الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أقسام الكناية:
تنقسم الكناية باعتبار المكنى عنه إلى ثلاثة أقسام:
1-
كناية يطلب بها صفة1.
2-
كناية يطلب بها موصوف.
3-
كناية يطلب بها نسبة صفة إلى موصوف.
فالأولى -وهي المطلوب بها صفة- ضابطها: أن يصرح بالموصوف، وبالنسبة إليه، ولا يصرح بالصفة المطلوب نسبتها وإثباتها، ولكن يذكر مكانها صفة تستلزمها كما في المثال السابق:"محمد طويل النجاد" كناية عن طول قامته، فقد صرح بالموصوف، وهو "محمد" وصرح بالنسبة، وهي إسناد طول النجاد إليه، ولم يصرح بالصفة المطلوب نسبتها، وهي "طول القامة"، ولكن ذكر مكانها صفة أخرى تستلزمها هي "طول النجاد". وكما في قولهم:"فلانة نئوم الضحا" كناية عن أنها مترفة مخدومة، فقد صرح بالموصوف، وهو "فلانة" وصرح بالنسبة، وهي إسناد النوم في الضحا إليها، ولم يصرح بالصفة المطلوب نسبتها، وهي "الترف والنعمة" ولكن ذكر مكانها صفة تستلزمها هي "النوم إلى الضحا"، وهكذا.
وهذه الكناية ضربان: قريبة وبعيدة:
فالكناية القريبة: ما ينتقل الذهن فيها من المعنى الأصلي إلى المقصود بلا واسطة بين المنتقل عنه، والمنتقل إليه كما في القول السابق: فلان طويل النجاد، فإن المطلوب بقولنا:"طويل النجاد" صفة هي "طول القامة" كما بينا، وليس بين طول النجاد وطول القامة واسطة، وإنما ينتقل الذهن من طول النجاد إلى طول القامة مباشرة، وسميت قريبة لقصر زمن إدراك المقصود منها بسبب انتفاء الواسطة.
والقريبة نوعان: واضحة وخفية:
فالواضحة: ما يفهم منها المقصود لأول وهلة؛ لوضوح اللزوم بين المكنى به والمكنى عنه كما تقدم في قولنا: فلان طويل نجاده، أو فلان طويل النجاد2، فإن طول القامة يفهم من طول النجاد بلا حاجة إلى
1 المراد بالصفة المعنى القائم بالغير كطول القامة، وكالجود، لا خصوص النعت النحوي.
2 الفرق بين المثالين أن الأول من قبيل الكناية الساذجة، لا يشوبها شيء من التصريح بالمعنى المقصود؛ لأن فاعل الوصف هو النجاد لينتقل منه إلى طول قامة فلان، والثاني من قبيل الكناية المشوبة بشيء من التصريح بالمعنى المراد؛ لتضمن الوصف للضمير العائد على الموصوف، فكأنه قيل: فلان طويل، وهو كلام صريح لا كناية فيه. ولما أضيف إلى النجاد صار كناية عن طوله، لكن مع شيء من التصريح لتحمل الوصف لضمير الموصوف بدليل أنك تقول: فلانة طويلة النجاد، وأنتما طويلا النجاد، وأنتم طوال النجاد، فتؤنث وتثني وتجمع.
تأمل لوضوح اللزوم بينهما كما عرفت. ومثله قول الشاعر:
أبت الروادف والثدي لقمصها
…
مس البطون وأن تمس ظهورا1
كنى عن كبر عجيزة المرأة، ونهود ثديها بارتفاع قميصها عن أن يمس منها بطنا أو ظهرا، وهي كناية واضحة اللزوم كما ترى.
والخفية: ما لا يفهم منها المقصود إلا مع شيء من التأمل والتفكير؛ لخفاء اللزوم بين المكنى عنه، والمكنى به كما في قولهم: فلان عريض القفا؛ كناية عن أنه أبله بليد، فإن عرض القفا بإفراط مما يستدل به على البلاهة والبلادة إلا أن فهم ذلك منه يتوقف على إعمال فكر وروية؛ لأن في اللزوم بين المعنيين نوع خفاء، لا يدركه كل أحد.
والكناية البعيدة: ما ينتقل الذهن فيها من المعنى الأصلي إلى المقصود بواسطة كما في قولنا: "عباس كثير الرماد" كناية عن أنه جواد مسماح. فالمطلوب بهذه الكناية صفة هي "الجود"، وبين كثرة الرماد وصفة الجود وسائط عدة لا بد من مراعاتها للوصول إلى هذه الصفة؛ فينتقل أولا من كثرة الرماد إلى كثرة الإحراق، ومنها إلى كثرة الطبخ، ثم إلى كثرة الأكلة، ومنها إلى كثرة الضيفان، ومنها إلى الجود. ومثله قول الشاعر:
وما يك من عيب فإني
…
جبان الكلب، مهزول الفصيل2
1 الروادف: جمع ردف -بكسر فسكون- وهو عجيزة المرأة، والثدي -بضم الثاء مع التشديد وكسر الدال وتشديد الياء- جمع ثدي -بفتح فسكون- والقمص -بضم القاف والميم وسكن للضرورة- جمع قميص، وقد جمعت هذه الأشياء للمبالغة.
2 الفصيل: ولد الناقة.
فقد كنى عن جوده، وكثرة قِراه للأضياف بجبن الكلب، وهزال الفصيل، إذ ينتقل الذهن من جبن الكلب إلى تأديبه ومنه إلى استمرار ما يوجب نباحه، وهو اتصال مشاهدته وجوها إثر وجوه، ثم ينتقل من هذا إلى كون صاحبه مقصدا للداني والقاصي، ومن هذا إلى أنه يقري الأضياف، ومن قرى الأضياف إلى وصف الجود. كذلك ينتقل الذهن من هزال الفصيل إلى فقد1 أمه بنحرها، ومنه إلى قوة الداعي لنحرها؛ لكمال عناية العرب بالنوق لا سيما المتليات2، ومنه ينتقل الذهن إلى إعدادها للطبخ، ومنه إلى أنه مضياف كريم. وسميت هذه الكناية بعيدة؛ لبعد زمن إدراك المقصود منها.
والثانية -وهي المطلوب بها موصوف- ضابطها: أن يصرح بالصفة وبالنسبة، ولا يصرح بالموصوف المطلوب النسبة إليه، ولكن يذكر مكانه صفة، أو أوصاف تختص به كما في قولك:"فلان صفا لي مجمع لبه" كناية عن قلبه؛ فقد صرح في هذه الكناية بالصفة، وهي "مجمع اللب"، وصرح بالنسبة، وهي إسناد الصفا إليها، ولم يصرح بالموصوف المطلوب نسبة الصفاء إليه، وهو "القلب"، ولكن ذكر مكانه وصف خاص به وهو "كونه مجمع اللب"، فإن القلب -كما يقولون- موضع العقل والتفكير.
وهذه الكناية أيضا نوعان:
الأول: ما يكون الكناية فيه معنى واحدا كما في المثال السابق: فلان صفا لي مجمع لبه؛ فمجمع اللب المكنى به عن القلب معنى واحد -كما ترى3- وكما في قول الشاعر:
1 أو إلى أخذ اللبن منها، وتقديمه للضيفان.
2 هي التي تلاها ولدها أي: تبعها.
3 ويسمى هذا النوع من الكناية عند أصحاب العلوم العقلية "خاصة بسيطة" لعدم تركبها، ويسميه السكاكي "كناية قريبة" لا بالمعنى السابق، بل بمعنى سهولة المأخذ، وسرعة الانتقال فيها لبساطتها.
الضاربين بكل أبيض مخذم
…
والطاعنين مجامع الأضغان1
يصف الشاعر قومه بالبسالة، وحسن البلاء في الحروب، وأن سيوفهم لا تعرف غير المقاتل جفونا، كنى بمجامع الأضغان، وهو معنى واحد عن القلوب. والمراد بوحدة المعنى ألا يكون من أجناس مختلفة، وإن كان مثنى أو جمعا فمجامع الأضغان في قول الشاعر السابق -وإن كان جمعا- هو معنى واحد من حيث إن مدلوله جنس واحد هو "القلوب" لا أجناس مختلفة، وكون القلب مجمع الضغن وصف خاص به، فلا يحل الضغن في غيره.
الثاني: ما يكون الكناية فيه مجموع معانٍ مختلفة ضم بعضها إلى بعض؛ لتكون جملتها مختصة بالموصوف، فيتوصل بذكرها إليه كما يقال في الكناية عن الإنسان: زارني حي، مستوي القامة، عريض الأظفار، فالكناية مجموع هذه المعاني من الحياة، واستواء القامة، وعرض الأظفار، لا كل واحد منها، وهذه المعاني مجتمعة وصف خاص بالإنسان، لا يوجد في سواه2.
والثالثة -وهي المطلوب بها نسبة3- ضابطها: أن يصرح بالموصوف والصفة، ولا يصرح بالنسبة بينهما، ولكن يذكر مكانها نسبة أخرى تستلزمها. وهذه النسبة إما أن تكون إثباتا أو نفيا؛ فمثالها في الإثبات قولهم:"المجد بين بردي محمد" كناية عن إثبات المجد له، فقد صرح في هذه الكناية بالموصوف، وهو "محمد".
1 الأبيض: السيف، والمخذم كمنبر: القاطع، والأضغان: جمع ضغن وهو الحقد، وكل من الضاربين والطاعنين منصوب على المدح بقدرتهم على النكاية، والفتك بالأعداء.
2 ويسمى هذا النوع عند ذوي العلوم العقلية "خاصة مركبة"؛ لتركبها من جملة معانٍ مختلفة، ويسميه السكاكي كناية بمعنى صعوبة المأخذ، والانتقال فيها لتركبها من عدة أمور.
3 أي: إثبات أمر لأمر، أو نفيه عنه.
وصرح بالصفة، وهي "المجد"، ولكن لم يصرح بنسبة المجد إليه، وإنما ذكر مكانها نسبة المجد إلى برديه إثباتا، وهي تستلزم نسبة المجد إليه من حيث وجوده بين برديه الخاصين به، واستحالة قيام المجد بنفسه، ووجوب قيامه بمحل صالح. ومنه قول زياد بن الأعجم:
إن السماحة والمروءة والندى
…
في قبة ضربت على ابن الحشرج1
فقد كنى عن إثبات هذه الثلاثة للممدوح بإثباتها لقبة ضربت عليه؛ لأنه إذا أثبت الأمر في مكان الرجل وحيزه فقد أثبت له لما قلنا من استحالة قيام الأمر بنفسه، ووجوب قيامه بمحل صالح له. ومثالها في النفي قول الشنفرى يصف امرأة بالعفة والنزاهة:
يبيت بمنجاة من اللوم بيتها
…
إذا ما بيوت بالملامة حلت
فقد صرح بالموصوف، وهو الضمير في "بيتها" العائد على المرأة، وصرح بالصفة، وهي اللوم المنفي في قوله:"بمنجاة من اللوم" ولم يصرح بنسبة اللوم عنها، ولكن ذكر مكانها نسبة أخرى هي نفي اللوم عن بيت يحتويها، وهذا اللوم يستلزم نفي اللوم عنها2.
1 هو عبد الله بن الحشرج كان أميرا على نيسابور، يدل على ذلك قوله:"في قبة" إذ يفهم منه أن الممدوح ممن تضرب له القباب، وذلك عنوان السيادة والإمارة.
2 قيل: قد يطلب بالكناية صفة، ونسبة معا كقولك: كثر الرماد في ساحة محمد، كناية عن صفة المضيافية وإثباتها لمحمد، وقد يطلب بها الصفة والنسبة والموصوف جميعا كما في قولك: كثر الرماد في ساحة حي مستوي القامة عريض الأظفار. ويحاب بأن ما ذكر ليس كناية واحدة، بل هو في المثال الأول كنايتان؛ إحداهما مطلوب بها صفة وهي كثرة الرماد كناية عن المضيافية، والثانية مطلوب بها نسبة المضيافية إلى محمد بواسطة نسبتها إلى ساحته، وفي المثال الثاني ثلاث كنايات، مطلوب بها صفة في كثرة الرماد، ومطلوب بها نسبة في إثباتها للساحة، ومطلوب بها موصوف في حي مستوي القامة عريض الأظفار.
تنبيه:
قد يكون الموصوف بالكناية غير مذكور في الكلام، وذلك إذا كان المطلوب بالكناية صفة، أو نسبة صفة إلى موصوف.
فمثال المطلوب بها صفة قولهم: "كثر الرماد في هذه الساحة"، فإن كثرة الرماد كناية عن صفة المضيافية، وإيقاع الكثرة في الساحة كناية عن ثبوت هذه الصفة لصاحب الساحة، وهو لم يذكر في الكلام.
ومثال المطلوب بها نسبة: قوله صلى الله عليه وسلم في شأن من يؤذي المسلمين: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" فهو كناية عن نسبة هي نفي1 صفة الإسلام عن المؤذي، وهو غير مذكور في الكلام. ووجه الكناية فيه أن مدلول الجملة في الحديث الشريف حصر الإسلام فيمن لا يؤذي المسلمين، ولا ينحصر فيه إلا بانتفائه عن المؤذي، فقد أطلق الملزوم، وهو حصر الإسلام فيمن لا يؤذي، وأريد اللازم، وهو انتفاء الإسلام عن المؤذي.
أما الكناية المطلوبة بها موصوف، فلا يتصور إلا كونه غير مذكور؛ لأنه هو المطلوب بالكناية، وإلا فكيف يطلب حصول ما هو حاصل؟
1 النسبة المكنى عنها هنا نفي الصفة، لا ثبوتها؛ لأن نسبة الصفة يكنى عنها مطلقا، ثبوتية كانت أو سلبية كما تقدم مثاله، وهي هنا سلبية؛ إذ هي سلب الإسلام عن المؤذي.