الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاستعارة المكنية
مدخل
…
الاستعارة المكنية:
سبق أن قسمنا الاستعارة باعتبار ذكر أحد طرفيها إلى تصريحية، ومكنية، وقد فرغنا من الكلام في التصريحية، وهاك البحث في الاستعارة المكنية.
تعريفها: اختلفت الآراء فيه:
فمذهب السلف، وجمهور علماء البيان، وهو المشهور: أنها لفظ المشبه به المستعار في النفس للمشبه، والمحذوف المدلول عليه بذكر شيء من لوازمه، وخواصه كما في قول أبي ذؤيب الهذلي1 من قصيدة:
وإذا المنية أنشبت أظفارها
…
ألفيت كل تميمة لا تنفع2
يقول: إذا حان الأجل عجزت عنده الحيل، ولا مرد لقضاء الله، شبه الهذلي المنية بالسبع في اغتيال النفوس، من غير تمييز بين نافع
1 هو خويلد بن خالد أحد المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يثبت أن اجتمع بالنبي، صلى الله عليه وسلم.
2 أنشبت أظفارها أي: علقتها ومكنتها، وألفيت: وجدت، والتميمة: خرزة تجعل معاذة، وتعلق بأعناق الصبيان صونا لهم عن العين، أو الجن في زعمهم.
وضار، ثم استعار في نفسه لفظ السبع للمنية بعد تناسي التشبيه، وادعاء أن المشبه من جنس المشبه به، ثم قدر حذفه دالا عليه بذكر بعض خواصه، وهو "الأظفار"، ثم أثبته للمشبه الذي هو المنية على سبيل الاستعارة المكنية. وكما في قول الشاعر الآخر:
إذا هزه في عظم قرن تهللت
…
نواجذ أفواه المنايا الضواحك1
شبه المنايا عند هزه السيف في عظم قرنه بإنسان يضحك لتوفر دواعي السرور، ثم استعار في نفسه لفظ المشبه به وهو "الإنسان الضاحك" للمنايا بعد التناسي والادعاء، ثم حذفه ودل عليه بذكر بعض لوازمه، وهو "تهلل النواجذ" وأثبته للمنايا على سبيل الاستعارة المكنية. وكقول الشاعر:
ولئن نطقت بشكر برك مفصحا
…
فلسان حالي بالشكاية أنطلق
يقول: إن نطقت بلساني مفصحا عن شكر يدك، فلسان حالي أنطق بالشكاية منك؛ لأن ضرك أكثر من نفعك، شبه الحال بإنسان متكلم في الدلالة على المقصود، ثم استعير الإنسان للحال، ثم حذف ودل عليه بلازمه وهو "اللسان"، وأثبت الحال على سبيل الاستعارة المكنية.
وكقول زهير بن أبي سلمى:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله
…
وعري أفراس الصبا ورواحله2
1 القرن -بكسر القاف- الند والنظير، وتهلل: تلألأ وأشرق، والنواجذ: هي الأضراس جمع ناجذ، والنجذ: العضّ.
2 "صحا" من الصحو بمعنى: زوال السكر والإفاقة منه، والمراد به السلو وهو زوال العشق من القلب، ففيه استعارة تبعية؛ شبه السلو من العشق بالصحو بالمعنى المذكور بجامع انتفاء ما يحول دون الرشد، ثم استعير اسم المشبه به واشتق منه صحا بمعنى سلا. و"أقصر باطله" يقال: أقصر عن الشيء، إذا أقلع عنه وتركه، مع القدرة عليه فإذا عجز عنه قيل: قصر عنه بلا ألف، وباطل القلب: ميله إلى الهوى. وإنما صح إسناد الإقصار إلى الباطل، وهو ليس بذي قدرة واختيار؛ إما لأن في العبارة قلبا، وأن الأصل: أقصر القلب عن باطله، فقلب وأسند الفعل إلى الباطل مجازا عقليا، وإما لأن المراد بالإقصار معناه المجازي وهو مطلق الامتناع، لا الامتناع مع القدرة الذي هو المعنى الحقيقي، فيكون معنى قوله: أقصر باطل القلب: امتنع عنه وانتفى وزال، والرواحل جمع راحلة، وهي البعير القوى على الأسفار، ومعنى تعرية الأفراس والرواحل: تجريدها من سروجها ورحالها للكف عن استخدمها في هذا السبيل، كناية عن انصرافه عما كان فيه من لهو وعبث.
يقول الشاعر: إنه ثاب إلى رشده، وسلا قلبه عن سلمى، وأقلع عن تعاطي الهوى معها، وجنب نفسه ما كان فيه من غواية وجهل، وسلك مناهج الحق والرشاد.
والشاهد فيه الشطر الثاني من البيت، حيث شبه الصبا -بمعنى الميل إلى الصبوة والجهل- بإحدى جهات المسير إلى غاية كتحصيل علم، أو تجارة، أو نحوهما بجامع ما يتطلبه كل من تجشم للمشاق، واجتياز للمسالك الوعرة، من غير مبالاة بما يستهدف من خطر، ولا اكتراث لما يعرض من شدة، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه، ثم قدر حذفه مدلولا عليه بلازمه، وهو الأفراس والرواحل، ثم أثبت هذا اللازم للمشبه على سبيل الاستعارة المكنية1.
ففي هذه الأمثلة الأربعة حذف لفظ المشبه به، وكني عنه بذكر لازمه، ثم أثبت هذا اللازم للمشبه المذكور، وكل ما كان من هذا القبيل ففيه استعارة مكنية.
ففي المثال الأول حذف لفظ المشبه به، وهو "السبع"، وبقي
1 ويحتمل أن الشاعر أراد بالأفراس والرواحل ما تركز في النفوس من شهوات جامحة، مع ما أودع فيها من قوى تعينها على استيفاء الملذات كالصحة والفراغ وما إليهما من جهد وتدبير، أو أراد بها الأسباب التي تتهيأ عادة إبان الصبا كالمال والأعوان، فتكون الاستعارة حينئذ تحقيقية في الأفراس والرواحل لتحقق معناها عقلا إن أريد بها شهوات النفوس وما إليها، أو حسا إن أريد بها الأسباب، ووجه الشبه بين الأفراس والرواحل، وبين ما ذكر في الوجهين أن كلا آلة لتحصيل ما لا يخلو عن مشقة وجهد.
المشبه وهو "المنية"، وكني عن المشبه به بذكر لازمه الذي هو "الأظفار"، ثم أثبت هذا اللازم للمنية، فقيل:"أظفارها".
وفي المثال الثاني حذف لفظ المشبه به، وهو "الإنسان الضاحك" وبقي المشبه وهو "المنايا"، وكني عن المشبه به بذكر لازمه، وهو "تهلل النواجذ"، ثم أثبت هذا اللازم للمشبه، فقيل:"تهللت نواجذ أفواه المنايا".
وفي المثال الثالث حذف لفظ المشبه به، وهو "الإنسان الناطق" وبقي المشبه وهو "الحال"، وكني عن المشبه به بذكر لازمه، وهو "اللسان" ثم أثبت هذا اللازم للمشبه، فقيل:"فلسان حالي".
وفي المثال الرابع حذف لفظ المشبه به، وهو الجهة التي يقصد منها إلى الغاية، وبقي المشبه وهو الصبا، وكني عن المشبه به بذكر لازمه، وهو الأفراس والرواحل، ثم أثبت هذا اللازم للمشبه، فقيل:"أفراس الصبا ورواحله". وهكذا، فالمذكور في المكنية من الطرفين هو المشبه دائما عكس الاستعارة التصريحية، على ما عرفت.
والدليل على التشبيه حينئذ إثبات ذلك اللازم؛ لأن إثبات لازم الشيء لغيره إنما يدل على أن ذلك الغير مشبه بذلك الشيء، ومنزل منزلته، وإلا ما صح أن يثبت له لازمه.
وسميت هذه الاستعارة مكنية؛ لعدم التصريح فيها بذكر المشبه به، والكناية عنه بذكر بعض خواصه، كما رأيت.
وذهب الخطيب القزويني إلى أن الاستعارة المكنية هي:
التشبيه المضمر في النفس المدلول عليه بإثبات لازم المشبه به للمشبه، كما في نحو قول الهذلي السابق. ويقال في إجراء الاستعارة فيه على هذا المذهب: شبهت المنية بالسبع تشبيها مضمرا في النفس بجامع الاغتيال، ثم تنوسي التشبيه، وادعي أن المشبه من أفراد المشبه به، ثم أثبت لازم المشبه به، وهو "الأظفار" للمشبه على سبيل الاستعارة المكنية، وهكذا يقال في أمثال ما ذكر.
وعلى هذا المذهب خرجت الاستعارة عن أن تكون من أفراد المجاز اللغوي؛ لأنه اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، فهو من عوارض الألفاظ، والاستعارة المكنية -على هذا المذهب- هي التشبيه المضمر في النفس
…
إلخ، وهو فعل من أفعال المتكلم، بخلافها "على مذهب الجمهور" فإنها من قبيل المجاز اللغوي، إذ هي لفظ المشبه به، المستعار للمشبه، المرموز له بشيء من لوازمه، على ما سبق.
وإذًا، فإطلاق لفظ "الاستعارة" على المكنية -على رأي الخطيب- مجرد تسمية خالية عن المناسبة1، وأما إطلاق لفظ "المكنية" عليها فظاهر، إذ لم يصرح فيها بالتشبيه، وإنما كني عنه بذكر لازم المشبه به، وإثباته للمشبه.
1 التمس بعضهم وجها لهذه التسمية، هو أن هذا التشبيه المضمر أشبه الاستعارة من حيث إن فيه ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به، ذلك نه لما أثبت اللازم للمشبه دل ذلك على أن مريد التشبيه ادعى دخوله في جنس المشبه به حتى استحق خواصه، والادعاء المذكور من شأن الاستعارة.