الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أصلا، وخاطبته خطاب خالي الذهن كان كلامك غفلا من معنى البلاغة، بل كان بصوت الحيوان أشبه، وهكذا.
هذا، وأما الطرف الأعلى للبلاغة -وهو ما تقطع عنده الأطماع، وتحار فيه العقول، وتخرس الألسنة، وتخر له أعناق الجبابرة- فذلك مرتبة الإعجاز، وهو إنما يكون بمراعاة جميع الأحوال -ظاهرها وباطنها، واعتبار ما يلائمها من المقتضيات- وهذا أمر فوق مقدور البشر انفرد به العليم الخبير؛ ولهذا كان القرآن في أعلى طبقات البلاغة لصدوره عمن هو أعلم بكافة الأحوال -ظاهرها وخفيها- وأدرى بمقتضياتها واعتباراتها {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} .
بلاغة المتكلم:
هي ملكة أو صفة قائمة بالمتكلم راسخة فيه، يتمكن بها متى شاء من تأليف كلام بليغ في أي معنى يريد، فالمدار -كما قلنا في فصاحة المتكلم- على أن تكون فيه هذه الغريزة يستخدمها "متى أراد" في أي فن من فنون الكلام، فهو بليغ وإن لم ينطق متى وجدت فيه هذه القدرة على صوغ الكلام البليغ. فإذا فقد هذه القدرة، وحرم هذا الاستعداد لم يكن بليغا -كما لا يكون بليغا- إذا استطاع صوغ الكلام البليغ في معنى دون آخر.
وقياسا على ما سبق من أن البلاغة أخص من الفصاحة يكون المتكلم البليغ أخص من الفصيح؛ لأن المتكلم البليغ هو -كما قلنا- من به ملكة الإتيان بكلام بليغ، والكلام البليغ -كما سبق- مشروط فيه الفصاحة، وحينئذ لا يكون المتكلم بليغا حتى يكون فصيحا. أما المتكلم الفصيح، فقد يفقد صفة البلاغة بأن يصوغ كلاما بريئا من العيوب المخلة بالفصاحة، غير مطابق لمقتضى الحال كما إذا قلت لمنكر نجاح أخيه: نجح أخوك. مما تقدم في تعريف البلاغة تعلم أن:
البلاغة يتوقف أمرها على شيئين:
الأول: الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، وهو معنى مطابقة الكلام لمقتضى حال الخطاب، على ما تقدم بيانه.
الثاني: السلامة من العيوب المخلة بالفصاحة، على ما فصلناه لك سابقا.
تتمة: علمت مما تقدم في بيان تعريف الفصاحة والبلاغة، ما يعرض للفظ من عيوب، وما ينتابه من خلل، فيجمل بنا إذًا أن نعرف: بم نتقي هذه العيوب، ونتجنب هذا الخلل في كلامنا حتى يخرج اللفظ سليما معافى في جوهره، وصيغته، ومعناه، لا يشكو عيبا، ولا يحس نقصا؟ فنقول:
أ- التنافر: ملاك معرفته الذوق السليم، فلا حاكم فيه سواه، فهو الذي يدرك أن نحو:"مستشزر" متنافر، دون مرتفع، وهو الذي يحس ما بين الكلمات مجتمعة من تنافر، أو تضافر.
ب- المخالفة: يمكن الاحتراز عنها بالوقوف على ما نقل عن الواضع، أو بالاطلاع على قواعد علم التصريف؛ إذ هو الباحث في صيغ المفردات، ونهج استعمالها. فمن ألمّ بقواعده عرف أن نحو:"الأجلل" مخالف دون "الأجل" إذ من قواعدهم: أن المثلين إذا اجتمعا في كلمة واحدة، وكان ثانيهما متحركا، ولم يكن زائدا لغرض وجب إدغامهما.
جـ- الغرابة: يمكن اجتنابها بالاطلاع على علم متن اللغة. فمن تتبع معاجم اللغة، ووقف على معاني المفردات المستعملة علم أن ما عداها مما يفتقر إلى تنقيب، أو تخريج غير سالم من الغرابة.
د- ضعف التأليف والتعقيد اللفظي1: يمكن توقيهما بمعرفة قواعد النحو، إذ هو الباحث في طرق استعمال المركبات على الوجه الحق. فمن مارس هذا العلم، ووقف على أصوله ومسائله استطاع أن يصوغ الكلام على نهج قويم سليم من شوائب الضعف والتعقيد.
هـ- التعقيد المعنوي: يعرف من دراسة علم البيان. فمن زاول هذا العلم وأحصى مسائله عرف كيف يتوقى التعقيد في معاني الكلام، وكيف يبرزه فاتحا لك صدره، كاشفا لك عن ضميره.
و الخطأ في تأدية المعنى المراد: أي: في تطبيق الكلام على مقتضى الحال، وذلك يعرف من مزاولة علم المعاني. فمن درس هذا العلم، وكشف عن أمره، واستشف أسراره عرف كيف يتحرج الخطأ في تأدية المعنى المراد، وكيف يطبق الكلام وفق مقتضيات الأحوال.
أما الوجوه التي تخلع على اللفظ خلعة البهجة والبهاء فتعرف من علم البديع؛ إذ به نعرف كيف نحلي من اللفظ جيده العاطل بما يجليه للنواظر، ويبرزه في صورة تبهج القلب، وتأسر اللُّب.
هذا، والثلاثة الأخيرة هي المسماة بعلوم البلاغة، وبعض الأئمة يسمي الكل "علم البيان"؛ لأن البيان هو المنطق الفصيح المعرب عما
1 قد يقال: إن التعقيد اللفظي ليس بلازم أن يكون منشؤه مخالفة القانون النحوي، بل قد يكون سببه اجتماع أمور، كل منها جائز الاستعمال عند النحاة، جارٍ على قوانينهم كتقديم المفعول على الفاعل، وتقديم المستثنى على المستثنى منه، فكيف يبين مثل هذا في علم النحو؟ ويجاب بأن تلك الأمور -وإن كانت جائزة الاستعمال- قد خُولف فيها الأصل؛ إذ الأصل تقديم الفاعل على المفعول، وتقديم المستثنى منه على المستثنى، والنحو يبين فيه ما هو الأصل، وما هو خلاف الأصل، وإذًا يعرف به التعقيد اللفظي الناشئ من أمور خُولف فيها الأصل.
في الضمير. قال الجاحظ: البيان: اسم جامع لكل ما كشف لك عن المعنى. وقال ابن المعتز: البيان ترجمان القلوب، وصيقل العقول. ومنهم من يسمي الأولين "علم البلاغة"؛ لأنهما يبحثان في صلب المعنى المراد، فتأثيرهما في الكلام ذاتي، لا عرضي. وبعضهم يسمي الجميع "علم البديع" لما في مباحثه من الإبداع والابتداع.
اختبار:
1-
عرف معنى البلاغة لغة واصطلاحا، وهل مرجع البلاغة اللفظ، أو المعنى، أو هما معا؟ علل لما تقول.
2-
بين متى يكون الكلام بليغا، ثم وضح الفرق بين الحال وظاهر الحال، مع التمثيل.
3-
بين الخلاف في معنى مقتضى الحال، ومطابقة الكلام له، موضحا ذلك في مثال من عندك.
4-
بين كيف كان قولك لخالي الذهن: "نجح أخوك" بليغا، مع أنه لا دلالة فيه على أكثر من المعنى الأصلي الذي هو ثبوت النجاح لأخيه، والبلاغة إنما تعتمد على المعاني الزوائد على المعنى الأصلي.
5-
بين الفرق بين الفصاحة والبلاغة، موضحا ذلك بالمثال.
6-
ائت بثلاثة أمثلة من عندك اختلفت فيها المقتضيات لاختلاف الأحوال والمقامات.
7-
بين بالمثال كيف تتفاوت البلاغة علوا وانحطاطا.
8-
متى يكون المتكلم بليغا؟ وإذا استطاع متكلم أن يؤلف كلاما في الطبقة العليا من البلاغة في أحد الأغراض كالمدح أو الرثاء، فهل يعد في شريعة البلغاء بليغا؟
تمرينات:
1-
ائت بمثالين من عندك تبين فيهما الحال، ومقتضى الحال، ومطابقة الكلام له، على ما في ذلك من خلاف.
2-
بين الحال، ومقتضاه، ومطابقة الكلام له فيما يأتي1:
أ- المليك صالح تقي "لخالي الذهن".
ب- إن المليك لحسن التدبير "للمنكر".
جـ- رثى بعض الشعراء البرامكة، وهو مذعور من الرشيد، فقال:
أصبت بسادة كانوا عيونا
…
بهم نسقى إذا انقطع الغمام
د- ما الحياة إلا طيف خيال، تريد التخصيص.
هـ- قال الشاعر، يريد تعجيل المسرة:
هناء محا ذاك العزاء المقدما
…
فما عبس المحزون حتى تبسما
و الوزير العادل حضر، والوزير العادل نصح وأرشد "تقول هذا لبليد".
ز- {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} .
3-
بين وجه خروج الجمل الآتية عن حدّ البلاغة:
1-
قال رجل لمنكر قدوم الأمير: الأمير قادم.
1 أتيت بهذا التمرين وإن كانت فيه إحالة على الأبواب الآتية؛ اتكالا على إرشاد الأستاذ، وطمعا في سهولة القياس على ما سبق في المقررات السابقة.
2-
نزلت بالعدو داهية خنفقيق أي: شديدة.
3-
قال الفرزدق يمدح خالدا، ويذم أسدا أمير خراسان بعد خالد:
وليست خراسان التي كان خالد
…
بها أسدا إذ كان سيفا أميرها1
4-
قتل أخوه اللص.
5-
قال ابن نباتة في خطبة يذكر فيها أهوال يوم القيامة: اقمطر2 وبالها، واشمخر3 نكالها، فما ساغت، ولا طابت.
6-
إذا جاوز الإثنين سر فإنه
…
بنشر وتكثير الوشاة قمين4
جواب التمرين الثاني:
1-
خلو الذهن "حال"، وعدم التأكيد، أو الكلام الخالي منه على الخلاف "مقتضى الحال"، وورود الكلام على هذه الصورة "مطابقة لمقتضى الحال" على ما علمته في القولين السابقين من أنه مشتمل على عدم التأكد، أو أنه فرد من أفراد مطلق كلام غير مؤكد، وهكذا يقال في أمثاله.
ب- الإنكار "حال"، والتأكيد بأن ولام الابتداء، أو الكلام المؤكد "مقتضى الحال"، وورود الكلام على هذه الصورة "مطابقة للمقتضى".
جـ- الذعر من الرشيد "حال"، وحذف الفاعل، أو الكلام المحذوف منه الفاعل "مقتضى الحال"، وورود جملة "أصيبت" على هذه الصورة من البناء للمجهول "مطابقة للمقتضى".
1 وأصل الكلام: وليست خراسان بالبلدة التي كان خالد بها سيفا إذ كان أسد أميرها، وفي "كان" الثانية ضمير الشأن والجملة بعدها خبر عنها.
2 على زنة اطمأن أي: اشتد.
3 اشمخر على زنة اطمأن أيضًا: طال وامتد، والنكال: العذاب.
4 قمين بمعنى جدير. يقول الشاعر: إذا تعدى السر شخصين لم يعد سرا خافيا، فإذا شاع وذاع لم يكن ذلك بدعا؛ لأنه خليق بذلك.
د- قصد التخصيص "حال"، والقصر بالنفي والاستثناء، أو الكلام المقصور "مقتضى حال"، وورود العبارة على هذه الصورة مطابقة للمقتضى.
هـ- قصد تعجيل المسرة "حال"، وتقديم المسند إليه وهو كلمة "هناء"، أو الكلام المقدم فيه المسند إليه "مقتضى حال"، وورود البيت على هذه الصورة مطابقة لمقتضى الحال.
و بلادة المخاطب "حال"، وتكرير المسند إليه وهو كلمة "الوزير" أو الكلام المكرر فيه المسند إليه "مقتضى حال"، وذكر الكلام على هذه الهيئة "مطابقة للمقتضى".
ز- العلم بالفاعل "حال"، وحذفه أو الكلام المحذوف منه الفاعل "مقتضى حال"، وذكر الكلام على هذه الصورة مطابقة للمقتضى.... وهكذا.
1-
القول المذكور غير بليغ؛ لعدم مطابقته لمقتضى الحال، إذ إن حال المخاطب تقتضي التأكد.
2-
غير بليغ؛ لأن في بعض أجزائه غرابة في المعنى، وتنافرا في الحروف، وهذا مخل بفصاحة الكلام التي هي شرط في بلاغته.
3-
ليس البيت من البلاغة في شيء؛ لما فيه من تعقيد في اللفظ خفي المعنى بسببه، وهذا مخل بفصاحته المأخوذة شرطا في بلاغته.
4-
غير بليغ لفقدان الفصاحة؛ لما فيه من الإضمار قبل الذكر مطلقا وهو ضعف في تأليف الكلام.
5-
خرج هذا القول عن حد البلاغة؛ لأن في بعض أجزائه غرابة في المعنى، وتنافرا في الحروف، وهما مخلان بالفصاحة التي هي أس البلاغة.
6-
ليس البيت بليغا لفقدان فصاحته؛ إذ إن في بعض أجزائه وهو لفظ "الإثنين" بقطع الهمزة مخالفة للمنقول عن الواضع، وللقياس الصرفي، والمنقول والقياس وصلها، لا قطعها.
تمرينان يطلب جوابهما:
1-
بين الحال، ومقتضاه، ومطابقة الكلام للمقتضى فيما يأتي:
إن محمدا لخاتم النبيين "خطابا للمنكر". إبراهيم رسول الله "لخالي الذهن". {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} . قولك لصياد يترقب صيدا: غزال، تريد: هذا عزال. قولك لآخر: النار تتصاعد من حقلك، تريد تعجيل المساءة. والدك حضر، ووالدك يريد مقابلتك "خطابا لغبي بليد". إنما أنت ناجح "تريد التخصيص". غادر منافق، تريد أن تقول: فلان غادر منافق، فتحذفه خوفا منه. قال الشاعر:
سعدت بغرة وجهك الأيام
…
وتبسمت ببقائك الأعوام
2-
بين وجه خروج الجمل الآتية عن حد البلاغة:
قال رجل: والله إن محمدا لكريم الخلق "لغير منكر". قال يحيى بن يعمر لرجل حاكمته امرأته: أئن سألتك ثمن شكرها1 وشبرك أنشأت تطلها وتضهلها؟ قال الشاعر:
ما لي فتنت بلحظك الفتاك
…
وسلوت كل مليحة إلاك
جزى ربه عني عدي2 بن حاتم
…
جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
وقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا
…
قلاقل عيس كلهن قلاقل3
والشمس كاسفة ليست بطالعة
…
تبكي عليك نجوم الليل والقمرا4
تصفحت الكتاب، فإذا هو مصوون عن الحشو.
بح صوت المال مما
…
منك يشكو ويصيح
1 "الشكر" بفتح الشين وكسرها وسكون الكاف: الفرج، والشبر بفتح الشين وسكون الباء: حق النكاح، وتطلها: تماطلها من طل يطل كنصر ينصر، و"تضهلها": تنقض حقها من ضهل كمنع يمنع.
2 هو ابن حاتم المعروف بكرمه.
2 "قلقل": حرك و"قلاقل" الأولى جمع قلقلة وهي الناقة السريعة، وقلاقل الثانية جمع قلقلة بمعنى الحركة، وضمير كلهن للعيس وهي النوق، والمعنى: حركت بسبب الهم الذي حرك نفسي نوقا خفافا في السير، والمراد أنه سافر ولم يعرج بالمكان الذي يلحقه به ضيم.
3 تقدير البيت: والشمس طالعة تبكي عليك ليست بكاسفة نجوم الليل والقمرا.