الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصاحة
والبلاغة
الفصاحة
مدخل
…
الفصاحة والبلاغة:
الفصاحة:
تطلق "في اللغة" على معانٍ عدة ينبئ جميعها عن معنى الظهور والبيان؛ يقال: أفصح فلان عما في نفسه أي: أعرب عنها، ويقال: أفصح الصبي في منطقه، وفصح فيه إذا فهم ما يقول أول أمره. كما يقال: أفصح الأعجمي وفصح إذا انطلق لسانه بالعربية؛ لا تشوبه لكنة. ومنه قوله تعالى حكاية عن موسى، عليه السلام:{وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا} أي: أظهر وأبين مني قولا، وقولك: أفصح إن كنت صادقا أي: بين وأظهر.
ويقال: سرينا حتى أفصح الصبح أي: بدا ضوءه ولمع. ومنه المثل المشهور: "أفصح الصبح لذي عينين"1 أي: ظهر، كما يقال: هذا يوم مفصح أي: جلى، لا غيم فيه.
ويقال: أفصح النصارى أي: برزوا في يوم فصحهم2 ليتبادلوا التهاني، أو ليتسابقوا إلى حيث الرياض والبساتين.
ويقال: أفصح اللبن3: إذا نزعت رغوته فظهر، كما يقال: سقاهم لبنا فصيحا أي: منزوع الرغوة. ومنه المثل المعروف: "وتحت الرغوة اللبن الفصيح"4.
فوضح لك من كل هذه الأمثلة أن "الفصاحة" لم توضع لمعنى الظهور والبيان، وإنما وضعت لمعانٍ يدل جميعها على هذا المعنى بطريق
1 يضرب للشيء يظهر بعد استتاره.
2 بكسر الفاء أي: عيدهم.
3 قيل: إن هذا المعنى حقيقي للفصاحة، وإن ما عداه مجاز.
4 يضرب للأمر ظاهره غير باطنه.
اللزوم، وهذا هو السر في قول "السعد" بيانا لمعناها لغة: هي تنبئ عن الظهور والبيان.
أما الفصاحة "في الاصطلاح" فعلى ما ذهب إليه الخطيب: هي ما يوصف به المفرد، والكلام، والمتكلم، يريد أن معناها يختلف باختلاف موصوفها وهو أحد ثلاثة: الكلمة، والكلام، والمتكلم.
يقال: "هذه كلمة فصيحة" إشارة إلى كلمة معينة كلفظ "الأجل"، ويقال:
"هذا كلام فصيح" إشارة إلى مركب معين كقولنا: "الله الأجل" ويقال: "هذا متكلم فصيح" إشارة إلى متكلم معين كأبي بكر، أو عمر، أو علي، أو غيرهم من فصحاء العرب.
غير أن في تعريف الخطيب للفصاحة قصورا؛ إذ لم يشمل المركب الناقص. بيان ذلك: أن المركب الناقص ليس بكلمة لأنها قول مفرد، والمفرد ما قابل المركب، وليس بكلام؛ لأن الكلام خاص بالمركب التام، فالمركب الناقص إذًا خارج عنهما، ومقتضى ذلك ألا يتصف بالفصاحة، مع أنه يوصف بها قطعا، فيقال: هذا مركب فصيح، كما في قول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوما
…
وزججن الحواجب والعيونا
فإن هذا البيت من قبيل المركب الناقص، إذ لا يفيد معنى يحسن السكوت عليه؛ لعدم ذكر الجواب الذي هو محط الفائدة، مع أنه فصيح بالإجماع لخلوه من العيوب المخلة بالفصاحة، على ما سيأتي.
أجاب الخلخالي ردا لهذا الاعتراض: بأن يعمم في الكلام أي: أن يراد به المركب مطلقا -تاما كان أو ناقصا- على سبيل المجاز المرسل، من إطلاق الخاص وإرادة العام، وحينئذ يشمل المركب الناقص كالبيت المذكور.
ورد "السعد" هذا الجواب: بأنه إنما يصح هذا التأويل لو أن العرب أطلقوا على المركب المذكور كلاما فصيحا، ولم ينقل عنهم ذلك
بل المنقول عنهم وصفه بالفصاحة، لا وصفه بأنه كلام، فقالوا فيه: هذا مركب فصيح، ولم يقولوا: هذا كلام فصيح، ووصف المركب بالفصاحة لا يستلزم وصفه بأنه كلام، فاشتمال الكلام على المركب الفصيح حينئذ غير مسلم.
على أن وصف المركب بالفصاحة يحتمل أن يكون باعتبار مفرداته لا باعتبار ذاته، فمعنى قولهم: هذا مركب فصيح: أن مفرداته فصيحة، فيكون حينئذ داخلا في المفرد من غير تأويل فيه؛ وعلى ذلك ينهدم الاعتراض المذكور من أساسه.
فالجواب السليم ردا للاعتراض أن يعمم في المفرد، بأن يراد به ما ليس كلاما أي: مركبا تاما ليشمل المركب الناقص. وسند هذا الجواب أنه لم يعهد إطلاق الكلام على المركب مطلقا الشامل للتام والناقص إلا بالحمل على المجاز المرسل كما ذكرنا، أما إطلاق المفرد على ما ليس كلاما فحقيقة عرفية كإطلاقه على ما ليس مثنى ولا مجموعا "في باب الإعراب"؛ وكإطلاقه على ما ليس مضافا ولا شبيها بالمضاف "في باب المنادى"، وكإطلاقه على ما ليس جملة ولا شبيها بها "في باب المبتدأ والخبر" والحمل على الحقيقة أولى من الحمل على المجاز؛ لأنه خلاف الأصل، والقرينة على أن المراد بالمفرد هنا ما ليس كلاما مقابلته به ا. هـ.
تنبيه:
يلاحظ أنه قسم الفصاحة أولا إلى فصاحة مفرد، وفصاحة كلام، وفصاحة متكلم، ثم عرف كلا على حدة -على ما سيأتي- مع أن الشان أن يؤتى للمعرف بتعريف شامل لأقسامه، ثم يقسم بعد ذلك إلى هذه الأقسام كما فعل في "الكلمة" فقد عرفت أولا بأنها قول مفرد، وهو تعريف شامل لأقسامه الثلاثة: الفعل، والاسم، والحرف؛ إذ يطلق على كل منها: أنه قول مفرد، ثم قسمت بعد ذلك إلى هذه الأقسام. وكما فعل في "الإنسان" فقد عرف أولا بأنه حيوان ناطق، وهو معنى شامل لأنواعه من زنجي وعربي وشامي ومصري، إذ يطلق على كل منها: أنه حيوان ناطق، ثم قسم بعد ذلك إلى هذه الأنواع؛ فهلا فعل في الفصاحة كذلك؟
ويجاب بأنه لم يتأت أن يؤتى للفصاحة بتعريف شامل لأقسامها الثلاثة كما تأتى في الكلمة والإنسان؛ فلهذا اضطروا إلى تقسيمها أولا، ثم تعريف كل قسم من أقسامها ثانيا.