الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحفناوي بن الشيخ بتعريبه على حلقات في جريدة (المبشر) تعميما للفائدة، لأنه موجه كما قيل لتعليم المسلمين كيفية تربية النحل. وكانت السلطة الفرنسية تشجع كل ما من شأنه أن يخدم الاقتصاد الفرنسي. وفي تعريبه لم يلتزم الحفناوي بالنص بل تصرف فيه بما يتلاءم والذوق العربي والإسلامي. فكان يذكر أبياتا من الشعر، ويروى على لسان خبير يصفه (أبو النحل)، وهو يعني أحد الجزائريين الخبراء في هذه الصنعة، كما أن الحفناوي كان يذكر آداب الإسلام (1).
وفي وقت لاحق جمعت تلك المقالات ونشرت في كتاب تحت عنوان (رفع المحل في تربية النحل)، وقد طبع على نفقة الحكومة (2). وكانت الإدارة الأهلية عندئذ تحت وصاية دومنيك لوسياني (3).
مدرسة العلوم
أما عن المدرسة العليا للعلوم فقد تأسست سنة 1879، مثل مدرسة الآداب والحقوق. ثم أصبحت تدعى كلية العلوم سنة 1909 عندما تأسست جامعة الجزائر. وكانت في أولها تضم فقط تسعة من الأساتذة ومن المكلفين بالدروس، بالإضافة إلى ستة بعنوان مكلفين بالتحضير. وكان برنامج مدرسة العلوم في الجزائر هو برنامج الكلية المماثلة في فرنسا. والفرق هو أن مدرسة العلوم في الجزائر لا تمنح شهادة الليسانس. وعلى الطالب أن يحصل على ذلك في فرنسا، قبل تأسيس جامعة الجزائر، لكن المدرسة تمنح شهادات أقل درجة من الليسانس في الفيزياء والكيمياء. ومن اهتمامات المدرسة العناية بالزراعة، والبيئة الصحراوية، واستخدام
(1) انظر المبشر 30 يونيو، 1894 - في حلقات متتابعة.
(2)
دون تاريخ. ط. فونتانة المدعومة من الحكومة.
(3)
يذكر المترجمون للشيخ طاهر الجزائري السمعوني أن له كتابا في المساحة (الهندسة) بعنوان (مد الراحة لأخذ المساحة) وآخر في الطبيعيات عنوانه (الفوائد الجسام في معرفة خواص الأجسام).
الكهرباء (1). ولكن عدد الجزائريين فيها كان ضئيلا جدا، فهو لا يتجاوز الخمسة في آخر القرن الماضي. أما خلال الثلاثينات من هذا القرن فقد وصل عددهم إلى أربعة عشر (2). بينما كان عدد الفرنسيين فيها 198. فمن أين للشعب إذن أن يستيقظ من الخرافة وأن يعتمد على العلم تحت الاحتلال؟.
ومهما كان الأمر فإن مدرسة العلوم قد توسعت حين ضم إليها المرصد الفلكي الذي كان في القبة ثم نقل إلى بوزريعة. وكذلك ضمت إليها مصلحة الأرصاد الجوية بعد أن أعيد تنظيمها سنة 1884. وكان للمدرسة عدة مخابر لمواصلة البحث. وكان طلبة الطب يدرسون فيها أيضا المواد الطبيعية (الفيزيائية) والكيميائية، وللمدرسة بحوث ونشرات أيضا. ومن ملحقات المدرسة، المحطة الحيوانية (الزولوجية) ودراسة النباتات وإجراء التجارب عليها. وكانت المدرسة تخدم الإدارة الاستعمارية والأشغال العامة والأبحاث الزراعية ومصالح الغابات (3). وكانت بدايتها متواضعة رغم أن اختصاصاتها قديمة في الجزائر، ففي سنة 1895 كان بها ثلاثون طالبا فقط، ثم نمت سنة 1904 فأصبحت تضم 134 طالبا واستمرت في النمو بعد تأسيس الجامعة (1909) وبعد توسع الأبحاث في الجنوب وتكاثر الاهتمامات بتطوير البحث العلمي.
وفي سبيل البحث النباتي والحيواني وجعل الجزائر حجر الزاوية للانتاج الذي تحتاجه فرنسا، تكونت منذ 1832 حديقة للتجارب في الجزائر، أي قبل أن تعلن فرنسا رسميا احتفاظها بها. كان اسم الحديقة في البداية: الأبحاث عن الانتاجات. وكانت الحديقة حكومية واستمرت كذلك إلى سنة 1867 حين تسلمتها الجمعية الجزائرية العاملة التي كان يسهر عليها
(1) باولي (التعليم العالي في الجزائر) في (المجلة الأفريقية)، 1905، ص 416 - 417.
(2)
أرشيف إيكس (فرنسا)، رقم 61 l 0 H وبوجيجا في المجلة الجزائرية SGAAN 1938، ص 66.
(3)
فيشور E. FICHEUR (الإنجاز العلمي لمدرسة العلوم بالجزائر) في المجلة الأفريقية، 1905، ص 452 - 457.
أصحاب سان سيمون، وكان عضو هذه الجمعية البارز هوبولان تالابو. وقد نجحت التجارب نجاحا كبيرا، ففي سنة 1890، كان إنتاج الجزائر من الطماطم مثلا يصل أسواق مرسيليا في نفس اليوم.
وحين درست لجنة التحقيق الرسمية سنة 1833 مستقبل الجزائر، شمل برنامجها الإنتاج الزراعي والحيواني، وثرواتها الطبيعية كالمناجم. وكانت أكاديمية العلوم الفرنسية تواصل اهتمامها بالبحث وتتعاون وتنسق مع وزارة الحربية المسؤولة على العمليات العسكرية. وبطلب من هذه الوزارة أنشئت محطة مناخية في الجزائر ودراسة تأقلم النباتات والحيوانات والإنسان. وكانت عضوية اللجنة المسؤولة على المحطة تتبدل من وقت لآخر. وقد أعطت الوزارة سنة 1855 إلى اللجنة ثلاث سنوات لتقديم تقرير كامل وبسيط عن نتائج عملها، وكانت الجمعية المناخية الفرنسية للتأقلم وراء هذا النشاط أيضا، وكانت برئاسة المستشرق المعروف أرنست رينان. وكانت الوزارة المذكورة تحث على اختيار رجال أكفاء مستعدين لتقديم المعلومات واختيار الوسائل الصالحة.
وهناك جمعية باريسية دائمة تابعة للوزارة وتضم أعضاء من العلماء والإداريين، وكانت تهتم بحالات التأقلم سواء في فرنسا أو خارجها، وكانت تضم تسعة عشر عضوا سنة 1860. ومن أعضائها الجنرال يوجين دوماس الذي طالما عمل في الجزائر في عهد المارشال بوجو، وألف عنها عدة كتب منها واحد حول الخيول العربية، وكان مولعا بصيد الصقور. وأصبح دوماس الذي رافق الأمير عبد القادر أيضا، هو الرئيس الشرفي للجمعية منذ 1855. وكان دوماس قد ساعد، عندما كان في وزارة الحربية، على نقل البذور والنباتات إلى الجزائر لتجريبها في حدائق ومحطات حكومية خاصة. ومن ذلك نقل شجرة (تيك) TEEK من السينيغال إلى الجزائر. وكان الهدف هو منافسة الإنكليز في بناء السفن والنشاط البحري. وكانت تجربة الشجرة المذكورة تجري في بسكرة والجزائر في منتهى السرية. كما جرب الفرنسيون نباتات من أمريكا اللاتينية مثل شجرة (سينكونة) التي يستخرجون منها مادة
(الكينا) لمعالجة حمى المناطق الاستوائية. وقد اهتمت هذه الجمعية بكل ما يحمي ويحفظ ويساعد الاستعمار في الجزائر، من المستحثات (الآثار) إلى علوم الزراعة.
وبالإضافة إلى دوماس الذي ترأس الجمعية سنة 1858، ظهر انطوان دي كنال CANAL الخبير في علم الطب العسكري وفي تنشئة الخيول أيضا. لقد كان كنال مشاركا في الخدمة العسكرية في الجزائر منذ الثلاثينات، وكان يتولى أثناء المعارك ضد المقاومة الوطنية فحص ثروة البلاد الزراعية والحيوانية. ثم رجع سنة 1857 إلى الجزائر لاختبار آثار التأقلم على الحيوانات والأفراد والسلالات بعد إخضاعها للمناخ الجديد والتدجين والعمل والصحة والتغذية. فقد رافق كنال زميله ألبير سان هيلير في السنة المذكورة وتجولا في الجزائر شرقا وجنوبا ووسطا، ونشر (كال) تقريرا في مجلة الجمعية. ومن الأماكن التي زارها محطة تربية وتحسين الأغنام بالأغواط، كما زار محطات أخرى تهتم بتربية الحيوانات والحشرات والنباتات. وكان تقريره يتعلق بذوات الأربع. وقد أوصى فيه بإدخال الأبقار والخيول الأجنبية إلى الجزائر وانتقد طريقة الرعي وتربية المواشي الأهلية فقال بأنها تنتج انواعا ضعيفة. ورأى أن إدخال الحيوانات الغريبة عن البيئة الجزائرية ضروري لتقدم وتطوير الزراعة فيها. ومن رأيه أن أبقار مملكة بيدمونت (إيطاليا) التي جاء بها الكولون تدر حليبا أفضل من البقر الذي يربيه الأهالي.
ويجب أن نذكر أن هذه التجارب شملت أيضا: إنتاج دودة القز (الحرير)، وتهجين الحيوانات. وقد أوصى كنال في تقريره بأمور أخرى نذكرها بسرعة، وهي إنشاء حديقة تجارب للحيوانات، وأخرى للنباتات، وضرورة مراقبة التجارب بدقة. وتعتمد نظريته على أنه يمكن للحيوانات الأجنبية والنباتات والشعوب أن تتأقلم في الجزائر. ولذلك كانت سفن الجيش الفرنسي تقوم بنقل ذلك إليها (حيوانات، نباتات، أناسي). ومن ثمة يتضح أن الفرنسيين اعتبروا الجزائر بلادا سائبة أو حقل تجارب، يزرعون فيها
ما يشاؤون وينقلون إليها ومنها كل ما يرغبون.
وكان لويس مول MOLL، وهو أستاذ مادة الزراعة والعضو في معهد الفن والحرف بباريس، أول من ألف كتابا رئيسيا عن الزراعة في الجزائر، وقد أوضح فيه مبادئ الزراعة للمستوطنين سواء كانوا فقراء أو أغنياء. وكان الهدف من ذلك تحويل الجزائر من بلاد منتجة للقمح إلى نموذج للمنتوجات الاستوائية، وكانت الوسيلة إلى ذلك هي حديقة التجارب. وكانت جمعية التأقلم والمناخ (1) التي ذكرناها تعتمد على نظرية الحماية الاقتصادية، وهي تقوم على أن للوطن الأم (فرنسا) أن يقتطع أكبر قدر ممكن من ثرواته من مالكها، وأن على المستعمرة ألا تتاجر إلا مع الوطن الأم. كما أن هذه الفلسفة كانت تقوم على أن المستعمرة المثالية هي التي تقدم المواد الأولية للوطن الأم ولا تتاجر إلا معه، وأن المستعمرة ما هي إلا سوق مفتوح لهذا الوطن الأم.
وقد أصبح للجمعية لجان إقليمية. وخصصت، منذ اجتماعها سنة 1858، جوائز عديدة وأوسمة، وكانت بعض الجوائز تهم التقدم في معرفة أنواع الحيوانات الثديية. وقيل إن ثلاث جوائز تتعلق بإنتاج نوع من السمك وعدة أنواع من أغنام (الباقا) ونوع من العسل قد خصصت لإنتاج الجزائر. ومن جهة أخرى أنشأت وزارة الحربية معرضا دائما للانتاج المتطور من المستعمرات، بناء على تعليمات الحكومة وإشراف الجمعية (2).
تلك هي بداية البحث في مجالات العلوم بالجزائر على يد الفرنسيين. وبالتدرج أخضع هؤلاء كل إمكانات البلاد، بما فيها أهلها، لخدمة الاقتصاد والأمن الغذائي الفرنسي. وكان لتطور البحوث وإنشاء المعاهد المتخصصة
(1) من أعضاء الجمعية: الحاكم العام راندون، واللقيط (الجنرال) يوسف، ومدير الحدائق الاستعمارية أوغست هاردي. وفي سنة 1860 كان عدد الأعضاء الفرنسيين من الجزائر 135، وهو عدد لا يفوقه سوى عدد أعضاء الجمعية الباريسية.
(2)
اعتمدنا في هذا الموضوع على كتاب م. أسبورن M. ASBORNE . (الطبيعة
…
)، ص 148 - 163.
في القرن العشرين والتوسع في غرب افريقية وجنوب الصحراء حوافز أخرى واكتشافات هامة في العلوم، إذ تضافرت جهود الفرنسيين، من رجال الدين إلى رجال الإدارة والجيش، على تسخير الأرض والإنسان لخدمتهم. وكان حظ الجزائريين في ذلك، تعلما وبحثا وإنتاجا، منعدما تقريبا.
…
وفي مجال النباتات الطبية نشير إلى أن الفرنسيين قد اهتموا أيضا بها بحثا، وترجمة للوصول إلى مكافحة الأمراض الخطيرة. ونشير هنا بالخصوص إلى كتاب بيرتيراند عن الطب والنظافة الصحية عند العرب الجزائريين. وقد أشرنا فيما مضى إلى مؤلفين آخرين (1). وقد اهتم لوسيان ليكليرك بترجمة بعض الآثار العربية، ومنها آثار ابن حمادوش الجزائري، حول النباتات والعقاقير (2). وتعاون نور الدين عبد القادر مع الطبيب غبريال كولان على نشر قصيدة السلوانة في الصيد. ولكن مساهمة الجزائريين في التأليف في العلوم نادرة أو منعدمة، وهو أمر ملفت للنظر.
(1) انظر سابقا.
(2)
نشر ليكليرك (تاريخ الطب العربي) في جزئين، باريس، 1876، كما نشر ترجمة (كشف الرموز) سنة 1874. والمعروف أن ابن حمادوش تحدث عن نباتات كان يعالج بها الجزائريون في القرن 18. وقد نشر كشف الرموز حديثا تحت عنوان (كشف الرموز في شرح العقاقير والأعشاب) دار الكتب العلمية، بيروت 1996، دون أية إضافة أو تقديم أو تحقيق، ودون ذكر ما إذا كان قد طبع من قبل، وهو في 184 صفحة.