الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاستعارة لا تصح في علم الشخص:
ذلك أن معناه جزئي لتشخصه وتعينه خارجا، فتصوره يمنع من وقوع الاشتراك فيه. فلفظ "محمد" مثلا لا يصح جعله استعارة لشخص آخر بينه وبين محمد مشابهة في شيء، إذ هي تقتضي ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به باعتباره أحد أفراده -كما عرفت- وهذا يقتضي عموم المشبه به، و"محمد" المذكور لا عموم فيه إذ لا يشمل غير مسماه الذي وضع له، اللهم إلا إذا عرف بوصف، واشتهر به كما سبق في "حاتم" فإنه حينئذ يصح جعله كليا بالتأويل المتقدم، باعتبار هذا الوصف1.
فصل في نحو: خالد أسد:
اختلف الرأي في نحو قولهم: "خالد أسد"، و"كر خالد أسدا"، و"أعجبت برجل أسد" من كل لفظ استعمل فيما وضع له.
فقال الخطيب: إنه تشبيه بليغ لا استعارة؛ لأن الاستعارة عنده لفظ تضمن تشبيه معناه المراد بما وضع له، كما في نحو:"رأيت أسدا مدرعا" أي: لابسا درعا، فإن لفظ أسد أفاد تشبيه معناه المراد منه، وهو "الرجل الجريء" بالمعنى الموضوع له اللفظ، وهو "الحيوان
1 تخصيصهم الاستعارة بالذكر في عدم صلاحيتها في علم الشخص، يفهم منه أن المجاز المرسل يصح إجراؤه في العلم المذكور، وأنه لا مانع من كون المجاز المرسل علما لجواز أن يكون للعلم لازم ولو غير مشهور يستعمل فيه لفظ العلم، كما إذا أطلق "قميار" علم فرس على "زيد" مثلا مرادا منه لازمه، وهو شدة العدو.
المفترس"، فلو أن لفظ "أسد" من نحو قولهم: "خالد أسد" استعارة لتضمن تشبيه الشيء بنفسه؛ لأن المعنى المستعمل فيه اللفظ عين المعنى الموضوع له1، وتشبيه الشيء بنفسه محال. ومما يدل على أنه تشبيه بليغ، لا استعارة إيقاع لفظ "أسد" على "خالد" أي: حمله عليه كما في المثال الأول، أو وصفه به كما في المثالين الآخرين، وهذا يقتضي اتحاد المحمول والمحمول عليه، أو اتحاد الصفة والموصوف في المعنى، واتحادهما باطل لما ذكرنا -سابقا- إذ لا يمكن أن تنقلب حقيقة الإنسان إلى حيوان مفترس، أو العكس، فوجب المصير حينئذ إلى التشبيه بحذف أداته؛ قصدا إلى المبالغة.
وقال السعد التفتازاني: إن نحو ما ذكر من الأمثلة من قبيل الاستعارة، لا من قبيل التشبيه مدعيا أن لفظ "أسد" مستعمل في معنى "الجريء"، بعد إجراء التشبيه بينه وبين الأسد، لا كما قال الخطيب. ودليل استعماله فيه حمله على "خالد" الذي هو فرد من أفراد "الجريء"، أو وصفه به، والحمل أو الوصف -كما قلنا- يقتضي اتحاد الحقيقتين، ولا يتم هذا الاتحاد إلا إذا كان لفظ "أسد" مستعملا في معنى "الجريء"، وحينئذ يكون استعارة لاستعماله في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة بين الجريء والأسد كما في قولك: رأيت أسدا شاهرا سيفا2، وليس في هذا جمع بين طرفي التشبيه؛ لأن "خالدا" في نحو:"خالد أسد" ليس هو المشبه، بل المشبه المعنى الكلي لخالد، وهو "الجريء"، ولم يذكر لفظه في الكلام.
ومما يؤيد استعمال لفظ "أسد" في معنى "الجريء"، لا في المعنى الحقيقي ما ورد من تعلق الجار والمجرور بالمشبه به في مثل هذه
1 من حيث إن الاستعارة تقتضي ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به.
2 يلاحظ أن هذا الاستلال هو عين ما استدلوا به على أنه تشبيه بليغ، ولكن لكلٍّ وجها في تدليله كما تراه.
المواضع. قال عمران بن حطان يخاطب الحجاج بن يوسف الثقفي:
أسد علي وفي الحروب نعامة
…
فتحاء تنفر من صفير الصافر1
أي: أنت مجترئ علي، وفي الحروب جبان رعديد؛ فقد استعمل لفظ "أسد" في معنى المجترئ، كما استعمل لفظ "نعامة" في معنى "الجبان"، إذ النعامة من أجبن الحيوانات. وقال أبو العلاء المعري في مرثية له:
والطير أغربة عليه بأسرها
…
فتح السراة وساكنات لصاف2
فليس المراد "بالأغربة" الطيور المعروفة إذ لا معنى له، بل المراد: والطير باكية عليه؛ فاستعمل لفظ "أغربة" في معنى "باكية"، إذ يزعمون أن الغراب يعلم بالموت، ومن لازم ذلك التحزن والبكاء، فالجار مع مجروره في كل ما ذكرنا إنما تعلق بهذه الألفاظ بعد تأولها بالمشتق -كما رأيت- ولو كانت مستعملة في معناها الحقيقي -كما ذهب إليه الخطيب- ما صح تعلقه بها لامتناع تعلقه بالجوامد؛ لهذا كانت هذه الألفاظ الواردة مستعملة في هذه المعاني المذكورة، لا في المعنى الموضوع له، فهي إذًا من أنواع المجاز بالاستعارة.
1 "الفتحاء" بالحاء المهملة: المسترخية الجناحين عند النزول، والمراد بقوله:"تنفر من صفير الصافر" أنها تنزعج من مجرد الصدى، وبعد هذا البيت:
هلا برزت إلى غزالة في الوغى
…
بل كان قلبك في جناحي طائر
وغزالة: اسم امرأة كان يضرب بها المثل في الشجاعة، وقد حدث أنها هجمت على الكوفة ليلا في ثلاثين فارسا وكان الحجاج بالكوفة على رأس ثلاثين ألف مقاتل فخرج موليا، فصلت المرأة صلاة الصبح فيها وقرأت -على ما قيل- في تلك الصلاة سورة البقرة.
2 الفتح -بضم الفاء وسكون التاء- جمع فتحاء من الفتح وهو اللين، والسراة بفتح السين: جبال باليمن، ولصاف بفتح اللام: اسم جبل لطيء، وكلاهما مأوى للطير.
والاستدلال بأن لفظ "أسد" محمول على "خالد"، ووصف له، وهذا يقتضي اتحاد الحقيقتين، ومعلوم أن الإنسان لا ينقلب أسدا، وأن الأسد لا ينقلب إنسانا، فوجب المصير إلى التشبيه. إنما يتم لو كان لفظ "أسد" مستعملا في معناه الحقيقي، وليس كذلك، بل مستعمل في معنى "الجريء" للأدلة التي أوردناها، فحمله حينئذ على "خالد"، أو وصفه به، باعتباره أحد أفراد "الجريء" صحيح، لا ضير فيه لاتحاد الحقيقتين.
وقد يجاب ردا على السعد: بأن الاستعارة لا يجمع فيها بين طرفي التشبيه، وواضح أن في مثل قولنا:"خالد أسد" جمعا بين الطرفين، وقولهم: إن "خالدا" في المثال المذكور ليس مشبها، وإنما المشبه الرجل الجريء، تمحل لا معنى له؛ إذ إن "خالدا" لم يلاحظ باعتبار ذاته، بل باعتبار اتصافه بالجرأة، وهو بهذا الاعتبار مشبه قطعا، ولا دليل لهم فيما أوردوه من نحو:"أسد علي" فإن تعلق الجار "بالأسد" لا باعتبار ذاته، بل باعتبار ما لزمه من وصف الجرأة، ويكفي هذا في صحة التعلق. ويحتمل أن يكون الجار متعلقا بأداة التشبيه المفهومة من التركيب في كل من البيتين؛ لما فيها من معنى الفعل، والمعنى: أنت تشبه الأسد بالنسبة إلي، وحذف ما تعلق به الجار شائع.
وهناك رأي قد يكون قاطعا في المسألة، هو أن الغرض من قولنا:"خالد أسد" ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به، بخلاف نحو قولنا:"رأيت أسدا في حمام" فإن الغرض منه إثبات حكم للمشبه به هو كونه مرئيا في حمام، وكأن ادعاء دخول المشبه في جنسه أمر مقطوع به، مفروغ منه بدليل حذف المشبه من التركيب. كذلك المشبه به في الصورة الأولى ذكر على وجه يصح فيه تقدير أداة التشبيه لفظا، بخلاف المشبه به في الصورة الثانية، فإنه ذكر على وجه لا يفهم منه المشبه إلا بعد التأمل في القرائن، ولا شك أن الخصم لا يسعه إنكار أبلغية الثانية، فهي إذًا أولى أن تسمى "استعارة"، وأن تسمى الأولى تشبيها بليغا.