الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول: في تعريف علم البيان
معناه في اللغة: الكشف والإيضاح، يقال: فلان أبين من فلان أي: أفصح وأوضح كلاما، وهو أيضًا: المنطق الفصيح، المعرب عما في الضمير.
ومعناه "في الاصطلاح": علم يعرف به إيراد المعنى الواحد في طرق وتراكيب مختلفة، في وضوح الدلالة عليه.
قيل: إن لفظ "علم" في التعريف مشترك بين معنيين: أحدهما الملكة، وهي صفة قائمة بالنفس حاصلة من ممارسة قواعد الفن وأصوله، وثانيهما قواعد هذا الفن وأصوله1. واستعمال اللفظ المشترك في التعريف، دون قرينة معينة لأحدهما يوقع في حيرة من حيث إنه لا يدرى المعنى المراد، وهذا ينافي الغرض من التعريف، وما يقتضيه من الكشف والإيضاح.
وأجيب: بأن محل منع استعمال المشترك في التعريف حيث أريد منه أحد معنييه، أو أحد معانيه من غير تعيين. أما إذا صح أن يراد كل معنى يدل عليه اللفظ -كما هنا- فإنه يجوز حينئذ أخذ المشترك في التعريف إذ لا ضير فيه، على أن بين المعنيين المذكورين تلازما؛ ذلك أن الملكة صفة راسخة في النفس يقتدر بها على معرفة المسائل الجزئية، ومن المسائل الجزئية نشأت القواعد والأصول بسبب تتبع هذه الجزئيات في أساليب العرب، وبممارسة هذه القواعد والأصول تربت في النفس ملكة. فالملكة إذًا وليدة القواعد التي هي وليدة
1 يطلق العلم أيضا على "الإدراك"، وإنما لم يذكر هذا المعنى لاحتياج الكلام معه إلى تقدير المتعلق بلا ضرورة داعية إليه.
الجزئيات المدركة بالملكة فقد استلزم كل منهما الآخر، والمتلازمان بمثابة الشيء الواحد وكأنه لا اشتراك في اللفظ.
ومعنى إيراد المعنى الواحد في الطرق المختلفة في الوضوح: أن يعبر عنه بجملة تراكيب -بعضها أوضح دلالة عليه من بعض- سواء أكانت هذه التراكيب من قبيل التشبيه، أو المجاز، أو الكناية.
فالمعنى الواحد "كالجود" مثلا يمكنك -إذا كنت ملما بمسائل هذا الفن، عالما بأصوله وقواعده- أن تؤديه في طرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه.
فتارة: من طريق التشبيه، فتقول:"محمد كالبحر في الإمداد"، و"محمد كالبحر"، و"محمد بحر" فهذه تراكيب ثلاثة دالة على معنى "الجود" بعضها أوضح في الدلالة عليه من بعض، فأوضحها ما صرح فيه بوجه الشبه والأداة وهو الأول، ويليه وضوحا ما صرح فيه بأحدهما وهو الثاني، وأقلها وضوحا ما لم يصرح فيه بأحدهما وهو الأخير.
وتارة من طريق المجاز، فتقول:"رأيت بحرا في منزلنا" تريد محمدا مثلا، فتشبهه بالبحر في الإمداد، ثم تستعير له لفظ "البحر" -كما ستعرفه بعد في الاستعارة التحقيقية- وتقول:"لجة محمد تتلاطم بالأمواج" فاللجة والتلاطم بالأمواج من أوصاف البحر، مما يدل على تشبيه محمد بالبحر. وتقول:"غمر محمد بفضله جميع الأنام" فالغمر من أوصاف البحر، مما يدل أيضا على أن محمدا مشبه بالبحر، والمثالان الأخيران من قبيل الاستعارة المكنية على ما سيأتي. وأوضح هذه الطرق "الأول"، ويليه وضوحا "الثاني"، وأقلها وضوحا "الثالث"1.
1 أما أوضحية الأول فلظهور التجوز فيه بسبب التصريح باسم المشبه به، وأما الثاني والثالث فلخفاء التجوز فيهما لعدم التصريح باسم المشبه به، غير أن الثاني أوضح من الثالث؛ لاشتماله على وصفين للمشبه به واشتمال الثالث على وصف واحد.
وتارة أخرى من طريق الكناية، فتقول:"محمد كثير الرماد"، و"محمد مهزول الفصيل"، و"محمد جبان الكلب"، فهذه تراكيب ثلاثة تفيد معنى "الجود"؛ لأن كثرة الرماد من كثرة إحراق الحطب للطبخ من أجل الضيفان، وهزال الفصيل يكون بإعطاء لبن أمه للضيوف، وجبن الكلب يكون لكثرة الواردين عليه من الأضياف. وأوضح هذه الطرق "الأول"، ويليه "الثاني"، ثم "الثالث" كما سيذكر بعد. ومثل الجود الشجاعة:
فتارة يعبر عنها من طريق التشبيه، فيقال:"محمد كالرئبال"1 في شجاعته وإقدامه.
وتارة من طريق الاستعارة، فيقال:"رأيت ليثا يخطب القوم على المنبر في المسجد الجامع" يريد: رجلا مقداما شجاعا.
وتارة أخرى من طريق الكناية، فيقال:"زارنا أبو الهيجاء"2، فإن أبوته لها كناية عن ملازمته لها كما يلزم الأب ابنه، وهذا كناية عن شجاعته وإقدامه. وأوضح التراكيب دلالة على هذا المعنى هو الأول، ويليه الثاني، ثم الثالث
…
وهكذا دواليك.
تنبيهات:
الأول: أن "أل" في "المعنى" الوارد في التعريف للاستغراق العرفي، لا الحقيقي لأن استحضار جميع المعاني -وهي لا تتناهى- فوق مقدور البشر فيكون المراد حينئذ: كل معنى واحد يدخل تحت قصد المتكلم. فلو استطاع إنسان أن يورد معنى "الجود" في تراكيب مختلفة في الوضوح -على ما سبق بيانه- دون غيره من المعاني لم يكن بمجرد ذلك عالما بعلم البيان حتى يستطيع ذلك في كل معنى يدخل تحت قصده وإرادته ا. هـ.
1 الرئبال: الأسد.
2 الهيجاء: الحرب.
الثاني: أن في التعريف تقييدين؛ تقييد المعنى "بالواحد"، وتقييد الاختلاف "بوضوح الدلالة".
أما الأول: فالغرض منه الاحتراز عن المعاني المتعددة، المؤداة بطرق متفاوتة في وضوح الدلالة على معانيها، بأن يكون تركيب في معناه أوضح دلالة من تركيب آخر في معناه؛ كأن تعبر عن معنى "الجود" بقولك:"محمد كالسحاب في الفيض"، ثم تعبر عن معنى "الشجاعة" بقولك:"مر بي أسد فحياني". فمن الواضح أن التركيب الأول معناه أوضح دلالة من الثاني في معناه، ومثل هذا ليس من علم البيان في شيء؛ لأن المعنى في العبارتين مختلف، والشرط أن يكون المعنى فيهما واحدا كما عرفت.
وأما الثاني: فالقصد منه الاحتراز عن الاختلاف في مجرد اللفظ، لا في وضوح الدلالة، كما إذا أوردت معنى واحدا في تركيبين مترادفين، وأنت عالم بمدلولات الألفاظ فيهما؛ كأن تقول مثلا:"نكهة1 فم محمد كالطيب"، ثم تقول:"رائحة ثغر محمد كالند"2، فمثل هذا ليس من مباحث علم البيان؛ لأن التركيبين متماثلان في وضوح الدلالة على المعنى، والاختلاف إنما هو في اللفظ والعبارة فقط، والشرط أن يكون الاختلاف في وضوح الدلالة على المعنى كما وضح لك ا. هـ.
الثالث: اعلم أن الشرط في المعنى المراد إيراده بالطرق المختلفة أن يكون مدلولا عليه بكلام مطابق لمقتضى الحال، ومعنى هذا: أن علم "البيان" لا بد فيه من اعتبار "علم المعاني"، وأن هذا من ذاك بمثابة المفرد من المركب فإذا قلت لمنكر جود محمد:"محمد كالسحاب في الفيض"، و"محمد غمر الناس بمعروفه"، و"محمد ندي الكف
1 نكهة الفم: رائحته.
2 الند: نوع من الطيب.