المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الاستعارة التبعية: ما كان اللفظ المستعار فيها فعلا، أو اسما مشتقا، - المنهاج الواضح للبلاغة - جـ ٣

[حامد عونى]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الثالث

- ‌مقدمات

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌تمهيد بنشأة العلوم البلاغة وتدرجها

- ‌وجه الحاجة إلى دراستها:

- ‌‌‌الفصاحةوالبلاغة

- ‌الفصاحة

- ‌مدخل

- ‌فصاحة الكلمة:

- ‌فصاحة الكلام:

- ‌فصاحة المتكلم:

- ‌البلاغة

- ‌مدخل

- ‌بلاغة الكلام:

- ‌اختلاف مقتضيات الأحوال:

- ‌مراتب البلاغة:

- ‌بلاغة المتكلم:

- ‌علم البيان

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: في تعريف علم البيان

- ‌المبحث الثاني: في الدلالة

- ‌المبحث الثالث: في التشبيه

- ‌مدخل

- ‌التقسيم الأول:

- ‌التقسيم الثاني:

- ‌التقسيم الثالث

- ‌مبحث وجه الشبه

- ‌التقسيم الأول

- ‌التقسيم الثاني:

- ‌التقسيم الثالث:

- ‌فصل في الوجه المركب الحسي:

- ‌التقسيم الرابع:

- ‌التقسيم الخامس:

- ‌التقسيم السادس:

- ‌مبحث أداة التشبيه:

- ‌مبحث أغراض التشبيه:

- ‌تقسيم التشبيه باعتبار الغرض:

- ‌التشبيه والتشابه:

- ‌مراتب التشبيه:

- ‌الاختلاف في صيغة التشبيه:

- ‌المبحث الرابع: في‌‌ الحقيقةوالمجاز

- ‌ الحقيقة

- ‌المجاز:

- ‌الوضع:

- ‌القول بدلالة اللفظ لذاته:

- ‌الاستعارة

- ‌مدخل

- ‌ما لا بد منه لتحقيقها:

- ‌الاستعارة لا تصح في علم الشخص:

- ‌الاستعارة مجاز لغوي، لا عقلي:

- ‌قرينة الاستعارة:

- ‌تقسيم الاستعارة

- ‌باعتبار الطرفين

- ‌تقسيم الاستعارة باعتبار الجامع:

- ‌تقسيم الاستعارة باعتبار الطرفين والجامع:

- ‌تقسيم الاستعارة باعتبار ذكر أحد طرفيها:

- ‌الاستعارة التصريحية

- ‌مدخل

- ‌الاستعارة الأصلية:

- ‌الاستعارة التبعية:

- ‌التقسيم الثاني باعتبار الملائم:

- ‌الاستعارة المكنية

- ‌مدخل

- ‌قرينة المكنية:

- ‌اختبار:

- ‌تمرينات منوعة:

- ‌المجاز المرسل

- ‌علاقات المجاز المرسل

- ‌المجاز المركب:

- ‌فصل في شرائط حسن الاستعارة:

- ‌فصل آخر في المجاز بالحذف، والزيادة:

- ‌المبحث الخامس في الكناية

- ‌مدخل

- ‌أقسام الكناية:

- ‌بحث للسكاكي في بعض أنواع الكناية:

- ‌خاتمة:

- ‌أسئلة وامتحانات رسمية:

- ‌موضوعات الكتاب:

الفصل: ‌ ‌الاستعارة التبعية: ما كان اللفظ المستعار فيها فعلا، أو اسما مشتقا،

‌الاستعارة التبعية:

ما كان اللفظ المستعار فيها فعلا، أو اسما مشتقا، أو حرفا، والأسماء المشتقة -كما علمت في غير هذا الفن- هي: اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل، واسما الزمان والمكان، واسم الآلة، وما إلى ذلك، وهاك أمثلتها على التوالي:

الاستعارة في الفعل:

الفعل له "مادة" هي حروفه الدالة على الحدث، وله "صيغة" وهي الهيئة الدالة على الزمان كما في صيغتي الماضي والمضارع، والاستعارة في الفعل، باعتبار مادته غيرها، باعتبار صيغته.

فمثالها في الفعل باعتبار مادته قولك: "من غرس الجميل محبوب" ففي غرس استعارة تصريحية تبعية، إجراؤها: شبه الفعل الجميل بالغرس بجامع انتظار الثمرة في كل، ثم استعير الغرس للفعل الجميل، فصار الغرس بمعنى الفعل الجميل، ثم اشتق من الغرس بهذا المعنى "غرس" بمعنى فعل الجميل على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. وكقولك:"نطقت" حالك بكذا، فالنطق -كما هو معلوم- وصف للإنسان، لا للحال، وإنما توصف الحال بالدلالة. وتقرير الاستعارة فيها أن يقال: شبهت الدلالة الواضحة بالنطق في إيضاح المعنى، ثم استعير النطق للدلالة الواضحة، فصار النطق بمعنى الدلالة الواضحة، ثم اشتق من النطق بهذا المعنى "نطقت" بمعنى دلت، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ومنه قوله تعالى:{يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} فالإحياء -وهو إيجاد الروح- إنما يناسب الحيوان، لا الأرض، والذي يناسب الأرض إنما هو "التزيين"، فيشبه حينئذ تزينها بالنبات ذي الخضرة والنضارة بالإحياء في الحسن والنفع، ثم يستعار الإحياء للتزيين، فيصير الإحياء بمعنى التزيين، ثم يشتق من الإحياء بهذا المعنى {يُحْيِي} بمعنى يزين، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.

ص: 253

ومثالها في الفعل باعتبار صيغته قوله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} فمن المعلوم أن أمر الله لم يأت بعد، وإنما سيأتي بدليل قوله:{فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} فكان سياق الكلام أن يقول: يأتي أمر الله بصيغة المضارع، لكنه عبر بصيغة الماضي تجوزا. وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبه الإتيان في المستقبل بالإتيان في الماضي في تحقق الوقوع، ثم استعير لفظ "الإتيان في الماضي" للإتيان في المستقبل، فصار الإتيان في الماضي بمعنى الإتيان في المستقبل، ثم اشتق من الإتيان بهذا المعنى {أَتَى} بمعنى يأتي على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ومثله قوله تعالى:{وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} فمما لا شك فيه أن النداء المذكور يكون في الدار الأخرى، فكان سياق الكلام أن يقال: وينادي أصحاب الجنة، لكنه عبر بصيغة الماضي تجوزا. وتقرير الاستعارة فيه على نحو ما سبق في {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} ، فيقال: شبه النداء في المستقبل بالنداء في الماضي في تحقق الوقوع، ثم استعير لفظ النداء في المستقبل، فصار النداء في الماضي بمعنى النداء في المستقبل، ثم اشتق من النداء بهذا المعنى "نادى" بمعنى ينادي، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، وأمثال هذا كثير. قال تعالى:{وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا} ، {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا} الآية، {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} على تقدير المضارع في جميعها؛ تشبيها للمستقبل المتحقق بالماضي.

وكما تستعمل صيغة الماضي في المستقبل -كما مثلنا- تستعمل صيغة المضارع في الماضي، كما في قوله تعالى حكاية لقول إبراهيم عليه السلام لابنه إسماعيل:{إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} فالرؤية المذكورة وقعت لا محالة، فكان سياق الكلام أن يقول: إني رأيت في المنام، لكنه عبر بصيغة المضارع تجوزا. وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبهت الرؤية الماضية بالرؤية الحاضرة في استحضار الصورة العجيبة هي صورة ذبح إبراهيم عليه السلام لابنه، ثم استعير لفظ الرؤية في الحاضر للرؤية الماضية، فصارت الرؤية الحاضرة بمعنى الرؤية

ص: 254

الماضية، ثم اشتق من الرؤية بهذا المعنى {أَرَى} بمعنى "رأيت" على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ومثله قوله تعالى:{فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} أي: قتلتم، وقس على هذا.

الاستعارة في المشتقات:

ومثالها في اسمي الفاعل والمفعول قولك: "جليل أعمالك "ناطق" بكمالك" أي: دال عليه، ففي ناطق استعارة تبعية، وإجراؤها: أن يقال فيها على غرار ما قيل في نطقت الحال بكذا، غير أن المشتق من النطق هنا "ناطق" بمعنى دال. وكقولك:"حكم "على قاتلك" بالسجن" أي: ضاربك ضربا مبرحا، وقولك:"رفع "مقتولك" أمره إلى الحاكم" أي: مضروبك ضربا شديدا. وإجراء الاستعارة فيهما أن يقال: شبه الضرب الأليم بالقتل في قسوة الألم، ثم استعير لفظ "القتل" للضرب الشديد، فصار القتل بمعنى الضرب الشديد، ثم اشتق من القتل بهذا المعنى "قاتل أو مقتول" بمعنى ضارب أو مضروب ضربا شديدا، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.

ومثالها في الصفة المشبهة قولك: إنما أصادق "الأصم" عن العوراء، وأجاور "الأعمى" عن الفحشاء؛ فقد شبه أولا التصامم بالصمم في عدم السماع، ثم استعير لفظ "الصمم" للتصامم، فصار الصمم بمعنى التصامم، ثم اشتق من الصمم بهذا المعنى "أصم" صفة مشبهة بمعنى متصامم. وشبه ثانيا غض البصر بالعمى في عدم الرؤية، ثم استعير لفظ "العمى" لغض البصر، فصار العمى بمعنى غض البصر، ثم اشتق من العمى بهذا المعنى "أعمى" صفة مشبهة بمعنى غاض البصر، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية في المثالين.

ومثالها في اسمي الفاعل والمفعول قولك:

ولئن نطقت بشكر برك مفصحا

فلسان حالي بالشكاية أنطق

شبهت الدلالة بالنطق على نحو ما سبق في نطقت الحال بكذا،

ص: 255

ثم اشتق من النطق بمعنى الدلالة "أنطق" بمعنى أدل، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.

ومثالها في اسمي الزمان والمكان قولك: "هذا مقتل فلان" مشيرا إلى زمان ضربه ضربا قاسيا، أو إلى مكانه؛ فيشبه الضرب الشديد بالقتل على قياس ما سبق في استعارة اسمي الفاعل والمفعول، ثم يشتق من القتل بمعنى الضرب الشديد "مقتل" اسم زمان أو مكان على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ومنه الآية السابقة:{يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} ، فمما لا ريب فيه أن هذا السؤال منهم إنما يكون بعد البعث من القبور، فالمراد بالمرقد حينئذ موضع الموت أي: القبر، لا موضع الرقاد بمعنى النوم؛ فقد شبه الموت بالرقاد في عدم ظهور الأفعال الاختيارية، ثم استعير لفظ الرقاد للموت، فصار الرقاد بمعنى الموت، ثم اشتق من الرقاد بهذا المعنى "مرقد" بمعنى مكان الموت وهو القبر، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. وإن قدر "المرقد" مصدرا ميميا بمعنى الرقاد، واستعير للموت كانت الاستعارة أصلية؛ لأن اللفظ المستعار حينئذ اسم جنس غير مشتق1، وهكذا سائر المشتقات.

هذا، ويعلم مما تقدم في استعارة الفعل، والأسماء المشتقة أن التشبيه فيها أجري أولا في مصادرها، لا في ذواتها. ففي قولهم:"نطقت" الحال بكذا أي: دلت، يقدر تشبيه الدلالة بالنطق، وفي قولهم: رفع "مقتولك" أمره إلى الحاكم، يقدر تشبيه الضرب الشديد بالقتل، وهكذا في سائر المشتقات.

دليل التبعية:

وإنما كانت الاستعارة في الفعل، وسائر المشتقات تبعية؛ لجريانها

1 وقيل: إن "مرقدا" في الآية حقيقة لا استعارة، وإن القوم لاختلاط عقولهم ظنوا أنهم كانوا نياما فسألوا عمن أيقظهم، وهذا رأي لبعض المفسرين.

ص: 256

فيهما تبعا لجريانها في المصادر -كما رأيت- فتشبيه الدلالة بالنطق في المثال السابق يتبعه تشبيه "دل بنطق"، واستعارة النطق للدلالة يتبعه كذلك استعارة "نطق لدل"؛ لأن الفعل مشتق من المصدر، فكل تصرف يجري في المصدر يجري نظيره في الفعل تبعا له، وكذلك سائر المشتقات.

وإنما اعتبر التشبيه والاستعارة في المصدر قبل اعتبارهما في الفعل وسائر المشتقات؛ لأن المصدر هو المعنى القائم بالذات، فهو المقصود الجدير بأن يعتبر فيه التشبيه والاستعارة أولا، والشيء إذا اشتمل على قيد كان الغرض هو ذلك القيد، هذا هو التحقيق.

وقالوا في تعليل كون الاستعارة في الأمرين المذكورين تبعية: إن الاستعارة تعتمد التشبيه، وتنبني عليه، والتشبيه يقتضي اتصاف طرفيه بوجه الشبه -كما علمت- وإنما يصلح للموصوفية الحقائق الثابتة كالأجسام وأشباهها. أما ما كان مدلوله متجددا أي: غير متقرر ثابت كمعاني الأفعال، والصفات المشتقة فلا يصلح للموصوفية، فلا يصح فيه التشبيه، فلا تجري فيه الاستعارة الأصلية وإنما كانت مدلولاتها غير متقررة لدخول الزمان -وهو غير قار الذات- في مفهوم الأفعال، ولزومه للصفات.

ورد هذا الدليل بألا يسلم لهم قولهم: لا يصلح للموصوفية غير الحقائق الثابتة، إذ قد صح أن يوصف كل من الحركة والزمان، فيقال: حركة بطيئة، وزمان عصيب، مع القطع بعدم تقررهما وثباتهما، على أن عروض الزمان للصفات لو كان مانعا من جريان التشبيه فيها، لما صح جريانه في المصادر أيضا لعروض الزمان لمفهومها كذلك؛ لأنها دالة على الأحداث، ولا بد لها من زمان تقع فيه، مع أن الاستعارة في المصادر أصلية. وعلى تقدير تسليم ما ذكروا لا يتناول دليلهم أسماء الزمان والمكان والآلة؛ لأنها تصلح للموصوفية، فيقال: هذا مقام واسع،

ص: 257

ومجلس فسيح، ومنبت طيب، ومفتاح كبير، ومنشار ماضٍ، سيما إذا علمنا أنهم صرحوا بأن المراد بالمشتقات ما عدا هذه الثلاثة. ومقتضى عدم شمول الدليل لها، أو تصريحهم باستثنائها أن تكون الاستعارة فيها أصلية بأن يقدر التشبيه فيها ذاتها، لا في مصادرها، وليس الواقع كذلك للقطع بأنا إذا قلنا:"هذا مقتل فلان" للموضع الذي ضرب فيه ضربا شديدا، و"هذا مرقد فلان" لقبره، فإن المعنى على تشبيه الضرب بالقتل، والموت بالرقاد، وإن الاستعارة في المصدر نفسه، لا في ذات المكان.

فالتعليل الصحيح إذًا في كونها "تبعية" هو ما ذكرنا من جريان الاستعارة في المشتقات، تبعا لجريانها في المصادر؛ لأن المصدر هو المعنى القائم بالذات، فهو أسبق في الاعتبار وأولى.

الاستعارة في الحرف:

مثالها قوله تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} .

اعلم: أن لام العلة موضوعة لترتب ما بعدها على ما قبلها ترتب العلة على المعلول، كما في قولك:"جئت إلى المعهد لأرتشف العلم من مناهله" فإن ارتشاف العلم مترتب على المجيء، وعلة باعثة عليه.

إذا علمت هذا فاعلم: أن "اللام" المذكورة مستعملة في غير ما وضعت له؛ لأن ما بعدها -وإن كان مترتبا على ما قبلها- ليس علة باعثة عليه، ذلك أن آل فرعون لم يلتقطوا موسى عليه السلام ليكون لهم عدوا وحزنا، وإنما التقطوه ليكون حبيبا لهم وسرورا، لكن لما كانت النتيجة المترتبة على التقاطهم هي العداوة والحزن، لا المحبة والسرور، شبه العداوة والحزن المترتبان على الالتقاط في الواقع بالمحبة والسرور اللذين كان ينبغي أن يترتبا عليه، ثم استعملت فيه اللام تجوزا.

ص: 258

وتقرير الاستعارة فيه أن يقال: شبه العداوة والحزن المترتبان على الالتقاط بالعلة الحقيقية التي هي المحبة والسرور بجامع الترتب على الالتقاط في كل، فسرى هذا التشبيه إلى تشبيه ترتب العداوة والحزن على الالتقاط بترتب العلة الحقيقية عليه، بجامع مطلق ترتب شيء على الشيء، ثم استعيرت اللام الموضوعة لترتب العلة الحقيقية على الالتقاط؛ لترتب غير العلة الحقيقية عليه على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.

ومثله قوله تعالى: {لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} ، فلفظ {فِي} موضوع لتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين كما تقول: الماء في الكوز. وإذًا فكلمة {فِي} في الآية مستعملة في غير ما وضعت له؛ لأن ما بعدها لا يصلح ظرفا لما قبلها على الحقيقة، لكن لما كانت الجذوع متمكنة من المصلوبين تمكن الظرف من المظروف شبهت الجذوع بالظرف الحقيقي في هذا التمكن، ثم استعير لها لفظ {فِي} تجوزا.

وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبهت الجذوع المستعلى عليها بالظروف الحقيقية بجامع التمكن في كل، فسرى هذا التشبيه إلى تشبيه تلبس الجذوع بالمصلوبين بتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين بجامع مطلق تلبس شيء بشيء، ثم استعيرت {فِي} الموضوعة لتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين لتلبس الجذوع المستعلى عليها بالمستعلي، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.

ومثله قولهم: "محمود في غبطة" فلفظ "في" -كما علمت- موضوع لتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين -كما في المثال السابق- وإذًا فلفظ "في" في المثال المذكور مستعمل في غير ما وضع له؛ لأن ما بعده لا يصلح للظرفية الحقيقية -كما ترى- لكن لما كانت الغبطة متمكنة من محمود تمكن الظرف من المظروف الحقيقيين، شبهت الغبطة بالظرف الحقيقي في هذا التمكن، واستعمل فيها لفظ "في" تجوزا.

ص: 259

وتقرير الاستعارة فيه على نحو ما سبق، فتشبه الغبطة بالظرف الحقيقي بجامع التمكن في كل، فيسري هذا التشبيه إلى تشبيه تلبس الغبطة بمحمود بتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين بجامع مطلق تلبس شيء بشيء، ثم تستعار "في" الموضوعة لتلبس الظرف بالمظروف الحقيقيين؛ لتلبس الغبطة بمحمود، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، وهكذا يقال في أمثال ما ذكر.

ومن هذا البيان يعلم أن الاستعارة في الحرف لا بد فيها من تشبيهين يسبقانها؛ أحدهما في مدخول الحرف، والثاني في معناه، فالتشبيه في آية {فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ} جرى -أولا- في مدخول لام العلة، وهو "العداوة والحزن" في جانب المشبه، "والمحبة والسرور" في جانب المشبه به، ثم جرى -ثانيا- في معنى اللام، وهو ترتب العلة على المعلول. والتشبيه في آية {لَأُصَلِّبَنَّكُمْ} جرى -أولا- في مدخول الحرف، وهو "الجذوع" في جانب المشبه، والظروف الحقيقية في جانب المشبه به، ثم جرى -ثانيا- في معنى الحرف، وهو "تلبس الظرف بالمظروف"، والتشبيه في المثال الأخير جرى -أولا- في مجرور الحرف، وهو "الغبطة" في جانب المشبه، والظرف الحقيقي في جانب المشبه به، ثم جرى -ثانيا- في معنى الحرف، وهو "تلبس الظرف بالمظروف" وعلى هذا فقس.

هذا هو مذهب الخطيب في استعارة الحرف -على ما يفهم من كلامه في كتابه الإيضاح- فهو -كما رأيت- لا يجري استعارة في مجرور الحرف، ويعقد التشبيه فيه، لا في معنى كلي كما ذهب إليه الجمهور -على ما سيأتي- قالوا: وهذا هو الأولى؛ لأن الحرف في حاجة إلى ذكر المجرور، فاللائق أن يكون التشبيه فيه لا في غيره، وأن تكون الاستعارة في الحرف تبعا للتشبيه في مجروره، كما مثلنا.

ص: 260

أما مذهب الجمهور في استعارة الحرف فهو أنهم يعقدون التشبيه في متعلق معنى الحرف1، فيقولون في آية الالتقاط: شبه مطلق ترتب علة واقعية، "كالعداوة والحزن" على الالتقاط بمطلق ترتب علة غائية "كالمحبة والسرور" عليه، بجامع مطلق ترتب شيء على شيء، فسرى التشبيه من هذين الكليين إلى جزئياتهما، ثم استعيرت -بناء على هذا التشبيه الحاصل بالسراية- اللام الموضوعة لجزئي من جزئيات المشبه به2 لجزئي من جزئيات المشبه3، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.

ويقال في آية {لَأُصَلِّبَنَّكُمْ} : شبه مطلق تلبس مستعلى عليه بمستعل بمطلق تلبس ظرف بمظروف، بجامع مطلق تلبس شيء بشيء، فسرى التشبيه من الكليين إلى الجزئيات، ثم استعير -بناء على هذا التشبيه- لفظ {فِي} الموضوع لجزئي من جزئيات المشبه به4 لجزئي من جزئيات المشبه5، استعارة تصريحية تبعية.

ويقال في المثال الأخير: شبه مطلق تلبس شيء لا يصلح للظرفية -كالغبطة في المثال المذكور- بشيء آخر بمطلق تلبس ظرف بمظروف، بجامع مطلق تلبس شيء بشيء، فسرى التشبيه من الكليين إلى الجزئيات

1 المراد بمتعلق معنى الحرف: المعنى الكلي الذي يستلزمه المعنى الجزئي للحرف، فلفظ "في" مثلا موضوع لمعنى جزئي هو الظرفية الخاصة في نحو قولك: الماء في الكوز، وهذا المعنى الجزئي يتعلق بمعنى كلي هو مطلق ظرفية شيء في شيء، ومعنى تعلقه به استلزامه له، إذ الخاص يستلزم العام، ولام العلة موضوعة لمعنى جزئي هو ترتب علة خاصة على معلول خاص، كما في نحو: جئت لتلقي العلم، وهذا المعنى الجزئي يتعلق بمعنى كلي هو مطلق ترتب شيء على شيء، وهكذا.

2 هو ترتب المحبة والسرور المتعلقين بموسى، عليه السلام.

3 هو ترتب العداوة والحزن المتعلقين بموسى، عليه السلام.

4 أي: في نحو: الماء في الكوز.

5 أي: كما في المثال المذكور.

ص: 261

ثم استعير لفظ {فِي} من أحد جزئيات المشبه به1 لأحد جزئيات المشبه3، استعارة تصريحية تبعية، وهكذا.

وسميت الاستعارة في الحرف تبعية "على المذهبين"؛ لأنها تابعة لتشبيه -على ما بينا- لا لأنها تابعة لاستعارة أخرى في المجرور -على رأي الخطيب- أو في متعلق معنى الحرف -على رأي القوم- إذ لا استعارة في الموضعين -كما رأيت- وليس في اعتبارها فيهما سوى تكثير المؤنة والكلفة، بخلاف استعارة المصدر في المشتقات، فإن فائدتها اشتقاق الفعل أو شبهه منه.

غير أنه نقل عن القوم استعارة متعلق معنى الحرف، بأن يقال بعد إجراء التشبيه في الكليين في مثل آية الالتقاط: ثم استعير اسم المشبه به للمشبه، فتكون الاستعارة في الحرف حينئذ تابعة لاستعارة أصلية، وقد علمت أن لا فائدة مترتبة على اعتبار ذلك.

وكما تسمى تبعية لما ذكرنا تسمى تصريحية؛ للتصريح فيها بالحرف المنقول من المشبه به إلى المشبه "كاللام" في آية "الالتقاط"، وكلفظ {فِي} في آية {لَأُصَلِّبَنَّكُمْ} ، فكلاهما بمثابة لفظ "الأسد" المنقول من الحيوان المفترس إلى الرجل الباسل.

وصفوة القول في الاستعارة التبعية أن يقال:

إن كانت الاستعارة في الفعل أو شبهه يقدر التشبيه في معنى المصدر، ثم ينقل المصدر إلى غير معناه الأصلي، ثم يشتق منه ما وقعت الاستعارة فيه من فعل، أو وصف، فتكون الاستعارة فيهما حينئذ تابعة للاستعارة في المصدر، بلا خلاف في المسألة.

وإن كانت الاستعارة في الحرف، فعلى مذهب الخطيب يقدر التشبيه في المجرور بالحرف -أولا- ثم في معنى الحرف -ثانيا-

1 في نحو: محمد في بيته.

2 كالمثال المذكور.

ص: 262

من طريق السراية، ثم ينقل الحرف إلى المعنى المراد، فتكون الاستعارة حينئذ تابعة لتشبيه. أما على مذهب القوم، ففي قول يقدر التشبيه -أولا- في متعلق معنى الحرف، ثم يقدر -ثانيا- من طريق السراية في جزئية، ثم يستعار الحرف للمعنى المراد، فتكون الاستعارة حينئذ تابعة لتشبيه، وفي قول آخر عنهم يقدر التشبيه في متعلق معنى الحرف كسابقه، ثم يستعار اسم المشبه به الكلي للمشبه الكلي، ثم يقدر التشبيه "ثانيا" في الجزئيات من طريق السراية، ثم ينقل الحرف إلى المعنى المراد، فتكون الاستعارة في الحرف حينئذ تابعة لاستعارة أصلية، ولا يعوزك تطبيق هذا الكلام على ما يعرض لك من الأمثلة.

قرينة التبعية:

قرينة التبعية في الفعل، والمشتق1 مرجعها غالبا إلى:

1-

"الفاعل" بأن يكون إسناد الفعل إليه غير صحيح، فيدل ذلك على أن المراد بالفعل معنى ينساب الفاعل، كما في قوله تعالى:{إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} ونحو قولنا: نطقت "حاله" بكذا؛ فالطغيان بمعناه الحقيقي يستحيل صدوره من الماء، كما أن النطق بالمعنى المعروف يستحيل صدوره من الحال؛ إذ هما من شئون الإنسان، فدل ذلك على أن المراد بالطغيان في الأول ما يصح إسناده إلى الماء وهو الكثرة التي جاوزت الحد، وأن المراد بالنطق ما يصح إسناده إلى الحال، وهو الدلالة الواضحة.

2-

نائب الفاعل بأن يكون إسناد الفعل إليه غير صحيح، فيدل ذلك على أن المراد بالفعل معنى يناسب نائب الفاعل كما في

1 إنما قلنا في الفعل والمشتق؛ لأن قرينة التبعية في الحروف غير مضبوطة.

ص: 263

قوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} فالضرب -وهو نصب الشيء- من شأن الخيام لا من شأن الذلة والمسكنة؛ إذ هما أمران معنويان، فدل ذلك على أن المراد بالضرب معنى يناسبهما، وهو "الحكم" ويكون المعنى حينئذ: حكم عليهم بالذلة والمسكنة1.

3-

المفعول بأن يكون تسلط الفعل أو ما يشتق منه على المفعول غير صحيح، فيدل ذلك على أن المراد بهما معنى يناسب المفعول. من ذلك قول ابن المعتز الخليفة العباسي:

جمع الحق لنا في إمام

قتل "البخل" وأحيا "السماحا"

فالقتل والإحياء الحقيقيان لا يقعان إلا على ذي روح، والبخل والسماح ليسا من ذوات الأرواح فعدم صحة إيقاع القتل على البخل، والإحياء على السماح دليل على أن المراد بالقتل معنى يناسب البخل، وهو "الإزالة"، وأن المراد بالإحياء معنى يناسب الجود، وهو "الإكثار"، وكأنه قال: أزال البخل وأكثر السماح2، فالقرينة إذًا هي "البخل" في الأول و"السماح" في الثاني. وقد تكون القرينة المفعول الثاني، كما في قول القطامي من قصيدة:

لم تلق قوما هم شر لإخوتهم

منا عشية يجري بالدم الوادي

1 شبه الحكم على الشيء بنصب الخيام عليه، بجامع الاشتمال في كل، ثم استعير ضرب الخيام للحكم واشتق منه ضرب بمعنى حكم، على طريق الاستعارة التبعية.

2 شبه أولا إزالة البخل بالقتل بجامع ما يترتب على كل من العدم، ثم استعير القتل للإزالة، واشتق منه قتل بمعنى أزال، وشبه ثانيا الإكثار من الشيء بإحيائه بجامع شيوع المنفعة في كل، ثم استعير الإحياء للإكثار، واشتق من الإحياء أحيا بمعنى أكثر، على سبيل الاستعارة التبعية في المثالين.

ص: 264

نقريهمو لهذميات نقد بها

ما كان خاط عليهم كل زراد1

يقول: لم تجد أقوى منا في إيقاع الشر بأعدائنا، والتنكيل بهم عند النزال وتفاقم القتال؛ إذ نطعنهم طعنات نافذات تقد الدروع، وتشق الضلوع. والشاهد في قوله:"نقريهمو لهذميات" فهو استعارة تبعية قرينتها "لهذميات"، وهو المفعول الثاني لنقري، ذلك أن القرى تقديم الطعام للضيف، فلا يصح إيقاعه على اللهذميات بمعنى الطعنات، فعلم أن المراد "بالقرى" معنى يناسب هذه الطعنات، وهو تقديمها إلى الأعداء عند اللقاء. وقد تكون القرينة المفعولين معا كقول الحريري:

وأقري المسامع أما نطقت

بيانا يقود الحرون الشموسا2

يقول: وأقدم إلى المسامع بيانا يكبح بسحره وعذوبته جماح النفوس الصوادف، يصف نفسه بسحر البيان وعذوبة القول. والشاهد في قوله:"وأقري المسامع بيانا" فإن "أقري" استعارة تبعية قرينتها تعلق القرى بكل من المسامع والبيان، ذلك أن القرى -كما قدمنا- تقديم الطعام إلى الضيف، فلا يصح إيقاعه، وتعلقه

1 القرى على "إلى" الإحسان إلى الضيف، واللهذميات جمع لهذمية وهي الطعنة الواسعة، منسوبة إلى اللهذم بفتح اللام والذال وهو السيف القاطع، وقد يراد بها الأسنة القاطعة والنسبة للمبالغة، والقد: القطع، وضمن "خاط" معنى قدر فعداه بعلى، والزراد: صانع الزرد -بفتح الراء- وهو الدرع، ومعنى زردها: نسجها، شبه تقديم الطعنات أو الأسنة عند اللقاء بالقرى بجامع أن كلا تقديم ما يصل من خارج إلى داخل، ثم استعير القرى لتقديم الطعنات أو الأسنة، واشتق من القرى نقريهمو بمعنى: نقدم لهم الطعنات أو الأسنة، على سبيل الاستعارة التبعية.

2 الحرون من الخيل: ما لا ينقاد لصاحبه ومثله الشموس، يقال: حرن الفرس وشمس على زنة دخل، إذا منع ظهره.

ص: 265

بالمسامع والبيان، فعلم من هذا أن المراد به معنى يناسبها، وهو "التقديم" كالمثال الذي قبله.

4-

المجرور بأن يكون تعلق الفعل بالمجرور غير مناسب، فيدل ذلك على أن المراد به معنى يناسب ذلك المجرور، كما في قوله تعالى:{فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} فإن التبشير إخبار بما يسر، فلا يناسب تعلقه بالعذاب، فعلم من هذا أن المراد بالتبشير معنى يناسب العذاب1، وهو الإنذار أي: الإخبار بما يحزن، ففي قوله تعالى:{فَبَشِّرْهُمْ} استعارة تبعية قرينتها مجرور الحرف. ومثله قوله تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ} فقوله: {نَقْذِفُ} استعارة تبعية بمعنى نرد، ولفظ "الحق" قرينتها، إذ إن الحق أمر معنوي لا يناسبه القذف الخاص بالمحسوسات2.

وقد تكون القرينة غير ما ذكرنا، كما في قوله تعالى:{يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} على أن يكون "مرقد" اسم مكان، والقرينة على الاستعارة كون هذا القول من كلام الموتى، مع ضميمة قوله:{هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} .

وإذ قد فرغنا من التقسيم الأول للاستعارة التصريحية،

1 نزل التضاد بين التبشير والإنذار منزلة التناسب بينهما، ثم شبه الإنذار بالتبشير في أن كلا إخبار بما يسر، ثم استعير التبشير للإنذار واشتق منه بشر بمعنى أنذر، على طريق الاستعارة التصريحية التبعية التهكمية.

2 شبه الرد بالقذف بجامع الإبعاد في كل، واستعير القذف للرد، ثم اشتق من القذف {نَقْذِفُ} بمعنى نرد، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.

ص: 266