المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

كتاب (طراز الخياطة) للعربي بن مصباح في مناقب ابن علي - تاريخ الجزائر الثقافي - جـ ٧

[أبو القاسم سعد الله]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء السابع

- ‌الفصل الأولالعلوم الدينية

- ‌تمهيد

- ‌التفسير والدراسات القرآنية

- ‌القراءات ورسم القرآن

- ‌الحديث الشريف

- ‌الأثبات

- ‌الإجازات

- ‌الفقه والأصول

- ‌في القضاء والأحكام

- ‌الردود والاعتراضات

- ‌مسألة تدوين الفقه الإسلامي

- ‌جهود أخرى في الفقه لبعض الجزائريين والمستشرقين

- ‌الفصل الثانيالعلوم الاجتماعية

- ‌المؤلفات الصوفية

- ‌في علم الكلام والمنطق

- ‌دراسات حول الإسلام والإصلاح

- ‌حول المرأة

- ‌موضوعات أخرى مختلفة

- ‌ظهور مالك بن بني

- ‌الفصل الثالثالعلوم التجريبية

- ‌الطب والتقاليد

- ‌ممارسات طبية في الأوراس

- ‌الطب السحري والخرافي

- ‌بعض المؤلفات في الطب والصحة

- ‌بعض التراجم

- ‌مدرسة الطب

- ‌الفلك

- ‌في الحساب والفرائض

- ‌علوم أخرى

- ‌مدرسة العلوم

- ‌الفصل الرابعالتاريخ والتراجم والرحلات

- ‌مفهوم التاريخ وتعريفاته

- ‌سيرة نبوية وتواريخ عامة

- ‌الأنساب والأشراف

- ‌تواريخ محلية (شرق البلاد)

- ‌تواريخ محلية (الغرب)

- ‌تواريخ محلية (الجنوب)

- ‌تاريخ الجزائر عموما

- ‌في التراجم والمناقب

- ‌المذكرات

- ‌الرحلات

- ‌المحتوى

الفصل: كتاب (طراز الخياطة) للعربي بن مصباح في مناقب ابن علي

كتاب (طراز الخياطة) للعربي بن مصباح في مناقب ابن علي الشريف، فهل هو نفس الكتاب؟

35 -

روضة العاشق في شمائل ابن الشرقي الصادق، تأليف عبد الله بن محمد حشلاف، قاضي الجلفة في وقته. وقد عرف عن هذا القاضي اهتمامه بالأدب والتصوف والأنساب.

وها أنت ترى أن مجموعة من المناقب قد وضعها مؤلفوها حول أعيان من الناس، معظمهم من رجال الطرق الصوفية التي ازدهرت في آخر القرن الماضي وظل لها نفوذ واسع على العامة، وحتى على بعض المتعلمين لما كان لها من مواقف إزاء السلطة الفرنسية. وقد استمر ذلك إلى عشية 1954.

‌المذكرات

كتابة المذكرات عمل جديد في الحياة الفكرية والسياسية بالجزائر. إن الرجوع بحياة الإنسان إلى الوراء ومراجعة أعماله وعلاقاته بنفسه ورواية أخباره في صورة ذاتية تعتمد القص والتدخل الشخصي، كل ذلك جديد. وهو ظاهرة ثقافية - حضارية تعتمد أيضا تقليد الكتاب الغربيين الذين برعوا في هذا الميدان براعتهم في الرواية والمسرح ونحوهما من الفنون التي لم تكن معروفة عند العرب والمسلمين إلا قليلا. ومن التجوز اعتبار ما خلفه بعض الزعماء في القرن الماضي على أنه مذكرات، مثل مذكرات أحمد باي. وقد كدنا نعتبر المرآة لحمدان خوجة من المذكرات لأنه كتبه في آخر حياته ولأنه شهادة على الفترة التى عاشها، ولكنا عدلنا عن ذلك لأن الكتاب احتوى على معلومات غير ذاتية بل هي تاريخية واجتماعية واحصائية خارجة عن نطاق المساهمة الشخصية. فصنفناه في التاريخ الخاص بالجزائر. وقد شهدت فترة الاستقلال ميلاد كتابة المذكرات، بالعربية والفرنسية، ولكن ذلك خارج عن مجال موضوعنا.

ص: 450

ونحن أمام بعض المذكرات في حيرة، ونعني بذلك المذكرات التي لم يظهر أو يعرف نصها العربي ولم تظهر إلا في النص الفرنسي على أساس أنها مترجمة. فهل لها حقا أصل بالعربية؟ وإذا كان فأين هو الآن؟ وفي أذهانا الآن مجموعة من (المذكرات) المنسوبة لأصحابها ولكنها جميعا. قد ظهرت بالفرنسية فقط، وهي مذكرة حمدان خوجة ومذكرة أحمد بوضربة ومذكرات الحاج أحمد (باي قسنطينة) ثم مذكرات عبد العزيز الحداد. لقد اضطر بعض الجزائريين إلى ترجمة النصوص الفرنسية لهذه المذكرات إلى العربية، كما فعلوا مع المذكرات الثلاث الأولى (1).

ولم تترجم المذكرات المذكورة إلى العربية إلا بعد وفاة أصحابها. وقد لاحظ أحد الباحثين غير الفرنسيين ذلك قائلا إن كتاب المذكرات ربما كانوا يتقربون إلى الفرنسيين، وربما كان هؤلاء يحاولون الحصول منهم على شهادات تزكية لمباركة الاحتلال. وختم هذا الباحث ملاحظته بقوله إن نوايا المؤلفين والمترجمين والناشرين وراء هذه الأعمال كلها مشبوهة. ثم أين النصوص الأصلية لهذه الأعمال التي يقال إنها مترجمة إلى الفرنسية عن العربية؟ ثم كيف تظهر ترجمة دون وجود نص اللغة الأصلية. وللدلالة على بعض النوايا السيئة أن كتاب العنتري الفريدة المؤنسة طبع سنة 1852، ولم يترجم سوى سنة 1929، دون ذكر المؤلف، وجاء في مقدمة الترجمة الفرنسية أن الذي وضع الخطوط العريضة للكتاب هو الضابط بواسوني، كما أن العنوان الأصلي وهو (الفريدة المؤنسة) قد اختفى من الترجمة. ونفس الشيء يقال عن تاريخ قسنطينة لأحمد المبارك، فرغم أنه مؤلف بالعربية سنة 1852، فإنه لم يترجم إلى الفرنسية سوى سنة 1913، دون ذكر النص العربي أيضا (2). ونضيف أن مذكرات حمدان خوجة وأحمد بوضرية

(1) قام بذلك العربي الزبيري، الجزائر، 1973. وكذلك ترجم المرآة لحمدان خوجة، رغم أن أصله عربي مفقود. وكذلك ترجم محمد بن عبد الكريم نفس الكتاب وقد نبهنا إلى ذلك سابقا.

(2)

جيمس ملاركي (البنية الدرامية) - دراسة لمجلة روكاي التي كانت تصدر في =

ص: 451

لم تظهر إلا سنة 1913 وباللغة الفرنسية فقط، أما مذكرات الحاج أحمد فلم تظهر ترجمتها الفرنسية سوى قرن بعد نصها العربي، فقد كتبت عشية وفاة الباي سنة 1852، ولم تنشر سوى سنة 1949، وهكذا.

وإذا أخذنا ذلك بعين الاعتبار، يمكننا تتبع تلك المذكرات التي قيل إنها كتبت أصلا بالعربية، ولكنها ترجمت إلى الفرنسية واختفى نصها الأصلي إلى اليوم.

1 -

مذكرة حمدان خوجة. والمقصود بها العريضة التي رفعها سنة 1833 إلى اللجنة الإفريقية التي عينتها الحكومة الفرنسية للتحقيق في أحوال الجزائر بعد الاحتلال (1). وفي نظرنا أن ما قدمه خوجة عندئذ لا يدخل في (المذكرات) التي نحن بصددها، ذلك أن ما كتبه خوجة في المذكرة كان عبارة عن وجهة نظر في نقد السياسية الاستعمارية وحل القضية الجزائرية، وليس تعبيرا عن تجاربه ووصفا لحياته وتقلبات الزمان به وإنجازاته. كما هو شأن المذكرات.

2 -

مذكرة أحمد بوضربة. ويصدق عليها ما قلناه عن مذكرة حمدان خوجة. وقد كتبها بوضربة في نفس السنة ولنفس الغرض، بقطع النظر عن اختلاف وجهة نظر الرجلين في حل القضية الجزائرية. ولم يترك بوضربة كتابا أو مذكرات أخرى، حسب علمنا، تعبر عن تجربته في الحياة وتدخل فيما نحن فيه.

3 -

مذكرات الحاج أحمد، باي قسنطينة. وهي التي أملاها على أحد

= قسنطينة، انظر كتاب (معرفة المغرب العربي)، مرجع سابق، ص 158 - 159.

(1)

ترجمها العربي الزبيري ونشرها ضمن (مذكرات أحمد باي وحمدان خوجة وبوضربة)، الجزائر، 1973، ص 147 - 168. أما مذكرات أحمد باي فهي من ص 11 - 102. انظر ترجمة مذكرة حمدان خوجة لمحمد بن عبد الكريم في كتابه (حياة حمدان خوجة)، مكتبة دار الحياة، بيروت، 1972، ص 203 - 230.

ص: 452

الضباط الفرنسيين (المترجمين) بعد استسلامه سنة 1848. وهي في نظرنا تدخل في باب المذكرات، لأن الباي قد قص فيها حياته ومواقفه من سنة 1830 إلى 1848. وهي بالطبع لا تتناول جميع حياته (ت. 1850)، ولكن الأسلوب الذي كتبت به والمعلومات التي احتوتها والآراء، كلها تجعلها من نوع المذكرات الذي نعنيه. ورغم ما فيها من ثغرات في سرد الأحداث ومن اعتذارات للفرنسيين عن بعض المواقف، فإن المذكرات تبقى مادة خصبة، وتضم معلومات تاريخية وجغرافية وشخصية هامة تلقي الضوء على حياته وعصره.

4 -

مذكرات الشيخ عبد العزيز (سي عزيز) الحداد. وهي أيضا في نظرنا من نوع المذكرات التي نحن بصددها. وتشبه في بنيتها وتبريراتها مذكرات الحاج أحمد.

وقد تناولها يحيى بوعزيز ونشرها ضمن تأليفه (وصايا الشيخ الحداد ومذكرات ابنه سي عزيز)، الجزائر، 1989.

5 -

مذكرات الأمير عبد القادر. ولا يصدق عليها في الواقع اسم المذكرات إلا تجاوزا. والمعروف أنها بقيت في نصها العربي، ولم تترجم إلى الفرنسية، فيما نعلم؛ وهناك خلاف بين الباحثين في مؤلفها، هل هو الأمير نفسه أو صهره مصطفى بن التهامى، أو هما معا. ويهمنا الآن أنها كتبت خلال سنوات السجن بفرنسا، وأنها تمثل تاريخا في فصول وأبواب طويلة تتناول أيضا التاريخ الإسلامي بل والعالمي. وهذا لا يهمنا هنا. أما ما نعنيه بالمذكرات فهو جزء صغير من هذا العمل الكبير. وهو الفصل الأول من الباب الأول، وفيه حوالى إثنى عشر صفحة من المخطوط تتناول نسب الأمير ودراسته وشيوخه، ثم الباب الرابع كله وهو ثمانون صفحة، ويغطي حياة الأمير منذ حجته الأولى حوالي 1828 إلى هزيمته سنة 1847 واعتقاله. أما الأبواب والفصول الأخرى فكلها خارجة عن ترجمة الأمير أو مذكراته وعن تاريخ الجزائر (1).

(1) اطلعنا على المخطوط في عدة مناسبات حين كان بالمكتبة الوطنية - الجزائر، بعد أن =

ص: 453

6 -

مذكرات الطاهر بن عبد السلام. وهو من أوائل من كتب في هذا الباب. فنحن نجده قد كتب مذكراته بصفة مفصلة وروى حياته وتجاربه وهو ما يزال في منتصف العمر عند كتابتها، ويبدو أنها طويلة، ولكن صاحب (شعراء الجزائر) اختصرها في حوالي خمس عشرة صفحة، بخط رقيق. وقال عنها إنها تحتوي على الحقائق التاريخية والنظريات الاجتماعية والعمرانية، بالإضافة إلى السيرة الذاتية للمؤلف.

وكان الطاهر بن عبد السلام قد انتهى من تحرير مذكراته في 10 ديسمبر 1927 (13 ربيع الأول 1346) تحت عنوان (حياة الطاهر بن عبد السلام). وهو من مواليد 1309 هـ، بسوق اهراس، من أبوين فقيرين، وفقد أمه وهو ابن سنة، ولكن عائلته ساعدته على العيش والتعليم بصعوبة. وبعد عشرين سنة توفي والده أيضا. وفي سنة 1331 سافر إلى تونس فانخرط في جامع الزيتونة بمساعدة قريب له كان أيضا يدرس هناك. وفي 1336 حصل على شهادة التطويع. وظل يواصل التعلم أملا في الحصول على وظيف مدرس. ولكنه وجد العراقيل أمامه فاختار التجارة. وبقي يتردد على الجزائر، ولا سيما سوق اهراس وعنابة، وذكر كيف كانت السلطات الفرنسية تطارده، وكان بعض أدباء تونس والجزائر هم الذين طلبوا منه كتابة (تاريخ حياتي).

= استلمته من أسرة جاك شوفالييه الفرنسية. ثم اشتغل عليه القس (الآن كاردينال) هنري تيسييه تحت إشرافنا فترة ليقدمه اطروحة دكتوراه، ووضع له مخططا، ثم توقف. وقد طبع أو بالأحرى صور سنة 1983 بمناسبة الذكرى المئوية لوفاة الأمير على يد وزارة الثقافة. وأخذ منذ ذلك الحين تقريبا تحققه مجموعة من الأساتذة هم محمد الصغير بناني ومحفوظ السماتي ومحمد الصالح ألجون. وبعد أن انتهوا منه كتبنا له مقدمة. وقد سمعنا أنه صدر سنة 1994 عن دار الأمة بالجزائر. ومن جهة أخرى بلغنا أن يحيى بوعزيز حققه ونشره سنة 1995 ثم اطلعنا على نسخة من تحقيقه. أما المهدي البوعبدلي فقد نشر عنه دراسة بعنوان (أضواء على تاريخ حياة الأمير عبد القادر قبل توليته من خلال مذكراته التي سجلها في قصر امبواز) في (مجلة التاريخ)، المجلد الأول، 1975، ص 51 - 68.

ص: 454

وقد جمع ابن عبد السلام العلم إلى التجارة. فكان يلقى دروسا على العامة في الزاوية القادرية بسوق اهراس، ثم ضاقت بهم فأراد التدريس بالجامع فابى إمامه، وكسدت تجارته، واتهمه الفرنسيون (1921) بنشر الفكرة الوطنية والمبادئ الاشتراكية. وفي نوفمبر 1923، قدموه للمحكمة، وبعد ذلك روى كيف سافر ثانية إلى تونس (1924) وكيف استفاد من التعليم وساهم في جريدة النهضة بمقالات عن الوضع العربي والإسلامي (1).

7 -

أنفس الذخائر وأطيب المآثر في أهم ما اتفق لي في الماضي والحاضر، تأليف الطيب المهاجي. تحدث فيه عن محاولة سفره إلى مصر لكي يدرس بالأزهر أوائل هذا القرن، وعن الموانع التي اعترضته فلم يسافر. وكان شيوخه قد أذنوا له بالإجازة في أخذ العلم والسفر، وتحدث عن رغبته في المزيد من العلم بمصر. ورغم أن الكتاب مطبوع فإننا لم نطلع عليه، وإنما تحدث عنه عبد الله ركيبي في أحد بحوثه. ولذلك فإن إدراجه ضمن المذكرات غير قاطع أيضا (2).

8 -

مذكرات معلم جزائري، من أصل أهلي، تأليف السعيد الفاسي. نشرته مجلة المستضعفين عدد أبريل 1931.

9 -

مذكراتي للأمير محمد سعيد بن الأمير علي بن الأمير عبد القادر. وقد أقامها على طريقة المذكرات التي أصبحت معروفة في البلاد العربية. تحدث الأمير محمد سعيد فيها عن نشأته وعن محيطه حيث تيار الجامعة الإسلامية، ثم ثورة جمعية تركيا الفتاة. وقد انتقل بعد ذلك للحديث عن

(1) راجع (شعراء الجزائر) للهادي السنوسي، 2/ 49 - 63. ولا ندري إن كان الشيخ الطاهر بن عبد السلام الذي عاش عدة عقود سد ظهور هذا الكتاب، قد كتب جزءا آخر من مذكراته الهامة. انظر حياة محمد الشافعي التونسي الذي كان ممنوعا، من الجزائر في فصل المشارق والمغارب.

(2)

عبد الله ركيبي (القصة القصيرة في الأدب الجزائري المعاصر)، ط 1، 1970، ص 34، هامش 1. وقد ذكر أن كتاب المهاجي قد طبع بوهران في مطبعة الشركة الجزائرية، د. ت.

ص: 455

بعض الأطراف كالسنوسيين وأحوال الجزائر، ثم رجع إلى الجالية المغاربية في الشام ودور عائلة الأمير عبد القادر. وكان التركيز بعد ذلك على أحداث الحرب العالمية الأولى وما شهدته من تطورات بالنسبة للعرب والترك. وما شهدته سورية بالذات من تقلبات من الحكومة الهاشمية إلى الانتداب الفرنسي، ودور الأمير محمد سعيد وأخيه وأبيه في كل ذلك،. من طموح واعتقال، ومن علاقات مع الملك عبد الله ومسألة الخلافة، ومسألة فلسطين، ومسألة الخط الحجازي، وأخيرا المسألة الجزائرية، (ثورة نوفمبر)، وقلق الأمير سعيد بوطنه الأول. والكتاب مزود بالصور الشخصية وبعض الوثائق الهامة كالمراسلات مع عدد من أعيان العرب المعاصرين.

لا شك أن المذكرات في حد ذاتها تمثل صفحة في تاريخ الأمة العربية المعاصر، وتصور دور عائلة الأمير عبد القادر في التاريخ على العموم وفي الشام على الخصوص. وليس من غرض هذا العرض نقد المذكرات وتسليط الضوء على الأحداث التي صورتها، فالأمير سعيد كتب وجهة نظره، ورد على بعض التصرفات واتهم وبرر، وهذا حقه كشاهد ومعاصر للأحداث. وقد كتب آخرون مذكراتهم على نفس النمط تقريبا. وعلى الباحثين في الأحداث العربية خلال النصف الأول من هذا القرن أن يقارنوا ما جاء في مذكرات الأمير سعيد بمذكرات معاصريه، ومنهم لورنس الإنكليزي الذي استرق الأضواء كلها تقريبا وترك زعماء، بمن فيهم الأمير فيصل والأمير سعيد في الظل. ويكفي هذه المذكرات أنها أماطت اللثام عن الوجه الآخر للورنس، وأبرزت دور الأمير عبد القادر (الحفيد) في الثورة العربية، رغم أنه اغتيل غدرا قبل أن يجني ثمارها (1).

10 -

مذكرات الشريف الزهار. وهي أقرب إلى السرد التاريخي والتجارب الشخصية والملاحظات العامة في الحياة ومجريات الأحداث. وقد

(1) الأمير محمد سعيد (مذكراتي عن القضايا العربية والعالم الإسلامي) طبع بإشراف الأمير محمد سعيد نفسه، دار اليقظة العربية، دمشق (؟)، 1968.

ص: 456

صدرت من شخص مارس وشاهد ما كان يتحدث عنه. وهو نقيب الأشراف في مدينة الجزائر، حيث كانت له مكانة معنوية مرموقة لدى الشعب والحكام. واسمه هو أحمد بن الحاج علي الشريف الزهار. وقد تعرضنا لأسرته في الحديث عن الزوايا والمساجد (1). ولد المؤلف في الجزائر سنة 1196 (1781)، ودرس على والده وبعض شيوخ العصر أمثال أحمد بن عمار ومحمد بن الشاهد وعلي بن الأمين. وتولى بعد أبيه نقابة الأشراف.

وعاصر الاحتلال الفرنسي وكان عمره إذاك حوالي خمسين سنة. وكان ممن نفاهم الفرنسيون، حسب رواية الشيخ أحمد توفيق المدني. ولعله من الذين اختاروا مغادرة البلاد بعد استيلاء الفرنسيين عليها انتظارا لجلية الأمر. ومهما كان الأمر فإنه توجه سنة 1832، في عهد الدوق دو روفيكو الذي اضطهد السكان وشك في كل الناس (وكان من رجال الشرطة)، إلى تونس. وحضر دروس الشيخ إبراهيم الرياحي في الزيتونة. وكان الفرنسيون عندئذ يتآمرون على قسنطينة التي كانت تحت حكم الحاج أحمد، فدخلها الزهار من تونس، وانضم إلى الحاج أحمد ولكننا لا ندري متى كان ذلك. وبعد احتلال قسنطينة التحق الزهار بالأمير عبد القادر، ويقول الشيخ المدني إنه تولى الكتابة له وربما التحق به ومعه عائلته، لأن المدني يقول إن والدة الزهار كانت من بين الأسيرات اللاتي حملهن الفرنسيون إلى بلادهم، وربما كان ذلك في حادثة الزمالة (1843). وذهب الزهار أيضا إلى المغرب الأقصى ونزل مدينة فاس سنة 1259. ثم رجع إلى الجزائر بعد أن تغيرت الأحوال، ورجع أيضا إلى نقابة الأشراف، كما اشتغل بالتجارة.

وأثناء اشتغاله بالتجارة في دكانه كان يسجل ذكرياته عن العهد العثماني، الأحداث التي عاشها، وربما كانت له وثائق الأسرة تساعده على تسجيل الحوادث والأسماء. والمذكرات التي نحن بصددها هي نتاج هذه المر حلة من حياته.

(1) انظر فصل المعالم الإسلامية.

ص: 457

يقول المدني الذي حصل على نسخة منها ونشرها مصاغة ومصححة: إن المذكرات مقسمة إلى قسمين: قسم يبدأ من سنة 910 أي بداية العهد العثماني، ويحتمل أن يكون هذا القسم من الكتاب قد ضاع. أما القسم الثاني فيبدأ من سنة 1168 وينتهي بالاحتلال الفرنسي. وهذا القسم هو الذي قدمه الشيخ المدني بعد أن عثر على النسخة الوحيدة منه لدى الشيخ محمود الشريف حفيد المؤلف. وكانت هذه النسخة على وشك الضياع أيضا، لأن السيد جان ميرانت، مسؤول الشؤون الأهلية كان يسعى للحصول عليها، وكان الحفيد الزهار والمدني يخشيان ضياعها إذا استحوذ عليها هذا المستعرب المبغوض. وذكر المدني أيضا أن للمذكرات قسما آخر (ثالثا) يبدأ من الاحتلال، مشارا إليه بعدة سطور فقط في آخر القسم الثاني. ولكنه يعتبر في حكم الضائع، لأن المدني يؤكد أن دومينيك لوسياني الذي سبق ميرانت في إدارة الشؤون الأهلية، قد استولى عليه ولم يظهر له خبر بعد ذلك (1). ورغم أهمية القسم الثاني من المذكرات، فإنه يبدو أن القسم الثالث الضائع يعتبر أهم منه بالنسبة لبحثنا هذا. ذلك أن تجربة الشيخ الزهار مع الحاج أحمد والأمير وفي المغرب وتونس، وما عاشه من آثار الاحتلال، ومن عاصره من العلماء كان سيساعدنا على فهم النصف الأول من القرن الماضي الذي يفتقر إلى المصادر الوطنية. ومهما كان الأمر فإن النسخة التي وصفها المدني مكتوبة بعربية بسيطة قريبة من الدارجة، وكانت في شكل مسودة. وفيها آراء جديدة عن الدايات وعلاقاتهم بالشعب والسلطان والبلدان الأجنبية (2).

(1) نعرف أن لوسياني كان يحصل على المخطوطات العربية من أصحابها بدعوى النشر والتأليف، وكان يستكتب القضاة والعلماء. وقد حصل على مخطوطات حول حياة الشيخ عبد الرحمن الأخضري ومحمد بن يوسف السنوسي وابن تومرت، إلخ. انظر فصل الاستشراق.

(2)

أحمد توفيق المدني (مذكرات الحاج أحمد الشريف الزهار، نقيب أشراف الجزائر)، 1974. وعن قدور الشريف الزهار وعائلته انظر فصل السلك الديني والقضائي. وقد =

ص: 458