المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مبحث أغراض التشبيه: - المنهاج الواضح للبلاغة - جـ ٣

[حامد عونى]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الثالث

- ‌مقدمات

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌تمهيد بنشأة العلوم البلاغة وتدرجها

- ‌وجه الحاجة إلى دراستها:

- ‌‌‌الفصاحةوالبلاغة

- ‌الفصاحة

- ‌مدخل

- ‌فصاحة الكلمة:

- ‌فصاحة الكلام:

- ‌فصاحة المتكلم:

- ‌البلاغة

- ‌مدخل

- ‌بلاغة الكلام:

- ‌اختلاف مقتضيات الأحوال:

- ‌مراتب البلاغة:

- ‌بلاغة المتكلم:

- ‌علم البيان

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: في تعريف علم البيان

- ‌المبحث الثاني: في الدلالة

- ‌المبحث الثالث: في التشبيه

- ‌مدخل

- ‌التقسيم الأول:

- ‌التقسيم الثاني:

- ‌التقسيم الثالث

- ‌مبحث وجه الشبه

- ‌التقسيم الأول

- ‌التقسيم الثاني:

- ‌التقسيم الثالث:

- ‌فصل في الوجه المركب الحسي:

- ‌التقسيم الرابع:

- ‌التقسيم الخامس:

- ‌التقسيم السادس:

- ‌مبحث أداة التشبيه:

- ‌مبحث أغراض التشبيه:

- ‌تقسيم التشبيه باعتبار الغرض:

- ‌التشبيه والتشابه:

- ‌مراتب التشبيه:

- ‌الاختلاف في صيغة التشبيه:

- ‌المبحث الرابع: في‌‌ الحقيقةوالمجاز

- ‌ الحقيقة

- ‌المجاز:

- ‌الوضع:

- ‌القول بدلالة اللفظ لذاته:

- ‌الاستعارة

- ‌مدخل

- ‌ما لا بد منه لتحقيقها:

- ‌الاستعارة لا تصح في علم الشخص:

- ‌الاستعارة مجاز لغوي، لا عقلي:

- ‌قرينة الاستعارة:

- ‌تقسيم الاستعارة

- ‌باعتبار الطرفين

- ‌تقسيم الاستعارة باعتبار الجامع:

- ‌تقسيم الاستعارة باعتبار الطرفين والجامع:

- ‌تقسيم الاستعارة باعتبار ذكر أحد طرفيها:

- ‌الاستعارة التصريحية

- ‌مدخل

- ‌الاستعارة الأصلية:

- ‌الاستعارة التبعية:

- ‌التقسيم الثاني باعتبار الملائم:

- ‌الاستعارة المكنية

- ‌مدخل

- ‌قرينة المكنية:

- ‌اختبار:

- ‌تمرينات منوعة:

- ‌المجاز المرسل

- ‌علاقات المجاز المرسل

- ‌المجاز المركب:

- ‌فصل في شرائط حسن الاستعارة:

- ‌فصل آخر في المجاز بالحذف، والزيادة:

- ‌المبحث الخامس في الكناية

- ‌مدخل

- ‌أقسام الكناية:

- ‌بحث للسكاكي في بعض أنواع الكناية:

- ‌خاتمة:

- ‌أسئلة وامتحانات رسمية:

- ‌موضوعات الكتاب:

الفصل: ‌مبحث أغراض التشبيه:

4-

متى تستعمل "كأن" في معنى الظن؟ بين الخلاف في ذلك مع التمثيل، وهل من قبيل أداة التشبيه فعلا الوجدان والحسبان في نحو قولك: زرت عليا فوجدته بحرا، ورأيت توفيقا يخطب فظننته قسا؟ وما الفرق بين الفعلين؟

5-

قسم التشبيه باعتبار الأداة، وعرف كل قسم مع التمثيل، واذكر من أي قبيل قول الشاعر:

ورد الخدود ورمان النهود وأغصـ

ـان القدود تصيد السادة الصيدا؟

وما نوع الإضافة فيه؟

6-

من أي نوعي التشبيه "المؤكد والمرسل" قولهم: صوته مزمار داود، وما علة هذه التسمية في كل منهما؟

ص: 170

‌مبحث أغراض التشبيه:

أغراض التشبيه: هي البواعث التي تحمل المتكلم على أن يعقد شبها بين شيئين، وهي على ضربين:

1-

ما يعود على المشبه، وهو الأكثر1.

2-

ما يعود على المشبه به.

الأغراض التي تعود على المشبه، وهي سبعة:

الأول: بيان حال المشبه، أي: بيان وصفه الذي هو عليه، وذلك إذا كان المخاطب يجهل حال ذلك المشبه ويريد أن يعرف حاله، فيلحق بمشبه به معروف لديه؛ بيانا لهذه الحال كما في تشبيه ثوب بآخر في

1 إنما كان الأكثر ذلك؛ لأن التشبيه بمنزلة القياس في ابتناء شيء على آخر، فالمعقول إذًا أن يعود الغرض منه على المشبه الذي هو كالمقيس؛ ولذا كان عوده إليه هو الغالب الكثير.

ص: 170

بياضه، أو سواده، وكما في قول امرئ القيس المتقدم يصف عقابا بكثرة اصطياد الطيور:

كأن قلوب الطير رطبا ويابسا

لدى وكرها العناب والحشف البالي

شبه الرطب من قلوب الطير، واليابس منها بالعناب والحشف البالي؛ بيانا لما فيها من الأوصاف كالشكل، والمقدار، واللون. ومثله قول النابغة يمدح النعمان بن المنذر:

كأنك شمس والملوك كواكب

إذا طلعت لم يبد منهن كوكب

شبه النابغة النعمان بين سائر الملوك بالشمس بين سائر الكواكب، بجامع الهيئة الحاصلة من الشيء الحقير، يتضاءل شأنه عند وجود الشيء الخطير. والغرض بيان حال النعمان مع سائر الملوك من أنه صفوتهم، إذا ظهر بينهم طغى أمره على أمرهم، شأن الشمس مع الكواكب.

وينبغي لتحقيق هذا الغرض أن يكون المشبه به معروفا عند المخاطب بوجه الشبه؛ لأن الغرض تعريف حال المشبه المجهولة للمخاطب، فلو لم تكن حال المشبه به معروفة عنده من قبل لزم تعريف المجهول بالمجهول.

وليس بلازم في تحقيق هذا الغرض أن يكون وجه الشبه في المشبه به أتم وأقوى منه في المشبه -وإن كان الشأن فيه ذلك- لأن المخاطب إنما يجهل حال المشبه، ويريد مجرد تصورها، من غير التفات إلى زيادة أو نقصان، وهذا يكفي فيه أن يكون وجه الشبه معروفا في المشبه به عنده، فإذا قيل: ما لون ثوبك الذي اشتريته؟ فقلت: كثوب فلان مثلا، والمخاطب يعلم أنه أسود فقد تم الغرض، ولا يتوقف على أن يكون سواد ثوب فلان أتم منه في الثوب المشترى؛ لأن ذلك زائد على المطلوب.

ص: 171

الثاني: بيان مقدار حال المشبه من القوة، أو الضعف، أو الزيادة، أو النقصان، وذلك إذا كان المخاطب يعلم حال المشبه، ويجهل مقدار هذه الحال، ويريد الوقوف على مقدارها، فيلحق حينئذ بشيء يعلم المخاطب مقدار حاله، كما في قول الشاعر:

فيها اثنتان وأربعون حلوبة

سودا كخافية الغراب الأسحم1

أشار بقوله: "سودا" إلى الصفة المشتركة بين الطرفين، فالمخاطب يعلم حال المشبه، وأنه أسود اللون، ولكن لا يدري إلى أي مدى وصل هذا السواد، وكأنه يطلب معرفته فجاء المتكلم بهذا التشبيه كاشفا عن مقداره، وأنه على حد السواد في الغراب الأسحم المعروف عند المخاطب بشدة سواده، وبهذا اتضحت حال المشبه، واستقر في الذهن مقدار سواده، وأنه بين الحلكة شديدها. ومثله قول الشاعر:

إذا قامت لحاجتها تثنت

كأن عظامها من خيزران2

فقد أشار بقوله: "تثنت" إلى الوصف المشترك بين الطرفين، فالمخاطب يعلم حال المشبه، وأنه لين لا يبس فيه، ولكنه لا يدري إلى أي حد وصلت هذه الليونة، فجاء الشاعر بهذا التشبيه كاشفا عن مقدارها، وأنها على غرار ليونة الخيزران المعروف للمخاطب مبلغ ليونته وتكسره. وكتشبيه الصوت الضعيف بالهمس، أو القوي بالرعد بيانا لمقدار ضعفه، أو قوته.

1 "الحلوبة": الناقة ذات اللبن الغزير، و"الخافية": ريش في الطائر يختفي إذا ضم جناحيه، و"الأسحم": شديد السواد.

2 "تثنت": تمايلت مع تكسر، و"الخيزران": نوع من الخشب واضح الليونة.

ص: 172

ولتحقيق هذا الغرض ينبغي أن يكون المشبه به أعرف بوجه الشبه وأشهر به عند المخاطب1 من المشبه، غير أنه يجب هنا أن يكون المشبه به مساويا للمشبه في وجه الشبه، لا أكثر ولا أقل، حقيقة أو ادعاء2، إذ لو كان المشبه به أتم في وجه الشبه من المشبه، أو أقل منه لم يتعين المقدار، فلم يتم الغرض من التشبيه.

الثالث: بيان إمكان المشبه أي: بيان أن المشبه أمر ممكن الوجود، وذلك إذا كان أمرا غريبا من شأنه أن ينازع فيه، ويدعى امتناعه، فيمثل حينئذ بشيء مسلم الوقوع، ليكون كالدليل على ثبوته، كما في قول أبي الطيب من قصيدة يرثي بها أم سيف الدولة:

فإن تفق الأنام وأنت منهم

فإن المسك بعض دم الغزال

ادعى الشاعر أن الممدوح من السمو والرفعة بحيث فاق الجنس البشري الذي هو أحد أفراده، وصار كأنه جنس آخر. ولما كان هذا المعنى في بادئ الرأي غريبا في بابه، لا تقبله العقول لاستبعاد أن يخرج الشيء عن جنسه أراد أن يؤيده بما لا نزاع فيه ليتبين إمكانه، فشبهه بشيء أقرته العقول، وآمنت به، وهو "المسك" فإنه خرج عن أصله، وتحول إلى جنس آخر لما فيه من معنى ليس في سائر الدماء أي: وإذا جاز أن يفوق الشيء أصله لميزة فيه، فليس يبعد أن يفوق الممدوح جنسه لما فيه من جليل الصفات. ومن هذا البيان يتبين أمران:

أحدهما: أن قوله: "فإن المسك

" إلخ لم يأت به جوابا للشرط في المصراع الأول، وإنما سيق مساق الدليل على هذا الجواب،

1 أي: وإن لم يكن أشهر في الواقع.

2 حقيقة كما في الأمثلة المتقدمة، وادعاء كما في تشبيه شراب بارد شديد البرودة بالثلج، أو شراب شديد الحرارة بالنار.

ص: 173

وكأنه يقول: فإن تفق الأنام وأنت منهم فلا بدع ولا غرابة؛ لأن لك نظيرا هو "المسك" فقد حذف الجواب وهو قوله: "فلا بدع ولا غرابة" واستغنى عنه بهذا الدليل.

ثانيهما: أن التشبيه في البيت ليس صريحا، بل دل عليه الكلام ضمنا؛ ذلك أن المعنى الصريح لهذا الكلام هو -كما قلنا- أن لا بدع ولا غرابة أن يخرج الممدوح عن بني جنسه لمعنى فيه ليس فيهم؛ لأن المسك بعض دم الغزال، وهو -مع ذلك- لا يعد من الدماء لما اختص به من معنى كريم، ومفهوم هذا: أن حال الممدوح شبيهة بحال المسك، وبهذا التشبيه الضمني تبين أن المشبه أمر ممكن الوجود. ومثل هذا البيت قول الشاعر:

وإن تكن تغلب الغلباء1 عنصرها

فإن في الخمر معنى ليس في العنب

يريد: وإن كانت هذه المرأة من قبيلة تغلب ذات العزة والمنعة، فإن فيها من معاني الكمال ما جعلها تبذ قومها وتفوقهم، ثم دلل على هذه الدعوى بما معناه: أن العنب أصل الخمر، ولكنها تحولت إلى شيء آخر لمعنى اختصت به دونه.

ولتحقيق هذا الغرض ينبغي أن يكون المشبه به أعرف وأشهر بوجه الشبه من المشبه كالذي قبله ليصح جعله مقيسا عليه، واعتباره دليلا على إمكان المشبه، وليس بلازم أن يكون المشبه به أتم وأكمل من المشبه في وجه الشبه؛ لأن المطلوب بيان إمكان المشبه بإثبات نظير له، وهذا يكفي فيه مجرد وجود وجه الشبه في المشبه به خارجا، ولا يتوقف على أن يكون الوجه في المشبه به أتم منه في المشبه. فإذا قلت لإنسان: إنك في خروجك عن جنسك كالمسك تم الغرض بمجرد العلم بخروج المسك عن جنسه، وإن لم يكن المسك أتم منه في هذا الخروج فرضا.

1 أي: ذات عزة ومنعة.

ص: 174

الرابع: تقرير حال المشبه، وتمكينها في نفس السامع بإبرازها في صورة هي فيها أوضح وأقوى، وإنما يكون ذلك في الأشياء المحسة كالذي تراه في تشبيه من لا يحصل من سعيه على طائل1 بمن يرقم على الماء أو الهواء، فقد أراك لخيبة المسعى، وبوار العمل صورة ملموسة لا يشك فيها شاكّ، وهل هناك من يشك في عبث من يرقم على الماء أو الهواء، وهو يرى بعينه عملا لا أثر له؟ ومثله قول الشاعر:

إن القلوب إذا تنافر ودها

مثل الزجاجة كسرها لا يجبر

شبه الشاعر هيئة القلوب المتنافرة بهيئة الزجاجة المتصدعة بجامع هيئة الشيء التالف، تتعذر عودته إلى حالته الأولى. ولما كان تنافر القلوب، وتعذر عودتها إلى التواصل -كما كانت- من الأمور المعقولة التي لا تطمئن إليها النفس أيما اطمئنان، إذ قد يتوهم جواز عودتها إلى ما كانت عليه من الالتئام، لما كان الأمر كذلك أراد أن يبرز هذا المعنى في صورة ترى بالعين لتسكن إليه النفس، وتؤمن به إيمانا قويا، فشبهه بالزجاجة إذا تصدعت. ومثل هذا التشبيه تجد فيه من تقرير المعنى، وتمكينه في النفس ما لا تجده في غيره؛ ذلك أن الجزم بالأمور الحسية أتم منه بالأمور العقلية، وليس من شك في أن التئام الزجاجة بعد صدعها من الأمور المقطوع بتعذرها لتقررها في عالم الحس. ألا ترى لو وصفت يوما بالطول، فقلت: هو كأطول ما يتوهم، أو كأنه لا آخر له، أكنت تحس من الأنس والأريحية بمثل ما تجده في قول الشاعر:

ويوم كظل الرمح قصر طوله

دم الزق عنا واصطكاك المزاهر2

1 الطائل: الفائدة، يقال: هذا الأمر لا طائل تحته أي: لا فائدة فيه.

2 المراد بدم الزق: الخمر، وهو على تقدير مضاف أي: شرب دم الزق، والزق: وعاء الخمر، و"عنا" حال من دم الزق أي: حال كونه صادرا عنا، و"المزاهر" جمع مزهر بكسر الميم: آلة من آلات الطرب و"اصطكاكها": ضرب بعضها في بعض.

ص: 175

وهل تراك لو وصفته بالقصر، فقلت: هو كأقصر ما يتصور، أو كلمح البصر، أكنت ترى فيه من تجسيم المعنى، وعرضه في صورة ملموسة ما تراه في قولهم:"أيام كأباهيم1 القطا"، أو في قول الشاعر:

ظللنا عند باب أبي نعيم

بيوم مثل سالفة الذباب؟ 2

ذلك أن اطمئنان القلب إلى ابن الحاسة أقوى وأتم -كما رأيت- ألا ترى إلى قول إبراهيم الخليل عليه السلام: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} .

وإن شئت المثل الأعلى لهذا النوع، فعليك بكتاب الله في غير موضع منه؛ قال تعالى:{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ} ، وقال جلت قدرته:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} ، إلى غير ذلك من صور إبراز المعاني المحجوبة عن العيان في معارض الحس والمشاهدة؛ ليكون ذلك أمكن في النفس، فيقوى إيمانها به، واطمئنانها إليه.

وهذا الغرض لا يتحقق إلا بالأمرين جميعا: أعرفية المشبه به بوجه الشبه، وأتميته فيه، أي: أن يكون المشبه به أعرف بوجه الشبه من المشبه، وأن يكون أتم وأقوى منه فيه؛ لأن النفس إلى الأتم الأقوى أميل، فالتشبيه به لقصد التقرير والتقوية أجدر، فأنت إذا قلت مثلا: إن القلوب المتنافرة يتعذر عودتها إلى التواصل، جاز أن يتوهم -كما قلنا- إمكان عودتها إليه، فإذا مثلت هذا المعنى بالزجاجة المتصدعة،

1 الأباهيم جمع إبهام -بكسر الهمزة- وهو أكبر أصابع اليد أو الرجل، والقطا جمع قطاة، وهي طائر معروف بخفة الحركة.

2 سالفة الذباب: مقدم أعناقه.

ص: 176

وهي التي لا يتصور فيها مطلقا أن تعود إلى الالتئام ثانيا، تمكن المعنى في النفس، وآمنت به إيمانها بالمعنى الممثل به.

الخامس: تزيين المشبه للمخاطب أي: تصويره له بصورة جميلة محببة للنفوس؛ بأن يلحق بمشبه به استقر في النفس حسنه وحبه ليتخيله المخاطب كذلك، فيرغب فيه لما هو مركوز في الطباع من أن المتماثلين حكمهما واحد، لا فرق في ذلك بين المبصرات وغيرها كما في قول الشاعر:

سوداء واضحة الجبيـ

ـن كمقلة الظبي الغرير1

فالوجه الأسود مما لا يستحسن في رأي العين، فلأجل الترغيب فيه شبه بمقلة الظبي في حسن سوادها واستدارته تزيينا له عند السامع، فيتخيله حسنا، ومثله قول الشاعر:

تفاريق شيب في الشباب لوامع

وما حسن ليل ليس فيه نجوم؟

شبه الشاعر هيئة ظهور بياض الشيب يلمع بين سواد الشباب بهيئة نجوم تتألق في جنح الليل، بجامع هيئة اختلاط شيء ناصع البياض بآخر حالك السواد. والغرض من هذا التشبيه تصوير الشيب بين سواد الشباب بصورة الكواكب تبرق في ظلام الليل؛ تزيينا له في عين المخاطب، فلا ينفر منه، وكما في تشبيه صوت مغنٍّ بصوت داود، وبشرة إنسان بالحرير، ونكهة فم بالعطر، أو نحو ذلك.

السادس: تقبيح المشبه وتصويره للمخاطب بصورة قبيحة؛ بأن يلحق بمشبه به تتقزز منه النفس، ويمجّه الطبع ليتخيله المخاطب كذلك، فيرغب عنه لما تقدم من أن المتماثلين حكمهما واحد كما في قول الشاعر:

1 الغرير: الحسن الشكل.

ص: 177

وإذا أشار محدثا فكأنه

قرد يقهقه أو عجوز تلطم

شبه الشاعر هيئة إنسان مبغض، يشير في حديثه بهيئة قرد يضحك، أو عجوز تصفع خديها في بشاعة المنظر وقبحه؛ تشويها له في نظر السمع، ومثله قول الشاعر يذم القمر:

كلف في شحوب وجهك يحكي

نكتا فوق وجنة برصاء1

فتشبيه ما يبدو على صفحة القمر -في مرأى العين- من نقط دكن بهيئة نكت مبثوثة على وجنة برصاء مما يؤثر في نفس الناظر إلى القمر، إذ يبدو له كأنه بالحالة التي شبه بها، وكتشبيه الصوت الشديد بالرعد، والجهل بالموت، ورجل السوء بالمنية، وسرب الأشرار بالأفاعي، ونحو ذلك.

هذا، ولم يشترطوا لتحقيق هذين الغرضين أتمية الوجه في المشبه به ولا أشهريته فيه، وعللوا ذلك بصحة تشبيه وجه أسود حالك السواد بمقلة الظبي لقصد تزيينه، مع أن السواد فيها ليس أتم منه في الوجه الأسود، ولا هي أشهر منه في السواد، وبأن الهيئة المشتركة بين من يشير متحدثا، وبين قرد يقهقه، أو عجوز تلطم ليست في القرد، أو العجوز أتم، ولا هما بها أشهر.

غير أن هذا القول إنما يستقيم لو أن وجه الشبه المشترك بين الوجه الأسود، ومقلة الظبي "مطلق سواد"، أو لو أن الوجه المشترك بين هيئة من يشير متحدثا، وبين هيئة القرد وهو يضحك، أو العجوز وهي تلطم "مطلق هيئة" وليس كذلك، فإن الوجه في الأول "السواد الحسن"، وفي الثاني "الهيئة القبيحة"؛ لأن الغرض من التشبيه تزيين المشبه، أو تقبيحه بإلحاقه بمشبه به حسن أو قبيح.

1 الكلف بفتح الكاف واللام: شيء يعلو الوجه كحب السمسم، بين السواد والحمرة، والبرصاء مؤنث أبرص، وهو المصاب بداء البرص.

ص: 178

وإذًا يجب أن يكون المشبه به أتم وأشهر من المشبه في هذا المعنى ليتم الغرض، وليس من شك أن مقلة الظبي لما فيها من صفاء السواد، وحسن استدارته أتم وأشهر في هذا المعنى من الوجه الأسود، وأن فيما نراه من قباحة صورة القرد يضحك، والعجوز تلطم وجهها ما لا نجده في صورة من يتحدث مشيرا، مهما قبح منظره، وشاه خلقه، فالقباحة فيهما أتم وأشهر كذلك.

السابع: استطراف المشبه أي: جعله طريفا بديعا، وذلك يكون بواحد من أمرين:

1-

أن يبرز في صورة ممتنعة الوجود في الخارج عادة، أو نادرة الحضور في الدهن.

2-

أن يشبه بشيء يندر حضوره في الذهن عند حضور المشبه؛ لما بين الطرفين من بعد المناسبة.

فالأول كما في تشبيه هيئة فحم سرت فيه النار بهيئة بحر من المسك، موجه الذهب، بجامع الهيئة الحاصلة من وجود شيء مضطرب مائل إلى الحمرة، وفي وسط شيء أسود فصورة البحر المذكورة عزيزة الوجود خارجا، ونادرة الحضور في الذهن -كما ترى- فإذا أبرز المشبه التافه الذي لا يؤبه له "كهيئة الفحم المذكور" في صورة شيء نفيس ممتنع الوجود في الخارج، أو نادر الوجود في الخاطر "كالصورة المذكورة للبحر" تخيله السامع طريفا بديعا.

والثاني كما في قول عدي بن الرقاع يصف قرن الغزال:

تزجي أغن كأن إبرة روقه

قلم أصاب من الدواة مدادها1

شبه الشاعر صورة قرن الغزال، وقد علا طرفه سواد، بصورة قلم

1 تزجي: تسوق، و"الأغن": غزال في صوته غنة، و"روقه": قرنه، وإبرته: طرف القرن، والمداد: الحبر، والدواة: المحبرة.

ص: 179

عليه أثر المداد، وصورة القلم المذكورة قلّما تخطر بالبال عند تصور قرن الغزال ذي الطرف الأسود؛ لما بين الصورتين من بعد المناسبة، فقد أراك الشاعر عناقا بين متباعدين أشد التباعد، ومن هنا كان الاستطراف1. ومثله ما تقدم لك من تشبيه أزهار البنفسج فوق سيقانها بلهيب النار في أطراف الكبريت، إذ أراك شبها لنبات غض، وأوراق رطبة بلهب نار في جسم استولى عليه اليبس. ومبنى الطباع على أن الشيء إذا ظهر في مكان لم يعهد ظهوره فيه كانت صبابة النفس به أكثر، وكان الولع به أجدر.

ولا يشترط لتحقيق هذا الغرض ما اشترط في غيره من كون المشبه به أتم، وأشهر في وجه الشبه من المشبه، بل كلما كان المشبه به أندر وأخفى كان التشبيه لتأدية هذا الغرض أتم وأوفى.

تنبيه:

اعلم أن التشبيه إلحاق شيء بشيء في معنى، أو هو قياس شيء على شيء في هذا المعنى، والأول هو المشبه أو المقيس، والثاني هو المشبه به أو المقيس عليه، ومقتضى الطبع أن يكون المشبه به الذي هو المقيس عليه أصلا في وجه الشبه للمشبه الذي هو المقيس. وإذًا فقاعدة التشبيه تقتضي أن يكون المشبه به أتم وأشهر في وجه الشبه من المشبه ليصح الإلحاق أو القياس، وبهذا صرح السكاكي إذ قال: إن حق المشبه به أن يكون أعرف بجهة التشبيه من المشبه، وأخص بها، وأقوى حالا معها

إلخ، وقد جرى عليه أبو العلاء المعري في قوله:

ظلمناك في تشبيه صدغيك بالمسـ

ـك وقاعدة التشبيه نقصان ما يحكي

1 وإنما جاء الاستطراف إلى المشبه من حيث إنه أحد المتباعدين المتعانقين، أو من حيث تصويره بصورة النفيس الممتنع مع تفاهته، أو بصورة نادرة الحضور في الذهن مع عدم ندرته.

ص: 180

غير أنك عرفت مما تقدم -على ما حققناه- أن أعرفية المشبه به بوجه الشبه شرط فيما عدا "الاستطراف"، وهو خلاف ما ذهب إليه شراح التلخيص من عدم اشتراطها أيضا عند قصد التزيين والتقبيح، وقد عرفت ما فيه.

ووجه اشترط الأعرفية في تلك الأغراض: أن المشبه به بمثابة المعرف لحال المشبه، فلو لم يكن المشبه به أعرف بوجه الشبه لزم تعريف المجهول بالمجهول، أما الأتمية فقد شرطها شراح التلخيص عند قصد تقرير المشبه وتمكينه في النفس لما ذكروه من أن النفس إلى الأتم الأقوى أميل منها إلى غيره، لكنك علمت أيضا أنها كذلك شرط عند قصد تزيين المشبه، أو تقبيحه لما بيناه من توقف تحقيق هذين الغرضين على أتمية الحسن، أو القبح في المشبه به كما هو واضح في المثالين السابقين، وهي فيما عدا ذلك من الأغراض ليست بشرط عند الجميع لإمكان تحقيق هذه الأغراض بدون الأتمية -كما بينا- غير أن هذا لا يتنافى مع قاعدة التشبيه من وجوب كون المشبه به أتم من المشبه في وجه الشبه، فإن عدم اشتراط الشيء لا ينافي وجوده، ولو على سبيل الوجوب ا. هـ.

الأغراض التي تعود على المشبه به، وهي اثنان:

الأول، وهو الكثير الغالب: إيهام المخاطب أن المشبه أقوى وأتم من المشبه به في وجه الشبه، وذلك إنما يكون في التشبيه المقلوب بأن يجعل المشبه في مكان الشبه به بادعاء أن المشبه أكمل في وجه الشبه من المشبه به مبالغة، فيتوهم السامع حينئذ أن الأصل فرع والفرع أصل، جريا على قاعدة التشبيه من وجوب كون المشبه به أقوى وأتم في وجه الشبه من المشبه، كما في قول محمد بن وهيب يمدح المأمون:

ص: 181

وبدا الصباح1 كأن غرته

وجه الخليفة حين يمتدح

يريد الشاعر أن يشبه وجه الخليفة بغرة الصباح في الضياء والإشراق، جاعلا وجه الخليفة مشبها به، قاصدا إيهام أنه أتم وأكمل في الضوء من غرة الصبح مبالغة في وصف وجهه بالتهلل والطلاقة عند استماع المديح.

وإنما قيد الشاعر إشراق وجه الخليفة بوقت الامتداح؛ ليدل على أمرين هما:

1-

اتصاف الممدوح بحسن قبوله للمدح، الدال على تقديره للمادح، وتعظيمه له، ولو كان غير قابل له لعبس في وجهه.

2-

اتصافه بالكرم، إذ الكريم هو الذي يتهلل وجهه، وتنبسط أساريره للمدح، ولو كان لئيما ضنينا لقطب جبينه، وأشاح بوجهه. ومثله قول البحتري يصف بركة المتوكل:

كأنها حين لجت في تدفقها

يد الخليفة لما سال واديها

فقد أراد البحتري أن يوهم أن يد الخليفة أقوى تدفقا بالعطاء من البركة بالماء؛ مبالغة في وصفه بالكرم. وكقول الشاعر:

والبدر في أفق السماء كغادة

بيضاء لاحت في ثياب حداد

حتى بدا وجه الصباح كأنه

وجه الحبيب أتى بلا ميعاد

ففي كلا البيتين إيهام أن المشبه أقوى في وجه الشبه من المشبه به.

1 يحتمل أن يراد به الضياء التام الحاصل عند الإسفار، وأن يراد به الضياء المخلوط بظلمة آخر الليل، ففي الأول تكون الإضافة في قوله:"غرته" بيانية أي: كأن الغرة التي هي الصباح، وعلى الثاني تكون الإضافة على أصلها لإحاطة الظلمة في ذلك الوقت بإشراق هو كالغرة المحاطة بسواد الفرس، والغرة: بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم استعير لبياض الصبح.

ص: 182