الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تقسيم الاستعارة باعتبار الجامع:
الجامع: هو ما قصد اجتماع الطرفين فيه، وهو ما يسمى في التشبيه "وجه الشبه"، وسمي هنا "جامعا"؛ لأنه جمع المشبه مع أفراد المشبه به تحت مفهومه وأدخله في جنسه ادعاء، وهو لا بد أن يكون في المستعار منه أقوى؛ لأن الاستعارة مبنية على المبالغة في التشبيه، والمبالغة فيه توجب إلحاق المشبه بما هو أكمل في وجه الشبه، ولا كذلك التشبيه، إذ يكفي فيه أحيانا أن يكون المشبه به مساويا للمشبه في وجه الشبه، وقد تقدم ذلك في مبحث أغراض التشبيه، وللاستعارة باعتبار هذا الجامع تقسيمان.
التقسيم الأول:
تنقسم الاستعارة بهذا الاعتبار إلى قسمين: داخلية، وغير داخلية.
فالداخلية: أن يكون الجامع داخلا في مفهومي الطرفين1: المستعار منه، والمستعار له، بأن يكون جزءا من مفهوميهما كما في استعارة التقطيع للتفريق في قوله تعالى:{وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا} أي: فرقناهم؛ شبه تفريق الجماعة بالتقطيع بجامع إزالة الاجتماع في كل، ثم استعير -بعد إجراء التشبيه بينهما- لفظ التقطيع للتفريق، ثم اشتق منه "قطّع" بمعنى "فرّق" والجامع -وهو إزالة الاجتماع- داخل في مفهوم التقطيع؛ إذ إن التقطيع موضوع لإزالة الاجتماع في الأشياء المتماسكة، وداخل أيضا في مفهوم تفريق الجماعة؛ لأنه موضوع لإزالة الاجتماع في الأشياء غير المتماسكة. وبديهي أن إزالة الاجتماع في التقطيع أشد وأقوى كما هو الشرط في الجامع، إذ يصعب أن تعود الأشياء المتماسكة بعد التقطيع إلى الاجتماع بخلاف التفريق. ومثل الآية الكريمة قوله صلى الله عليه وسلم:"خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه، كلما سمع هيعة طار إليها" 2، شبه العدو الذي هو قطع المسافة بسرعة في الأرض بالطيران الذي هو قطع المسافة بسرعة في الهواء، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه، واشتق
1 قيل: إن الحكم بدخول الجامع في مفهومي الطرفين يتنافى مع ما هو مقرر من أن جزء الماهية لا يختلف شدة وضعفا؛ ذلك أن دخول الجامع في مفهومي الطرفين يقتضي عدم التفاوت؛ لأن الجزء لا يختلف، وكونه جامعا يقتضي التفاوت لوجوب كونه أقوى في المستعار منه تحقيقا للمبالغة، وهذا جمع بين متنافيين. ويجاب بأن امتناع الاختلاف بالشدة والضعف في أجزاء الماهية إنما هو في الماهية الحقيقية، كماهية الإنسان المركبة من الحيوانية والناطقية، وأما الماهية المركبة من أمور اعتبارية، فإنه يصح فيها أن يكون الجامع داخلا في مفهومي الطرفين، مع كونه في أحدهما أشد كما في "الأسود"، فإن السواد جزء مفهومه المركب من السواد والذات.
2 العنان بكسر العين: اللجام، والهيعة: الصيحة يفزع منها، من هاع يهيع إذا جبن، يقول: خير الناس رجل مستعد للجهاد، كلما سمع صيحة الحرب أسرع إليها.
من الطيران "طار" بمعنى "عدا"، والجامع بينهما قطع المسافة بسرعة، وهو جنس داخل في مفهوميهما إلا أنه في الطيران أقوى منه في العدو كما هو الشأن في الجامع، غير أنه قيل: إن الطيران قطع المسافة في الهواء أو بالجناح فحسب، وأما السرعة فلازمة له في الأكثر1، لا داخلة في مفهومه، بخلاف العدو فإن السرعة جزء مفهومه، وإذًا فلا يكون الجامع داخلا في مفهومي الطرفين، فلا تكون الاستعارة في الحديث الشريف من القسم الأول.
وغير الداخلية: أن يكون الجامع غير داخل في مفهومي الطرفين بأن كان خارجا عن مفهوم كل منهما، أو كان داخلا في مفهوم المستعار له دون المستعار منه، أو العكس.
فالأول كما في استعارة "الدرر" للكواكب، و"الشمس" للوجه المتهلل، و"البحر" للجواد في قولك:"رأيت دررا في السماء تضيء"، و"أبصرت شمسا داخل غرفة"، و"وردت بحرا يعطي" فالجامع في الأول "التألق واللمعان"، وفي الثاني "التهلل والإشراق"، وفي الثالث "الإفاضة" وكلها عوارض غير داخلة في مفهومي الطرفين.
والثاني كاستعارة "الطيران" للعدو في المثال السابق، على القول بأن السرعة داخلة في مفهوم العدو، لا في مفهوم الطيران.
والثالث كاستعارة "العدو" للطيران على القول المذكور.
التقسيم الثاني:
تنقسم الاستعارة باعتبار الجامع أيضا قسمين: عامية، وخاصة.
فالعامية وهي المبتذلة: ما ظهر فيها الجامع بحيث يدركه
1 أي: بالنظر للغالب، وقد يكون الطيران قطع المسافة في الهواء، أو بالجناح من غير سرعة.
العامة، كإطلاق الأسد على الرجل الجريء، فإن الجامع -وهو الجرأة- أمر واضح في متناول عامة الناس؛ لاشتهار الأسد بها، وسميت "مبتذلة" لابتذالها بكونها في طوق كل أحد.
والخاصية وهي الغريبة: هي التي لا يدرك الجامع فيها إلا من ارتفع عن طبقة العامة، كما في قول يزيد بن مسلمة بن عبد الملك، يصف فرسا له بأنه مؤدب إذا نزل عنه وألقى عنانه في قربوس سرجه، لا يبرح مكانه حتى يعود إليه:
عودته فيما أزور حبائبي
…
إهماله وكذاك كل مخاطر
وإذا احتبى قربوسه بعنانه
…
علك الشكيم إلى انصراف الزائر1
شبه جمع القربوس مضموما إلى جانبي فم الفرس بالعنان2، ممتدا من القربوس إلى جانبي الفم، شبه ذلك بالاحتباء، وهو جمع
1 "الاحتباء": أن يشد الرجل ركبتيه إلى بطنه بنحو ثوب يمتد من جانبيه إلى ظهره، و"القربوس" بفتح القاف والراء: مقدم السرج وهو المراد، وقيل: هو السرج نفسه، ثم هو يحتمل أن يكون فاعل "احتبى" بتنزيله منزلة الرجل المحتبي، فكان القربوس ضم الفرس ورأسه إليه بالعنان كما يضم المحتبي ركبتيه إليه بنحو بثوب، ويحتمل أن يكون قربوسه مفعول "احتبى" مضمنا معنى "جمع" ويكون الفاعل ضميرا عائدا على الفرس. والمعنى: جمع هذا الفرس قربوسه إليه بعنانه كما يضم المحتبي ركبتيه إليه بثوب ونحوه، والتشبيه على الاحتمال الثاني أتم وأدخل في تحقيق التشابه؛ لأن القربوس في الهيئة أعلى من فم الفرس وهذه الحالة هي التي تنطبق على حالة الاحتباء؛ إذ إن ركبتي المحتبي تكونان في الهيئة أعلى من ظهره، والعنان: اللجام، والشكيم والشكيمة: هي الحديدة المعترضة في فم الفرس، ومعنى علكها: لاكها ومضغها، وقد أراد بالزائر نفسه. وإنما عبر عن نفسه بالزائر؛ لدلالته على كمال تأدب فرسه، وأنه لا يبرح مكانه إن طال مكثه عند حبيبه كما يدل عليه البيت قبله.
2 متعلق بجمع.
ركبتي المحتبي منضمتين إلى بطنه بنحو1 ثوب ممتد من الركبتين إلى الظهر، ثم استعير لفظ الاحتباء لجمع القربوس منضما إلى جانبي فم الفرس بالعنان، واشتق منه "احتبى" بمعنى جمع. فهذه الاستعارة غريبة لكونها على نمط غير مألوف في تشبيهات الاستعارة؛ لا يقع في كلامهم إلا نادرا، ذلك أن الانتقال إلى معنى الاحتباء المذكور عند استحضار إلقاء العنان على القربوس في غاية الندور لما بين المعنيين من البعد2، مع ما في الوجه من دقة التركيب، وكثرة الاعتبارات الموجبة لصعوبة إدراكه، وبعده عن الأذهان.
غير أنه قيل: إن التشبيه في هذه الاستعارة بين مفردين: الاحتباء، وجمع القربوس إلى جانبي فم الفرس، وإن تضمنا تشبيه هيئة إلقاء العنان على القربوس بهيئة الاحتباء، إذ إن هذا التضمين لا يخرجهما عن إفرادهما. هكذا قيل، وفي النفس منه شيء؛ إذ لا ضرورة إلى اعتبار التشبيه بين مفردين مع وضوح كون الطرفين هيئتين مركبتين.
تنبيه:
قد يتصرف في الاستعارة العامية بما يخرجها من الابتذال إلى الغرابة، بأن يضم إليها تجوز لطيف اقتضته الحال كما في قول كثير عزة:
ولما قضينا من منى كل حاجة
…
ومسح بالأركان من هو ماسح
وشدت على دهم المهارى رحالنا
…
ولم ينظر الغادي الذي هو رائح
1 متعلق بجمع.
2 إذ إن أحدهما من وادي الركوب، والآخر من وادي القعود.
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا
…
"وسالت بأعناق المطي الأباطح"1
يقول: لما فرغنا من أداء النسك، وقضينا أيام منى، واستلمنا الأركان وشددنا الرحال، ومضى الناس، لا ينتظر الغادي منهم الرائح شوقا للعودة إلى أوطانهم، ابتدأنا في الحديث آخذين بأطرافه وفنونه شأن الرفاق في السفر قد شملتهم الغبطة لما وفقوا إليه من أداء الفريضة، في حين أن المطي سارت في الأباطح سيرا حثيثا، في لين وسلاسة كسيلان الماء.
وهذه الأبيات الثلاثة مع ما فيها من روعة المطلع، وعذوبة الجرس لا ترى فيها معنى دقيقا، ولا تصويرا شائقا، سوى ما نراه في الشطر الثاني من البيت الأخير، وهو محل الشاهد؛ حيث شبه سير المطي في الأباطح سيرا حثيثا، في لين وسلاسة، بسيلان الماء في هذه الأباطح، ثم استعار سيلان الماء للسير الموصوف بما ذكرنا، واشتق منه سالت بمعنى: سارت حثيثا، في لين وسلاسة، ووجه الشبه أو الجامع بين الطرفين هو قطع المسافة بسرعة. فهذه -كما ترى- استعارة عامية؛ يعرفها الخاصة والعامة، غير أنه تصرف فيها بما جعلها غريبة، لا يدركها إلا الخواص، ذلك أنه بعد أن استعار فعل "السيلان" لسير الإبل الحثيث السلس حتى أفاد كأن سيولا جرت
1 أراد بالأركان أركان الكعبة، وبالمسح بها طواف الوداع، والدهم بالضم جمع دهماء، وهي السوداء من الخيل، والمهارى بفتح الراء وكسرها جمع مهرية، وهي في الأصل الناقة منسوبة إلى مهرة بن حيدان بطن من قضاعة، ثم صار هذا اللفظ يطلق على كل نجيبة من الإبل، ومعنى ينظر: ينتظر، والغادي: السائر في الغداة، والرائح: السائر من الظهر إلى الغروب، والأطراف جمع طرف بكسر الطاء بمعنى الكريم، والمراد كرائم الأحاديث، أو جمع طرف بالتحريك بمعنى الناحية، والمراد فنون الأحاديث، والأباطح جمع أبطح وهو مسيل الماء فيه دقاق الحصا، وشد الرحال: وضع الأمتعة من أخبية وغيرها على متون الإبل مشدودة بنحو حبل؛ حتى لا تميل أو تسقط.
في تلك الأباطح، أسند الفعل المستعار وهو "سالت" إلى الأباطح دون "المطي" الذي حقه أن يسند إليه، فأفاد هذا الإسناد: أن الأباطح امتلأت بالإبل إلى حد يخيل للناظر أن الأباطح هي التي تسيل، إذ إن نسبة فعل الحال إلى المحل تشعر بشيوع الحال في المحل، وكأن كل محل من هذه الأباطح سائر، يماثل ذلك إسناد الجري إلى النهر في قولهم: جرى النهر، فهذا الإسناد يشعر بامتلاء النهر بالماء حتى كأن النهر هو الذي يجري، ومن هذا القبيل قوله تعالى:{وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} أسند الاشتعال الذي هو وصف الشعر إلى محله وهو الرأس؛ إشعارا بأن الاشتعال قد عمه، ولم يبق فيه جزء غير مشتعل على قاعدة أن نسبة الحال إلى المحل تشعر بشيوع الحال فيه.
وإنما أدخل الأعناق في السير إذ جرها بباء الملابسة المقتضية لملابسة الفعل لها؛ لأن السرعة والبطء في سير الإبل يظهران -غالبا- في أعناقها. وإذًا فقد أضيف إلى الاستعارة المذكورة مجازان عقليان؛ أحدهما مصرح به، وهو إسناد الفعل إلى الأباطح، والآخر مقدر، وهو إسناده إلى الأعناق؛ لأن مقتضى كون الأباطح في سيرها ملابسة لأعناق المطي أن تكون الأعناق أيضا سائرة، وبإضافة هذين المجازين إليها صارت غريبة طريفة. ومثله قول ابن المعتز:
سالت عليه شعاب1 الحي حين دعا
…
أنصاره بوجوه كالدنانير
فقد استعار السيلان للسير الحثيث السلس، ثم أسند فعله إلى الشعاب إسنادا عقليا صريحا، وأسنده إلى الوجوه إسنادا عقليا مقدرا كما في البيت قبله، وبهذين التصرفين امتنعت الاستعارة بعد ابتذال، واعتزت بعد ضعة.
1 شعاب جمع شعب بكسر الشين، وهو الطريق في الجبل.