الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خاتمة:
أطبق علماء هذا الفن على أن المجاز أبلغ من الحقيقة، وأن الكناية أبلغ من التصريح1، وأن الاستعارة أبلغ من التشبيه، ومن المجاز المرسل، والكناية.
أما وجه الأبلغية في المجاز والكناية؛ فلأن الانتقال فيهما من الملزوم إلى اللازم2، فهما كدعوى الشيء ببينة3، ذلك أنك حين تقول متجوزا:"رأيت أسدا على المنبر" إنما تريد أن تقول: رأيت رجلا مقداما على المنبر، وهذه دعوى قام عليها دليلها هو إثبات معنى الأسد له، إذ يلزم من كونه أسدا أن يكون مقداما جريئا للزوم الإقدام والجرأة للأسد، وأنك حين تقول مكنيا: محمد طويل، النجاد إنما تريد أن تقول: محمد طويل القامة، وهي أيضا دعوى قام عليها دليلها هو اتصافه بطول النجاد، إذ يلزم من كونه طويل النجاد أن يكون طويل القامة، وكأنك قلت في الأول: رأيت مقداما على المنبر لأنه أسد، وقلت في الثاني: محمد طويل القامة لأنه طويل النجاد.
أما الحقيقة في نحو: "رأيت رجلا مقداما على المنبر"، والتصريح في نحو:"محمد طويل القامة" فدعويان لم يقم عليهما
1 المراد بالأبلغية هنا الأفضلية في الحسن والقبول، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الكناية كلمة مفردة، وأن المجاز قد يكون مفردا، وقد سبق أن البلاغة لا يوصف بها المفرد.
2 أي: فلا يفهم المعنى المراد منهما من اللفظ نفسه، بل بواسطة الانتقال من الملزوم إلى اللازم، فلا يفهم معنى الشجاع من ذات قولك: رأيت أسدا على فرس، بل بواسطة الانتقال من معنى الحيوان المفترس إلى لازمه وهو الشجاع. كذلك لا يفهم معنى طول القامة من ذات قولك: فلان طويل النجاد، بل بواسطة الانتقال من طول النجاد إلى لازمه الذي هو طول القامة.
3 وجه كونهما كالدعوى بالبينة: أن تقرر الملزوم يستلزم تقرر اللازم؛ لامتناع انفكاك الملزوم عن اللازم، فصار تقرر الملزوم مشعرا باللازم.
دليل، وما كان مؤيدا بدليل أبلغ وآكد مما لم يدعم بدليل، فثبت أن المجاز والكناية أبلغ من الحقيقة التصريح.
ووجه أبلغية الاستعارة على التشبيه هو أن الاستعارة نوع من المجاز، مبني على دعوى اتحاد المشبه والمشبه به، والتشبيه نوع من الحقيقة بناء على القول الراجح، وقد ثبت أن المجاز أبلغ من الحقيقة، على ما بينا.
ووجه أبلغيتها على المجاز المرسل ما فيها من دعوى الاتحاد لفظا ومعنى؛ أما لفظا فلإطلاق لفظ المشبه به على المشبه، وأما معنى فلإدخال المشبه في جنس المشبه به، واعتباره فردا من أفراده، بخلاف المجاز المرسل نحو: أمطرت السماء نباتا، فإن فيه دعوى الاتحاد لفظا فقط من حيث إطلاق اللفظ على المعنى الثاني. أما الاتحاد في المعنى فغير موجود فيه، إذ ليس بين المعنيين "كالماء والنبات" في المثال المذكور تشابه ما حتى يدعى اتحادهما.
ووجه أبلغيتها على الكناية من جهتين:
"الأولى": أن في الاستعارة جمعا بين كناية واستعارة من حيث إن فيها انتقالا من الملزوم "كالأسد" إلى اللازم "كالشجاع"، كما ينتقل في الكناية من "طول النجاد" مثلا إلى طول القامة، ومن حيث إن فيها استعمال اللفظ في غير المعنى الموضوع له لعلاقة المشابهة.
"الثانية": أنها مجاز قطعا بخلاف الكناية، ففي مجازيتها خلاف بين علماء البلاغة مبسوط في محله، فارجع إليه إن شئت.
تنبيه:
ليس معنى الأبلغية في هذه الثلاثة أنها تفيد زيادة في أصل المعنى، لا يفيدها غيرها، إنما المراد أنها تفيد تأكيدا لإثبات المعنى لا يوجد في سواها.
فليست فضيلة قولنا: "رأيت قمرا" على قولنا: رأيت وجها لا يتميز عن القمر في إشراقه، وبهائه من حيث إن الأول أفاد زيادة في مساواة الوجه للقمر في إشراقه لم يفدها الثاني، إذ إن التركيبين في إفادة هذا المعنى سواء. إنما مزية الأول على الثاني من حيث إن الأول أفاد تأكيدا وتقريرا لإثبات معنى المساواة، دون الثاني؛ لما في التركيب الأول من دعوى الاتحاد، والتعبير عن المشبه بلفظ المشبه به، ودلالة دعوى الاتحاد على معنى المساواة كما في التركيب الأول أبلغ من التنصيص على المساواة كما في التركيب الثاني.
كذلك ليست فضيلة قولنا: "محمد طويل النجاد" على قولنا: محمد طويل القامة، من جهة أن التركيب الأول أفاد زيادة في معنى الطول لم يفدها الثاني، فالتركيبان في ذلك سواء، إنما ميزة الأول على الثاني من ناحية أن الأول أفاد تأكيدا، وتقريرا لإثبات معنى الطول دون الثاني؛ لما في التركيب الأول من الدعوى المستندة إلى دليل -كما بينا سابقا- ودلالة دعوى "الشيء" مؤيدة بدليل كما في التركيب الأول أبلغ من التنصيص عليه، غفلا عن الدليل كما في التركيب الثاني، يدرك ذلك صاحب الذوق السليم ا. هـ.
هذا، والاستعارة التمثيلية أبلغ أنواع الاستعارة؛ لأنها إنما تكون في الهيئات المنتزعة من أمور متعددة، فهي كثيرة الاعتبارات والملاحظات، لا يوفق فيها إلا من أوتي حسن روية، وبعد نظر. ويليها في الأبلغية الاستعارة المكنية؛ لاشتمالها على المجاز العقلي في قرينتها، أما التصريحية ففي المرتبة الثالثة.
نموذج في التطبيق على جميع ما مر من قواعد علم البيان:
وفي يده الصمصام تحكي شباته
…
نواجذ أفواه المنايا القواضب1
1 الصمصام والصمصامة: السيف لا ينثني، وشباته: حده، والنواجذ: الأضراس والأنياب مفرده ناجذة، والقواضب: القواطع.
الجواب: شبه الشاعر حد الحسام المرهف بنواجذ المنايا، ووجه الشبه المضاء والنفاذ، وهو أمر عقلي، والطرفان حسيان، وأداة التشبيه قوله:"تحكي"، وهي من الأدوات التي يليها المشبه، والتشبيه تحقيقي؛ لأن الوجه محقق في الطرفين وهو غير تشبيه تمثيل؛ لأن الوجه شيء واحد، لا مركب، وهو مفصل لحذف وجه التشبيه، ومرسل لذكر الأداة، والغرض بيان مقدار حال المشبه، وأنه بلغ من قوة مضائه ونفاذه بحيث لا يرد له حكم. وفي "المنايا" استعارة بالكناية؛ شبهت المنايا بالسبع بجامع الاغتيال، واستعير لفظ المشبه به للمشبه، ثم حذف ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو "نواجذ" على سبيل الاستعارة المكنية، ولفظ "أفواه" ترشيح لملاءمته للمشبه به الذي هو المستعار منه، وهي أصلية؛ لأن اللفظ المستعار اسم جنس، وقرينتها إثبات النواجذ للمنايا، وهذا الاثبات استعارة تخييلية. ودونك القياس على ذلك فيما يأتي من الأبيات:
كأن عيون النرجس الغض حولنا
…
مداهن در حشوهن عقيق
هرب النوم عن جفوني فيها
…
هرب الأمن عن فؤاد الجبان
سالت عليه شعاب الحي حين دعا
…
أنصاره بوجوه كالدنانير
والسحب تلعب بالبروق كأنها
…
قار على عجل يقلب مصحفا
ازرع جميلا ولو في غير موضعه
…
فلا يضيع جميل أينما زرعا
إذا ما الدهر جر على أناس
…
كلاكله أناخ بآخرينا
ونار لو نفخت بها أضاءت
…
ولكن أنت تنفخ في رماد
والبدر في أفق السماء كغادة
…
بيضاء لاحت في ثياب حداد
حتى بدا وجه الصباح كأنه
…
وجه الحبيب أتى بلا ميعاد
تمرينات:
بين أنواع التشبيه، والمجاز المرسل والاستعارة والكناية فيما يأتي:
قال تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} ، {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} . ألفاظ كغمزات الألحاظ، ومعانٍ كما تنفست الأسحار. ذم إنسان آخر فقال: كأن وجهه أيام المصائب، وليالي النوائب، يا عجبا من جسم كالخيال، وروح كالجبال. القضاة دعائم العدل، وبأيديهم أزمة الفصل والفضل. قال الحريري: لبثنا في الانتظار إلى أن هرم النهار، وكاد جرف الليل ينهار. زارنا فكأنه مطر الربيع، ونزل بساحة الوغى فكان كأسد خفان، وفاه بلفظ كالدر المنظوم، وبدا بوجه كفلق الصبح، أو كصفحة القمر.
والظل في سلك الغصون كلؤلؤ
…
رطب يصافحه النسيم فيسقط
له راحة ينهل جودا بنانها
…
ووجه إذا قابلته يتهلل
إذا أنشب الدهر ظفرا ونابا
…
وصال على الحر منا ونابا
صبرنا ولم نشك أحداثه
…
لأنا نعاف التشكي ونابى1
1 أصله نأبى، سهلت همزته.
وقفت وما بالموت شك لواقف
…
كأنك في جفن الردى وهو نائم
المرء مثل هلال حين تبصره
…
يبدو ضئيلا ضعيفا ثم يتسق
يزداد حتى إذا ما تم أعقبه
…
كر الجديدين نقصا ثم ينمحق
أنا نار في مرتقى نظر الحا
…
سد ماء جار مع الأخواز
بنفسج جمعت أوراقه فحكى
…
كحلا تشرب دمعا يوم تشتيت
كأنه وضعاف القضب تحمله
…
أوائل النار في أطراف كبريت
وقيل في وصف السماء:
بساط زمرد بسطت عليه
…
دنانير تخالطها دراهم
ونهر المجرة يجري في سندسها، ويسري ليسقي ذوابل نرجسها، فبينما أسرح في درر الدراري نظري، وأروض في رياضها جواد فكري، إذ هبّ نسيم السحر يروي عن أهل نجد أطيب الخبر، ثم تبسم الفجر ضاحكا، واقتنص بازي الضوء غراب الظلام، وفضّ كافور النور مسك الختام.
تم وضع هذا الكتاب عصر يوم السبت 28 شوال سنة 1366هـ، الموافق 13 سبتمبر سنة 1947م، فنرجو أن يكون قد رافقه بعض التوفيق في تأليفه وتنسيقه، وفي أسئلته وتطبيقه، ونحمده -جل شأنه- ونسأله أن ينفع به سؤال معترف بالعجز لقادر، بعونه وتوفيقه تتم الصالحات.