المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تمهيد بنشأة العلوم البلاغة وتدرجها - المنهاج الواضح للبلاغة - جـ ٣

[حامد عونى]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الثالث

- ‌مقدمات

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌تمهيد بنشأة العلوم البلاغة وتدرجها

- ‌وجه الحاجة إلى دراستها:

- ‌‌‌الفصاحةوالبلاغة

- ‌الفصاحة

- ‌مدخل

- ‌فصاحة الكلمة:

- ‌فصاحة الكلام:

- ‌فصاحة المتكلم:

- ‌البلاغة

- ‌مدخل

- ‌بلاغة الكلام:

- ‌اختلاف مقتضيات الأحوال:

- ‌مراتب البلاغة:

- ‌بلاغة المتكلم:

- ‌علم البيان

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: في تعريف علم البيان

- ‌المبحث الثاني: في الدلالة

- ‌المبحث الثالث: في التشبيه

- ‌مدخل

- ‌التقسيم الأول:

- ‌التقسيم الثاني:

- ‌التقسيم الثالث

- ‌مبحث وجه الشبه

- ‌التقسيم الأول

- ‌التقسيم الثاني:

- ‌التقسيم الثالث:

- ‌فصل في الوجه المركب الحسي:

- ‌التقسيم الرابع:

- ‌التقسيم الخامس:

- ‌التقسيم السادس:

- ‌مبحث أداة التشبيه:

- ‌مبحث أغراض التشبيه:

- ‌تقسيم التشبيه باعتبار الغرض:

- ‌التشبيه والتشابه:

- ‌مراتب التشبيه:

- ‌الاختلاف في صيغة التشبيه:

- ‌المبحث الرابع: في‌‌ الحقيقةوالمجاز

- ‌ الحقيقة

- ‌المجاز:

- ‌الوضع:

- ‌القول بدلالة اللفظ لذاته:

- ‌الاستعارة

- ‌مدخل

- ‌ما لا بد منه لتحقيقها:

- ‌الاستعارة لا تصح في علم الشخص:

- ‌الاستعارة مجاز لغوي، لا عقلي:

- ‌قرينة الاستعارة:

- ‌تقسيم الاستعارة

- ‌باعتبار الطرفين

- ‌تقسيم الاستعارة باعتبار الجامع:

- ‌تقسيم الاستعارة باعتبار الطرفين والجامع:

- ‌تقسيم الاستعارة باعتبار ذكر أحد طرفيها:

- ‌الاستعارة التصريحية

- ‌مدخل

- ‌الاستعارة الأصلية:

- ‌الاستعارة التبعية:

- ‌التقسيم الثاني باعتبار الملائم:

- ‌الاستعارة المكنية

- ‌مدخل

- ‌قرينة المكنية:

- ‌اختبار:

- ‌تمرينات منوعة:

- ‌المجاز المرسل

- ‌علاقات المجاز المرسل

- ‌المجاز المركب:

- ‌فصل في شرائط حسن الاستعارة:

- ‌فصل آخر في المجاز بالحذف، والزيادة:

- ‌المبحث الخامس في الكناية

- ‌مدخل

- ‌أقسام الكناية:

- ‌بحث للسكاكي في بعض أنواع الكناية:

- ‌خاتمة:

- ‌أسئلة وامتحانات رسمية:

- ‌موضوعات الكتاب:

الفصل: ‌تمهيد بنشأة العلوم البلاغة وتدرجها

‌تمهيد بنشأة العلوم البلاغة وتدرجها

تمهيد بنشأة علوم البلاغة وتدرجها:

وإلمامة ببعض أمهات الكتب المؤلفة فيها، والتعريف بالخطيب القزويني، وبسعد الدين التفتازاني:

اقتضت حكمة الله تعالى أن يجعل لكل أمة لغة تتفاهم بها، ولسانا تؤدي به مطالبها. قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} . وكان من سنته أن جعل بين الأمة ولغتها صلة في الرفعة والانحطاط، والموت والحياة، تلك سنة الله في خلقه.

وإذا كان لسان المرء أحد أصغريه المقومين له، ونصفه المنضم إلى فؤاده ليكونا وحدته، فالأمة كذلك لسانها أحد أصغريها، ونصفها المتمم لوجودها.

ومن ثم ندرك سر عناية الأمم بلغاتها، ونشاطها في ذيوعها. وإن فيما تفعله الأمم القوية بين أظهرنا -من نشر لغاتها، وفتح دور العلم، وتشجيع الناس ببذل الجوائز والهدايا على الإقبال عليها- لشاهدا ناطقا بأن اللغة عنوان الأمة، وبأن رقيها وامتداد ظلها رقي للأمة، وامتداد لسلطانها.

على هذه السنة أرسل الله نبيه الكريم إلى الناس بلسان عربي مبين، وأنزل عليه بهذا اللسان كتابا يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، فدعا الناس إلى توحيد الله تعالى، والعمل بشريعته، فآمن به من هداهم الله بنوره من العرب وغير العرب، وتكون من هؤلاء جميعا تلك الأمة المحمدية التي ربط بعضها ببعض ذلك الدين الذي ارتضاه

ص: 5

الله، وذلك اللسان العربي لسان الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

وقد بارك الله في الذين آمنوا بالنبي، فنما عددهم وتزايد جمعهم، وانسابوا في بقاع الأرض ترحل معهم لغتهم في كل مرتحل، وتلاحقهم في كل موطن. وقد تآخى العرب والعجم، وامتزج هؤلاء بأولئك، فجرت كلمات غريبة من غير اللسان العربي في أفواه العرب، كما غزت العربية ألسنة من عداهم ممن دخلوا في دينهم، وتقربوا إلى لغتهم.

عند ذلك لُوحظ اعوجاج في ألسنة بعض العرب نتيجة لهذا الاختلاط والتداخل، فخاف الحرصاء على اللغة أن تفسد ملكة العربية، ويضطرب لسانهم من جراء هذا الاندماج، فوجهوا عنايتهم إلى اللغة، فجعلوا منها علوما تستنبط قواعدها، وتقرر قضاياها ليتحامى العربي بتعلمها مزالق الخطأ، ويسير غيره على محجة الصواب. وجهوا عنايتهم أول ما وجهوها إلى ما يحفظ هذه اللغة من جهة الإعراب والبناء، وهو ما عرف بعد "بالنحو"، ثم إلى ما يحفظها من جهة تصريفها وبنيتها، وهو ما عرف "باسم الصرف" ثم إلى ما يحفظها من جهة مادتها، وهو ما عرف باسم "متن اللغة"، فكان ذلك أول ما حدث من تدوين العلوم اللسانية ونشأتها.

ثم وجه العلماء عنايتهم إلى ما عرف باسم "علوم البلاغة" دفاعا عن القرآن الكريم من جهة ما خصه الله به من حسن التأليف، وبراعة الأسلوب، وبديع الإيجاز.

وكان مما حفزهم إلى ذلك مسألة البحث في إعجاز القرآن الكريم من أي جهة هو؟ أمن جهة اشتماله على مغيبات صح الإخبار بها بعد؟ أم من جهة الصرفة، وهي: صرف الله العرب عن معارضته مع يسرها عليهم تمكينا لنبيه وتصديقا له؟ أم من جهة مخالفة أسلوبه لأسلوب الشعر والرسائل؟ أم من جهة جودة النظم وقوة التأليف، والسمو

ص: 6

بالبلاغة إلى الحد الذي لم يستطع عنده أحد من البشر أن يحاكيه، أو يمني نفسه بذلك؟

وكان الحق من ذلك كله آخر هذه الأقوال، وهو ما ارتضاه عامة العلماء، واعتنقه جمهور المسلمين، ومنذ اعتناقهم له أخذوا يبحثون عن معنى الفصاحة والبلاغة والفرق بينهما، وعن سر هذه المزايا والخصائص التي ظهرت في نظم القرآن وتأليفه، وكيف كانت له هذه الجزالة التي أخرست الألسن، وأعجزت أساطين البيان، فنشأت عن ذلك مباحث الفصاحة والبلاغة، وأخذوا يدونون فيها.

ولم يكن دون فيها إذ ذاك كتاب مستقل يضع ضوابطها، ويضبط عامة أصولها وقواعدها، بل كان كل ما عرف من ذلك رسائل وجيزة أثرت عن بعض العلماء ردا على سائل، أو إفادة لمستفهم على نحو ما كان من أبي عبيدة على ما سيأتي، وعلى نحو ما كان من المبرد حين قصد إليه الفيلسوف أبو يعقوب يوسف الكندي إلى آخر ما جاء في هذه المسألة1.

ثم أخذت مسائل هذه العلوم طريقها إلى النمو والظهور على ألسنة الرواة والمتأدبين في غير نظام ولا إحكام، شأن كل جديد ناشئ، حتى جاء أبو عبيدة المتوفى سنة 206هـ فوضع كتابه "مجاز القرآن" على إثر سؤال وجه إليه في مجلس الفضل بن الربيع وزير المأمون عن معنى قوله تعالى:{طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} وكيف يشبه الطلع برءوس الشياطين وهي لم تعرف بعد؟ أي: وينبغي أن يكون التشبيه بشيء قد عرف حتى يتبين الشبه ويتضح. فأجاب أبو عبيدة: إنما كلمهم الله على قدر كلامهم، وهو على حد قول امرئ القيس:

1 هي: أنه ذهب إليه فقال: إني لأجد في كلام العرب حشوا، فقال: في أي موضوع وحدت ذلك؟ فقال: أجدهم يقولون: عبد الله قائم، ثم يقولون: إن عبد الله قائم، ثم يقولون: إن عبد الله لقائم، فالألفاظ مختلفة والمعنى واحد، فأجاب أبو العباس: بل المعاني مختلفة؛ فالأول إخبار عن قيامه، والثاني جواب عن سؤال سائل، والثالث جواب عن إنكار منكر ا. هـ. وهذا ما اصطلح العلماء فيما بعد على تسميته "أضرب الخبر".

ص: 7

أيقتلني والمشرفي مضاجعي

ومسنونة زرق كأنياب أغوال؟

يريد أن المشبه به هنا غير معروف كذلك، وأن الغرض من التشبيه في الآية والبيت عرض المشبه وإبرازه في صورة مستفظعة مخوفة، والعرب تشبه قبيح الصورة بالشيطان أو الغول، فيقولون: كأنه رأس الشيطان، أو كأنه وجه الغول وإن لم يروهما لاعتقادهم أن كلا الشيئين شر محض؛ لا يخالطه خير، فيطبع في مخيلتهم بأقبح صورة فاستحسن الفضل ذلك، واستحسنه السائل، ثم قام أبو عبيدة من فوره، وتقصى ما ورد في القرآن من الألفاظ التي أريد بها غير معناها الأول في اللغة، وجمعها في هذا الكتاب، وأسماه "مجاز القرآن"، وهو -على ما قيل- أول كتاب دون في علم البيان.

وأبو عبيدة هذا هو معمر بن المثنى البصري أحد رواة اللغة الأعلام، وتلميذ يونس بن حبيب شيخ سيبويه إمام النحاة، وأستاذ الخليفة العباسي هارون الرشيد.

ثم تبعه العلماء من بعده، فوضعوا رسائل في الاستعارة والكناية لم تميز علم البيان تمييزا خاصا، وبقيت الحال كذلك مدة العصر العباسي الأول.

أما علم المعاني فلم يعرف بالضبط أول من تكلم فيه، وإنما أثر عن بعض فحول الكتاب والخطباء كجعفر بن يحيى1 وسهل بن هارون2 وغيرهما كلام في هذا النوع من البلاغة، ولكنه لم يطبع هذا العلم بطابع خاص يتميز به عن سواه.

وأول من أسهم لهذا العلم من عنايته، وخصه بمستفيض بحثه، ودون فيه ونظم شيخ حملة القلم، إمام الأدباء وصاحب التصانيف الممتعة

1 أحد وزراء الرشيد.

2 فارسي الأصل، اتصل بالمأمون فولاه خزانة الحكمة، وكان أديبا شاعرا حكيما يتعصب للعجم على العرب.

ص: 8

والرسائل المبدعة أبو عثمان بحر الجاحظ المتوفى سنة 255هـ، دون ذلك في كتابيه "البيان والتبيين"، و"إعجاز القرآن"، وتقفّاه العلماء من بعده كأبي عباس المبرد صاحب الكامل، وقدامة بن جعفر1، ووقف الأمر عند هذا الحد طيلة هذا العصر.

أما علم البديع، فعلى ما قيل: إن أول من كتب فيه كتابا خاصا عبد الله بن المعتز الخليفة العباسي المتوفى سنة 296هـ، وكان الشعراء قبله يأتون في أشعارهم بضروب من البديع -على سبيل الاستطراد- مثل بشار بن برد2 ومسلم بن الوليد3 وأبي تمام4 وغيرهم، فجاء ابن المعتز وجمع من أنواعه سبعة عشر نوعا، وقال في كتابه: وما جمع قبلي فنون البلاغة أحد، ولا سبقني إليه مؤلف، ومن أحب أن يقتدي بنا، ويقتصر على ما اخترعناه فليفعل، ومن رأى إضافة شيء من المحاسن إليه فله اختياره.

وكان ممن يعاصره قدامة بن جعفر سالف الذكر، فجمع منه عشرين نوعا توارد مع ابن المعتز على سبعة منها، وسلم له ثلاثة عشر، تضاف إلى السبعة عشر التي جمعها ابن المعتز، فتكون جملة ما جمعاه ثلاثين نوعا هي أقصى ما جمع في ذلك العصر.

وجاء العصر التالي، فزاد كل من أبي هلال العسكري5 صاحب

1 كان نصرانيا وأسلم، واشتهر في زمانه بالبلاغة ونقد الشعر، وألف في ذلك كتبا.

2 هو أبو معاذ أشعر مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، وكان مع ذلك كفيفا.

3 هو صريع الغواني أبو الوليد، أحد الشعراء المفلقين في الدولة العباسية.

4 هو حبيب بن أوس، عربي الأصل وأحد الشعراء الأعلام في الدولة العباسية.

5 هو الحسن بن عبد الله بن سهل المتوفى سنة 395هـ. ألف كتابه الصناعتين، وبحث في مسائل الفنون الثلاثة، غير أنه أطال الحديث في البديع.

ص: 9

الصناعتين وابن رشيق1 صاحب العمدة وغيرهما أنواعا كثيرة بلغت نحو التسعين نوعا.

هذا، ولم تميز هذه العلوم، وتبوب وتفصل إلا في العصر العباسي التالي، وأول من نزع عن قوسه، ورمى إلى هذا الهدف الإمام عبد القاهر شيخ البلاغة المتوفى سنة 471هـ، فهو أول من هذب المسائل، وضم شتاتها، وأرسى قواعدها، وبوبها فأحسن تبويبها، ورتبها فأبدع ترتيبها، وألف في ذلك كتابيه -أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز- فكانا أحفل كتابين فيما عرف بعد بالمعاني والبيان، إذ قد جرى فيهما شوطا لم يبلغه أحد ممن سلف. وقد أبان الشيخ عن ذلك كله بإطناب ممتع، وعبارات مصطفاة، مع سلاسة وجودة، ومع عرض لكثير من الأمثلة والشواهد في أسلوب طلبي خطابي يملك الأسماع، ويستولي على القلوب.

ومن هنا عد الشيخ الإمام عبد القاهر واضع هذا الفن عند الجمهرة العظمى من علماء البلاغة.

وبقي الأمر على هذه الحال حتى جاء فارس الحلبة أبو يعقوب يوسف السكاكي المتوفى سنة 626هـ، فوضع كتابه "مفتاح العلوم" وجعله ثلاثة أقسام، بسط في القسم الثالث منها مسائل المعاني والبيان بما سمح له أن يقول عن نفسه: إنه قضى بتوفيق الله منهما الوطر، ولم يكن حديث السكاكي في هذه المباحث كحديث عبد القاهر، فقد وضع حدودا استطاع بها أن يفصل بين هذه الأبحاث فخص ما يتعلق برعاية المطابقة لمقتضى الحال "باسم المعاني"، وخص ما يتعلق بإيراد المعنى الواحد في طرق مختلفة باسم "البيان"، وخص ما يتعلق بتحسين الكلام وتزيينه بعد رعاية المطابقة، ووضوح الدلالة باسم "البديع"، وقد كانت عند عبد القاهر ومن تقدمه

1 هو أبو علي الحسن بن رشيق المتوفى سنة 406هـ. ألف كتابه العمدة في محاسن الشعر وآدابه، وتحدث فيه عن البلاغة بأنواعها الثلاثة، وكان كتابه في ذلك خير الكتب علما وإفادة.

ص: 10

مجموعة في سمط واحد، وتحت موضوع واحد هو الكلام العربي من حيث إنه كيف يكون بليغا فصيحا، وعذبا رشيقا.

والكتاب غاية في الجودة وإن جفت عبارته وخلت من الإطناب الذي التزمه عبد القاهر، ومن الإكثار من الأمثلة والشواهد التي عول عليها الشيخ إلى حد بعيد، ولكنه -مع ذلك- رتب المباحث ترتيبا حسنا، وبوبها تبويبا جيدا، وحدد أنواعها، وضبطها ضبطا وفر به الجهد على من تصدى بعده للنظر فيها.

ولما في هذا الأثر الجليل من تمييز المسائل بعضها من بعض، وتحديد مباحث هذه العلوم تحديدا أنار السبيل للباحثين؛ عد الإمام السكاكي واضع البلاغة في رأي كثير من البلغاء.

ومهما يكن من شيء، فقد أصبحت علوم البلاغة بعد السكاكي قائمة بذاتها، متميزة الموضوع، واضحة المنهج، قريبة المورد، واتية الجنى.

ثم جاء المتأخرون من بعده، فلم يستطيعوا أن يزيدوا عليه شيئا من أصول البلاغة، وكان قصارى جهدهم أن تناولوا كتابه بالاختصار تارة، وبالشرح أخرى، وأهم مختصرات قسم البلاغة منه تلخيص:

الخطيب القزويني:

وهو أبو المعالي قاضي القضاة، جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني الشافعي، المولود بقزوين1 سنة 666هـ والمتوفى سنة 739هـ. وقد نشأ الخطيب مقبلا على العلم، محبا له، جامعا لمسائله، يعينه على ذلك ذكاء نادر، وبديهة قوية، ولم يمض من عمره كثير حتى عرف بالفصاحة، وسعة الاطلاع، وجودة المحاضرة، وعذوبة

1 إحدى بلاد طبرستان، التي يحدها من الشمال بحر الخزر.

ص: 11

الحديث؛ ولهذا ولي القضاء وسنه أقل من عشرين سنة، ولم يثنه ذلك عن متابعة الدرس والتحصيل، فأقبل على شتى الفنون يكمل نفسه بها، وعلى علوم البلاغة يحصلها ويؤلف فيها حتى اشتهر أمره بها، فدعي لتولي الخطابة بجامع دمشق وكانت إذ ذاك وظيفة السادة من العلماء الأعلام، ولعله سمي الخطيب من أجل ذلك، ثم طلب لتولي قضاء الشام، فولي أمره على خير ما يكون، ثم ما لبث أن دعي لتولي القضاء في مصر، وزيادة في تكرمته أعطي رئاسة الأوقاف فيها، فوسع بأموالها على الفقراء وذوي الحاجات، فعظم أمره في مصر، وتطلعت إليه الأنظار، وذكر اسمه على الألسنة مقرونا بالعلم والسماحة والمعروف.

غير أن انغماس أولاده في الترف واللهو، وقبولهم للرشوة، واتّجارهم باسم أبيهم وجاهه، كل ذلك أساء إلى سمعة الشيخ الخطيب، فأعفي من العمل في مصر وأعيد إلى قضاء الشام مرة أخرى، فلم يلبث بها كثيرا حتى أصابه فالج مات به، بعد أن ترك لعلماء البلاغة سفرين جليلين هما أثره الباقي في هذا الفن إلى اليوم.

أحدهما: كتاب التلخيص الذي ضمنه القواعد الموجودة في القسم الثالث من مفتاح العلوم للسكاكي، وجعله مشتملا على ما يحتاج إليه من الأمثلة والشواهد. وقد بلغ هذا الكتاب من الشهرة ما لم يبلغه غيره من كتب هذا الفن؛ إذ عني به أرباب الشروح والحواشي، فكتبوا عليه، وكشفوا غوامضه، وأبانوا معالمه، ومن ثم حرص أبناء الأزهر على مدارسته، وتفهم عباراته، وما كتب عليه إلى يومنا هذا.

ثانيهما: كتاب الإيضاح، وقد حدث الخطيب عن نفسه، أنه جعله على ترتيب مختصره "تلخيص المفتاح"، وبسط فيه القول ليكون كالشرح له؛ فأوضح غوامضه، وفصل مجمله، وأضاف إليه زيادات لم يشأ أن يجعلها في مختصره، كما أضاف إليه ما أدى إليه فكره، ولم يجده لغيره.

ص: 12

ولقد خدم الخطيب بهذين الكتابين مؤلفات السابقين؛ فجمع شتاتها، وذلل صعابها، وسهل عسيرها، وهذب قواعدها، وهو لهذا معدود ممن خدموا كتب الفن، لا ممن ابتكروا فيه، ووضعوا أصوله، وأرسوا قواعده.

وقد بلغ من اعتراف العلماء بهذين الكتابين وجليل نفعهما أن عدوهما آخر ما وصل إليه الإتقان والإبداع في هذه الفنون، فلم يحدثوا أنفسهم بالزيادة على ذلك، أو التبديل فيه، أو الخروج عليه، ووقفت همتهم عند ما انتهى إليه هذا الإمام الجليل، وقصروا جهودهم على البحث في كتبه، يوضحون غامضها، ويحلون مشكلاتها، ويفسرون ما انْبَهم من عباراتها وتراكيبها، ومن ثم كثرت الشروح والحواشي والتقارير تقريبا للأفهام، وتيسيرا للعقول، وكل هذه الشروح -ولله الحمد- كانت خير مثابة لطلاب البلاغة وعشاقها، وأشهر هؤلاء الشراح:

سعد الدين التفتازاني:

هو سعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني الشافعي، المولود بتفتازان1 سنة 712 أو 722هـ على خلاف في الرواية.

نشأ سعد الدين عاكفا على دراسة العلم والأدب، واتصل في نشأته بالفطاحل من العلماء، فتخرج في علوم كثيرة منها الفقه، فهو معدود من أصحاب التصانيف فيه.

وله في الاهتمام بعلوم البلاغة شأن كبير، وشهرة ذائعة، بل له في كل ما صنف باع طويل في التحقيق البالغ أقصى المدى، وكانت تغلب عليه في ذلك قواعد الفلسفة والمنطق، كما كان مولعا أشد الولع بتعاطي الجدل والمناظرة. وقد تناول فيما تناول كتاب التلخيص فأحسن خدمته والعناية به في شرحيه -المطول والمختصر- وهما ما هما عند

1 إحدى قرى خراسان، من بلاد فارس.

ص: 13

أهل الفن، ألف المطول أولا، فتوسع في الحديث واستطرد في المباحث فرأى -تلبية لرغبة بعض الفضلاء- أن يوجه همته إلى اختصاره، والاقتصار على ما يوضح معاني كتاب التلخيص للقزويني؛ لتقاصر همم المحصلين وتقاعد عزائمهم -كما يقول- فتوفر على تحقيق هذه الرغبة، وألف مختصره، وهو ذلك الكتاب المشهور، والشرح المأثور. وقد عني العلماء بكتابة الحواشي والتقارير عليه، فاشتهر سعد الدين بذلك شهرة لم تكن لغيره ممن عنوا بالكتابة على "التلخيص".

غير أن هذا الشرح يؤخذ عليه كما يؤخذ على غيره من الشروح، والحواشي ابتعاد عبارته عن أساليب البلاغة بحيث لا ينبغي لدارس هذه الكتب أن يتخذ ما فيها من التراكيب قدوة له في كتابته؛ لأنها لم تتضمن غير عبارات اصطلاحية جافة، بعيدة كل البعد عن روح البلاغة، وتذوق الأدب، قصد بها شرح الكتاب المؤلف دون نظر إلى شرح خصائص كلام العرب، وتبيين مزاياه، وذلك مما يؤسف له.

هذا، ومن الغريب أن جل من تعاطى البلاغة هم من العلماء الأعاجم أو المستعجمين الذين تنازعت ألسنتهم ملكات لغاتهم الأصلية، فحسبوا أن البلاغة تجري مع المنطق والفلسفة في مضمار، فكتبوا بأساليبها كتب البلاغة؛ فازدادت تعقيدا وإبهاما، وبدلا من أن تكون عونا على تربية ملكتي الفصاحة والبلاغة، وحسن الأداء كانت عائقة عن نموها، حائلة دون بلوغها ما أريد منها.

ونحن لا نعيب أصحاب هذه الكتب بذلك، ولا ننتقص أقدارهم، ونعتقد أنهم بذلوا غاية الجهد على قدر ما وهبهم الله، وهداهم إليه، غير أن واجبنا يهيب بنا ألا نقنع بالذي صنعوه، وأن نعلي فوق الأساس ونتمم البناء، معترفين بما للسابقين من فضل، متمثلين بقول الشاعر:

فلو قبل مبكاها بكيت صبابة

بسعدى شفيت النفس قبل التندم

ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا

بكاها؛ فقلت الفضل للمتقدم

ومما ينبغي أن نقوله في هذا المقام هو أننا لا نستطيع أن نكون بلغاء بمجرد الإلمام بهذه القواعد التي انتظمها التلخيص ومختصر السعد وغيرهما، بل لا بد من الحصول على الملكة البلاغية، وحصولها متوقف -إلى جانب ذلك- على دراسة النصوص الأدبية، والاتصال بالمأثور منها في مختلف عصوره، وامتلاء النفس به، وتذوقه وحفظه ومحاكاته.

ص: 14