الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التقسيم الثالث:
1-
أن يكون وجه الشبه فيه حسيا، أي: مدركا بالحس الظاهر، مفردا كان، أو مركبا، أو متعددا.
فالمفرد الحسي "كالإشراق" في قولك: "له وجه كالبدر"، و"كالملاسة" في قولك:"له خد كصفحة المرمر" و"كالطيب" في قولك: له عرف كأريج العنبر، إلى آخر ما تقدم من الأمثلة في الأمور الحسية.
والمركب الحسي يكون طرفاه مركبين، أو مفردين مقيدين، أو مختلفين؛ فالمركب ذو الطرفين المركبين كما في قول بشار السابق:
كأن مثار النقع فوق رءوسنا
…
وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
فإن وجه الشبه فيه -على ما سبق- هو الهيئة الحاصلة من تساقط أجرام مشرقة، مستطيلة، متناسبة المقادير، متناثرة، في أثناء شيء مظلم، وهذه الهيئة حسية تدرك أجزاؤها بحاسة البصر، والطرفان مركبان -كما ترى- إذ لم يقصد تشبيه النقع بالليل، أو السيوف بالكواكب، بل قصد إلى تشبيه الهيئة بالهيئة كما سبق بيانه.
والمركب الحسي ذو الطرفين المقيدين، كما في قول قيس بن الخطيم:
وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى
…
كعنقود ملاحية حين نورا1
1 "الثريا": اسم لمجموعة من النجوم متقاربة على شكل خاص، و"الملاحية" بضم الميم وتخفيف اللام وقد تشدد كما هنا: عنب أبيض في حبه طول، ومعنى "نور" تفتح نوره، وقيل: معناه: أدرك وهو أظهر والإضافة بيانية.
فإن وجه الشبه فيه هيئة اجتماع صور بيض مستديرة، صغار المقادير، في رأي العين، على وضع خاص1. وهذه الهيئة حسية، والطرفان هنا "الثريا والعنقود" وهما مفردان روعي في كل منهما قيده الخاص، ففي الأول روعي كونه في وقت الصبح، وفي الثاني روعي كونه عنقود ملاحية حين تفتح نوره.
والمركب الحسي ذو الطرفين المختلفين، إفرادا وتركيبا كما في قول الصنوبري:
وكأن محمر الشقيـ
…
ـق إذا تصوب أو تصعد
أعلام ياقوت نشر
…
ن على رماح من زبرجد
فإن وجه الشبه فيه هيئة الأجرام الحمر، المنشورة على رءوس أجرام مستطيلة خضر، وهذه الهيئة حسية تدرك بحاسة البصر، والمشبه -كما ترى- مفرد؛ لأنه اسم لمسمى واحد هو "الشقيق"، ولكن روعي فيه قيوده من الاحمرار، والتصوب والتصعد، والمشبه به مركب؛ لأن القصد فيه إلى هيئة الأعلام الياقوتية، المنشورة على الرماح الزبرجدية. وكما تقدم في عكسه من قول أبي تمام:
يا صاحبي تقصيا نظريكما
…
تريا وجه الأرض كيف تصور
تريا نهارا مشمسا قد شبه
…
زهر الربا فكأنما هو "مقمر"
فإن وجه الشبه فيه هيئة اختلاط شيء أسود بشيء أبيض مشرق، وهذا الوجه مما يدرك أيضا بحاسة البصر، والمشبه مركب لأن القصد فيه -كما سبق- إلى هيئة النهار المشمس، خالطه زهر الربا، فنقص من ضوئه والمشبه به وهو "الليل" مفرد مقيد بالوصف المذكور.
لكن قد يقال: إن وجه الشبه هو المعنى الذي يشترك فيه الطرفان، فينبغي إذًا أن يكون كليا ليتأتى فيه معنى الاشتراك،
1 أي: لا هي منضمة شديدة الانضمام، ولا هي مبتعدة شديدة الابتعاد.
والحسي -وهو المدرك بإحدى الحواس- لا بد من وجوده في جسم معين خارجا، حتى يتأتى إدراكه بالحاسة كالحمرة القائمة بخد معين، وورد معين، ومثل هذا لا يكون إلا جزئيا والجزئي لا يتأتى فيه الاشتراك فلا يصح أن يكون وجه شبه.
ويجاب: بأن لا نزاع في أن وجه الشبه لا يكون إلا كليا ضرورة اشتراك الطرفين فيه، فوجه الشبه في نحو قولك:"خده كالورد" هو "مطلق حمرة" وهو معنى كلي لا يدركه إلا العقل، ولا مدخل للحواس فيه، غير أن الموصوف بالحسية إنما هو جزئيات هذا الكلي كحمرة هذا الخد المشاهد، وحمرة هذا الورد المعين؛ وحينئذ فإطلاق وصف الحسية على وجه الشبه الذي هو مطلق حمرة فيه نوع تسامح من إطلاق ما للجزئي على الكلي.
والمتعدد الحسي ما تقدم في تشبيه فاكهة بأخرى في الطعم، والرائحة، واللون، فوجه الشبه لكل واحد من هذه الأمور الثلاثة، وجميعها حسي، يدرك الأول منها بحاسة الذوق، والثاني بحاسة الشم، والثالث بحاسة البصر.
2-
أن يكون وجه الشبه عقليا أي: مدركا بالعقل، واحدا كان، أو مركبا، أو متعددا.
فالوجه الواحد العقلي، طرفاه إما: عقليان، أو حسيان، أو مختلفان. فالواحد العقلي ذو الطرفين العقليين "كعدم النفع" في قولك:"وجود فلان كعدمه"، و"كعظم الفائدة" في قولك:"العلم كالحياة". والواحد العقلي ذو الطرفين الحسيين "كالهداية" في قول النبي صلى الله عليه وسلم: $"أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم"، و"كالرسوخ" في قولك:"فلان كالجبل". والواحد العقلي ذو الطرفين المختلفين حسا وعقلا "كالهداية" في قولك: "العلم كالنور"، فالمشبه عقلي، والمشبه به حسي،
و"كاستطابة النفس" في قولك: "العطر كالخلق الكريم" فالمشبه حسي، والمشبه به عقلي عكس الأول، والوجه في الجميع عقلي كما رأيت.
والمركب العقلي كما في قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} .
شبه حال اليهود المنتزعة من حملهم للتوراة، بمعنى تكليفهم العمل بها، وكون المحمول مستودع العلم النافع لهم، وعدم حملهم لها بمعنى عدم العمل بمقتضاها، والانتفاع بما فيها، مع تحملهم ما طلب إليهم، مما يثقل عليهم، ويشق على نفوسهم، شبه هذه الحال بحال الحمار المنتزعة من حمله أوعية العلوم، ومستودع ثمار العقول، وعدم انتفاعه بما يحمل، مع معاناته مشاق الحمل. ووجه الشبه بين الحالين هو هيئة الحرمان من الانتفاع بأبلغ نافع، مع معاناة الكد في استصحابه. وهذه الهيئة أمر عقلي انتزع من عدة أمور كذلك1. ومثل الآية الكريمة قول الشاعر:
والمستجير بعمرو عند كربته
…
كالمستجير من الرمضاء2 بالنار
شبه حال من أصابته شدة، فالتجأ إلى عمرو طمعا في الاحتماء به، فإذا عمرو أشد خطرا مما وقع فيه بحال من لذعته الرمضاء، فالتجأ إلى ما هو أشد لذعة، وأنكى ألما. ووجه الشبه هيئة الالتجاء من
1 وإنما كان الوجه منتزعا من أمور عقلية؛ لأنه روعي في جانب اليهود حمل خاص هو التكليف، وحرمان من الانتفاع بما كلفوا به، ومعاناة كد فيما حملوه، وكل هذه الأشياء أمور عقلية، وروعي مثل ذلك في جانب الحمار غير أن الحمل في جانبه حسي؛ لأن المراد منه الحمل على الظهر بخلافه في جانب اليهود، فإن المراد منه التكليف والطلب، وكون بعض الأمور المنتزع منها حسيا لا يؤثر في عقلية المنتزع.
2 هي الأرض ذات الحرارة الشديدة، من الرمض -بفتح الراء والميم- وهو شدة وقع الشمس على الرمل.
الضار إلى ما هو أضر منه؛ طمعا في النجاء، فمجموع الهيئة هو الالتجاء إلى ما هو أضر، والطمع في الانتفاع به، وهما -كما ترى- أمران عقليان.
والمتعدد العقلي كما في قولك: محمد كأبيه في شجاعته، وحلمه، وإيمانه، فوجه الشبه كل واحد من هذه الأمور الثلاثة، والجميع مما لا يدرك بغير العقل.
3-
أن يكون الوجه مختلفا؛ بعضه حسي وبعضه عقلي، كما في وجه الشبه المتعدد، كأن تشبه رجلا بآخر في طوله وجسامته، وحلمه وشهامته، فوجه الشبه كل واحد من هذه الأمور الأربعة، غير أن الأولين منها حسيان، والآخرين عقليان.
تنبيهان:
الأول: أن الوجه المختلف حسا وعقلا كما يكون في المتعدد -كما مثلنا- يكون كذلك في المركب المنزل منزلة الواحد باعتبار الأجزاء التي تركب منها، كما في تشبيه الحسناء الوضيعة الأصل بخضراء الدمن1 في حسن المنظر مع سوء المخبر، فإن وجه الشبه مجموع الأمرين المذكورين، وأحدهما حسي، والآخر عقلي.
غير أن علماء البيان يعتبرون المركب من حسي وعقلي من قبيل العقلي بتغليب العقل على الحس لاتساع أفقه، إذ يدرك المحسوسات والمعقولات بخلاف الحواس فلا تدرك غير ما وقع تحت الحس، فالمركب حينئذ إما حسي فقط، أو عقلي فقط كما هو الشأن في الوجه المفرد، أما الوجه المتعدد فإن فيه الأنواع الثلاثة كما عرفت ا. هـ.
1 هي شجرة تنبت في معاطن الدواب، تكون ناضرة بهيجة، ولكن لا ثمر فيها.
الثاني: مما تقدم من الأمثلة تعلم أن الوجه إذا كان حسيا، مفردا كان، أو مركبا، أو متعددا، أو كان بعضه حسيا كما في المتعدد المختلف، أو المركب المختلف؛ وجب أن يكون الطرفان حسيين أيضا. أما الأول فلأحد سببين:
"أحدهما": أنه لا بد من قيام وجه الشبه بالطرفين تحقيقا للتشارك بينهما، والحسي لا يقوم بغير الحسي "فالبياض" مثلا مما يدرك بحاسة البصر. فلو جعل مشتركا بين شيئين وجب أن يكونا من المبصرات حتى يتأتى قيام البياض بهما. كذلك "الملاسة" مما تدرك بحاسة اللمس، فلو جعلت موضع اشتراك بين شيئين وجب أن يكونا من الملموسات حتى يتأتى قيام الملاسة بهما، وهكذا يقال في سائر المحسات.
"ثانيهما": أنه لا بد من إدراك الوجه في الطرفين ليتحقق لنا التشارك فيه، والحواس لا تدرك غير المحسات، فحاسة البصر مثلا لا تدرك إلا ما كان مبصرا، وحاسة السمع لا تدرك إلا ما كان مسموعا، وحاسة اللمس لا تدرك إلا ما كان ملموسا. وهكذا ومحال أن تدرك هذه الحواس شيئا من المعقولات، فلا تبصر العين معنى "الكرم"، ولا تلمس اليد معنى "الشجاعة" ولا تشم الأنف معنى "الحلم".
وأما الثاني -وهو ما كان بعضه حسيا وبعضه عقليا- كما في الوجه المتعدد أو المركب؛ فلأنه لا بد من قيام كل واحد من ذلك المتعدد، أو كل جزء من ذلك المركب بالطرفين، أو إدراكه فيهما -كما قلنا- ويمتنع بداهة قيام الحسي بالعقلي، أو إدراكه فيه كما بينا.
أما الوجه العقلي فيصح -على ما تقدم- أن يكون طرفاه عقليين، أو حسيين، أو مختلفين. فالعقليان كأن تشبه وجود الجاهل بعدمه في الخلو من الفائدة، والحسيان كأن تشبه قوي البأس