المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌التقسيم السادس: ينقسم التشبيه باعتبار الوجه أيضا إلى قسمين: قريب مبتذل، - المنهاج الواضح للبلاغة - جـ ٣

[حامد عونى]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الثالث

- ‌مقدمات

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌تمهيد بنشأة العلوم البلاغة وتدرجها

- ‌وجه الحاجة إلى دراستها:

- ‌‌‌الفصاحةوالبلاغة

- ‌الفصاحة

- ‌مدخل

- ‌فصاحة الكلمة:

- ‌فصاحة الكلام:

- ‌فصاحة المتكلم:

- ‌البلاغة

- ‌مدخل

- ‌بلاغة الكلام:

- ‌اختلاف مقتضيات الأحوال:

- ‌مراتب البلاغة:

- ‌بلاغة المتكلم:

- ‌علم البيان

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: في تعريف علم البيان

- ‌المبحث الثاني: في الدلالة

- ‌المبحث الثالث: في التشبيه

- ‌مدخل

- ‌التقسيم الأول:

- ‌التقسيم الثاني:

- ‌التقسيم الثالث

- ‌مبحث وجه الشبه

- ‌التقسيم الأول

- ‌التقسيم الثاني:

- ‌التقسيم الثالث:

- ‌فصل في الوجه المركب الحسي:

- ‌التقسيم الرابع:

- ‌التقسيم الخامس:

- ‌التقسيم السادس:

- ‌مبحث أداة التشبيه:

- ‌مبحث أغراض التشبيه:

- ‌تقسيم التشبيه باعتبار الغرض:

- ‌التشبيه والتشابه:

- ‌مراتب التشبيه:

- ‌الاختلاف في صيغة التشبيه:

- ‌المبحث الرابع: في‌‌ الحقيقةوالمجاز

- ‌ الحقيقة

- ‌المجاز:

- ‌الوضع:

- ‌القول بدلالة اللفظ لذاته:

- ‌الاستعارة

- ‌مدخل

- ‌ما لا بد منه لتحقيقها:

- ‌الاستعارة لا تصح في علم الشخص:

- ‌الاستعارة مجاز لغوي، لا عقلي:

- ‌قرينة الاستعارة:

- ‌تقسيم الاستعارة

- ‌باعتبار الطرفين

- ‌تقسيم الاستعارة باعتبار الجامع:

- ‌تقسيم الاستعارة باعتبار الطرفين والجامع:

- ‌تقسيم الاستعارة باعتبار ذكر أحد طرفيها:

- ‌الاستعارة التصريحية

- ‌مدخل

- ‌الاستعارة الأصلية:

- ‌الاستعارة التبعية:

- ‌التقسيم الثاني باعتبار الملائم:

- ‌الاستعارة المكنية

- ‌مدخل

- ‌قرينة المكنية:

- ‌اختبار:

- ‌تمرينات منوعة:

- ‌المجاز المرسل

- ‌علاقات المجاز المرسل

- ‌المجاز المركب:

- ‌فصل في شرائط حسن الاستعارة:

- ‌فصل آخر في المجاز بالحذف، والزيادة:

- ‌المبحث الخامس في الكناية

- ‌مدخل

- ‌أقسام الكناية:

- ‌بحث للسكاكي في بعض أنواع الكناية:

- ‌خاتمة:

- ‌أسئلة وامتحانات رسمية:

- ‌موضوعات الكتاب:

الفصل: ‌ ‌التقسيم السادس: ينقسم التشبيه باعتبار الوجه أيضا إلى قسمين: قريب مبتذل،

‌التقسيم السادس:

ينقسم التشبيه باعتبار الوجه أيضا إلى قسمين: قريب مبتذل، وبعيد غريب. ومعنى "قريب": أنه في متناول العامة وغيرهم، ومعنى "مبتذل": أنه متداول بين الناس، ومن هذا التفسير يعلم معنى البعيد الغريب الآتي بعد.

فالقريب المبتذل: ما ينتقل فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به من غير تأمل، ونظر بسبب وضوح وجه الشبه فيهما، كتشبيه حسناء الوجه بالقمر في الإشراق، وحسن الصوت بالبلبل في حسن النغم، وكتشبيه الشجاع بالأسد في الإقدام، والكريم بالغيث في الإغداق. فكل واحد من هذه التشبيهات قريب؛ يكثر تداوله بين الناس؛ لسهولة انتقال الذهن فيه من المشبه إلى المشبه به بسبب وضوح وجه الشبه بين الطرفين، كما ترى.

وأسباب وضوح وجه الشبه ثلاثة:

1-

أن يكون الوجه شيئا واحدا، لا تعدد فيه، ولا تفصيل كالأمثلة السابقة. فإن وجه الشبه في كل منها واحد، وإدراك الشيء الواحد لا يحتاج لغير ملاحظة واحدة؛ لهذا كان التشبيه قريبا مبتذلا؛ لانتقال الذهن فيه من المشبه إلى المشبه به بلا تأمل.

2-

أن يكون في وجه الشبه شيء من التفصيل، يحتاج إلى تعدد الملاحظة، غير أنه يكثر حضور صورة المشبه به في الذهن عند استحضاره صورة المشبه؛ لما بين الصورتين من شدة التناسب

ص: 150

كأن تشبه العنب بالبرقوق في حجمه، وشكله، ولونه، ففي وجه الشبه بين الطرفين تفصيل ما؛ إذ لوحظ فيه هذه الأمور الثلاثة: الحجم، والشكل، واللون. وهذا يقتضي شيئا من غرابة التشبيه وبعده، ولكن عارض ذلك ما يقتضي قربه وابتذاله، وهو سرعة حضور صورة المشبه به في الذهن عند استحضار صورة المشبه؛ لما بينهما من شدة التجانس، وقوة التناسب، إذ إن العنب والبرقوق من فصيلة واحدة، يجمعهما زمن واحد، وسوق واحدة، فلا أثر للتفصيل في وجه الشبه، مع قوة هذا التجانس المقتضي لسرعة انتقال الذهن إلى المشبه به لظهور الوجه، ووضوحه.

ومثله تشبيه الجرة الصغيرة بالكوز في "المقدار والشكل"، فإن سرعة حضور صورة الكوز في الذهن عند استحضاره صورة الجرة؛ لشدة التناسب بين الصورتين عارضت التفصيل في الوجه على نحو ما ذكرنا في المثال الأول، وبهذا سهل انتقال الذهن لوضوح الوجه، ومن هنا كان التشبيه قريبا، مبتذلا.

3-

أن يكون في الوجه شيء من التفصيل -كسابقه- يحتاج إلى تعدد الملاحظة، غير أنه يكثر حضور صورة المشبه به في الذهن مطلقا أي: لا بقيد استحضار صورة المشبه؛ وذلك لكثرة مشاهدة صورة المشبه به، وتكررها على الحس، فإن المشاهد كثيرا يكثر خطوره بالبال عادة، وإذا كثر حضوره في الذهن لكثرة مشاهدته سهل الانتقال إليه عند إرادة التشبيه، ووضح وجه الشبه ومن هنا كان التشبيه قريبا مبتذلا، كما في تشبيه إنسان بالقمر "في الرفعة والهداية"، وكتشبيه المرآة المجلوة بالشمس "في الاستدارة والاستنارة" فإن في وجه الشبه بين الطرفين "في المثالين" شيئا من التفصيل؛ إذ لوحظ فيه أمران:"الرفعة والهداية" في الأول، و"الاستدارة والاستنارة" في الثاني، وهذا يقتضي شيئا من غرابة التشبيه وبعده، ولكن عارض ذلك ما جعله قريبا مبتذلا. وهو كثرة حضور صورة المشبه به في الذهن

ص: 151

لكثرة النظر إليها، وليس من شك أن صورة "القمر" في المثال الأول، وصورة "الشمس" في المثال الثاني مما يشاهد كثيرا.

والبعيد الغريب: ما لا ينتقل فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به إلا بعد إعمال فكر، وطول تأمل بسبب خفاء وجه الشبه فيهما.

وأسباب خفاء وجه الشبه ثلاثة أيضا:

1-

أن يكون في الوجه تفصيل يحتاج إلى كثرة الملاحظات، والاعتبارات كما في تشبيه الهيئات بعضها ببعض، كتشبيه هيئة الخال على الخد بالشقيق في قول الشاعر:

لا تعجبوا من خاله في خده

كل الشقيق بنقطة سوداء

فوجه الشبه بين الطرفين هو الهيئة الحاصلة من وجود نقطة مستديرة سوداء، في وسط رقعة مبسوطة حمراء وفيه من كثرة التفصيل، والاعتبارات ما لا يقع في نفس مريد التشبيه إلا بعد روية ونظر، وكتشبيه الشمس بهيئة المرآة في يد مرتعشة، أو بهيئة بوتقة محماة، فيها ذهب ذائب، وكتشبيه مثار النقع، يتخلله بريق السيوف المتلاحمة بليل تتهاوى كواكبه، وكتشبيه هيئة إقعاء الكلب بهيئة جلوس البدوي المصطلي، إلى غير ذلك مما لا يقوم بنفس مريد التشبيه إلا بعد أن يتأمل ويتعمل.

2-

أن يندر حضور صورة المشبه به في الذهن عند استحضار صورة المشبه لبعد التناسب بين الصورتين، وعدم التجانس بينهما، كما في تشبيه القمر بالعرجون في قوله تعالى:{وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ 1 الْقَدِيمِ} ، فصورة "العرجون" في ذاتها غير نادرة الحضور في الذهن، ولكنها تندر عند استحضار صورة

1 هو سباطة البلح إذا يبست انحنت، وتقوست أشبه شيء بتقوس الهلال.

ص: 152

"القمر" للبون الشاسع بين الصورتين؛ فإن القمر مسكنه في السماء، والعرجون في الأرض، والقمر مثال العلو والهداية، والعرجون شيء تافه حقير، لا تكاد تظهر له فائدة، فشتان ما بين الصورتين، وناءٍ ما بين الطرفين. ومثله قول الشاعر يصف أزهار البنفسج على سيقانها:

ولازوردية تزهو بزرقتها

بين الرياض على حمر اليواقيت

كأنها فوق قامات ضعفن بها

أوائل النار في أطراف كبريت1

كان المناسب للشاعر أن يشبه صورة أزهار البنفسج، وهي على سيقانها بما يناسبها من الأزهار، إذ هو الذي يتبادر إلى الذهن عند استحضار صورة البنفسج، ولكنه شبهها بصورة النار في أطراف الكبريت أول شبوبها، ووجه الشبه الهيئة الحاصلة من تعلق أجرام صغيرة لطيفة، ذات لون خاص على شكل خاص بجرم دقيق الساق يخالفها لونا. فصورة النار في أطراف الكبريت غير نادرة الحضور في الذهن؛ إذ إنها في متناول عامة الناس، واقعة بين أيديهم وأرجلهم، لكنها تندر عند استحضار صورة البنفسج وهو على سيقانه لما بينهما من عدم التجانس، وبعد الموطن، فهذا زهر ندي لطيف، وذاك لهب حار عنيف، وهذا يسكن الخمائل، وذاك يستوطن المنازل، فبعد ما بين الطرفين.

1 "لازوردية" بكسر الزاي وفتح الواو وسكون الراء صفة لمحذوف، أي: رب أزهار من البنفسج لازوردية، نسبة إلى الحجر المسمى باللازورد؛ لكونها على لونه فهي نسبة تشبيهية، و"تزهو" من الزهو وهو الكبر، ونسبة التكبر إلى البنفسج تجوز، و"حمر اليواقيت" من إضافة الصفة للموصوف أي: اليواقيت الحمر، يحتمل أن يراد بها المعنى الحقيقي، ويحتمل أن تكون استعارة أراد بها الأزهار الحمر لمشابهة الأزهار بها، وهو المناسب للبنفسج بدليل قوله:"بين الرياض"، و"فوق قامات" حال من اسم "كأن"، و"ضعفن بها" يريد انحنين بها؛ لأن الساق التي عليها زهر البنفسج إذا طالت انحنت وكأنها ضعفت عن حمله، و"أوائل النار" أي: في بدء اشتعالها، وإنما قيدت بذلك؛ لأن النار في هذا الحال يضرب لونها إلى الزرقة الشبيهة بلون البنفسج.

ص: 153

3-

أن يندر حضور صورة المشبه به في الذهن مطلقا، أي: سواء حضرت صورة المشبه في الذهن أو لا؛ وذلك لأمور منها:

أ- أن يكون المشبه به وهميا، أي: من اختراع الوهم، كما في تشبيه النصال المسنونة الزرق بأنياب الأغوال، فإن أنياب الأغوال مما لا وجود لها في غير الأوهام.

ب- أن يكون المشبه به خياليا، أي: من نسج الخيال، كصورة أعلام من ياقوت، منشورة على رماح من زبرجد في قول الشاعر المتقدم، فإن هذه الصورة وما شاكلها من الهيئات المركبة لا وجود لها إلا في الخيال.

جـ- أن يندر تكرر المشبه به على الحس، كصورة المرآة في كف الأشل1، فقد ينقضي عمر الإنسان ولا يرى مرآة في يد شلاء.

هذا، وإنما كانت كثرة حضور المشبه به في الذهن سببا في وضوح وجه الشبه، وندرة حضوره سببا في خفاء الوجه؛ لأن وجه الشبه -كما علمت- مشترك بين الطرفين، قائم بهما، فتصوره فيهما موقوف على تصورهما. فإذا كان المشبه به كثير الحضور في الذهن، أو نادر الحضور فيه؛ لزم أن يكون وجه الشبه أيضا كثير الحضور، أو نادره تبعا له، ومن هنا كان وضوحه أو خفاؤه.

معنى التفصيل في الوجه:

اعلم أن المراد بالتفصيل في وجه الشبه ما فيه من كثرة الاعتبارات والملاحظات، بأن ينظر فيه إلى أكثر من وصف لشيء واحد أو لأكثر، متعددا كان ذلك الوجه، أو مركبا اعتباريا، غير أن المركب أشد

1 وفيه سبب آخر لخفاء الوجه، وغرابة التشبيه، وهو كثرة التفصيل فيه.

ص: 154

حاجة إلى إعمال فكر، ودقة نظر؛ لما فيه من الهيئة التركيبية الحاصلة من تضامّ الأجزاء، وارتباط بعضها ببعض. فمثال تعدد الأوصاف لشيء واحد ما تراه في تشبيه المفرد المقيد بمثله، كما في قول الشاعر المتقدم في "تشبيه الثريا بعنقود الملاحية" إذ قد لُوحظ في الوجه عدة أوصاف متضامة، تكونت من شكل أجرام، ولونها، ومقدارها، وهيئة أوضاعها، على ما سبق، ومجموعها وصف لشيء واحد مشبه بآخر مثله كما عرفت.

ومثال تعدد الأوصاف لأكثر من شيء واحد ما تراه في تشبيه مركب بمركب في قول "بشار" في تشبيه مثار النقع، مع الأسياف اللامعة بالليل، مع الكواكب المتهاوية، فقد اعتبر في الوجه عدة أوصاف تلاصقت والتأمت من اللون القاتم، وبريق الأجرام في أثنائه، وحركاتها، وتناسب أشكالها، واختلاف مواقعها -على ما تقدم- ومجموعها وصف لمركب مشبه بمثله كما رأيت.

هذا، وكلما كثر التفصيل في الوجه كان التشبيه أدخل في باب الغرابة، وأبعد عن الابتذال، وكان أدق نسجا، وأجمل وقعا كما تراه في قوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ

} "الآية" فقد حوت من كمال الدقة، واستقصاء مناحي التشبيه ما يبهر العقول.

أوجه التفصيل:

يقع التفصيل في وجه الشبه على وجوه كثيرة، أحراها بالقبول، وأولاها بالاعتبار صورتان:

الأولى: أن يؤخذ بعض الأوصاف، ويترك بعضها من كل تشبيه فيه دقة تحتاج إلى مزيد نظر1، وفضل ملاحظة كما في قول امرئ القيس:

1 احترز به عن نحو قولك: محمد كعلي في مجموع الجبن، وعدم الكرم، فليس بشيء.

ص: 155

حملت ردينيا كأن سنانه

سنا لهب لم يتصل بدخان1

شبه الشاعر سنان الرمح بلهب ذي سنا، فاعتبر في كل منهما شكله المخروطي الدقيق الطرف، وزرقته الصافية، ولمعانه، ثم قصد أن ينفي الدخان عن السنا تحقيقا للتشبيه، ولو لم ينف ذلك لم يتم التشبيه المقصود؛ إذ ليس في رأس السنان ما يشبه الدخان، وتحقيق التشبيه على هذه الصورة لا يتأتى على البديهة -كما ترى- ومثله قول الشاعر:

كأن عيون الوحش حول خبائنا

وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب2

يقول: إنهم كانوا كثيري اصطياد الوحوش، وإنهم كانوا يأكلونها، ويطرحون أعينها حول أخبيتهم، أشبه شيء بالجزع غير المثقوب، وقد نفى التثقيب عن الجزع تحقيقا للتشبيه، وبيانا لتساوي الطرفين في وجه الشبه لأن الجزع إذا كان مثقبا خالف العيون في الشكل بعض المخالفة، إذ لا تثقيب فيها.

الثانية: أن يؤخذ جميع الأوصاف، بأن يعتبر وجودها جميعها في وجه الشبه، كما مر في نحو قول الشاعر:

وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى

كعنقود ملاحية حين نورا

فقد اعتبر في كل من الطرفين الشكل، والمقدار، واللون، والوضع الخاص، ومثله سائر التشبيهات في الهيئات السابقة.

1 "الرديني": الرمح المنسوب إلى ردينة اسم امرأة كانت تجيد صنعة الرماح وتقويمها، وهي امرأة "السمهر" بفتح السين وسكون الميم وفتح الهاء، وهو أيضا كان يحسن صنع الرماح وإليه تنسب الرماح السمهرية، و"سنا لهب" من إضافة الصفة للموصوف أي: لهب ذو سنا.

2 "الخباء": بيت من شعر، و"أرحل" جمع رحل وهو ما يحمل على البعير، والجزع بفتح الجيم أو كسرها وسكون الزاي: عقيق فيه دوائر بيض وسود تشبه به عيون الوحش، قال الأصمعي: الظبي والبقرة الوحشية إذا كانا حيين فعيونهما كلها سود، فإذا ماتا بدا بياضها فأشبهت الجزع.

ص: 156

تنبيهان:

الأول: اعلم أن التشبيه البليغ1 هو ما كان بعيدا غريبا2 كما في تشبيه الهيئات المنتزعة من أمور متعددة -على ما عرفت- سواء كان وجه الشبه مركبا من أمور كثيرة أو لا، وسواء ذكرت أداته، أو لم تذكر لما هو مركوز في الطباع من أن الشيء إذا نيل بعد الاحتيال له، ومعاناة التوسل إليه كان نيله أحلى، وموقعه في النفس ألذ وأشهى؛ ولهذا ضرب المثل لكل ما لطف موقعه، ودق موضعه ببرد الماء على الظمأ، قال القطامي:

وهن ينبذن من قول يصبن به

مواقع الماء من ذي الغلة الصادي

قالوا: وما أشبه هذا الضرب بالجوهر في الصدف، لا يبرز إليك إلا أن تشقه عنه، أو بالحبيب المتحجب، لا يريك وجهه حتى تستأذن، وقديما قالوا:

وزاده كلفا في الحب أن منعت

وحب شيء إلى الإنسان ما منعا

أما إطلاق البليغ على التشبيه الذي حذفت أداته إطلاقا شائعا، فاصطلاح لبعضهم، وإلا فهو يسمى تشبيها مؤكدا، على ما سيأتي. ا. هـ.

الثاني: قد يتصرف الحاذق بصنعة الكلام في التشبيه القريب

1 المراد بالبليغ هنا ما يتخاطب به الخواصّ من البلغاء لما فيه من دقة التركيب، ولطف المعنى، وليس المراد ما كان مطابقا لمقتضى الحال، فإن المبتذل قد يطابق مقتضى الحال إذا كان الخطاب مع غبي متبلد.

2 قد يقال: إن الغرابة منشؤها خفاء الوجه -كما علمت- فكيف يكون خفاء الوجه سببا في بلاغة التشبيه، مع أنه تقدم أن عدم الظهور ضرب من التعقيد وهو ينافي البلاغة؟ والجواب: إن الخفاء الموجب للتعقيد ما كان منشؤه سوء التركيب، أو اختلال انتقال الذهن من المعنى الأول إلى الثاني -على ما سبق- أما هنا فمنشأ الخفاء لطف المعنى ودقته وهذا محقق للبلاغة وموجبها، لا منا فيها كما في قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ

} "الآية"، وكما في تشبيه الهيئات المتقدمة.

ص: 157

المبتذل، بما يجعله غريبا ممتنعا، لا ترتقي إليه مدارك العامة، كما في قول أبي الطيب من قصيدة يمدح بها هارون بن عبد العزيز:

لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا

إلا بوجه ليس فيه حياء

يريد الشاعر أن يشبه وجه الممدوح بالشمس في الإشراق، ومثل هذا التشبيه مطروق مبتذل، يستوي فيه العامة والخاصة لظهور وجه الشبه، وعدم توقفه على نظر -غير أن حديث الحياء، وما فيه من الدقة والحسن- من حيث إفادته المبالغة في وصف الممدوح بوضاءة الوجه، وأنه أعظم إشراقا من الشمس -أخرج التشبيه عن الابتذال، وكساه صورة رائعة، تستوقف النظر، وتستثير الإعجاب- ذلك أنه نزَّل الشمس منزلة من يرى ويستحي، فادعى أنها حينئذ تلقى وجه الممدوح لا تلقاه إلا بوجه منزوع منه الحياء، أي: وكان ينبغي حينئذ تلقاه أن تتوارى خجلا1. ومثل هذا التصرف يقتضي أن يكون وجه الممدوح أكمل وأتم إشراقا من الشمس، وفي هذا تشبيه ضمني؛ لأن وجه الممدوح إذا كان أتم من الشمس في الإشراق استلزم ذلك اشتراكهما في أصل الإشراق، فيثبت التشبيه ضمنا2، وهو تشبيه معكوس إذ المقصود تشبيه الوجه بالشمس، لا العكس. وشبيه بقول المتنبي قول الشاعر:

إن السحاب لتستحيي إذا نظرت

إلى نداك فقاسته بما فيها

لا شك أن تشبيه الندي بالسحاب في الفيض مبتذل، في متناول العامة، ولكن حديث "الاستحياء"، وتنزيل السحاب منزلة من ينظر

1 ويصح رفع الوجه في بيت أبي الطيب ونصب شمس نهارنا على المفعولية، والمعنى على هذا: أن الشمس لا يمكن أن يلقاها وجه الممدوح إلا إذا كانت مجردة عن الحياء، وكلا التصرفين بديع.

2 أي: على اعتبار أن قوله: "لم تلق" من لقيته بمعنى أبصرته، وإن كان من لقيته بمعنى عارضته وماثلته، فالتشبيه حينئذ مأخوذ من الفعل المنفي المصرح به، فيكون التشبيه مصرحا به لدلالة الفعل عليه صراحة.

ص: 158

ويستحي، خرج بهذا التشبيه من ابتذاله إلى مستوى رفيع -على ما قلنا في البيت السابق- ومثل البيتين السابقين قول رشيد الدين:

عزماته مثل النجوم ثواقبا

لو لم يكن للثاقبات أفول1

فإن تشبيه العزم بالنجم في الثقوب، وهو النفوذ مبتذل قريب؛ لوضوح وجه الشبه، وعدم حاجته إلى توقف، ولكن وصف الأفول، وعروضه للثاقبات دون العزمات، وما في ذلك من الدلالة على أن المشبه أتم من المشبه به في وجه الشبه أبرز التشبيه في صورة ممتنعة، وكساه خيالا بديعا رائعا، وكأنه يقول: هذا التشبيه إنما كان يتم بين الطرفين، لولا اختصاص المشبه بوصف لم يوجد في المشبه به.

ويسمى مثل هذا النوع "بالتشبيه المشروط" أي: المقيد بشرط، كأن تقول: هذا الشيء كهذا الشيء لو كان بصفة كذا، أو لولا أنه على صفة كذا.

والتقييد بالشرط إما أن يكون في المشبه به، أو في المشبه، أو في كليهما، والشرط إما أن يكون وجوديا، أو عدميا2، وإما مدلولا عليه بصريح اللفظ، أو بسياق الكلام.

فمثال تقييد المشبه به ما تقدم في تشبيه "العزمات بالنجوم" في قول الشاعر السابق؛ فقد قيد المشبه به بعدم الأفول إذ لا يتم

1 عزماته جمع عزمة، وهي التصميم في الإرادة المتعلقة بمعالي الأمور، و"ثواقبا" حال من "النجوم" وصح مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن قوله:"مثل النجوم" في معنى مماثلة النجوم، و"الثواقب": النوافذ في الظلمات بإشراقها، مأخوذة من الثقوب وهو النفوذ، وسمي لمعان النجوم ثقوبا لظهورها من وراء الظلمة، فكأنها ثقبتها، و"الأفول": الغروب، وجواب الشرط محذوف تقديره: لتم التشبيه.

2 المراد بالعدمي: ما دخل عليه حرف النفي، بخلاف الوجودي.

ص: 159

التشبيه بدونه، كأنه يقول: عزماته مثل النجوم، لولا أن لها أفولا، وكقولك: وجه فلان مثل الشمس لولا كسوفها، وكالقمر لولا خسوفه. ومثال تقييد المشبه قول البديع:

يكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا

لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا

والدهر لو لم يخن الشمس لو نطقت

والليث لو لم يصد1 والبحر لو عذبا

فالمشبه به الممدوح، وقد شبه به كل من صوب الغيث، والدهر، والشمس، والليث، والبحر مقرونا كل منها بقيد لولاه ما تم التشبيه.

ومثال تقييد الطرفين معا قولك: "عباس في علمه بالأمور إذا كان يقظا كعلي في علمه بها إذا كان غافلا".

هذا، وكل ما تقدم من القيود، وجوديا كان أو عدميا، قد دل عليه بصريح اللفظ كما رأيت.

ومثال المدلول عليه بسياق الكلام قولهم: "هذه القبة كالفلك في الأرض" أي: لو كان الفلك في الأرض، وقولهم:"هي بدر يسكن الأرض" أي: لو كان البدر يسكن الأرض.

ومن هذا النوع ما يسمى "تشبيه التفضيل" وهو أن يشبه المتكلم شيئا بشيء، ثم يرجع فيرجع المشبه على المشبه به، كقول الشاعر:

حسبت جماله بدرا منيرا

وأين البدر من ذاك الجمال؟

وكقول الآخر:

من قاس جدواك بالغمام فما

أنصف في الحكم بين شيئين

1 هو بالبناء للمجهول.

ص: 160

أنت إذا جدت ضاحك أبدا

وذاك إن جاد دامع العين

ومنه نوع يسمى "تشبيه التشكيك" كما في قول الشاعر:

وما أدري وسوف أخال أدري

أقوم آل حصن أم نساء؟

وكقول الآخر:

بالله يا ظبيات القاع قلن لنا

ليلاي منكن، أم ليلى من البشر؟

إلى غير ذلك من أنواع التصرف في التشبيه المبتذل بما يخرجه عن ابتذاله، ويكسوه ثوبا من الجمال يستوقف النظر إعجابا.

ومن أبدع ما قيل في هذا الباب قول ابن نباتة في وصف فرس أبلق أغر:

وكأنما لطم الصباح جبينه

فاقتص منه فخاض في أحشائه

شبه أولا جبين الفرس بالصبح في البياض والإشراق، ثم شبه ثانيا قوائم الفرس بالصبح في هذا المعنى، وهما تشبيهان -كما ترى- من قبيل القريب المبتذل، غير أن حديث لطم الصبح للجبين اعتداء، ثم خوض الفرس في أحشاء الصبح انتقاما جعلهما من الممتنع البعيد المنال، النادر المثال، والتشبيه في كليهما ضمني؛ ذلك أن لطمة الصبح لجبين الفرس تركت فيه أثر البياض، كما علق هذا الأثر بقوائم الفرس حينما خاض في أحشاء الصبح، وهذا يقتضي تشبيه كل من جبين الفرس، وقوائمه بالصبح في بياضه وإشراقه.

اختبار:

1-

بين معنى التشبيه القريب المبتذل، والتشبيه البعيد الغريب، مع بيان سبب قرب الأول وابتذاله، وسبب بعد الثاني وغرابته، ثم بين من أي الأنواع التشبيه البليغ؟ وما وجه ما تقول؟

2-

اذكر بالإجمال الأسباب التي يكون بها وجه الشبه واضحا، والأسباب التي يكون بها خفيا، مع التمثيل.

3-

بين معنى التفصيل في الوجه، وأشهر أنواع التفصيل فيه، مع التمثيل.

4-

ائت بتشبيهين مبتذلين تصرف فيهما بما أخرجهما إلى الغرابة، ثم بين نوع هذين التشبيهين.

ص: 161