الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تقسيم الاستعارة
باعتبار الطرفين
…
تقسيم الاستعارة:
للاستعارة تقسيمات شتى، تختلف باختلاف الاعتبارات.
تقسيمها باعتبار الطرفين:
تنقسم الاستعارة باعتبار طرفيها إلى قسمين: وفاقية، وعنادية.
فالوفاقية: ما يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد؛ لما بين الطرفين من الوفاق، كما تقول:"فلان أحيته الموعظة" أي: هدته؛ شبهت "الهداية" بمعنى الدلالة على الطريق القويم "بالإحياء" بمعنى جعل الشيء حيا بجامع ما يترتب على كل من المنافع، وبعد تناسي التشبيه، وادعاء أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، استعير لفظ الإحياء للهداية، ثم استعير "أحيا لهدى" تبعا لاستعارة المصدر للمصدر، على ما سيأتي في الاستعارة التبعية، والحياة والهداية مما يتأتى اجتماعهما في شيء واحد، وإذًا فاستعارة الإحياء للهداية وفاقية.
والعنادية: ما لا يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد؛ لما بين الطرفين من التعاند، كاستعارة "اسم المعدوم للموجود عديم الجدوى" في قولك:"رأيت ميتا يتحدث" أي: جاهلا؛ شبه الجهل بالموت بجامع عدم النفع في كل، وبعد تناسي التشبيه، والادعاء المعروفين استعير الموت للجهل، ثم استعير "لفظ ميت" للجاهل تبعا لاستعارة المصدر للمصدر، والجهل والموت مما لا يجتمعان في شيء واحد؛ لأن الميت لا يوصف بالجهل، فهي إذًا استعارة عنادية. ومثله استعارة "اسم الموجود للمعدوم ذي الآثار الخالدة" إذ يمتنع بداهة اجتماع الوجود والعدم في شيء.
وقد اجتمعت الوفاقية والعنادية في قول الله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} أي: أومن كان ضالا فهديناه، فقد استعير في الأول الميت للضال، وهما لا يجتمعان في شيء واحد؛ إذ لا يوصف
الميت بالضلال، فالاستعارة عنادية، واستعير ثانيا الإحياء للهداية "كما سبق"، والحياة والهداية مما يجتمعان، فالاستعارة وفاقية، ومن العنادية تتفرع.
الاستعارتان التهكمية، والتمليحية:
وهما ما نزل فيهما التضاد، أو التناقض1 منزلة التناسب، واستعمل اللفظ في ضد معناه، أو في نقيضه؛ إبرازا للخسيس في صورة الشريف لقصد الهزء والسخرية، أو التمليح والتظرف وذلك كأن يطلق لفظ "الكريم" على البخيل، و"الأسد" على الجبان في نحول قولك:"زارني اليوم كريم" تريد رجلا بخيلا، و"رأيت على الفرس أسدا" تريد جبانا رعديدا، فقد نزل أولا البخل منزلة الكرم، ونزل ثانيا الجبن منزلة الشجاعة، على ما تقدم في مبحث التشبيه، ثم شبه البخيل بالكريم، والجبان بالأسد، ووجه الشبه "الجود" في الأول، و"الشجاعة" في الثاني، وإن كان كل من الجود في البخيل، والشجاعة في الجبان تنزيليا، ثم استعير اسم الكريم للبخيل، واسم الأسد للجبان. فإن كان الغرض الحامل على استعمال اللفظ في ضد معناه التهكم والاستخفاف بالمقول فيه، كانت الاستعارة تهكمية، وإن كان الغرض الحامل هو بسط السامعين، وإزالة السآمة عنهم بتصوير القبيح في صورة مستحسنة كانت الاستعارة تمليحية. ولا يخفى امتناع اجتماع البخل والكرم، أو الجبن والشجاعة في شيء واحد، فكلتاهما إذًا استعارة عنادية أيضا. ومن هذا القبيل قوله تعالى:{فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ، نزّل التضاد بين التبشير والإنذار منزلة التناسب بينهما، ثم شبه الإنذار بالتبشير، ووجه الشبه إدخال السرور إلى النفس في كل، وإن كان تنزيليا في المشبه، ثم استعير اسم البشارة للإنذار، بعد تناسي التشبيه والادعاء، ثم اشتقّ من البشارة بشر بمعنى "أنذر" على سبيل الاستعارة التهكمية، وهي أيضا عنادية؛ لأن التبشير والإنذار مما لا يجتمعان في شيء واحد، ومثله قوله تعالى:{فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} 2 أي: فجروهم جرا عنيفا.
1 الضدان هما الأمران الوجوديان اللذان لا يجتمعان وقد يرتفعان كالسواد والبياض، والنقيضان هما الأمران اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وأحدهما وجودي، والآخر عدمي كالوجود وعدمه.
2 نزل التضاد بين الهداية التي هي الدلالة بلطف، وبين الأخذ بمجامع الشيء وجره بقهر وعنف منزلة التناسب، ثم شبه الأخذ بالعنف بالهداية بجامع الخير والنفع في كل، وإن كان تنزيليا في المشبه، ثم استعير بعد تناسي التشبيه الادعاء لفظ الهداية للأخذ بالعنف، واشتق منه "اهدوهم" بمعنى: جروهم بشدة وقهر، على سبيل الاستعارة التهكمية، وهي عنادية؛ لعدم تأتي اجتماع اللطف والعنف في شيء واحد.