المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أما ولولا ولوما - إرشاد السالك إلى حل ألفية ابن مالك - جـ ٢

[برهان الدين ابن القيم]

الفصل: ‌أما ولولا ولوما

غيره، كالأمثلة المتقدمة، وكقوله:{وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} [الأعراف:176]{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ} [يونس:99] فإن كان له سبب آخر لم يلزم امتناعه، نحو:"لو لم تكن الشمس طالعه كان الضوء موجودا"، ومثله قول عمر:"نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه" إذ ترك العصيان له عدة أسباب، منها: المحبة، ومنها: الإجلال، ومنها: الخوف، فلا يلزم من انتفاء الخوف انتفاؤه، كما أن الضوء له عده أسباب فلا يلزم من عدم الشمس انتقاؤه.

‌

‌أمّا ولولا ولوما

هذه الحروف الثلاثة تقتضي ملازمة بين جملتين، كأدوات الشرط، فلذلك عقبت بها، إلاّ أن "أما" أدخل في معني الشرط من أختيها.

(أما"كـ"ـمهما يك من شيء وفا

…

لتلو تلوها وجوبا ألفا)

(وحذف ذي الفا قل في نشر إذا

…

لم يك قولٌ معها قد نُبذا)

أما المفتوحة حرف شرط تقتضي التفصيل-غالبا- بأن يعطف عليها

ص: 816

نحو: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ} [الضحى:9 - 10] ونحوه كثير، وقد تكون لمجرد التوكيد الخالي عن التفصيل، كقولك:"أما زيد فمنطلق" قال الزمخشيري: "أما" حرف يعطي الكلام فَضْلَ توكيد، تقول:"زيد ذاهب" فإذا قصدت أنه لا محالة ذاهب. قلت: "أما زيد فذاهب" وفي الحالين هي مؤؤلة بأداة شرط وجملته، كما ذكر المصنف، فإذا قلت:"أما زيد فمنطلق" فتأويله: ["مهما يكن من شيء فزيد منطلق" وتلزم هذه الفاء لتلو تلوها، سواء كان] مبتدأ مخبرا عنه بتلوه، نحو:{وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ} [آل عمران:107] أو مفعولا وتلوه هو العامل فيه، نحو:{فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ} [الضحى:9] وتحذف هذه الفاء كثيرا إذا كان معها قول قد نبذ، أي: طرح، واستغني عنه بالمقول نحو:{فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ} [آل عمران:106] لأن تقديره فيقال لهم: "كفرتم؟ " أما دون ذلك فلا تحذف إلا في الضرورة، كقوله:

478 -

(فأما القتالُ لا قتالَ لديكم

…

)

ص: 817

وحذفها في النثر شاذ، ومنه في الحديث:(أما بعد: ما بالُ رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله).

ص: 818

(لولا" و"لوما" يلزمان الابتدا

…

إذا امتناعا بوجود عقدا)

إذا أريد بـ"لولا" و"لوما" الملازمه فهما حرفا امتناع لوجود، لأنهما يقتضيان امتناع جوابهما لوجود تاليهما، نحو:{لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} [سبأ:31] وتقول: {لوما زيد لأكرمتك} ويلزمان -حينئذ- المبتدأ، كما مثل، وخبره لازم الحذف - غالبا -كما سبق في باب الابتداء، وجوابهما -حينئذ- إما ماضي اللفظ، وإما ماضي المعني، نحو:"لولا زيد لم آتك" ثم الماضي اللفظ إن كان مثبتا فالأكثر اقترانه باللام، نحو:{وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء:83] والمنفي بـ"ما" عكسه، نحو:{وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} [النور:21] وقد يحذف للعلم به، نحو {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ} [النور:10].

(وبهما التحضيض مز و"هلا"

…

"إلا""الا" وأولينها الفعلا)

(وقد يليها اسم بفعل مضمر

…

عُلق أو بظاهر مُؤخر)

من معاني "لولا" و"لوما" التخضيض، ومعناه: الحث علي الفعل، ومن الحروف الدالة علي التحصيص"هلا" و"ألا" - مشددة ومخففة- وتختص أدوات التخصيص بالأفعال، ولا يليها إلا الماضي، نحو:

ص: 819

{فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} [التوبة:122] أو المضارع، نحو:{لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ} [الحجر:7] وقد يفصل بينهما وبين الفعل بجملة اعتراضية نحو: {فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا} [الواقع:86 - 87] وقد يليها اسم متعلق بفعل مضمر قبله، نحو:

479 -

(أتيتَ بعبد اللهِ في القيدِ مُوثقا .. فهلَاّ سعيداً ذا الخيانةِ والغدْر)

تقديره: فعلا أسرت سعيداً، أو بفعل مؤخر عنه، نحو:{وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ} [النور:16] لأن "إذ" ظرف لـ"قلتم" فإن وقع بعدها الجملة الاسمية، نحو:

480 -

(.... فهلَاّ نفسُ ليلى شفيعُها)

قدّر بعده "كان" رافعة لضمير الشأن، والجملة خبرها.

ص: 820