الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مبحث أداة التشبيه:
الأداة: لفظ يدل على معنى التشبيه، كالكاف1 قال تعالى:{وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآَتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ} فالكاف في قوله: {كَالْأَعْلَامِ} أداة تشبيه؛ لأنها دالة عليه.
ومثل الكاف كل ما يفيد معنى المماثلة والمشابهة، حرفا كان، أو اسما، أو فعلا، كلفظ "كأن" حرفا، و"كمثل، وشبه" اسمين، وكالفعل الدال على معنى التشبيه، ماضيا كان، أو مضارعا، كماثل يماثل، وشابه يشابه، وحاكى يحاكي، وكالوصف المشتق المفيد لهذا المعنى كمماثل، ومشابه، ومحاكٍ. تقول:"كأن محمدا أسد"، وهند مثل الغزال، وعلي شبه الغمام، وتقول: سعدى ماثلت البدر إشراقا، وهي تماثل الحرير نعومة، ومحمد حاكى البحر فيضا، وهو يحاكي النجم علوا، وعلي شابه الأسد إقداما، وهو يشابه أو يشبه الجبل صمودا، والنسيم رقة.
1 هي الأصل في الدلالة على التشبيه، وإذا دخلت على "أن" المفتوحة الهمزة مع تشديد النون فصل بينهما "بما" فيقال: محمد عالم كما أن أخاه عالم.
وتقول: ليلى مماثلة البدر في بهائه، ومشابهة الغصن في ليونته، ومحاكية الحرير في نعومته "بالإضافة في جميعها"1.
ومن أدوات التشبيه "سيان وسواء" تقول: "محمد والأسد سيان"، و"محمد وعمرو في ذلك سواء".
والأصل في الكاف، وما جرى مجراها من الأسماء المضافة لما بعدها أن يليها المشبه به لفظا كما مثلنا، أو تقديرا كما في قوله تعالى:{أَوْ كَصَيِّبٍ 2 مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ} بعد قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا
…
} الآية، فالمشبه به الثاني في الآية قد ولي الكاف تقديرا، والأصل: كمثل ذوي صيب، أما تقدير "ذوي" فلأن الضمائر الثلاثة في {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ} للمنافقين، وهم ليسوا مذكورين في الآية، فبقيت الضمائر بلا مرجع، ولا بد لها منه كما هو الشأن فيها. وأما تقدير "مثل" فلأجل أن يشاكل المعطوف عليه،
1 قال بعضهم: إن المتبادر أن هذه المشتقات كلها إنما تفيد الإخبار بمعناها، فقولك: محمد يشبه عمرا أو مشابه عمرا أو محاكيه إخبار بالمشابهة كما تقول: محمد يقوم أو محمد قائم، فإنه إخبار عنه بالقيام وليس هناك أداة داخلة على المشبه، فعدها من أدوات التشبيه لا يخلو عن مسامحة.
2 الصيب: المطر، من صاب بمعنى نزل وهطل، ويطلق أيضا على السحاب. شبه حال المنافقين وقد أبصروا بأعينهم نور الإيمان، وذاقوا حلاوته، وشهدوا بأنفسهم دلائله وشواهده، ووضح أمامهم طريقا الخير والشر وهم -مع ذلك- مصرون على عقيدتهم الفاسدة، مؤثرون أن يقيموا على ظلام الكفر ويتخبطوا في دياجير الضلال، شبه هذه الحال بحال قوم أوقدوا حولهم نارا تبينوا على ضوئها ما أحاط بهم من معالم الأشياء، ثم ما لبثوا أن أطفئت النار فوقعوا في ظلام دامس يتخبطون، أو بحال آخرين كانوا في حال من الهناءة والدعة والاستقرار، ثم ما لبثوا أن دهمهم مطر غزير، أو سحاب متكاثف قاتم صحبه أهوال من الرعد القاصف، والبرق الخاطف مما جعلهم يضعون أصابعهم في آذانهم حذر الموت.
وهو قوله: {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} ، وقد يلي الكاف ونحوها غير المشبه به بشرطين:
1-
أن يكون المشبه به مركبا، أي: هيئة منتزعة من أمور لم يعبر عنها بمفرد دال عليها، كلفظ "مثل أو حال"، ولم يقتض الحال تقدير هذا المفرد1.
2-
أن يذكر بعد الكاف ونحوها بعض هذه الأمور التي انتزعت منها تلك الهيئة.
مثال ذلك قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} فليس المراد تشبيه حال الدنيا بالماء حتى تكون الآية مما ولي فيه المشبه به كاف التشبيه، بل المراد تشبيه حال الدنيا في إقبالها على الإنسان في زي حسناء فاتنة، واغتراره بابتسامتها الخادعة، وطلائها الكاذب، وما يعقب ذلك من زوال نعيمها، وامّحاء بهجتها ونضارتها، بحال النبات يغذيه الماء فيخضرّ، وتنضر خضرته، وتبتسم زهرته، ثم لا تلبث أن تنطفئ هذه النضره، وتذبل هذه الزهرة، ويتحول النبات النضر البهيج إلى هشيم تذروه الرياح، وكأنه لم يكن، ووجه الشبه الهيئة الحاصلة من حسن، وبهجة، وهناء، يتلوه تلف، وشقاء، وفناء. فأنت ترى أن المشبه به لم يل الكاف؛ لأنه هيئة لم يدل عليها بمفرد كلفظ "مثل"، ولا اقتضى الحال تقديره؛ لأن المعتبر هو الهيئة الحاصلة من مجموع الكلام المذكور بعد الكاف، واعتبارها مستغنٍ
1 احترز به عما عبر فيه عن الهيئة بمفرد دال عليها، أو اقتضى الحال تقديره، فالأول كما في آية اليهود فقد عبر فيها عن المشبه به المركب بلفظ "مثل"، إذ قال: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ
…
} إلخ، والثاني كما في آية {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ
…
} إلخ، فإن الحال اقتضت أن يقال: كمثل ذوي صيب على ما سبق بيانه.
عن هذا التقدير، لكن وليها شيء يتعلق بها، وهو "الماء" إذ هو أحد أجزاء الهيئة المذكورة.
وإنما احتِيج إلى تقدير المفرد في آية {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} ، ولم يستغن عنه بمجموع الكلام كما في هذه الآية؛ لأن الضمائر هناك في {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ} أحوجت "كما قلنا" إلى تقدير المرجع وهو "ذوي". ولما فتح باب التقدير قدر "المثل" المعبر به عن القصة والهيئة؛ ليشاكل قوله تعالى:{كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} لهذا كانت آية {أَوْ كَصَيِّبٍ} من قبيل ما ولي فيه المشبه به كاف التشبيه تقديرا، بخلاف آية {كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ} إذ لا حاجة فيها إلى تقدير شيء.
والأصل في "كأن" الدالة على التشبيه أن يليها المشبه عكس "الكاف" وأخواتها، تقول:"كأن عنترة أسد" فعنترة هو المشبه، وقد ولي "كأن"، ويقول الله تعالى:{كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} فضمير النسوة هو المشبه، وما بعده هو المشبه به.
ومثل "كأن" في هذا الحكم كل ما له معمولان من الأفعال، أو الأسماء المشتقة لمعنى التشبيه؛ تقول: ماثل أو يماثل خالد أسدا، وشابه أو يشابه علي حاتما، وحاكى أو يحاكي شوقي أبا الطيب، فالذي ولي الأفعال في هذه المثل هو المشبه، وتقول: خالد ماثل أو يماثل الأسد، وعلي شابه أو يشابه حاتما، وشوقي حاكى أو يحاكى أبا الطيب، وتقول في الأسماء المشتقة: علي مماثل أو مشابه أسدا، وشوقي محاكٍ أبا الطيب، فالضمائر المستكنة في هذه الأفعال، أو الصفات هي المشبهات وقد وليتها؛ لأنها فواعل، والفاعل مرتبته التقدم على المفعول به، وقد يجري الكلام على خلاف الأصل لقيام قرينة نحو:"شابه أسدا علي" فيقدم المشبه به لفظا، لا معنى.
تنبيهان:
الأول: ما تقدم من كون "كأن" أداة دالة على التشبيه هو الأكثر استعمالا، وقد تستعمل عند ظن المتكلم ثبوت الخبر من غير قصد إلى تشبيه، سواء كان الخبر جامدا أو مشتقا. والحق ما قاله بعضهم من أنها للتشبيه إذا كان الخبر جامدا مما يتمثل به كما تقول:"كأن محمدا أسد"، وللظن إذا كان الخبر مشتقا، أو شبيها بالمشتق، تقول في الأول:"كأن محمدا شجاع"، وتقول في الثاني:"كأن محمدا أخوك" أي: متولد من ماء أبيك، والمعنى في الموضعين على أنك تشكّ في شجاعته، أو في أخوته. ولا يصح هنا أن تكون "كأن" للتشبيه؛ لأن اسمها وخبرها متحدان خارجا، ولا معنى لتشبيه الشيء بنفسه ا. هـ.
الثاني: قد يقوم مقام الأداة في الدلالة على التشبيه "فعل" غير ما تقدم من الأفعال المشتقة من المماثلة والمشابهة، كما تقول:"قدم القائد فوجدته أسدا" و"سمعت الواعظ يخطب فحسبته سحبان وائل"، غير أن الفعل في المثال الأول يستعمل حيث ادعي كمال المشابهة بين الطرفين؛ لأن "وجد" وأخواته من أفعال اليقين، وهي تدل على التحقق والتيقن، وأن الفعل في المثال الثاني يستعمل حيث ادعي ضعف المشابهة بين الطرفين؛ لأن "حسب" وأخواته من أفعال الظن والحسبان، وليس فيها أكثر من الرجحان، والإدراك على وجه الاحتمال، دون التحقق والتيقن ا. هـ.
غير أنه قيل: لا نسلم دلالة الفعل المذكور بنوعيه على التشبيه للقطع بأن لا دلالة للوجدان والحسبان على ذلك، بل إن الدال عليه هو عدم صحة الحمل؛ لأنا نجزم أن "الأسد" مثلا لا يصح حمله على "زيد" لتباين الحقيقتين، وأن المعنى لا يستقيم إلا على تقدير أداة التشبيه، سواء ذكر الفعل أم لم يذكر.
وأجيب: بأن المراد من دلالة المذكور على التشبيه دلالته على حاله من القوة والضعف، فدلالة "علمت محمدا أسدا" على المشابهة بينهما أقوى من دلالة "حسبت محمدا أسدا" على هذه المشابهة؛ لإفادة الأول معنى التيقن والتحقق، دون الثاني.
ومن مجموع الاعتراض والجواب يفهم أن الفعل ليس أداة من أدوات التشبيه، وأن المثالين المذكورين من قبيل التشبيه المؤكد، وهو ما حذفت منه الأداة -على ما سيأتي- غير أن الخطيب في الإيضاح مثّل للتشبيه المرسل بقول البحتري يصف الدروع:
وإذا الأسنة خالطتها خلتها
…
فيها خيال كواكب في الماء
يقول: إذا خالطت الأسنة الدروع خلتها "في هذه الحالة" خيال نجوم في الماء، فهو قد جعل تشبيه الأسنة لامعة في الدروع بالكواكب لامعة في الماء من قبيل التشبيه المرسل، وهو ما ذكرت فيه الأداة "على ما سيأتي"، فكأنه اعتبر الفعل المذكور أداة تشبيه، ولعل هذا هو السر في قول الخطيب في متن التلخيص:"وقد يذكر فعل ينبئ عن التشبيه"، ولم يقل: ينبئ عن حاله.
تقسيم التشبيه باعتبار الأداة:
ينقسم التشبيه بهذا الاعتبار إلى قسمين: مرسل، ومؤكد.
فالمرسل: ما ذكرت فيه أداة التشبيه لفظا أو تقديرا. فمثال ما ذكرت فيه الأداة لفظا قوله تعالى فيما سبق: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} ، وكقولك:"سجعه كسجع الحمام، ووشيه كوشي الطاووس". ومثال ما قدرت فيه الأداة قولك: سجعه سجع الحمام، ووشيه وشي الطاووس، إذا قدرت في نفسك أنه على معنى الكاف، وأن المشبه مثل المشبه به لا عينه، وسمي التشبيه مرسلا؛ لإرساله عن التأكيد أي: خلوه منه.
والمؤكد: ما تركت فيه الأداة لفظا وتقديرا أي: ترك التصريح بها، وتُنُوسِي تقديرها في نظم الكلام أيضا إشعارا من حيث الظاهر بأن المشبه عين المشبه به مبالغة، كما تقول في المثالين السابقين:"سجعه سجع الحمام، ووشيه وشي الطاووس" فتترك ذكر الأداة، ولا تقدرها في نفسك ادعاء منك أن المشبه هو المشبه به نفسه لا شيء سواه. ومثله قوله تعالى:{وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} يريد -والله أعلم بمراده- أن الجبال يوم القيامة بعد النفخة الأولى تسير في الهواء كالسحاب تسوقه الرياح، فهو تشبيه مؤكد تركت فيه الأداة، وتنوسي تقديرها ليكون المعنى: إن مرور الجبال يوم القيامة هو مرور السحاب بعينه، وهذا المعنى هو ما ينبغي أن يفهم تصويرا للحالة التي ستكون. ومنه قول الشاعر:
هم البحور عطاء حين تسألهم
…
وفي اللقاء إذا تلقى بهم بهم
ولو فرض تقدير الأداة في الكلام، لكان تشبيها مرسلا.
إذا علمت هذا، فاعلم أن كل مثال تركت فيه الأداة، يحتمل أن يكون من قبيل التشبيه المؤكد إن لم تقدر فيه الأداة، وأن يكون من قبيل المرسل إن قدرت الأداة ما لم تقم قرينة على المراد.
ومن التشبيه المؤكد ما أضيف فيه المشبه به إلى المشبه بعد حذف الأداة، وتقديم المشبه به على المشبه، والإضافة حينئذ بيانية تقتضي الاتحاد في المفهوم، كما في قول الشريف الرضي يستمطر الرحمة على قبور الموتى:
أرسى النسيم بواديكم ولا برحت
…
حوامل المزن في أجداثكم تضع1
1 "أرسى النسيم بواديكم" بمعنى: استقر بها، و"المزن" أراد بها السحاب، و"الأجداث" جمع جدث -بفتح الجيم والدال- وهو القبر، و"تضع" بمعنى تهمي وتهطل، وإنما عبر بالوضع لمناسبة لفظ "الحوامل".
أراد أن المزن الممتلئة بالماء كالحوامل من الحيوان؛ فقد شبه المزن بالحوامل بجامع المنفعة في كل، ثم تركت أداة التشبيه وتنوسيت، ثم أضيف المشبه به إلى المشبه، بعد تقديمه عليه -كما ترى- وفي التعبير بقوله:"تضع"، مع قوله:"حوامل المزن" براعة بارعة في مراعاة التناسب. ومثله قول الشاعر يصف اعتدال
الريح وقت الأصيل:
والريح تعبث بالغصون وقد جرى
…
ذهب الأصيل على لجين الماء1
شبه الشاعر الماء بالفضة في النقاء والصفاء، ثم أضاف المشبه به إلى المشبه بعد حذف الأداة، وتناسيها في نظم الكلام -كما ذكرنا- وسمي التشبيه مؤكدا؛ لأنه أكد وقرر بدعوى اتحاد الطرفين، وأن المشبه هو المشبه به، لا يتميز أحدهما عن الآخر في شيء.
اختبار:
1-
عرف أداة التشبيه، ومثل من عندك بأداتين من أدواته، يكون وجه الشبه في أحد المثالين عقليا، وفي الآخر حسيا.
2-
بين أي الطرفين يلي كاف التشبيه، وما حكم "كأن التشبيهية" في هذا الشأن؟ مثل لما تقول.
3-
من أي قبيل قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ
…
} الآية، وقولك: خالد ماثل الأسد؟
1 تعبث بالغصون: تحركها وتميلها، و"جرى" بمعنى ظهر والجملة حالية، والأصيل هو: الوقت بين العصر والغروب ويعد من أطيب الأوقات، وذهبه: صفرته بسبب شعاع الشمس وإطلاق الذهب عليه "استعارة" واللجين: الفضة، وقد أضيف إلى الماء من إضافة المشبه به إلى المشبه، وهو محل الشاهد.