الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التشبيه والتشابه:
تقدم أن المشبه به ينبغي أن يكون أعرف بوجه الشبه من المشبه، أو أتم وأقوى منه فيه، حقيقة إذا عاد الغرض على المشبه، أو ادعاء إذا عاد على المشبه به كما سبق تفصيله.
ومتى كان الأمر كذلك جيء بصيغة التشبيه المعروفة إشعارا بهذا التفاوت، ودلالة على أن أحدهما ناقص، والآخر كامل، كما تقول:"هذا الشيء كهذا الشيء" أو مثله، أو شبهه، أو يحاكيه، أو يماثله، أو كأنه كذا، أو غير ذلك من أنواع صيغة التشبيه الدالة وضعا على أن بين الشيئين تفاوتا.
فإذا أريد التساوي بين الشيئين في أمر، من غير قصد إلى تمييز أحدهما في الأعرفية، أو الأتمية، أو فيهما معا، سواء وجد هذا التفاوت بينهما أو لا، فالأفضل العدول عن صيغ "التشبيه" المذكورة آنفا إلى صيغة "التشابه"، أو ما يماثلها من كل ما يدل على حصول المعنى من الجانبين على السواء، كتماثل وتعادل وتحاكى؛ احترازا من إيهام1 ترجيح أحد المتساويين الذي هو غير مراد قصدا إلى المبالغة في التشبيه، كما تقول: تشابه محمد والأسد، وتماثل وجهه والبدر، وتحاكى نواله والغيث، ونحو ذلك من كل فعل لا مفعول له للإشعار بأن ليس بين الطرفين تفاوت. ومنه قول أبي إسحاق الصابي2:
تشابه دمعي إذ جرى ومدامتي
…
فمن مثل ما في الكأس عيني تسكب
فوالله ما أدري أبالخمر أسبلت
…
جفوني، أم من عبرتي كنت أشرب3
1 إنما عبر بالإيهام؛ لأن الاحتراز عن ترجيح أحد المتساويين يوجب العدول عن صيغ التشبيه، مع أن العدول عنها جائز لا واجب.
2 هو إبراهيم أبو إسحاق الصابي اليهودي، وكان يحفظ القرآن، ولكن الله لم يشرح صدره للإسلام كما هداه إلى محاسن الكلام.
3 المدامة والمدام: الخمر و"الفاء" في قوله: "فمن مثل" لإفادة تعليل التشابه أي: تشابها؛ لأن ما تسكبه العين من الدمع مثل ما في الكأس من الخمر، وأسبل هنا فعل لازم يقال: أسبل الدمع أو المطر: هطل، فالباء في قوله:"أبالخمر" للتعدية وقد ورد متعديا فقيل: "أسبل الدمع" بنصب الدمع على المفعولية: أرسله، والعبرة بفتح العين: الدمع، وبكسرها: مصدر بمعنى الاعتبار.
خيل إلى الشاعر -لشدة ما يعانيه من ألم الجوى- أن دمعه الهاطل على خده أحمر قانٍ، فشبهه بما في كأسه من الخمر في الحمرة، غير أنه زعم أن الخمر والدمع تساويا في وجه الشبه، بحيث لا يفضل أحدهما الآخر فيه حتى أشكل عليه الأمر، فلم يدر: أكانت عيناه تسكبان خمرا، فكان يشرب خمرا، أم كانتا تسكبان دمعا، فكان يشرب دمعا؟ لهذا عدل عن التعبير بصيغة التشبيه إلى صيغة التشابه المفيدة لمعنى التساوي الذي زعمه، وهذا من باب تجاهل العارف، وإلا فهو يعلم قطعا أنه يحتسي خمرا، وأن عينيه تسحّان دمعا.
ومن هذا البيان يعلم أن في قول أبي إسحاق حذفا من جهتين، وكأنه يقول: أبالخمر أسبلت جفوني "فمن الخمر كنت أشرب؟ "، "أم بالعبرة أسبلت جفوني"، فمن عبرتي كنت أشرب؟ فأنت تراه قد حذف من إحدى العبارتين ما ذكر مقابله من الأخرى، وهو ما يسمى عندهم "بالاحتباك".
غير أن قوله: "فمن مثل ما في الكأس" صيغة تشبيه، وهي تتعارض مع صيغة التشابه في قوله: "تشابه دمعي
…
إلخ". ولعل الجواب على هذا أن المراد بالتشابه التساوي في مقدار وجه الشبه، أما التشبيه فباعتبار أن وجه الشبه في المشبه به أعرف وأشهر منه في المشبه، وقد أجيب بغير ذلك.
ونظير قول الصابي قول الصاحب بن عباد:
رق الزجاج وراقت الخمر
…
فتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح
…
وكأنما قدح ولا خمر
وفي هذا الشاهد أيضا ما في الذي قبله من تعارض صيغة التشبيه "في البيت الثاني" المقتضية للتفاوت مع صيغة التشابه "في البيت الأول" المقتضية للتساوي. ويجاب بأن "كأن" هنا للشك، لا للتشبيه بدليل قوله في البيت الثاني:"ولا قدح"، ثم قوله:"ولا خمر"، وذلك أمارة التساوي. وقد يجاب بأن التشبيهين في
البيت الثاني تعارضا لفظا، كما تعارضا معنى فتساقطا وبقي التشابه.
هذا، ويجوز في هذه الحالة أيضا -وهي إرادة التساوي بين شيئين من غير قصد إلى تمييز- الإتيان بصيغة التشبيه لغرض ما، كأن يكون أحد الطرفين موضع حديث المتكلم، أو محل اهتمامه، فيجريه على لسانه أولا، ويجعله مشبها، فإذا كان يتحدث عن الليل يتألق فيه بياض الصبح، صح أن يشبه ذلك بجواد أدهم ذي غرة، كما في قول الشاعر:
والصبح في طرة ليل مسفر
…
كأنه غرة مهر أشقر1
وإذا شغف بحب فرسه الدهماء ذات الغرة البيضاء، جاز أن يشبه ذلك بظلمة الليل ينشقّ عنها وجه الصباح كما في قول الشاعر:
وجهه صبح ولكن
…
سائر الجسم ظلام
فالشاعر في كلتا الحالين إنما يرمي إلى ما في الطرفين من مجرد ظهور بياض في سواد أكثر منه، من غير قصد إلى قوة أو ضعف، غير أن الأفضل -كما قلنا- هو العدول إلى صيغة "التشابه"؛ لأنها أدل على المراد، وأصرح في معنى التساوي بين الطرفين. وإنما لم يجب العدول إلى صيغة التشابه؛ لما بينّا من أن أحد الطرفين قد يكون موضع اهتمام المتكلم، أو موضع حديثه، فله حينئذ أن يقدمه في مستهل كلامه، ويعرضه في صورة المشبه من غير قصد إلى تمييز بينه وبين المشبه به، كما مثلنا لك.