معنى اللفظ إذا قل تداوله بينهم، أو لم يستعمل عندهم بالمعنى المراد منه -على ما ذكرنا- أما غير العرب من المولدين فغير منظور إليهم في ذلك، وإلا خرج كثير من قصائد العرب، بل جلها عن الفصاحة لغلبة الجهل باللغة على غير أربابها ا. هـ.
الثاني: زاد بعضهم عيبا رابعا على العيوب المخلة بفصاحة الكلمة، وهو أن تكون الكلمة مستكرهة يمجها السمع، ويأنفها الطبع كلفظ "النقاخ" بمعنى الماء العذب، في قول الشاعر المتقدم:
وأحمق ممن يكرع الماء قال لي
…
دع الخمر واشرب من "نقاخ" مبرد
و"كالجرشى" بمعنى النفس في قول أبي الطيب المتنبي من قصيدة يمدح بها سيف الدولة.
مبارك الاسم أغر اللقب
…
كريم "الجرشى" شريف النسب1
ورد "السعد" هذا العيب الزائد بأن استكراه السمع للفظ إنما جاء من ناحية وحشيته لغرابته، أو من ناحية تنافر حروفه كما في "تكأكأتم وافرنقعوا" فإنهما -لا شك- يثقلان على السمع لا لشيء سوى غرابتهما؛ لعدم تداولهما في اللغة الفصحى، أو لتنافر حروفهما؛ وحينئذ ففي ذكر الغرابة أو التنافر غنية عن ذكر هذا العيب.
ورد غيره هذا العيب بأن الكراهة في السمع إنما جاءت من ناحية قبح الصوت، لا من ذات اللفظ، فلو أضيف هذا العيب إلى العيوب السابقة لخرج عن الفصاحة كثير من الكلمات المتفق على فصاحتها بسبب صدورها من قبيح الصوت.
وقد فند "السعد" هذا التوجيه بقوله: لا يسلم لهذا القائل ما ادعاه من أن الكراهة في السمع مرجعها قبح الصوت، لا ذات اللفظ إذ لو كان الأمر كما يدعيه لزم أن تكون كلمة "الجرشى" بمعنى النفس، أو "اطلخم" بمعنى أظلم، أو "النقاخ" بمعنى الماء العذب غير مكروهة في السمع إذا نطق بها ذو الصوت الحسن، فتكون فصيحة، وأن تكون المرادفات المذكورة لهذه الألفاظ مكروهة في السمع إذا نطق بها ذو الصوت القبيح، فلا تكون فصيحة وذلك خلاف الواقع؛ للقطع بكراهية السمع لتلك الألفاظ دون مرادفاتها سواء صدرت عن حسن الصوت، أو عن قبيحه ا. هـ.
1 إنما كان مبارك الاسم لإشعاره بالعلو، ولموافقته لاسم علي بن أبي طالب فهو سميه، و"أغر اللقب" مشهوره لاشتهاره بسيف الدولة والملوك يشار إليهم بألقابهم؛ تعظيما لهم وإجلالا، والأغر في الأصل: أبيض الجبهة من الخيل ثم نقل على طريق الاستعارة، أو المجاز المرسل إلى كل واضح مشهور. وإنما كان شريف النسب؛ لأنه على ما قيل من سلالة بني العباس، ورجح بعضهم أنه تغلبي من قبيلة تغلب.