الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مبحث وجه الشبه
التقسيم الأول
…
مبحث وجه الشبه:
الوجه: هو المعنى الذي اشترك الطرفان فيه "كالجمال" في قولك: "سعدى كالبدر"، ومثل "السرعة" في قولك:"الجواد كالريح" فكل من الجمال والسرعة وجه شبه؛ لأنه المعنى الذي اشترك فيه الطرفان: "سعدى والبدر" في الأول، "والجواد والريح" في الثاني.
غير أنه يشترط أن يكون له مزيد اختصاص بالطرفين في قصد المتكلم ليفيد التشبيه فائدته؛ ولهذا ينبغي أن يكون وجه الشبه مقصودا للمتكلم، فليس كل معنى مشترك بين الطرفين "وجه شبه" ما لم يقصد جعله موضع اشتراك، وإلا فإن الطرفين قد يشتركان في كثير من المعاني كالحيوانية، والجسدية، والوجود، والحدوث، وغير ذلك، ومع ذلك لا يعد واحد منها وجه شبه اللهم إلا إذا قصد إليه المتكلم، واعتبره وجها للشبه بين الطرفين لغرض ما كالتفريع مثلا، كأن ترى إنسانا يقسو على آخر، ويحمله ما لا يطيق، فتقول له:"هذا مثلك فارحمه" تريد: مثلك في الحيوانية، أو الجسدية، فيكون لهذا الوجه حينئذ مزيد اختصاص وارتباط من حيث ذلك الغرض.
و"للتشبيه" باعتبار الوجه تقسيمات عدة:
التقسيم الأول:
ينقسم بهذا الاعتبار إلى قسمين: تحقيقي، وتخييلي.
فالتحقيقي: ما يكون وجه الشبه فيه قائما بالطرفين حقيقة، كما تقول:
وجه هند كالبدر، وشعرها كالليل، فوجه الشبه بين الطرفين هو "الإشراق" في الأول، "والسواد" في الثاني، وكلا المعنيين قائم بالطرفين على وجه الحقيقة.
والتخييلي: ما لا يكون الوجه قائما بالطرفين، أو بأحدهما إلا تخيلا، وهو أن يثبته الخيال بجعله غير المحقق محققا. فمثال ما فيه الوجه متخيل في أحد الطرفين قولك:"له سيرة كنفح1 الطيب" و"أخلاق كأريج المسك" فقد شاع وصف كل من السيرة والأخلاق بالطيب مبالغة، حتى تخيل أنهما من ذوات الرائحة الطيبة، فوجه الشبه وهو "الرائحة الجميلة" متخيل في المشبه في المثالين، ومن هذا القبيل قول القاضي التنوخي:
رب ليل قطعته بصدود
…
وفراق ما كان فيه وداع
موحش كالثقيل تقذى به العيـ
…
ـن وتأبى حديثه الأسماع
وكأن النجوم بين دجاه
…
سنن لاح بينهن ابتداع2
والشاهد في البيت الأخير، فإن وجه الشبه فيه هو الهيئة الحادثة من حصول أشياء بيض مشرقة، في جوانب شيء مظلم وهي غير موجودة في المشبه به ضرورة أن "الإشراق" -لكونه حسيا- لا تتصف به السنة لأنها أمر عقلي، وأن "الإظلام" -لكونه حسيا أيضا- لا تتصف به البدعة؛ لكونها أمرا عقليا كذلك. فوجه الشبه إذًا غير موجود في المشبه به إلا على طريق التخيل والتوهم بافتراض غير الحاصل حاصلا.
بيان ذلك: أنه لما كانت البدعة، وكل ما هو ضلال مما يجعل صاحبه كمن يمشي في الظلام، فلا يهتدي إلى طريق النجاة شبهت
1 نفح الطيب نفحا ونفاحا: تضوّعت رائحته وفاحت.
2 الدجى جمع دجية، وهي الظلمة والضمير لليل، وروي "ودجاها" والضمير حينئذ للنجوم، والإضافة لأدنى ملابسة، و"الابتداع": البدعة وهي الأمر الذي ادعي أنه مأمور به شرعا، وهو ليس كذلك.
البدعة بالظلمة، وشاع وصفها بها، وكان من أثر هذا الشيوع أن تخيل أن البدعة من الأجرام ذوات اللون الأسود، كما تخيل الكفر من الأجرام التي لها سواد في قولهم:"شاهدت سواد الكفر في جبين فلان" ولزم بطريق العكس أن تشبه السنة، وكل ما هو هدى بالنور، وشاع وصفها به حتى تخيل أن السنة من الأجرام ذوات اللون الأبيض المشرق، كما تخيلت الشريعة الغراء من الأجرام التي لها بياض في قوله، صلى الله عليه وسلم:"أتيتكم بالحنيفية البيضاء ليلها كنهارها" فبسبب هذا التخيل، واعتبار ما ليس بمتلون متلونا، صح تشبيه النجوم بين الدجى بالسنن بين الابتداع، وصار واضحا جليا. ونظير هذا تشبيههم النجوم بين الدجى ببياض الشيب يلمع في سواد الشباب، أو بالأزهار تتألق بين النبات الشديد الخضرة.
والبيت المذكور من قبيل تشبيه مفرد مقيد بمفرد مقيد، فإن المشبه "النجوم" بقيد كونها ظهرت بين قطع الليل البهيم، والمشبه به "السنن" بقيد كونها لاحت بين الابتداع.
غير أن في عبارة الشاعر قلبا؛ لأنه جعل في جانب المشبه "النجوم بين الدجى" فكان الواجب أن يجعل في جانب المشبه به "السنن بين الابتداع" لتصح المقابلة، ويتوافق الجانبان. ولعل النكتة في هذا القلب الإشارة إلى كثرة السنن في زمانه، وأن البدع بالقياس إليها كانت قليلة.
ومثل قول التنوخي قول أبي طالب الرقي:
ولقد ذكرتك والظلام كأنه
…
يوم النوى وفؤاد من لم يعشق1
يصف الشاعر نفسه بالوفاء، وأنه لا ينسى حبيبه حتى في أحلك الأوقات وأشد الأزمات. ووجه الشبه بين الطرفين هو "السواد"
1 في هذا البيت تشبيه جمع؛ لاتحاد المشبه وتعدد المشبه به.
غير أنه متخيل في المشبه به كالذي قبله؛ لأنه لما شاع وصف أوقات المكاره بالسواد توسعا، فقالوا: اسودّ النهار في عيني، وأظلمت الدنيا في وجهي، تخيل أن "يوم النوى" من الأشياء ذوات اللون الأسود، فشبه الظلام به، كما شبه بفؤاد من لم يعشق تظرفا، فإن الغزل يدعي قسوة من لم يعشق؛ ولذا يقولون: ويل للشجي من الخلي، وكم يوصف القلب القاسي بالسواد حتى تخيل أن له سوادا حالكا. ومثله قول الشاعر:
يا من له شعر كحظي أسود
…
جسمي نحيل من فراقك أصفر
فإن الوجه بين الطرفين السواد، وهو متخيل في المشبه به لشيوع وصفه بالسواد، حتى تخيل أنه ذو لون أسود تدركه العيون.
فإذا قيل في هذا البيت: "يا من له حظ كحظي أسود"، أو قيل في بيت أبي طالب: "ولقد ذكرتك والزمان كأنه يوم النوى
…
" "البيت" كانا مثالين لما يكون فيه الوجه متخيلا في الطرفين.
هذا، وقد تقدم أن تشبيه المحسوس بالمعقول لا يجوز إلا إذا تخيلنا المعقول محسوسا، وافترضناه أصلا في وجه الشبه يقاس به المشبه مبالغة، وإذًا فلا بد هنا أن نتخيل غير المتلون أصلا للمتلون الحقيقي، فنتخيل "السنن" في بيت التنوخي أصلا في البياض، و"البدع" أصلا في السواد، كما نتخيل في بيت أبي طالب "كلا من يوم النوى، وفؤاد من لم يعشق" أصلا في السواد كذلك.
تنبيهان:
الأول: مما تقدم في تعريف وجه الشبه، وتقسيمه إلى تحقيقي وتخييلي، يتبين أنه لا بد من وجوده في الطرفين تحقيقا، أو تخييلا. فإذا لم يوجد في الطرفين على إحدى هاتين الصفتين لم يصح
جعله وجه شبه، وإذًا لا يصح أن يكون وجه الشبه في قوله:"النحو في الكلام كالملح في الطعام" كون القليل مصلحا، والكثير مفسدا؛ لأنه المشبه، وهو "النحو" لا يشترك مع المشبه به في هذا المعنى؛ إذ لا يحتمل قلة ولا كثرة، بل هو عبارة عن أن تراعى قواعده، وأحكامه من رفع الفاعل، ونصب المفعول فإن تحقق ذلك في الكلام كان صالحا، وإلا كان فاسدا، أما المشبه به وهو "الملح" فيحتمل القلة والكثرة، والقليل منه مصلح، والكثير مفسد؛ وحينئذ لا يصح جعل "كون القليل مصلحا، والكثير مفسدا" وجه شبه لعدم تحققه في كلا الطرفين لا تحقيقا ولا تخييلا، بل وجه الشبه بينهما هو:"الصلاح إذا استعملا، والفساد إذا أهملا" وهذا المعنى "لا شك" موجود في الطرفين ا. هـ.
الثاني: قد يكون وجه الشبه في أحد الطرفين ادعائيا، وفي الآخر حقيقيا كما يقال للجبان: هو أسد، وللبخيل: هو حاتم. فوجه الشبه بين الطرفين في الأول "الشجاعة"، وفي الثاني "الجود"، وليس من شك أن الشجاعة في الجبان، والجود في البخيل، كلاهما أمر ادعائي ليس غير.
ومثل هذا الكلام -في ظاهره- غير صحيح؛ لأن وجه الشبه -كما قلنا- لا بد أن يكون معنى مشتركا بين الطرفين، والطرفان "في المثال الأول" لم يشتركا في معنى "الشجاعة" لانعدامه في الجبان، كما لم يشتركا في معنى "الجود" في المثال الثاني؛ لانعدامه في البخيل فلا مندوحة إذًا من توجيه يصح به مثل هذا التشبيه.
وتوجيه ذلك: أن ينزل التضاد بين الطرفين المتضادين منزلة التناسب بينهما، وإبراز الخسيس في صورة الشريف، فيجعل "الجبن" مثلا بمنزلة الشجاعة، والبخل بمثابة الجود، ويعتبر الجبان شجاعا، والبخيل جوادا لغرض ما، وبهذا التأويل صح أن يكون الوجه في الأول "الشجاعة"، وفي الثاني "الجود"، ووضح اشتراك الطرفين
في الوجه، ويسمى مثل هذا النوع من التشبيه "تشبيه التضاد".
غير أنه لا بد لتنزيل التضاد منزلة التناسب من غرض صحيح يدعو إليه، وإلا كان الكلام ضربا من الهذيان، وذلك الغرض هو التهكم والسخرية، أو التظرف والتمليح1، وبغير ذلك لا يتم التنزيل المذكور، ولا يعتبر. فإذا قلت مثلا:"ما أشبه البخيل بحاتم"! أو ما أشبه العيي بسحبان وائل، منزلا التضاد بينهما منزلة التناسب؛ فلا بد أن يكون ذلك منك على سبيل التهكم والسخرية، أو التظرف والتمليح.
أما ما قيل من أن وجه الشبه في نحو هذين المثالين هو "التضاد" أي: كون كل منهما مضادا للآخر؛ لأنه المعنى المشترك بين الطرفين، فهو قول لا يعدو صماخ الأذن؛ إذ من المعلوم بداهة: أن كلا من المتضادين مضاد للآخر ومقابل له كما في قولنا: "السواد كالبياض في التضاد"، و"العدم كالوجود في التقابل". وهكذا ومثل هذا التشبيه من لغو القول ينبغي أن يبرأ منه كلام البليغ، على أنه لو كان الأمر كذلك لم يكن للتهكم أو التظرف معنى؛ إذ لا تهكم أو تظرف في أن يشبه أحد المتضادين بالآخر في معنى التضاد؛ لأن هذا لا يعدو الواقع الملموس، وإنما يكون التهكم أو التمليح حيث يدعى للجبان شجاعة، وللبخيل جود، بعد تنزيل التضاد بينهما منزلة التناسب كما رأيت ا. هـ.
اختبار وتمرين:
1-
عرف وجه الشبه، وهل كل معنى بين الطرفين يصح جعله موضع اشتراك؟ وجه ما تقول، مع التمثيل.
1 يفرق بينهما بحسب المقام، فإن رمى المتكلم إلى السخرية والاستهزاء فتهكم، وإن كان متظرفا فتمليح.
2-
افرق بين التشبيه التحقيقي والتخييلي، ثم ائت بتشبيه يكون أحد الطرفين فيه حسيا، والوجه عقليا، وبآخر يكون الوجه في أحد الطرفين تخييليا.
3-
الشأن في ملح الطعام أن يكون القليل منه مصلحا، والكثير مفسدا، فهل يصح جعل هذا الوصف وجه شبه بينه وبين النحو في قولهم: النحو في الكلام كالملح في الطعام؟ وجه ما تقول، ثم اذكر ما تراه يصلح وجه شبه.
4-
بين وجه الشبه، ونوع قيامه بكل من الطرفين من حيث تحققه، أو تخيله، أو ادعاؤه فيما يأتي:
"1" ثوب المخلص كقلبه.
"2" باقل كسحبان.
"3" الحياة كسحابة صيف.
"4"
فانهض بنار إلى فحم كأنهما
…
في العين ظلم وإنصاف قد اتفقا
جواب التمرين:
1-
وجه الشبه هو البياض وهو في المشبه حقيقي، وفي المشبه به تخييلي، فإن القلوب ليست من ذوات الألوان وقد جعل القلب مشبها به لاعتباره أصلا في البياض مبالغة.
2-
وجه الشبه الفصاحة وهو في المشبه ادعائي، وفي المشبه به حقيقي بتنزيل التضاد بين الطرفين منزلة التناسب، وجعل العي بمثابة الفصاحة تهكما أو تمليحا.
3-
وجه الشبه عدم الثبات وهو قائم بالطرفين حقيقة.
4-
وجه الشبه هيئة اجتماع بياض بسواد، إذ قد شبه الشاعر النار والفحم مجتمعين بالعدل والظلم مجتمعين كذلك في الهيئة المذكورة، وهي قائمة بالمشبه حقيقة، وبالمشبه به تخيلا، بعد اعتباره أصلا في هذه الهيئة يقاس عليه مبالغة.