الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المجاز:
تعريفه: هو -في اللغة- على ما ذهب إليه عبد القاهر:
مصدر ميمي على زنة مفعل1 بمعنى الجواز والتعدية، من جاز المكان يجوزه إذا تعداه، نقل في الاصطلاح إلى الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له باعتبار أنها جائزة ومتعدية مكانها الأصلي، فيكون المصدر بمعنى اسم الفاعل، أو باعتبار أنها مجوز بها مكانها الأصلي، فيكون المصدر بمعنى اسم المفعول. وذهب الخطيب إلى أن المجاز -في اللغة- مصدر ميمي بمعنى مكان الجواز والتعدية، من قولهم: جعلت هذا مجازا إلى حاجتي أي: طريقا لها، فهو من جاز المكان سلكه إلى كذا، لا من جازه إذا تعداه كما هو الرأي الأول، ثم نقل إلى الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له باعتبار أنها طريق إلى تصور المعنى المراد منها، وهو نوعان: مفرد، ومركب.
المجاز المفرد:
هو في الاصطلاح: الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب؛ لعلاقة بين المعنى الأول والثاني، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأول.
العلاقة: هي المناسبة الخاصة بين المعنى الأصلي الموضوع له اللفظ، والمعنى المقصود. والقرينة: هي الأمر الذي يجعله المتكلم دليلا على أنه أراد باللفظ غير المعنى الموضوع له، مثال ذلك لفظ "الأسد" المستعمل في الرجل الشجاع في قولك:"في الحمام أسد"، وكلفظ "الغيث" المستعمل في النبات في قولك:"رعت الماشية الغيث"، و"كالصلاة" المستعمل عند أهل الشرع في الدعاء، فكل من هذه الألفاظ مجاز مفرد؛ لأنه كلمة مستعملة في غير المعنى الموضوعة له في اصطلاح التخاطب، والعلاقة بين المعنيين "في الأول" مشابهة الرجل الشجاع للأسد، "وفي الثاني" سببية الغيث للنبات، "وفي الثالث" الكلية والجزئية، إذ إن الصلاة كل للدعاء وهو جزء منها، والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي قولك في المثال الأول:
1 فأصله "مجوز" نقلت حركة الواو إلى الساكن قبلها، فتحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها بحسب الآن فقلبت ألفا.
"في الحمام" إذ الحلول في الحمام ليس من شأن الحيوان المفترس، والقرينة في الثاني قولك:"رعت الماشية" إذ إن الغيث لا يرعى، والقرينة في الثالث حالية وهي كون المستعمل للفظ الصلاة من أهل الشرع.
وفي هذا التعريف قيود خمسة:
1-
المستعملة.
2-
في غير ما وضعت له.
3-
في اصطلاح التخاطب.
4-
لملاحظة علاقة.
5-
مع قرينة مانعة.
أما القيد الأول، فقد احترز به عن الكلمة قبل الاستعمال، فلا تسمى حقيقة، ولا مجازا.
وأما القيد الثاني، فقد احترز به عن الحقيقة، وهي الكلمة المستعملة فيما وضعت له في كافة الاصطلاحات، كالأسد المستعمل في الحيوان المفترس.
وأما القيد الثالث، فقد احترز به عن الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح آخر غير الاصطلاح الذي وقع به التخاطب "كالصلاة" إذا استعملها المتكلم بعرف الشرع في الأركان الخاصة، فليست بمجاز لعدم استعمالها في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب وهو "الشرع"، وإن كانت مستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح آخر وهو "اللغة". و"كالصلاة" أيضا إذا استعملها المتكلم بعرف اللغة في الدعاء، فليست بمجاز كذلك؛ لعدم استعمالها في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب وهو اللغة، وإن استعملت في غير ما وضعت له في اصطلاح آخر هو "الشرع"، فالمدار في المجاز حينئذ على أن تكون الكلمة مستعملة في غير ما وضعت له عند أهل الاصطلاح، الذي وقع به التخاطب بالكلمة المنطوق بها.
وأما القيد الرابع، فقد احترز به عن الغلط اللساني1، وهو
1 أما الغلط في الاعتقاد، فإن استعمل اللفظ في معناه بحسب اعتقاد المتكلم كأن يقول: انظر إلى هذا الأسد، معتقدا أنه الحيوان المفترس فإذا هو فرس، فهو حقيقة لاستعماله في معناه الأصلي في اعتقاده، وإن لم يصب. وإن استعمل اللفظ في غير معناه الأصلي بحسب اعتقاده كأن يقول: انظر إلى هذا الأسد، مشيرا إلى حجر معتقدا أنه رجل شجاع، كان مجازا؛ لأنه مستعمل في غير معناه لعلاقة وإن لم يصب في ثبوت العلاقة في المشار إليه، وهذا هو أصح الأقوال في هذه المسألة، إذ المعول عليه الاعتقاد.
ما استعمل في غير ما وضع له لا لعلاقة، من غير تعمد لهذا الاستعمال كما إذا أشار متكلم إلى حجر، وأراد أن يقول: خذ هذا الحجر، فسبق لسانه، وقال: خذ هذا الفرس، فمثل هذا ليس مجازا؛ لأنه -وإن استعمل فيه اللفظ في غير ما وضع له- لا علاقة فيه بين المعنيين.
ومن هنا يعلم أنه لا بد للمجاز من علاقة1، وهي -كما قلنا- مناسبة خاصة بين المعنى الحقيقي، والمعنى المجازي كالمشابهة في مجاز الاستعارة في نحو قولك: رأيت سحبان يخطب، تريد رجلا فصيحا، وكالسببية والمسببية في المجاز المرسل في نحو قولك: رعت الماشية الغيث، تريد النبات، غير أنه لا يكفي في المجاز مجرد وجود العلاقة بين المعنيين، بل لا بد أيضا من اعتبارها2 وملاحظتها.
وإنما اشترط في المجاز ملاحظة العلاقة بين المعنيين، ولم يكتف بالقرينة الدالة على المراد؛ لأن إطلاق اللفظ على المعنى المجازي بعد إطلاقه على المعنى الحقيقي تشريك بين المعنيين في اللفظ، وتفريع لأحد الإطلاقين على الآخر، وذلك يستدعي وجها لتخصيص المعنى الفرعي "وهو المجازي" بالتشريك والتفريع، دون سائر المعاني، وذلك الوجه هو العلاقة، وإلا فلا حكمة في تخصيص بعض المعاني دون غيره، فيكون تحكما.
1 سميت علاقة؛ لأنه بسببها يتعلق المعنى الثاني بالأول، ويرتبط به، فينتقل الذهن حينئذ من المعنى الأول إلى الثاني.
2 المعتبر في العلاقة نوعها لا شخصها؛ ولهذا جاز إنشاء المجاز في كلام المولدين، فإذا استعمل العرب علاقة خاصة بين معنيين جاز لنا أن نستعمل للربط بينهما لفظا آخر غير ما استعملوه، ولا نقتصر على خصوص اللفظ الذي اعتبروه، ولو كان المعتبر شخص العلاقة لتوقف استعمال اللفظ في معناه المجازي على النقل عن العرب، وليس كذلك.