المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌قوله تعالى: (ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون (69) - تفسير ابن رجب الحنبلي - جـ ٢

[ابن رجب الحنبلي]

فهرس الكتاب

- ‌سُورَةُ المؤمِنُونَ

- ‌قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)

- ‌قوله تعالى: (يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)

- ‌قوله تعالى: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72)

- ‌قوله تعالى: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)

- ‌قوله تعالى: (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104)

- ‌سُورَةُ النُّورِ

- ‌قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)

- ‌قوله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ)

- ‌قوله تعالى: (قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (53)

- ‌سُورَةُ الفُرْقَانِ

- ‌قوله تعالى: (أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8)

- ‌قوله تعالى: (وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12)

- ‌قوله تعالى (فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (19) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ

- ‌قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُ

- ‌قوله تعالى: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ)

- ‌سُورَةُ الشُّعَراء

- ‌قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)

- ‌قوله تعالى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)

- ‌قوله تعالى: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219)

- ‌سُورَةُ النَّمْلِ

- ‌قوله تعالى: (وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)

- ‌قوله تعالى: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْر مِّنْهَا)

- ‌سُورَةُ القَصَصِ

- ‌قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71)

- ‌قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ)

- ‌قوله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)

- ‌سُورَةُ الرُّومِ

- ‌قوله تعالى: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)

- ‌قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ

- ‌قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44)

- ‌سُورَةُ لُقْمَانَ

- ‌قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ)

- ‌قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)

- ‌سُورَةُ السَّجْدَة

- ‌قوله تعالى: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ)

- ‌قوله تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)

- ‌سُورَةُ الأحْزَاب

- ‌قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46)

- ‌قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59)

- ‌(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69)

- ‌سُورَةُ سَبَأٍ

- ‌قوله تعالى: (إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَة أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى)

- ‌سُورَةُ فَاطِرٍ

- ‌قوله تعالى: (اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ)

- ‌قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ)

- ‌قوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)

- ‌قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)

- ‌سُورَةُ يس

- ‌قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)

- ‌سُورَةُ الصَّافَّاتِ

- ‌قوله تعالى: (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165)

- ‌سُورَةُ (ص)

- ‌قوله تعالى: (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69)

- ‌قوله تعالى: (قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80)

- ‌سُورَةُ الزُّمَر

- ‌قوله تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)

- ‌قوله تعالى: (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)

- ‌سُورَةُ غَافِر

- ‌قوله تعالى: (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7)

- ‌قوله تعالى: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39)

- ‌قوله تعالى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)

- ‌قوله تعالى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)

- ‌سُورَةُ الشُّورَى

- ‌قوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ

- ‌قوله تعالى: (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37)

- ‌سُورَةُ الزُّخْرُفِ

- ‌قوله تعالى: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58)

- ‌قوله تعالى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75)

- ‌قوله تعالى: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ)

- ‌سُورَةُ الدُّخَانِ

- ‌قوله تعالى: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)

- ‌قوله تعالى: (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ

- ‌قوله تعالى: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46)

- ‌سُورَةُ الجَاثِيَةِ

- ‌قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)

- ‌سُورَةُ الأَحْقَافِ

- ‌قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (14)

- ‌قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ)

- ‌سُورَةُ مُحَمَّدٍ

- ‌قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)

- ‌قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17)

- ‌قوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)

- ‌سُورَةُ الفَتْحِ

- ‌قوله تعالِ: (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ)

- ‌سُورَةُ الحُجُرَاتِ

- ‌قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)

- ‌قوله تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)

- ‌قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)

- ‌قوله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا)

- ‌سُورَةُ (ق)

- ‌قوله تعالى: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)

- ‌قوله تعالى: (وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29)

- ‌قوله تعالى: (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33)

- ‌قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (38)

- ‌سُورَةُ الذَّارِيَاتِ

- ‌قوله تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22)

- ‌قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)

- ‌سُورَةُ النَّجْم

- ‌قوله تعالى: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (61)

- ‌سُورَةُ القَمَرِ

- ‌قوله تعالى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48)

- ‌سُورَةُ الرَّحْمَنِ

- ‌قوله تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17)

- ‌قوله تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)

- ‌سُورَةُ الوَاقِعَةِ

- ‌قوله تعالى: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3)

- ‌قوله تعالى: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44)

- ‌قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55)

- ‌قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67)

- ‌قوله تعالى: (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73)

- ‌قال الله تعالى: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

- ‌سُورَةُ الحَدِيدِ

- ‌قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ)

- ‌قوله تعالى: (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا)

- ‌قوله تعالى: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ)

- ‌سُورَةُ المُجَادلَةِ

- ‌قوله تعالى: (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)

- ‌سُورَةُ الحَشْرِ

- ‌قوله تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)

- ‌قوله تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)

- ‌قوله تعالى: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)

- ‌قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ

- ‌سُورَةُ المُمْتَحَنَةِ

- ‌قوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5)

- ‌قوله تعالى: (إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ)

- ‌قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ

- ‌سُورَةُ الصَّفِ

- ‌قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)

- ‌قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ)

- ‌سُورَةُ الجُمُعَةِ

- ‌قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2)

- ‌قوله تعالى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9)

- ‌قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا)

- ‌قوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ)

- ‌سُورَةُ المُنَافِقُونَ

- ‌قوله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1)

- ‌قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ)

- ‌قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9)

- ‌سُورَةُ التَّغَابُنِ

- ‌قوله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ)

- ‌سُورَةُ الطَّلاقِ

- ‌قوله تعالى: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)

- ‌قوله تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا)

- ‌سُورَةُ التَّحْرِيمِ

- ‌قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)

- ‌سُورَةُ المُلْكِ

- ‌قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)

- ‌سُورَةُ القَلَمِ

- ‌قوله تعالى: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13)

- ‌قوله تعالى: (وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43)

- ‌سُورَةُ الحَاقَّةِ

- ‌قوله تعالى: (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)

- ‌سُورَةُ الجِنِّ

- ‌قوله تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1)

- ‌قوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18)

- ‌سُورَةُ المُزَّمِّلِ

- ‌قوله تعالى: (إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13)

- ‌سُورَةُ المُدَّثِّرِ

- ‌قوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)

- ‌قوله تعالى: (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)

- ‌قوله تعالى: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17)

- ‌قوله تعالى: (إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25)

- ‌قوله تعالى: (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا)

- ‌سُورَةُ القِيَامَةِ

- ‌قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)

- ‌سُورَةُ الإنْسَانِ

- ‌قوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)

- ‌قوله تعالى: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4)

- ‌قوله تعالى: (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13)

- ‌سُورَةُ المُرْسَلاتِ

- ‌قولِهٍ تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26)

- ‌سُورَةُ النَّبَأ

- ‌قوله تعالى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26)

- ‌سُورَةُ التَّكْويرِ

- ‌قوله تعالى: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6)

- ‌قوله تعالى: (وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14)

- ‌قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15)

- ‌سُورَةُ الانْفِطَارِ

- ‌قوله تعالى: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)

- ‌سُورَةُ المُطَفِّفينَ

- ‌قوله تعالى (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7)

- ‌قوله تعالى: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16)

- ‌قوله تعالى: (خِتَامُهُ مِسْكٌ)

- ‌سُورَةُ البُرُوجِ

- ‌قوله تعالى: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3)

- ‌قوله تعالى: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14)

- ‌سُورَةُ الفَجْرِ

- ‌قوله تعالى: (وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)

- ‌قوله تعالى: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3)

- ‌قوله تعالى (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23)

- ‌سُورَةُ البَلَدِ

- ‌قوله تعالى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11)

- ‌قوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9)

- ‌سُورَةُ الشَّمْسِ

- ‌قال الله عز وجل: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)

- ‌سُورَةُ الضُّحَى

- ‌قوله تعالى: (وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)

- ‌قوله تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى)

- ‌سُورَةُ الشَّرْح

- ‌قوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)

- ‌سُورَةُ التِّينِ

- ‌قوله تعالى (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)

- ‌سُورَةُ العَلَقِ

- ‌قوله تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10)

- ‌قوله تعالى: (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18)

- ‌سُورَةُ القَدْرِ

- ‌قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4)

- ‌سُورَة الزَّلزَلَة

- ‌قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)

- ‌سُورَةُ التَّكَاثُرِ

- ‌قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)

- ‌سُورَةُ الهُمَزَةِ

- ‌قالّ اللَّهٍ تعالّى: (كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7)

- ‌قوله تعالى: (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8)

- ‌سُورَةُ الفِيلِ

- ‌قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)

- ‌سُورَةُ المَاعُون

- ‌قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5)

- ‌سُورَةُ النَّصْرِ

- ‌قوله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)

- ‌سُورَةُ الإخْلاصِ

- ‌قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)

الفصل: ‌قوله تعالى: (ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون (69)

‌سُورَةُ (ص)

‌قوله تعالى: (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69)

خرَّج الإمامُ أحمد رحمه اللَّه تعالى منْ حديثِ معاذِ بنِ جبلٍ رضي الله عنه قال:

"احتبسَ عنَّا رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم ذاتِ غداةٍ في صلاةِ الصبح، حتى كدنا نتراءى قرن الشمسِ، فخرج رسولُ اللَهِ صلى الله عليه وسلم سريعًا، فثوَّبَ بالصلاةِ وصلَّى وتجوَّزَ في

صلاته، فلما سلَّم قال:"كما أنْتُم على مَصَافِّكم " ثم أقبلَ إلينا فقال:

"إني سأحدَثكُم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمتُ مِنَ الليلِ فصليتُ ما قُدِّر لي، فنعستُ في صلاتي حتى استثقلتُ فإذا أنا بربِّي عز وجل في أحسنِ صورةٍ فقال: يا محمدٌ أتدري فيم يختصمُ الملأُ الأعلى؟.

قلتُ: لا أدري ربِّ، قال: يا محمدُ فيم يختصم الملأُ الأعلى؟.

قلتُ: لا أدري ربِّ، قال: يا محمدُ فيم يختصمُ الملاُ الأعلى؟.

قلتُ: لا أدري ربِّ فرأيتُهُ وضعَ كفَّه بينَ كتفي حتى وجدتُ بَرَدَ أنامِلِهِ في صدرِي وتجلَّى لي كل شيءٍ وعرفتُ.

فقال: يا محمد فيم يختصمُ الملأُ الأعلى؟.

قلتُ: في الكفَّاراتِ والدرجاتِ، قال: وما الكفَّاراتِ؟.

قلتُ: نقْلُ الأقدام إلى الجمعاتِ، والجلوسُ في المساجدِ بعدَ الصلواتِ، وإسباغُ الوضوءِ عند الكريهاتِ، قال: وما الدرجاتُ؟.

قلتُ: إطعامُ الطعام، ولينُ الكلام، والصلاةُ والناسُ نيامٌ.

قال: سَلْ؟.

قلتُ: اللَّهُمَ إني أسْألكَ إطعامُ الطعام، ولينُ الكلامِ، والصلاةُ والناسُ نيامٌ، قال: سَلْ؟

قلت: قلتُْ اللَّهم إنِّي

ص: 148

أسْألكَ فِعْلَ الخيراتِ، وتركَ المنكراتِ، وحبَّ المساكينِ، وأنْ تَغْفِرَ لي وترْحمني، وإذا أردتَ فتنة في قومٍ فتوفَّني غيرَ مفتونٍ، وأسألك حبَكَ وحبَّ مَن يحبُّك، وحبَّ عملٍ يُقَرّبُني إلى حبِّكَ "

وقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

"إنها حقٌّ فادْرسوها وتعقَمُوها"

وخرَّجَه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، قال: وسألتُ محمدَ بنِ إسماعيلِ البخاريَّ عَنْ هذا؟

فقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

قلتُ: وفي إسنادِهِ اختلافٌ، وله طرقٌ متعددةٌ، وفي بعضها زيادةٌ وفي

بعضها نُقصانٌ، وقد ذكرتُ عامةَ أسانيدِهِ وبعضَ ألفاظه المختلفةِ في كتابي

"شرح الترمذي "، وفي بعض ألفاظه عند الإمامِ أحمدَ، والترمذي أيضًا:

"المشيُ على الأقدام إلى الجماعاتِ " بدل: "الجُمُعات " وفيه أيضًا عندهما بعد ذكْر الكفَّاراتِ زيادةُ: "ومَنْ فعلَ ذلك عاشَ بخير، وماتَ بخير، وكان مِنْ خطيئتِهِ كيوم ولدتْه أُمُّهُ "، وفيه أيضًا عندهما:" والدرجاتُ إفشاءُ السلام" بدل: (الين الكلا أ"

وفي بعض رواياتِهِ: "فعلمتُ ما في السماءِ والأرضِ، ثم تلا: (وَكَذَلِكَ نرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) "

وفي رواية أخرى:

"فتجلَّى لي ما بيْنَ السماءِ والأرضِ ".

وفي رواية: "ما بيْنَ المشرقِ ".

وفي بعضها زيادة في الدعاء وهي: "وتتوب عليَّ ".

وفي بعضِها: "إسباغُ الوضوءِ في السبراتِ "

وفي بعضها: "وقال: يا محمد إذا صليتَ، فقُلْ: اللَهُمَّ إني أسألك فِعْلَ

الخيراتِ " فذكره.

والمقصودُ هنا شرحُ الحديثِ وما يُستنبطُ منه مِنَ المعارفِ والأحْكامِ وغيرِ

ذلك.

ففي الحديثِ دلالةٌ على أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يكن من عادتِهِ تأخيرُ صلاةِ

ص: 149

الصبح إلى قريبِ طلوع الشمسِ، وإنَّما كانتْ عادتُهُ التغليسَ بها، وكان

أحيانًا يُسْفرُ بها عند انتشارِ الضوءِ على وجهِ الأرض، وأما تأخيرُها إلى قريبِ

طلوع الشمسِ فلم يكنْ مِنْ عادتِهِ، ولهذا اعتذرَ لهم عَنْهُ في هذا الحديث.

وقد قيل: إن تأخيرَها إلى هذا الإسْفارِ الفاحشِ لا يجوزُ لغيرِ عذرٍ، وأنَّه

وقتُ ضرورةٍ، كتأخير العصر إلى بعد اصفرار الشمسِ وهو قولُ القاضي من

أصحابِنا في بعضِ كتبه، وقد أوَمأ إليه الإمامُ أحمدُ وقال: هذهِ صلاةُ مفرط.

إنَّما الإسْفارُ أن ينتشرَ الضوءُ على الأرضِ.

وفي الحديثِ دلالةٌ على أنَّ من أخرَ الصلاةَ إلى آخر الوقتِ لعذرٍ أو غيره

وخافَ خروجَ الوقتِ في الصلاةِ إنْ طَوَّلها أنْ يخففها حتَّى يُدْركها كُلَّها في

الوقتِ.

وأمَّا قولُ أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه لمَّا طوَّل في صلاةِ الفجرِ وقرأ بالبقرةِ فقيل له: كادت الشمسُ أنْ تطلعَ، فقال: لو طلعتْ لم تجدْنَا غافلين، فإن أبا بكر رضي الله عنه لم يتعمَّدِ التأخيرَ إلى طلوع الشمسِ ولا أنْ يمدَّها ويُطيلها حتَّى تطلعَ الشمسُ؛ لأنه دخلَ فيها بغلسٍ، وأطالَ القراءةَ، وربما كان قد استغرقَ في تلاوتِهِ، فلو طلعتِ الشمسُ حينئذٍ لم يضرَّه، لأنه لم يكنْ متعمدًا لذلك.

وهذا يدلُّ على أنَّه كان يرى صحةَ الصلاةِ لمن طلعتْ عليه الشمس وهو في صلاتِهِ كما أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم منْ طلعت عليه الشمسُ وقد صلَّى ركعة من الفجرِ أنْ يُضيفَ إليها أُخرى.

وفي حديثِ معاذ دليل على أنَّ من رأى رُؤيا تَسُرُه فإنه يقَصُهُّا على

أصحابِهِ وإخوانه المُحبينَ له، ولا سِيَّما إنْ تضمنتْ رُؤياه بشارةً لهم وتعليمًا

ص: 150

لما ينفعهم، وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا صلَّى الفجرَ يقولُ لأصحابِهِ:"من رأى منكم الليلة رؤيا"

وفيه أيضًا: أن من استثقل نومه في تهجده بالليل حتَّى رأى رؤيا

تَسُرُّه، فإنَّ في ذلك بُشْرى له.

وفي "مراسيلِ الحسنِ ":

"إذا نام - العبدُ وهو ساجدٌ باهى اللَّهُ الملائكةَ يقول: يا ملائكتي انظرُوا إلى عبدِي، جسَدُهُ في طاعتِي وروحُهُ عندي "

وفيه دلالةٌ على شرفِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

وتفضيلِهِ بتعليمِهِ ما في السماواتِ والأرضِ، وتجلَّى ذلك له مما تختصمُ فيه الملائكةُ في السماء وغير ذلك كما أُري إبراهيمُ ملكوتَ السماواتِ.

وقد وردَ في غيرِ حديثٍ مرفوعًا، وموقوفًا أنَّه صلى الله عليه وسلم أعْطِي عِلْمَ كلِّ شيءٍ خلا مفاتيح الغيبِ الخمسِ التي اختصَّ اللَّهُ عزَّ

وجلَّ بعلمِها، وهي المذكورةُ في قولِهِ عز وجل:(إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) .

وأمَّا وصفُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لربِّه عز وجل بما وصفَهُ به فكُل ما وصف النبيُّ صلى الله عليه وسلم ربَّه عز وجل به فهو حقٌّ وصدق يجبُ الإيمانُ والتصديقُ به كما وصفَ الله عز وجل به نفْسَهُ، مع نَفْي التمثيل عنه، ومَنْ أشكِلَ عليه فهْمُ شيءٍ مِنْ ذلك واشتبه عليه فليقل كما مدحَ اللَهُ تعالى به الراسخينَ في العلم وأخبرَ عنهم أنهم عند المتشابه (آمَنا بِهِ كلٌّ منْ عِندِ رَبِّنَا)، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن:

"وما جهلتُمْ منه فَكِلُوهُ إلى عالِمِه "

خرَّجه الإمامُ أحمدُ والنسائيُّ وغيرُهُما.

ولا يتكلَّفُ ما لا عِلْمَ له به، فإنه يخشى عليه مِنْ ذلك الهلكة.

ص: 151

سمِعَ ابنُ عباسِ يومًا منْ يروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم شيئًا مِنْ هذه الأحاديثِ، فانتفضَ رجلٌ استنكارًا لذلك فقال ابنُ عباسٍ:

ما فرقُ هؤلاءِ يجدونَ رِقَّةً عندَ مُحْكمه ويهلكونَ عندَ مُتَشابِهه "

خرَّجه عبدُ الرزاقُ في كتابه عن معمرٍ

عن ابنِ طاوسِ عن أبيه عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما، كلما سمعَ المؤمنون شيئًا منْ هذه الكلامِ قالوا: هذا ما أخبرنا اللَّهُ ورسولُه وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليمًا.

وفيه دلالةٌ على أنَّ الملأَ الأعْلى وهُم الملائكةُ أو المُقرَّبونَ منهم يختصمونَ

فيما بينهم ويتراجعونَ القولَ في الأعمالِ التي تُقربُ بني آدمَ إلى اللَّهِ عزَّ

وجلَّ وتُكَفَّرُ بها عنهم خطاياهُم وقد أخبرَ اللَّهُ عنهم بأنهم يستغفرون للذين

آمنوا ويدْعون لهُمْ.

وفي الحديثِ الصحيح: "إنَّ اللَّهَ إذا أحبَّ عبْدًا نادى إنِّي

أحبُّ فلانًا فأحبَّه، فيحبُّه جبريلُ ثم ينادِي في السماءِ أنَّ اللَّهَ يحبُّ فلانًا فأحبِّوه فيحبَّه أهلُ السماءِ، ثم يوضعُ له القَبولُ في الأرضِ ".

وقال أبو هريرة رضي الله عنه:

إذا ماتَ ابنُ آدمَ قال الناسُ: ما خلفَ؟

وقالتْ الملائكةُ: ما قدَّمَ؛ فالملائكةُ يسألون عن أعمالِ بني آدمَ ولهُمْ اعتناءٌ بذلك واهتمامٌ به، وبقي الكلامُ على المقصودِ من الحديثِ، وهو ذِكْرُ الكفَّاراتِ والدرجاتِ والدعواتِ، ونعقدُ لكلِّ واحدةٍ منها فصْلاً مُفْردًا.

الفصل الأول: في ذكر الكفَّاراتِ:

وهو إسباغُ الوضوءِ في الكريهاتِ، ونقْلُ الأقدامِ إلى الجُمعاتِ أو

الجَماعاتِ، والجلوسُ في المساجدِ بعدَ الصلواتِ، وسُميِّتْ هذه كفَّاراتٌ لأنها

تُكَفِّرُ الخطايا والسيئاتِ، ولذلك جاء في بعضِ الرواياتِ:

"مَنْ فعل ذلك عاشَ

ص: 152

بخيرٍ، وماتَ بخير، وكان مِنْ خطيئتِه كيوم ولدتْهُ أمُّه "

وهذه الخصال المذكورةُ الأغلبُ عليها تكفيرُ السيئات، ويحصلُ بها أيضًا رفعُ الدرجاتِ كما في "صحيح مسلمٍ " عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:

"ألا أدلكم على ما يمحُو اللَّهُ به الخطايا ويرفعُ به الدرجاتِ؟ "

قالُوا: بلى يا رسول اللَّه، قال:

"إسباغُ الوضوءِ على المكارِهِ، وكثرة الخطا إلى المساجدِ، وانتظارُ الصلاةِ بعدَ الصلاةِ، فذلكُم الرباطُ فذلِكُم الرباط ".

وقد رُوي هذا المعنى عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم من وجوهٍ متعددة، فهذه ثلاثةُ أسبابُ يُكفِّر اللَّهُ بها الذنوبَ:

أحدها: الوضوء، وقد دلَّ القرآنُ على تكفيره الذنوب في قولهِ عز وجل:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) إلى قوله: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) .

فقولُهُ تعالى: (لِيطَهِّرَكمْ) يشمل طهارةَ ظاهرِ البدنِ بالماءِ.

وطهارةَ الباطنِ من الذنوبِ والخطايا، وإتمامُ النعمةِ إنما يحصلُ بمغفرةِ الذنوبِ وتكفيرها كما قال تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم:

(لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) .

وقد استنبط هذا المعنى محمدُ بنُ كعبٍ القرظيُّ، ويشهدُ له الحديثُ الذي

خرَّجه الترمذيُّ وغيرُه، عن معاذٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم سمعَ رجلاً يدعو يقول: اللَّهُمَّ إني أسألك تمامَ النعمة، فقال له:"أتدري ما تمامُ النعمة؟ " قال: دعوةٌ دعوتُ بها أرْجو بها الخيرَ.

فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:

"إنَّ تمامَ النعمة: النجاةُ منَ النارِ ودخولُ الجنةِ"،

ص: 153

فلا تتم نعمةُ اللَّهِ على عبدِهِ إلا بتكفيرِ سيئاتِهِ.

وقد تكاثرتِ النصوصُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بتكفيرِ الخطايا بالوضوءِ كما في "صحيح مسلم " عن عُثمانَ رضي الله عنه: أنه توضَّأ، ثم قال: رأيتُ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم توضَّأ مِثْلَ وضوئي هذا، ثم قال: "من توضَّأ هكذا غُفر له ما تقدَّمَ من ذنبه.

وكانتْ صلاتُهُ ومَشْيُهُ إلى المسجدِ نافلةً"، وفيه أيضًا عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:

"منْ توضّأ فأحْسنَ الوضوءَ خرجتْ خطاياهُ منْ جَسَدِهِ حتَّى تخرجَ منْ تحتِ أظفارِهِ "

وفيه أيضًا عن أبي هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:

"إذا توضَّأ العبدُ المسلمُ أو المؤمنُ، فغَسَلَ وجهَهُ خرَجَ من وجههِ كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماءِ أو مع آخِرِ قَطرِ الماءِ، فإذا غَسَلَ يديه خرجَ منْ يديه كلُّ خطيئةٍ بطشتْها يدَاهُ مع الماءِ أو مع آخر قطرِ الماء، فإذا غَسَلَ

رجْليه خرجتْ كل خطيئةٍ مشتْها رِجْلاه مع الماءِ أو مع آخر قطرِ الماءِ، حتى يخرجَ نقيًّا من الذنوبِ "

وفيه أيضًا عن عمرو بنَ عَبْسةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:

"ما مِنكُم من رجل يقربُ وضوءَه فيمضمضُ ويستنشقُ فينتثرُ إلا خرجتْ خطايا وجهِهِ وفيه وخياشيمِهِ، ثُمَّ إذا غسلَ وجههُ كما أمره اللَّهُ إلا خرجتْ خطايا وجهه من أطرافِ لحيتِهِ مع الماءِ، ثم يغسلُ يديه إلى المرفقينِ إلا خرجتْ خطايا يديه من أنامِلِهِ مع الماءِ، ثم يمسحُ رأسَهُ إلا خرجتْ خطايا رأسِهِ من أطرافِ شعرِهِ مع الماءِ ثم يغسلُ قدميهِ إلى الكعبينِ إلا خرجتْ خطايا رجليه من أنامِلِهِ مع الماءِ، فإنْ هو قامَ فصلَّى فحمدَ اللهَ وأثنى عليه ومجَّدهُ بالذي هو له أهل وفرغًّ قلبَهُ للهِ إلا انصرفَ من خطيئته كهيئتِهِ يومَ ولدتْهُ أُمُّهُ ".

ص: 154

وفي "الموطأ"، و"مسند الإمامِ أحمدَ" و"سنن النسائيّ " وابن ماجةَ عن

الصنابحيِّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم:

"إذا توضأ العبدُ المؤمنُ فمضمضَ خرجتِ الخطايا من

فِيه، فإذا استنشقَ خرجتِ الخطايا من أنفِهِ، فإذا غسلَ وجهَه خرجتِ الخطايا من وجهِهِ حتَّى تخرجَ من تحتِ أشفارِ عينيه، فإذا غسلَ يديه خرجتِ الخطايا من يديه حتَّى تخرجَ من تحتِ أظفارِ يديه، فإذا مسحَ برأسِهِ خرجت الخطايا من رأسِهِ حتَّى تخرجَ من أذنيه، فإذا غسلَ رجليهِ خرجتِ الخطايا من رجليْهِ حَتَّى تخرجَ من تحتِ أظفارِ رجليِه، ثمَّ كان مشيُهُ إلى المسجدِ وصلاتُهُ نافلةً له ".

وفي "المسندِ" عن أبي أُمامة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:

"ما من مسلمٍ يتوضأ فيغسلُ يديه ويمضمضُ فاه ويتوضأ كما أُمِرَ إلا حطَّ اللَهُ عنه يومئذ ما نطقَ به فمُهُ، وما مسَّ بيده، وما مشى إليه، حتَّى إنَّ الخطايا تحادَرُ من أطرافِهِ، ثم هو إذا مشى إلى المسجدِ فَرِجْل تكتبُ حسنةً، وأُخرى تمحُو سيئة".

وفيه أيضًا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

"أيُّما رجلٍ قامَ إلى وضوئِهِ يريدُ الصلاةَ ثم غسلَ كفَّيهِ، نزلتْ خطئيتُهُ من كفيه مع أولِ قطرة، فإذا مضمضَ واستنشقَ واستنثرَ نزلتْ

خطيئتُهُ من لسانِهِ وشفتيهِ مع أولِ قطرةٍ، فإذا غسلَ وجهَهُ نزلتْ خطيئتُهُ من سمعِهِ وبصرِهِ مع أولِ قطرة، فإذا غسلَ يديه إلى المرفقينِ ورجليه إلى الكعبينِ سلم من كلِّ ذنبٍ هو له وكان من كلِّ خطيئةٍ كهيئتِهِ يومَ ولدتْهُ أمُّهُ فإذا قامَ إلى الصلاةِ رفعَ اللَّهُ درجتَهُ وإن قعدَ قعدَ سالما".

وفي المعنى أحاديثُ أُخرُ وفيما ذكرناه كفايةً وللَّه الحمدُ والمنة.

ص: 155

وقد وردتِ النصوص أيضًا بحصول الثوابِ على الوضوء وهذا زيادة على

تكفيرِ السيئاتِ، ففي "صحيح مسلم " عن عمرَ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ:"من توضَّأ فاحسنَ الوضوءَ ثم قالَ: أشهدُ أن لا إله إلا اللَهُ وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، فتحتْ له أبوابُ الجنةِ الثمانيةِ يدخلُ من أيِّها شاءَ".

وفيه أيضًا عن أبي هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم يقولُ:

"تبلغُ الحليةُ من المؤمن حيث يبلغُ الوضوءُ".

وفيه أيضًا عن أبي هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:

" أنتم الغر المحجلونَ يومَ القيامةِ من إسباغِ الوضوءِ ".

وخرَّجه البخاريُّ ولفظُهُ:

"إن أمَّتي يُدعون يوم القيامةِ غرًّا محجلينَ من آثارِ الوضوءِ ".

واعلمْ أن حديثَ معاذِ بنِ جبلٍ في المنامِ إنما فيه ذكرُ إسباغ الوضوءِ على

الكريهاتِ: وكذا في حديثِ أبي هريرةَ المبدوءِ بذكرهِ في هذا الفصلِ فههنا

أمرانِ:

أحدهما: إسباغُ الوضوءِ، وهو: إتمامُهُ وإبلاغُهُ مواضِعَهُ الشرعيةَ كالثوبِ

السابِغ المغطي للبدنِ كله. وفي "مسند البزارِ" عن عثمانَ مرفوعًا:

"من توضَّأ فأسبغَ الوضوءَ غفرَ له ما تقدَّم من ذنبهِ وما تأخرَ"

وإسنادُهُ لا بأس به وخرَّجه ابنُ أبي عاصم من وجهٍ آخرَ عن عثمانَ، وخرجَ النسائيُّ وابنُ ماجةَ من حديثِ أبي مالكٍ الأشعريِّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ:

"إسباغُ الوضوءِ شطرُ الإيمانِ "

ص: 156

وخرَّجه "مسلم" ولفظُهُ: "الطهورُ شطرُ الإيمانِ ".

وثانيهما: أن يكونَ إسباغُهُ على الكريهاتِ، والمرادُ أن يكونَ على حالة تكرهُ النفسُ فيها الوضوءَ وقد فُسِّرَ بحال نزول المصائبِ فإن النفسَ حينئذ تطلبُ الجزعَ فالاشتغال عنه بالصبرِ والمبادرةِ إلى الوضوءِ والصلاةِ من علامة الإيمانِ، كما قال عز وجل:(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكبِيرَةٌ إِلَاّ عَلَى الخَاشعِينَ)، وقال تعالى:(يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بْالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللًهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) .

والوضوءُ مفتاح الصلاة وقد يُطفأ به حرارةُ القلبِ الناشئةِ عن ألمِ المصائبِ

كما يُؤمرُ مَنْ غضِبَ بإطفاءِ غضبِهِ بالوضوءِ، وفسرتِ الكريهاتُ بالبردِ الشديدِ ويشهدُ له أنَّ في بعضِ رواياتِ حديثِ معاذ

"إسباغُ الوضوءِ على السبرات "

والسبرةُ: شدةُ البردِ، ولا ريبَ أنَّ إسباغَ الوضوءِ في شدة البردِ يشقُّ على

النفسِ وتتألمُ به، وكلُّ ما يؤلمُ النفسَ ويشقُّ عليها فإنه كفارةَ للذنوبِ وإنْ لم

يكنْ للإنسان فيه صنعٌ ولا تسببٌ، كالمرضِ ونحوِه كما دلتِ النصوصُ

الكثيرةُ على ذلك.

وأما إن كان ناشئًا عن فعلٍ هو طاعةٌ للَّه تعالى، فإنه يكتبُ لصاحبِهِ به

أجرٌ وترفعُ به درجاتُهُ كالألم الحاصلِ للمجاهدِ في سبيلِ اللَّهِ تعالى قال اللَّهَ

عز وجل: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) .

وكذلك ألم الجوع والعطشِ الذي يحصلُ

.

ص: 157

للصائم، فكذا التألمُ بإسباغ الوضوءِ في البردِ، ويجبُ الصبرُ على الألم

بذلك، فإن حصلَ به رضى، فذلك مقامُ خواصِّ العارفين المحبينَ، وينشأ

الرضى بذلكَ عن ملاحظةِ أمورٍ:

أحدها: تَذَكُّرُ فضلِ الوضوءِ من حطِّه الخطايا ورفعِهِ الدرجاتِ، وحصولِ

الغرة والتحجيل به وبلوغ الحليةِ في الجنّة إلى حيث يبلغ، وهذا كما انكسرَ

ظفرُ بعضِ الصالحاتِ من السلفِ من عثرة عثرتْها فضحكتْ وقالتْ: أنسانِي

حلاوةُ ثوابِهِ مرارةَ وجعِهِ.

وقال بعضُ العارفينَ: من لم يعرفْ ثوابَ الأعمالِ

ثقلتْ عليه في جميع الأحوالِ.

الثاني: تَذَكُّرُ ما أعدَّه اللَّه عز وجل لمن عصاهُ من العذابِ بالبردِ والزمهريرِ

في الآخرةِ، فإنَّ شدةَ بردِ الدنيا يذكرُ زمهريرَ جهنم، وفي الحديث الصحيح:"إنَّ أشدَّ ما تجدونَ من البردِ من زمهريرِ جهنَّم "

فملاحظةُ هذا الألم الموعود يهونُ الإحساسَ بألم بردِ الماءِ كما رُوي عن زبيد الياميِّ أنه قام ليلةً للتهجدِ وكان البردُ شديدًا، فلمَّا أدخلَ يده في الإناءِ وجدَ شدةَ بردِهِ فذكرَ زمهرير جهنم، فلم يشْعُر ببردِ الماءِ بعد ذلك، وبقيتْ يدُه في الماءِ حتى أصبح، فقالتْ له جاريتُهُ: مالَكَ لم تصلِّ الليلةَ

كما كنتَ تصلِّي؟

فقال: إني لما وجدتُ شدةَ بردِ الماءِ ذكرتُ زمهريرَ جهنَّم فما شعرتُ به حتىَ أصبحتُ، فلا تخبري بهذا أحدًا ما دمتُ حيًّا.

الثالث: ملاحظةُ جلالِ مَنْ أمرَ بالوضوءِ، ومطالعةُ عظمتِهِ وكبريائهِ، وتذكرُ

التهيئ للقيامِ بين يديه ومناجاتِهِ في الصلاةِ، فذلك يهونُ كلَّ ألمٍ ينالُ العبدَ

ص: 158

في طلبِ مرضاتِهِ من بردِ الماءِ وغير وربَّما لم يشعر بالماءِ بالكليةِ، كما قال

بعضُ العارفين: بالمعرفة هانتْ على العاملينَ العبادةُ قال سعيدُ بنُ عامرِ:

بلغَني أنَّ إبراهيمَ الخليلَ صلى الله عليه وسلم كانَ إذا توضا سُمِعَ لعظامِهِ قعقعةٌ.

وكان علي بن الحسينُ إذا توضأ اصفرَّ، فيقال له: ما هذا الذي يعتريكَ

عندَ الوضوء؛ فيقولُ: أتدرونَ بين يدي منْ أريدُ أن أقومَ له؟.

وكان منصورُ بنُ زاذانَ إذا فرغَ من وضوئِهِ يبكي حتَى يرتفعَ صوتُهُ، فقيلَ

له: ما شأنُك؟

فقالَ: وأيُّ شيءِ أعظم من شأني إني أريد أن أقومَ بين يدي

من لا تأخذُهُ سنةٌ ولا نومٌ، فلعله يرضى عني.

وكان عطاءٌ السلميُّ إذا فرغَ من وضوئِه ارتعد وانتفضَ وبكى بكاءً شديدًا.

فقيلَ له في ذلك، فقال: إني أريدُ أن أتقدًّمَ إلى أمرٍ عظيمٍ، إني أريدُ أن أقومَ

بين يدي اللَّهِ عز وجل.

الرابع: استحضارُ اطلاع اللَّهِ عز وجل على عبده في حالِ العملِ له.

وتحملُ المشاقِ لأجلِهِ فمن تيقنَ أن البلاءَ بعينِ من يحبُّه هانَ عليه الألمُ كما

أشارَ تعالى إلى ذلك بقولِهِ عز وجل لنبيَّه صلى الله عليه وسلم:

(وَاصْبِرْ لِحُكْم رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) .

وقولُهُ تعالى لموسى وهارونَ عليهما السلام:

(لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسمعُ وَأَرَى) .

وقال صلى الله عليه وسلم:

"اعبد الله كأنك تراهُ فإن لم تكنْ تراهُ فإنه يراك "

قال أبو سليمانَ: قرأتُ في بعضِ الكتبِ، يقولُ اللَّهُ عز وجل:

بعيني ما تحمَّلَ المتحملونَ من أجلي، وكابدَ المكابدونَ في طلبِ مرضَاتِي، فكيفَ بهم وقد صارُوا في جوارِي وتبحبَحُوا في رياضِ خلدِي؛ فهنالك فليستبشرِ المصفونَ للَّه أعمالهم بالمنظرِ العجيب من الحبيبِ القريبِ، أترونَ أنَي أضيعُ لهم عملاً؟ فكيف وأنا أجود على الموَلِّين عئي فكيفَ بالمقبلينَ إليَّ.

ص: 159

فإسباغُ الوضوءِ في البردِ لاسيَّما في الليل يطلعُ اللَّهُ عليه ويرضَى به

ويباهي به الملائكةَ، فاستحضارُ ذلك يهونُ ألم بردِ الماءِ.

وفي "المسندِ" و"صحيح ابن حبانَ " عن عقبةَ بنِ عامرٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رجلانِ من أُمَّتي، يقومُ أحدُهُما من الليلِ يعالجُ نفسَهُ إلى الطهورِ وعليه عقدٌ فيتوضأ، فإذا وضَّأ يديه انحلتْ عقدة، وإذا وضأ وجهَهُ انحلتْ عقدة، وإذا مسحَ رأسَهُ انحلتْ عقدة، وإذا وضَّأ رجليه انحلتْ عقدة، فيقول الرب عز وجل للذي وراء الحجابِ: انظرُوا إلى عبدِي هذا يعالجُ نفسَهُ يسألني، ما سألني عبدِي هذا فهو لَهُ "

وذكرَ بقيةَ الحديثِ.

وَرُوي عن عطيةَ عن أبي سعيدٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم:

"إن الله يضحكُ إلى ثلاثةِ نفرٍ، رجل قامَ من جوفِ الليلِ فأحسنَ الطهورَ فصلَّى" وذكر الحديث.

كان بعضُ السلفِ له وِرْدٌ بالليلِ ففترَ عنهُ فهتفَ به هاتفٌ: ينظرُ اللَّه في

الليلِ لما يصنعُ خدامُهُ إذا قامُوا أوحشتهم على الخدمةِ أحكامُهُ.

الخامس: الاستغراقُ في محبةِ من أمرَ بهذه الطاعةِ وأنَّه يرضَى بهَا ويحبُّها.

كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) ، فمن امتلأ

قلبُه من محبةِ اللَّه عز وجل أحبَّ ما يحبُّهُ وإنْ شقَّ على النفسِ وتألَّمتْ به.

كما يُقال: المحبةُ تهونُ الأثقالَ.

وقال بعضُ السلفِ في مرضِهِ: أحبُّه إليَّ أحبُّه إليه.

وكما قيل:

فَمَا لِجُرْح إِذَا أَرْضَاكُم أَلَمٌ

ص: 160

وكما قيل أيضًا:

فِي حبكم يهونُ ماقد ألقَى. . . يسعدُ بالنعيم من لايشقَى

من خدَمَ من يحبُّ تلذذَ بشقائهِ في خدمتهِ.

وقال بعضُهم: القلبُ المحبُّ للَّهِ يحبُّ النصبَ له.

وقالَ عبدُ الصمد: أوجدَ لهم في عذابهِ عذوبةً.

إسباغُ الوضوءِ على المكاره من علاماتِ المحبينَ، كما في كِتابِ "الزهدِ"

للإمامِ أحمدَ عن عطاء بن يسارٍ قال: قال موسى عليه السلام:

"يا ربِّ من أهلُكَ الذينَ هم أهلُكَ الذينَ تظلهم في ظل عرشِكَ؟

قالَ: هم البريئةُ أبدانُهم الطاهرةُ قلوبُهم الذينَ يتحابُّون بجلالي، الذين إذا ذُكرتُ ذُكرُوا بي وإذا ذُكِروا ذكرتُ بذكرِهم، الذينَ يسبغونَ الوضوءَ في المكارهِ وينيبونَ إلى ذكْري كما تنيبُ النسورُ إلى أوكارِها، ويكلفُون بحبِّي كما يكلفُ الصبيّ بحبِ الناسِ ويغضبُونَ لمحارِمي إذا استحلَّت، كما يغضبُ النمرُ إذا حربَ ".

وقد يخرقُ اللَّهُ العادةَ لبعضِ المحبينَ له فلا يجدُ ألمَ بردِ الماءِ، كما كانَ

بعضُ السلفِ قد دعَا اللَّهَ أن يهوِّن عليه الطهورُ في الشتاءِ فكانَ يؤتى بالماء

وله بخارٌ، وربما سُلِبَ بعضهُم الإحساسَ في الحرِّ والبردِ مطلقًا، وكانَ عليُّ

ابنُ أبي طالبٍ رضي الله عنه قد دعَا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يذهبَ اللَّهُ عنه الحرَّ والبردَ فكانَ يلبسُ في الصيفِ لباسَ الشِتَاءِ وفي الشتاءِ لباسَ الصيفِ وقالَ صلى الله عليه وسلم فيه:

"إنه يحبُّ اللهَ ورسولَهُ ويحبُّه اللَهُ ورسولُهُ ".

ورأى أبو سليمانَ الدارانيُّ في طريقِ الحج في شدّةِ بردِ الشتاءِ شيخًا عليه

أخلاقٌ رثةٌ وهو يرشحُ عَرقًا فسألهُ عن حالِهِ فقالَ: إنما الحرُّ والبرد خلقانِ للَّهِ

ص: 161

عز وجل، فإنْ أمرَهما أن يغشياني أصاباني وإن أمرهمَا أن يتركاني تركاني.

وقالَ: أنا في هذِه البريةِ منذُ ثلاثينَ سنة يلبسُني في البردِ فيحًا من محبتِهِ

ويلبسُني في الصيفِ بردًا من محبَّتهِ، وقيَّل لآخرَ وعليه خرقتان في بردٍ شديدٍ

لو استترتْ في موضع يكنُّكَ من البردِ فأنشدَ:

ويحسن ظنّي أنني في فنائهِ. . . وهلْ أحدٌ في كنِّهِ يجد البردَا

السبب الثانِي: من مكفرات الذنوبِ المشيُ على الأقدامِ إلى الجماعاتِ وإلى

الجمعاتِ، ولاسيَّما إن توضًّأ الرجلُ في بيتِهِ ثم خرجَ إلى المسجدِ لا يريدُ

بخروجِه إلا الصلاةَ فيه، كما في "الصحيحينِ " عن أبىِ هريرةَ رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:

"صلاةُ الرجلِ في الجماعةِ تضعفُ على صلاتِهِ في بيتِهِ وفي سوقِهِ

خمسًا وعشرينَ ضعفًا، وذلك أنه إذا توضَّأ فأحسَنَ الوضوءَ، ثم خرجَ إلى المسجدِ لا يخرَّجَهُ إلا الصلاةُ، لم يخط خطوةً إلا رُفِعت له بها درجة وحُطَّ عنه بها خطيئة، فإذا صلَّى لم تزلِ الملائكةُ تصلِّي عليهِ مادام في مصلَاّه، اللَّهم صلِّ عليه اللهم ارحمه، ولا يزالُ أحدُكم في صلاةٍ ما انتظر الصلاةَ".

وفي "صحيح مسلم " عن أبي هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "منْ تطهَّرَ في بيته، ثمَّ مشى إلى بيتٍ من بيوتِ اللَّهِ ليقضِي فريضةً من فرائضِ اللَّهِ، كانتْ خطوتاهُ إحداهُما تحطُّ خطيئةً والأخرى ترفَعُ درجةً"، وفي "الصحيحين " عن أبي هريرةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:"كل خطوة مشيهَا إلى الصلاة صدقة ".

وفي "المسندِ" و "صحيح ابنِ حبانَ " عن عقبةَ بنِ عامرٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذَا تطهرَ الرجلُ ثمَّ أتَى

ص: 162

المسجدَ يرعى الصلاةَ كتبَ له كاتباهُ بكل خطوةٍ يخطوهَا إلى المسجدِ عشرَ حسناتٍ ".

وفيهما أيضًا عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: " من راحَ إلى مسجدِ جماعة فخطوتاهُ خطوة تمحو سيئةً وخطوة تكتبُ حسنةً ذاهبًا وراجعًا"

وفي "سنن أبي داودَ" عن أبي أمامةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "من خرجَ من بيتهِ متطهرًا إلى صلاةٍ مكتوبةٍ فأجرُه كأجرِ الحاجِّ المحرم"

وفيه أيضًا عن رجلٍ من الأنصار عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:

"منْ توضأ فأحسنَ الوضوءَ ثم خرجَ إلى الصلاةِ، لم يرفع قدمَهُ

اليمنى إلا كتبَ اللَّهُ له بها حسنةً، ولم يضعْ قدمَهُ اليُسرى إلا حطَّ اللَّهُ عنه بها خطيئةً، فليقرب أو ليبعد، فإنْ أتَى المسجدَ فصلَّى في جماعةٍ غُفِرَ لهُ " والأحاديث في هذا المعنى كثيرةٌ جدًّا.

فالمشي إلى الجمعاتِ له مزيدُ فضلٍ لاسيَّما إن كانَ بعد الاغتسالِ كما في

"السنن " عن أوسِ بنِ أوسٍ رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:

"من غسَّلَ يومَ الجمعةِ واغتسلَ، وبكَّرَ وابتكَرَ، ومشى ولم يركبْ، ودنا من الإمام واستمعَ ولم يلغُ، كان لهُ بكلِّ خطوةٍ أجرُ سنةٍ صيامُها وقيامُها".

كلما بعُدَ المكانُ الذي يمشي منه إلى المسجدِ كانَ أفضل لكثرةِ الخُطا، وفي

"صحيح مسلم" عن جابرٍ قال: "كانتْ دارُنا نائيةً عن المسجدِ، فأردْنا أن

نبيعَ بيوتنَا فنقرب من المسجدِ، فنهانا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وقال:"إنَ لكم بكلِّ خطوةٍ حسنةً"

ص: 163

وفي "صحيح البخاريِّ " عن أنس أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "يا بني سلمةَ ألا تحتسبونَ آثارَكم".

وفي "الصحيحينِ " عن أبي موسى أنَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:

"إنَّ أعظمَ الناسِ أجرًا في الصلاةِ أبعدُهمُ إليها ممشى فأبعدُهم ".

ومع هذا فنفسُ الدارِ القريبة من المسجدِ أفضلُ من الدارِ البعيدةِ عنه، لكنَّ المشي من الدار البعيدةِ أفضلُ، ففي "المسندِ" عن حذيفةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:

"فضلُ الدارِ القريبةِ من المسجدِ على الدارِ البعيدةِ الشاسعةِ، كفضلِ الغازي على القاعدِ" وإسنادُه منقطعٌ.

والمشيُّ إلى المسجدِ أفضلُ من الركوبِ كما تقدَّم في حديثِ أوسٍ في

الجمع، ولهذا جاءَ في حديثِ معاذٍ ذكرُ المشي على الأقدامِ، وكادَ النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرجُ إلى الصلاة إلا ماشيًا حتَّى العيد يخرجُ إلى المصلَّى ماشيًا، فإنَّ الآتي للمسجدِ زائرُ اللَّهِ، والزيارةُ على الأقدامِ أقربُ إلى الخضوع والتذللِ، كما قِيل:

لو جئتكم زائرًا أسْعى على بصرِي. . . لم أؤدَ حقا وأيَّ الحق أديتُ

وفي "صحيح البخاريِّ " عن أبي هريرةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:

"من غدا إلى المسجدِ أو راحَ، أعدَّ اللَّهُ له نزلاً في الجنةِ كلَّما غدا أو راحَ " والنزلُ هو ما يعدُّ للزائرِ عندَ قدومهِ.

وفي الطبراني من حديثِ سلمانَ مرفوعًا:

"من توضَّأ في بيتهِ فأحسنَ الوضوء ثمَ أتى المسجدَ فهو زائرُ اللَّهِ تعالي وحقّ على المزورِ أن يكرمَ الزائرَ"

ص: 164

وفي "صحيح مسلم " عن أبيِّ بن كعبٍ قال: كانَ رجل لا أعلمُ رجلاً أبعدَ

من المسجدِ منهُ وكانَ لا تخطئُهُ صلاةٌ في المسجدِ، قالَ: فقيل له: أو قلت

لهُ: لو اشتريتَ حمارًا تركبُه في الظلماءِ أو في الرمضاء فقال: ما يسرّني أن

منزلي إلى جنبِ المسجدِ، إني أريدُ أنْ يكتبَ لي ممشاي إلى المسجدِ.

ورجوعي إذا رجعتُ إلى أهلي، فقال: رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

"قد جمعَ اللَّهُ لكَ ذلك كلَّه ".

وكلما شقَّ المشيُ إلى المسجدِ كانَ أفضل ولهذا فُضِّلَ المشي إلى صلاةِ

العشاءِ وصلاةِ الصبح وعدلَ بقيامِ الليلِ كله كما في "صحيح مسلمٍ " عن

عثمانَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:

"من صلى العشاءَ في جماعة فكأنَّما قامَ نصفَ الليل.

ومن صلي الصبح في جماعةٍ فكأنما قامَ الليلَ ".

وفي "الصحيحينِ " عن أبي هريرةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:

"أثقلُ صلاةٍ على المنافقينَ صلاةُ العشاءِ وصلاةُ الفجرِ، ولو

يعلمونَ ما فيهمَا لأتوهُما ولو حبوًا".

وإنما ثقلتْ هاتان الصلاتانِ على المنافقينَ لأنَّ المنافقَ لا ينشطُ للصلاةِ إلا إذا

رآهُ الناسُ، كما قالَ تعالى:(وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كسَالَى يرَاءُونَ الناسَ وَلا يَذْكرُونَ اللهَ إِلَاّ قَلِيلاً) .

وصلاة العشاءِ والصبحِ يقعان في ظلمةٍ فلا ينشطُ للمشي إليهما إلا كلُّ مخلص يكتفي برؤيةِ اللَّهِ عز وجل وحده لعلمِهِ

وثوابُ المشي إلي الصلاة في الظُّلَمِ النورُ التامُّ في ظُلَم القيامةِ، كما في

ص: 165

"سنن أبي داودَ"، والترمذي عن بريدةَ عنَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:

" بشِّر المشائينَ في الظل إلي المساجدِ بالنورِ التامِّ يومَ القيامةِ "

وخرَّجهُ ابنُ ماجة من حديثِ سهلِ بن سعدٍ، وقد رُوي من وجوه كثيره. وفي بعضهَا زيادةٌ "يفزعُ النَّاس ولا يفزعونَ "

قال النخعيُّ: وكانُوا يرونَ أنَّ المشيَ في الليلةِ الظلماء إلى الصلاة

موجبةٌ - يعني: توجبُ المغفرةَ.

وروينا عن الحسنِ قالَ: أهلُ التوحيدِ في النار لا يقيدونَ فيقولُ الخزنةُ

بعضُهم لبعضٍ: ما بالُ هؤلاءِ لا يُقيَّدون، وهؤلاءِ يُقيَّدون؟

فينادِيهم مُنادٍ: إنَّ هؤلاءِ كانوا يمشونَ في ظُلَم الليل إلى المساجدِ، كما أنَّ مواضعَ السجودِ من عصاةِ الموحدينَ في النارِ لا تأكلهَا النَّارُ، فكذلك الأقدامُ التي تمشي إلى المساجدِ في الظلم لا تقيدُ في النار.

ولا يسوِّي في العذابِ بينَ من خدمَهُ وبين من لم يخدِمه وإن عذَّبه.

ومن كانَ في سخطهِ محسنًا. . . فكيف يكونُ إذا ما رضِي

لمَّا كانتِ الصلاةُ صلةً بين العبدِ وبينَ ربَه، ومناجاةً تظهرُ فيها آثارُ تحلِّيهِ

لقلوبِ العارفينَ وقربِهِ شرعَ قبلَ الدخولِ فيها الطهارةُ، فإنَّه لا يصلحُ للوقوفِ بين يدي اللَّه عز وجل والخلوةِ بمناجاتِهِ إلا طاهرٌ، فأمَّا المتلوثُ بالأوساخ الظاهرةِ والباطنةِ فلا يصلحُ للقربِ، فشرعَ اللَّهُ عز وجل للمصلِّي غسلَ أعضائِهِ بالماءِ ورتبَ عليها طهارةً ظاهرةً وباطنةً، ثمَّ شرعَ المشي إلى المساجدِ.

وفيه أيضًا تكفيرُ الخطايا حتَّى تكملَ طهارةُ الذنوبِ إن بقي منها شيءٌ بعد

الوضوءِ حتَّى لا يقفَ العبدُ في مقامِ المناجاةِ إلا بعدَ كمالِ طهارةٍ ظاهرةٍ

ص: 166

وباطنة من درنِ الأوساخ والذنوبِ، ولهذا شَرعَ لهُ تجديدَ التوبة والاستغفارَ

عقب وضوءٍ حتَّى تكملَ طهارةُ ذنوبهِ، كما خرَّج النسائيُّ من حديثِ

أبي سعيدٍ مرفوعًا وموقوفًا:

"من توضَّا فأسبغَ الوضوءَ ثمَّ قالَ عندَ فراغِه من وضوئه: سبحانكَ اللهمَّ وبحمدكَ أستغفرُكَ وأتوبُ إليكُ، ختمَ عليها بخاتمٍ فوضعتْ

تحتَ العرشِ فلم تُكسرْ إلى يوم القيامةِ".

ومتى اجتهدَ العبدُ على تكميلِ طهارتهِ ومشيهِ إلى المسجدِ ولم يقوَ ذلكَ

على تكفير ذنوبهِ، فإنَّ الصلاةَ يكملُ بها التكفيرُ، كما في "الصحيحينِ "

عن أبي هريرةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ:

"أرأيتُم لو أنَّ نهرًا ببابِ أحدكُم يغتسلُ فيه كلَّ يومٍ خمسَ مراتٍ، هل يبقى من درنهِ شيء؟ "

قالوا: لايبقى من درنهِ شيءٌ، قال:

"فذلكَ مثلُ الصلواتِ الخمس يمحو اللَّهُ بهنَّ الخطايا".

وإنْ قويَ الوضوءُ وحدهُ على تكفيرِ الخطايا، فالمشيُ إلى المسجدِ والصلاةُ

بعده تكونُ زيادةُ حسناتٍ وهذا هو المرادُ من قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في حديث عثمانَ والصنابحي "وكان مشيهُ إلى المسجدِ وصلاتُه نافلةً"، وقد سبقَ ذكرُ الحديثين.

واعلم أنَّ جمهورَ العلماءِ على أنَّ هذهِ الأسبابَ كلَّها إنما تكفَر الصغائرَ

دونَ الكبائرِ وقد استدلَّ بذلكَ عطاءٌ وغيرهُ من السلفِ في الوضوءِ، وقال

سلمانُ الفارسيُّ رضي الله عنه: الوضوءُ يكفِّرُ الجراحاتِ الصغارَ، والمشيُ إلى المسجدِ يكفِّرُ أكثرَ من ذلكَ والصلاة تكفر أكثر من ذلك.

خرَّجهُ محمدُ بن نصر المروزيُّ، ويدل على أنَّ الكبائرَ لا تكفَّرُ بذلكَ ما في "الصحيحينِ " عن أبي هريرةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:

ص: 167

"الصلواتُ الخمسُ والجمعةُ إلى الجمعةِ ورمضانُ إلي

رمضانَ، مكفراتٌ لما بينهن إذا اجتنبتِ الكبائرُ".

وفي "صحيح مسلم " عن عثمانَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "ما من امرئٍ مسلمٍ تحضُرهُ صلاة مكتوبة فيحسنُ وضوءها وخشوعَها وركوعَها وسجودَها، إلا كانتْ كفارةً لما قبلَها من الذنوبِ ما لم تؤتَ كبيرة وذلكَ الدهرَ كلَّهُ ".

فانظرْ إلى كم تيسرَ لك أسبابُ تكفيرِ الخطايا لعلكَ تُطهَّرُ منها قبلَ الموتِ

فتلقاهُ طاهرًا فتصلحُ لمجاورتِهِ في دارِ السلام، وأنتَ تأبى إلا أن تموتَ على

خبثِ الذنوبِ فتحتاجُ إلى تطهيرها في كيرِ جهنَّم، يا هذا أما علمتَ أنه لا

يصلحُ لقربنا إلا طاهر، فإذا أردت قربَنا ومناجاتِنا اليومَ فطهِّر ظاهرَكَ وباطنَكَ لتصلُحَ لذلكَ، وإن أردتَ قربَنا ومناجاتِنَا غدًا فطهِّرْ قلبك من سوانَا لتصلحَ لمجاورتنَا (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) .

والقلبُ السليمُ الذي ليسَ فيه غيرُ محبةِ اللَّهِ ومحبَّةِ ما يحبّه اللَّهُ

"إن اللهَ طيبٌ لا يقبلُ إلا طيبًا"

فما كلُّ أحدٍ يصلُح لمجاورةِ اللَّهِ تعالى غدًا، ولا كل عبدٍ يصلحُ لمناجاةِ اللَّهِ اليوم ولا على كلِّ الحالات تحسنُ المناجاةُ.

الناسُ من الهوَى علَى أصنافِ. . . هذا نَقِضُ العهدِ وهذا وافي

هيهاتَ من الكدورِ تبغي الصافي. . . ما يصلحُ للحضرةِ قلبٌ جَافي

السبب الثالث: من مكفراتِ الذنوبِ الجلوسُ في المساجدِ بعد الصلواتِ.

والمراد بهذا الجلوسِ انتظارُ صلاة أخرى كما في حديثِ أبي هريرةَ "وانتظارُ

ص: 168

الصلاة بعد الصلاةِ فذلكُمُ الرباطُ فذلكُمُ الرباطُ "

فجعل هذا من الرباطِ في سبيلِ اللَّه عز وجل، وهذا أفضلُ من الجلوسِ قبلَ الصلاةِ لانتظارهَا، فإنَّ الجالسَ لانتظارِ الصلاةِ ليؤدِّيها ثم يذهبُ تقصُرُ مدةُ انتظاره بخلافِ من صلَّى صلاةً ثمَّ جلسَ ينتظرُ أخرى فإنَّ مدَّتَهُ تطولُ فإن كانَ كلما صلَّي صلاةً جلسَ ينتظرُ ما بعَدهَا استغرقَ عمرَهُ بالطاعةِ وكانَ ذلكَْ بمنزلةِ الرباطِ في سبيلِ اللَّه عز وجل.

وفي "المسندِ"، و"سنن ابنِ ماجةَ " عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو رضي الله عنهما قالَ: "صلَّيتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغربَ فرجعَ منْ رجعَ وعقبَ من عقبَ، فجاءَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مسرعًا قد حفزهُ النفَسُ وقد حسر عن ركبتيهِ فقالَ:

"أبشرُوا هذا ربُّكم قد فتحَ بابا من أبواب السماءِ، يباهِي بكُمُ الملائكةَ، يقولُ: انظُروا إلي عبادِي قد قضَوا فريضة وهم ينتظرونَ أُخري ".

وفي "المسندِ" عن أبي هريرةَ عن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:

"منتظرُ الصلاةِ بعدَ الصلاةِ كفارسٍ اشتدَّ به فرسُهُ في سبيلِ الله على كشحِهِ تصلِّي عليهِ ملائكةُ الله ما لم يحدثْ أو يقوم، وهو في الرباط الأكبر ".

ويدخلُ في قولهِ: "والجلوسُ في المساجدِ بعدَ الصلواتِ "

الجلوسُ للذكرِ والقراءةِ وسماع العلم وتعليمهِ ونحو ذلكَ لاسيَّما بعدَ صلاة الصبح حتى تطلعَ الشمسُ؛ فإنَّ النصوصَ قد وردتْ بفضلِ ذلكَ، وهو شبيه بمن جلسَ ينتظرُ صلاةً أخرى، لأنهَّ قد قضى ما جاءَ إلى المسجدِ لأجلِهِ من الصلاةِ وجلسَ ينتظر طاعةً أخرى.

وفي "الصحيح " عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:

"ما اجتمعَ قوم في بيتٍ

ص: 169

من بيوتِ اللَّه تعالى يتلونَ كتاب اللَّه، ويتدارسونَهُ بينَهُم، إلَاّ نزلتْ عليهم السكينةُ، وغشيتهُم الرحمةُ، وحفتهُمُ الملائكةُ، وذكرهُمُ اللَهُ فيمنْ عندَهُ ".

وأما الجالسُ قبلَ الصلاةِ في المسجدِ لانتظار تلكَ الصلاةِ خاصةً فهو في

صلاةٍ حتَّى يصلِّي.

وفي "الصحيحينِ " عن أنسٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم

"أنه لما أخَّرَ صلاةَ العشاءِ الآخِرةَ، ثمَّ خرج فصلَّى بهم، قالَ لهم:

"إنكم لم تزالُوا في صلاةٍ ما انتظرتُمُ الصلاةَ ".

وفيهما أيضًا عن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "الملائكةُ تصلِّي على أحدِكم ما دام في مصلاه ما لم يحدثْ، اللهم اغفرْ لهُ اللهم ارحمْهُ، ولا يزال أحدُكم في صلاةٍ ما كانتِ الصلاةُ تحبسُهُ لا يمنعهُ أن ينقلبَ إلى أهله إلا الصلاةُ"

وفي روايةٍ لمسلمِ

"ما لم يؤذِ فيه ما لم يحدِثْ فيهِ ".

وهذا يدلُّ على أنَّ المرادَ بالحدثِ حدثُ اللسانِ ونحوِه من الأذَى، وفسرهُ

أبو هريرةَ بحدثِ الفرج، وقيلَ: إنه يشملُ الحدثينِ.

وفي "المسندِ" عن عقبةَ بن عامرٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "القاعدُ يراعي الصلاةَ كالقانت ويكتُب من المصلينَ من حين يخرجُ من بيتِهِ حتَّى يرجعَ إليه "

وفي روايةٍ له:

"فإذا صَلَّى في المسجد ثم قعدَ فيه كانَ كالصائم القانتِ حتَى يرجع ".

وفي هذا المعنى أحاديثُ كثيرةٌ، وبالجملةِ فالجلوسُ في المساجدِ للطاعاتِ له

فضلٌ عظيمٌ.

ص: 170

وفي حديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:

"لا يوطِّن رجل المساجدَ للصلاةِ والذكر إلا تبشبش اللَّهُ عز وجل به كما يتبشبشُ أهلُ الغائب إذا قدمَ عليهم غائبُهُم ".

ورَوى دراجٌ عن أبي الهيثم عن أبي سعيدٍ عن النبيًّ صلى الله عليه وسلم قال:

"من ألِفَ المسجدَ ألِفَهُ اللَّه ".

وقال سعيدُ بنُ المسيبِ: من جلسَ في المسجدِ فإنَّما يجالسُ اللَّه عز

وجلَ.

وصحَّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه عدَّ من السبعةِ الذينَ يظلُّهُمُ اللَّه في ظلَّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه رجلٌ قلبُهُ معلَّق بالمسجدِ إذا خرجَ منه حتى يعودَ إليه.

وإنَّما كانتْ ملازمةُ المسجدِ للطاعاتِ مكفرةً للذنوبِ؛ لأنَّ فيها مجاهدةَ

النفسِ وكفًّا لها عن أهوائِها؛ فإنها لا تميلُ إلا إلى الانتشار في الأرضِ لابتغِاء

الكسب؛ أو لمجالسةِ الناس، أو لمحادثتهم، أو للتنزه في الدور الأنيقةِ

والمساكنِ الحسنةِ ومواطنِ النزهِ، ونحو ذلكَ.

فمن حبسَ نفسَهُ في المساجدِ على الطاعةِ فهوَ مرابطٌ لها في سبيلِ اللَّه مخالِفٌ لهواهَا، وذلكَ من أفضلِ أنواع الصبرِ والجهادِ.

وهذا الجنسُ - أعني ما يؤلمُ النفسَ ويخالفُ هواهَا - فيه كفارةٌ للذنوبِ

وإنْ كانَ لا صنعَ فيه للعبدِ كالمرضِ ونحوِه فكيفَ بما كانَ حاصِلاً عن فعلِ

العبدِ واختياره إذا قصدَ به التقربَ إلي اللَّه عز وجل، فإنَّ هذا من نوع الجهادِ في سبيلِ اللَّه الذي يقتضِي تكفيرَ الذنوبِ كلها ولهذا المعنى كانَ المشيُ إلى

ص: 171

المساجدِ كفارةً للذنوبِ أيضًا هو نوعٌ منَ الجهادِ في سبيلِ اللَّه أيضًا، كما

خرَّجَهُ الطبرانيّ من حديثِ أبي أمامةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم

" الغدو والرواح إلي المساجد من الجهادِ في سبيلِ اللهِ عز وجل ".

كان زياد مولَى ابن عباس أحد العبادِ الصالحينَ، وكانَ يلازمُ مسجدَ المدينةِ

فسمعوهُ يومًا يعاتب نفسَهُ ويقولُ لها: أين تريدينَ أنْ تذهِبي، إلي أحسنَ من

هذا المسجدِ؛ تريدينَ أن تبصرِي دارَ فلانِ ودار فلانِ.

لما كانت المساجد في الأرضِ بيوتَ الله أضافَها اللَهُ إلى نفسِه تشريفًا لها

وتعلقتْ قلوبُ المحبينَ للَّهِ عز وجل بها لنسبتها إلي محبوبِهِم، وارتاحتْ إلى

ملازمِتها لإظهارِ ذكرهِ فيها، قالَ تعالى:

(فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) .

أين يذهبُ المحبونَ عن بيوتِ مولاهُم؛ قلوبُ المحبينَ ببيوتِ محبوبهِم

متعلقةٌ، وأقدامُ العابدينَ إلي بيوتِ معبودِهم مترددةٌ.

يا حبذَا العرعرُ النًجدي والبانُ. . . ودارُ قوم بأكناف الحِمى بانُوا

وأطيبُ الأرضِ ما للقلبِ فيه هوى. . . سَمُّ الخياطِ مع الأحبابِ ميدانُ

لا يُذْكرُ الرَّملُ إلا حنَّ مغتربٌ. . . له بذي الرمل أوطارٌ وأوطانُ

يهفُو إلى البانِ من قلبي نوازعهُ. . . وما بي البانُ بل مَنْ دارُه البانُ

ص: 172

الفصل الثاني في ذكرِ الدرجاتِ المذكورة في حديثِ معاذٍ:

وهي ثلاثٌ:

أحدها: إطعامُ الطعامِ وقد جعلَهَ اللَّه في كتابهِ من الأسبابِ الموجبِة للجنةِ

ونعيمِهَا، قالَ اللَّهُ عز وجل:(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18) .

إلى قولهِ: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) .

فوصفَ فاكهتَهُم وشرابَهُم جزاء لإطعامِهِمُ الطعامَ.

وفي الترمذيِّ من حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "أيما مؤمن أطعمَ مؤمنًا على جوع، أطعمَهُ اللَّهُ منْ ثمارِ الجنة، ومنْ سقى مؤمنًا على ظمإٍ سقاهُ اللَّهُ من الرحيقِ المختوم"

وفي "المسندِ" و "الترمذيِّ" عن علي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ في الجنةِ غرفا يُرى ظاهُرها من باطِنِها وباطنُها من ظاهرِهَا، قالوا: لمن هيَ يا رسولَ اللَّهِ؟

قالَ: لمن أطعمَ الطعامَ، وأطابَ الكلامَ، وصلَّي بالليلِ والناسُ نيامُ ".

وفي حديثِ عبدِ اللَّه بنِ سلامٍ الذي خرَّجهُ أهلُ السنن أنه سمعَ النبيَّ

صلى الله عليه وسلم أولَ قدومِهِ المدينةَ يقولُ: "أيها الناسُ، أفشوا السلامَ، وأطعمُوا الطعامَ، وصِلوا الأرحامَ،

ص: 173

وصلُّوا بالليل والناسُ نيام تدخلُوا الجنةَ بسلامٍ ".

وفي حديث عبادةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "أنه سُئلَ أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟

قال: " إيمان باللهِ وجهاد في سبيله وحجّ مبرورٌ، وأهونُ من ذلكَ إطعامُ الطعام ولينُ الكلامِ "

خرَّجهُ الإمامُ أحمد.

وفي حديثِ هانئ بن يزيد أنَ رجلاً قال: يارسولَ اللَّه، دلَّني على عملٍ

يدخلني الجنةَ ويباعدُني من النارِ، قال:

" تطعم الطعامَ وتفشِي السلامَ ".

وفي حديثِ حُذيفةَ عن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:

"من خُتم لهُ بإطعام مسكينٍ دخلَ الجنةَ".

وفي "الصحيحين " من حديثِ عبد اللَّهِ بن عمروٍ أنَّ رجلاً قالَ:

يا رسولَ الله، أيُّ الإسلامِ خير؟

قالَ: "تطعمُ الطعامَ وتقرئُ السلامَ على من عرفتَ ومن لم تعرفْ ".

وفي حديث صهيبٍ عن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ:

"خيرُكم من أطعمَ الطعامَ "

خرَّجهُ الإمامُ أحمد.

فإطعامُ الطعامِ يوجبُ دخولَ الجنةِ، ويباعدُ من النارِ، وينجي منها كما قالَ

تعالى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) .

ص: 174

وفي الحديثْ الصحيح عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم:

"اتقوا النار ولو بشقِّ تمرةٍ"

وكان أبو موسى الأشعريُّ رضي الله عنه يقولُ لولدِهِ: اذكرُوا صاحبَ الرغيفِ، ثم ذكرَ أنَّ رجلاً من بني إسرائيلَ عبدَ اللَّهَ سبعينَ سنةً ثمَّ إنَّ الشيطانَ حسَّنَ في عينيهِ امرأةً فأقامَ معها سبعةَ أيامٍ ثمَّ خرجَ هارباً فأقامَ مع مساكينَ فتُصُدِّقَ عليهِ برغيفٍ، كان بعضُ أولئكَ المساكين يريدهُ فآثره بهِ ثم ماتَ، فوزِنَ عبادتُهُ بالسبعةِ الأيام التي مع المرأةِ فرجحتِ الأيامُ السبعةُ بعبادَتِهِ، ثم وزنَ الرغيفُ بالسبعةِ الأيامِ فرجحَ بها.

ويتأكدُ إطعامُ الطعامِ للجائع وللجيرانِ خصوصًا، وفي "الصحيح " عن

أبي موسى الأشعريِّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ:

"أطعموا الجائعَ وعودُوا المريضَ وفكُّوا العاني ".

وفي "صحيح مسلم" عن أبي ذرٍّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال لهُ: "إذا طبختَ مرقةً فأكثرْ ماءها وتعاهدْ جيرانَكَ ".

وفي المسندِ، وصحيح ابن حِبانَ عن عمرَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أيُّما عرصةٍ أصبحَ فيهم امرؤ جائعًا، فقد برئتْ منهم ذمةُ اللَّه عز وجل ".

وقال صلى الله عليه وسلم:

" لا يشبعُ المؤمنُ دونَ جاره ".

وفي "صحيح الحاكم " عن ابن عباس عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "ليسَ بالمؤمنِ الذي يشبعُ وجارُه جائغ "

وفي رواية: "ما آمن من بات شبعانا وجاره طاويًا ".

فأفضلُ أنواع إطعامِ الطعامِ الإيثارُ مع الحاجةِ كما وصفَ اللَهُ تعالى

ص: 175

بذلكَ الأنصارَ رضي الله عنهم فقال:

(وَيُؤْثِرونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهم خَصَاصَة)

وقدْ صحَّ أنَّ سبَب نزولها أنَّ رجلاً منهم أخذ ضيفاً من عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم يضيفُه فلم يجدْ عندَهُ إلا قوتَ صبيانِهِ، فاحتالَ هوَ وامرأتُهُ حتَّى نوَّما صبيانَهُمَا وقامَ إلى السراج كأنه يصلحُهُ فأطفأهُ، ثم جلسَ مع الضيفِ يريهِ أنه يأكلُ معهُ ولم يأكلْ فلما غدًا على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال لهُ:

"عجبَ اللَّهُ من صنيعِكُما الليلةَ"

ونزلتْ هذه الآيةُ.

وكان كثيرٌ من السلفِ يؤثرُ بفطورِه غيرَه وهو صائمٌ ويصبحُ صائمًا.

منهم عبدُ اللَّه بنُ عمرَ رضي الله عنهما، وداودُ الطائيُّ، وعبدُ العزيز بنُ سليمانَ، ومالك بنُ دينارٍ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وغيرُهم، وكان ابنُ عمرَ لا يفطرُ إلا مع اليتامَى والمساكينِ وربما عَلمَ أن أهلَهُ قد ردُّوهم عنه فلم يفطرْ تلكَ الليلةَ.

ومنهم من كانَ لا يأكلُ إلا مع ضيفٍ له.

قال أبو السوارِ العدويُّ: كانَ رجالاً من بني عدي يصلُّون في المسجدِ ما أفطرَ أحدٌ منهُم على طعامٍ قط وحدَهُ، إن وجدَ من يأكلُ معه أكلَ، وإلا أخرجَ طعامَهُ إلى المسجدِ فأكلهُ مع الناسِ وأكلَ الناسُ معهُ.

وكانَ منهُم من يطعمُ إخوانهُ الطعامَ وهو صائم ويجلسُ يخدمهُم.

ويروحهُم، منهمُ الحسنُ، وابنُ المباركِ، وكان ابنُ المباركِ ربما يشتهي الشيءَ فلا يصنعُهُ إلا لضيفٍ ينزلُ به فيأكلُهُ مع ضيفِهِ، وكانَ كثير منهُم يفضلُ إطعامَ الإخوانِ على الصدقةِ على المساكينِ.

وقد رُويَ هذا المعنى مرفوعًا من حديث أنسٍ بإسنادٍ ضعيفٍ، ولاسيَّما إن كان الإخوانُ لا يجدونَ مثل ذلكَ الطعامِ.

كانَ بعضُهم يعملُ الأطعمةَ الفاخرةَ ثم يطعمُها إخوانَهُ الفقراءَ ويقولُ: إنهم

ص: 176

لا يجدونَها، وبعضُهم يُصنَعُ له طعامٌ ولا يأكلُ ويقولُ: إني لا أشتهيهِ وإنما

صنعتُهُ لأجلِكمُ، وبعضُهم اتخذَ حلاوةً فأطعمَهُا المعتوهَ، فقالَ له أهلهُ: إن هذا لا يدري ما يأكلُ، فقال: لكن اللَّهَ يدرِي.

واشتَهى الربيعُ بنُ خثيم حلواءَ، فلما صنعتْ لهُ دعَا بالفقراءِ فأكلُوا، فقالَ

له أهلُه: أتعبتَنا ولم تأكل، فقالَ: ومن أكلَهُ غيرِي، وقالَ آخرُ منهُم وجَرَى له نحوٌ من ذلكَ: إذا أكلتُهُ كانَ في الحشِّ وإذا أطعمتُهُ كانَ عندَ اللهِ مدخوراً.

ورُوي عن علي قالَ: لأنْ أجمعَ أناسًا من إخواني على صاع من طعامٍ

أحب إليَّ من أن أدخلَ سوقكُم هذه فابتاعُ نسمةً فأعتقُها.

وعن أبي جعفرٍ محمد بن على قالَ: لأن أدْعُو عشرةً من أصحابي

فأطعمهُمُ طعامًا يشتهونَهُ، أحبَّ إليَّ منْ أن أعتقَ عشرةً من ولد إسماعيل.

أأصفُ الإيثارَ لمن يبخلُ بأداء الحقوقِ الواجبةِ عليهِ، أأطلبُ الشجاعةَ من

الجبانِ، وأستشهِدُ على رؤيةِ الهلالِ من هوَ من جملةِ العميانِ، كم بينَ من

قيلَ فيه: (فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ)، وبين من قيلَ فيهِ: (وَيؤْثِرُونَ

عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) .

بيننا وبين القومِ كما بينَ اليقظةِ والنوم.

لا تعرضنَّ لذكرِنَا في ذكرِهِم. . . ليسَ الصحيحُ إذا مشىَ كالمقعدِ

فيا من يطمعُ في علوّ الدرجاتِ من غيرِ عمل صالح هيهاتَ هيهاتَ

(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) .

نزلواُ بمكةَ في قبائل نوفلٍ. . . ونزلت بالبيداءِ أبعدَ منزلِ

الفصل الثالث من الدرجاتِ: لينُ الكلامِ وفي رواية: "إفشاءُ السلام " وهو

ص: 177

داخل في لينِ الكلامِ، وقد قالَ اللَهُ عز وجل:(وَقُولُوا لِلناسِ حُسْنًا) .

وقال تعالى: (وَقُل لِعِبَادِي يَقُولوا التِي هِيَ أَحْسَنُ) .

وقالَ تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) .

وقالَ تعالى: (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) .

وقالَ تعالى: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) .

ولما قالَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم:

"الحجُّ المبرورُ ليسَ له جزاء إلا الجنةَ، قالوا له: وما الحج المبرورُ يا رسول اللَّه؟

قال: إطعامُ الطعام ولينُ الكلام "

خرَّجهُ الإمامُ أحمد، وقد تقدَّم في ذكر إطعامِ الطعامِ

أحاديثُ أخرُ في طيبِ الكلامِ.

وفي الحديث الصحيح عن النبيَّ صلى الله عليه وسلم

"والكلمةُ الطيبةُ صدقة "

وفيه أيضًا اتقوا النارَ ولو بشقِّ تمرةِ فمن لم يجدْ فبكلمةِ طيبةٍ،.

وأما كونُ إفشاء السلامِ من موجباتِ الجنةِ ففي "صحيح مسلم"

عن أبي هريرةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:

"والذي نفسي بيدِهِ لا تدخلُوا الجنةَ حتى تؤمنُوا ولا تؤمنُوا

حتى تحابَّوا ألا أدلُّكُم على شيء إذا فعلتُمُوه تحاببتُم

أفشوا السلامَ فيما بينَكُم "

وخرَّجَ أبو داود من حديثِ أبي أُمامةَ عن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إنَّ أوْلَى الناسِ باللَّهِ تعالي منْ بدأهُم بالسلامِ.

ويُروَي من حديثِ ابن مسعود مرفوعًا وموقوفًا

"إذا مرَّ الرجلُ بالقوم فسلَّم عليهِم فردُّوا عليهِ كانَ لهُ عليهِم فضلُ درجة، لأنَّه ذكَّرهُم بالسلامِ، وإن لم يردُّوا عليهِ ردَّ عليهِ ملأٌ خيرٌ منهُم وأطيبُ،.

ص: 178

وقد رُويَ من حديثِ عمرانَ بن حصينٍ وغيرِه "أنَّ رجلاً دخلَ على النبيِّ

صلى الله عليه وسلم فقاَلَ: السلامُ عليكم، فقالَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم:"عشر"، ثم جاءَ آخرُ فقالَ: السلامُ عليكُم ورحمةُ اللَّهِ، فقالَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "عشرونَ ".

ثم جاءَ آخرُ فقال: السلامُ عليكُم ورحمةُ اللَّهِ وبركاتهُ، فقالَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم "ثلاثون "

خرَّجهُ الترمذيُّ وغيرُه، وخرَّجهُ أبو داود وزادَ

"ثمَ جاءَ آخرُ فقالَ: السلامُ عليكُم ورحمةُ اللَّهِ وبركاتهُ ومغفرتهُ، فقالَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم "أربعون "، ثم قالَ: "هكذا تكون الفضائل ".

وقد سبقَ حديثُ

"أنْ تقرأ السلامَ على من عرفتَ ومن لم تعرفْ "

وفي حديثِ ابن مسعود مرفوعًا

"من أشراطِ الساعةِ السلامُ بالمعرفةِ "

خرَّجهُ الإمامُ أحمد.

وإنما جمعَ بينَ إطعامِ الطعامِ ولين الكلامِ ليكملَ بذلكَ الإحسانُ إلى الخلقِ

بالقولِ والفعلِ فلا يتمُّ الإحسانُ بإطعامِ الطعامِ إلا بلينِ الكلامِْ وإفشاءِ

السلامِ، فإنْ أساءَ بالقولِ بطلَ الإحسانُ بالفعلِ من الإطعامِ وغيرِه كما قالَ اللَّهُ تعالي:(يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى) .

وربما كانَ معاملةُ الناسِ بالقولِ الحسنِ أحبَّ إليهم من إطعامِ الطعامِ

والإحسانِ بإعطاءِ المال، كما قالَ لقمانُ لابنهِ: يا بنيَّ لأن تكنْ كلمتُكَ طيبةً

ووجهُكَ منبسطَا تكنْ أحبَّ إلى الناسِ ممن يعطِيهِم الذهبَ والفضةَ، وقد كانَ

النبيُّ صلى الله عليه وسلم يلينُ القولَ حتى لمن يشهدُ له بالشر فينتفي بذلكَ شرُّهُ، وكانَ صلى الله عليه وسلم لايواجهُ أحدًا بما يكرهُ في وجهِهِ ولم يكنْ صلى الله عليه وسلم فحاشًا ولا متفحشًا.

ورُويَ عن ابن عمرَ أنَّه كانَ ينشدُ:

ص: 179

بنيَّ إن البرَّ شيءٌ هينُ. . . وجهٌ طليقٌ وكلامٌ لينُ

ولبعضهِم:

خذِ العفوَ وأمرْ بعرفٍ كَما. . . أُمرْتَ وأعرضْ عن الجاهلينَ

ولِنْ في الكلامِ لكلَّ الأنامِ. . . فمستحسن من ذوي الجاهِ لينِ

وقد وصفَ اللَّهُ عز وجل في كتابِهِ أهلَ الجنةِ بمعاملة الخلقِ بالإحسانِ بالمالِ

واحتمالِ الأَذَي فقالَ تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) .

فالإنفاقُ في السراءِ والضراءِ يقتضي غاية الإحسان بالمالِ من الكثرةِ والقلَّة، وكظم الغيظ والعفوِ عن الناسِ يقتضِي عدمَ المقابلةِ على السيئةِ من قولٍ وفعلٍ وذلك يتضمنُ إلانةَ القولِ واجتنابَ الفحشِ والإغلاظَ في المقالِ، ولو كانَ مباحًا، وهذا نهايةُ الإحسانِ فلهذا قالَ تعالَى:(وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) .

ومن هذا قولُ بعضهم وقد سُئِلَ عن حُسنِ الخلقِ فقالَ:

بذلُ النَّدى وكفُّ الأذَى.

وهذا الوصفُ المذكورُ في القرآنِ أكملُ من هذا، لأنَّه وصفهُم ببذلِ الندى

واحتمالِ الأذى، وحُسنِ الخلقِ يبلغُ به العبدُ درجاتِ المجتهدينَ في العبادةِ.

كما قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إن الرجلَ ليدرِكُ بحسنِ خلقِهِ درجةَ الصائم النهارَ القائم الليلَ ".

ورؤيَ بعضُ السلفِ في المنامِ فسئلَ عن بعضِ إخوانِهِ الصالحينَ

فقالَ: وأينَ ذلكَ رُفعَ في الجنةِ بحسنِ خلقِهِ.

ص: 180

ومما يندبُ إلى إلانةِ القولِ فيه الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكرِ وأنْ يكونَ

برفقٍ، كما قالَ تعالَى:(وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ) .

قال بعضُ السلفِ: ما أغضبتَ أحدًا فَقَبِلَ مِنْكَ، وكانَ أصحابُ ابنِ

مسعودِ إذا رأوا قومًا على ما يكرهُ يقولونَ لهم: مهلاً مهلاً باركَ اللَهُ فيكم.

ورأى بعضُ التابعينَ رجلاً واقفًا مع امرأة فقالَ لهما: إن اللهَ يراكمُا سترنا اللهُ

وإيَّاكما، ودُعي الحسنُ إلى دعو فجيء بآنيةِ فضة فيها حلواءُ، قأخذَ الحسنُ

الحلواءَ فقلبهَا على رغيف وأكلَ منهَا، فقالَ بعضُ من حضرَ: هذا نهى في

سكون.

ورأى الفضيلُ رجلاً يعبثُ في صلاتِهِ فزبرهُ، فقالَ له الرجلُ: يا

هذا ينبغي لمنْ يقومُ للهِ أن يكونَ ذليلاً، فبكى الفضيلُ وقالَ له: صدقتَ.

قال شعيبُ بنُ حرب: ربما مرَّ سفيانُ الثوريُّ بقومٍ يلعبونَ بالشطرنج

فيقولُ: ما يصنعُ هؤلاءِ؟

فيقالُ له: يا عبد اللهِ ينظرونَ في كتاب، فيطاطئ

رأسَهُ ويمضي، وإنما يريدُ بذلكَ ليُعلمَ أنَّه قد أنكَرَ.

وقالَ سفيانُ: لا يأمرُ بالمعروفِ ولا ينهى عن المنكرِ إلا من كانَ فيهِ خصالٌ

ثلاث: رفيقٌ بما يأمرُ، رفيق بما يَنهى، عدلٌ بما يأمرُ، عدلٌ بما ينهى، عالمٌ بما

يأمرُ، عالم بما يَنهَى.

وقالَ الإمامُ أحمدُ: الناسُ يحتاجونَ إلى مداراةٍ ورفقٍ في الأمر بالمعروفِ بلا غلظةٍ إلا رجلاً معلنًا بالفسقِ، فإنَهُ لا صبرَ عليه.

وكانَ كثير من السلفِ لا يأمرُ بالمعروفِ ولا ينهى عن المنكرِ إلا سرًّا فيما

بينه وبينَ من يأمُرُه وينهاهُ. وقالَ أبو الدرداءِ: من وعظَ أخاهُ سرًّا فقد زانهُ

ومن وعظه علانية فقد شانهُ.

وكذلك مقابلةُ الأذى بإلانةِ القولِ كما قالَ تعالَى:

(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن السَّيئَةَ)

ص: 181

وقالَ تعالَى: (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَة السَّيئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ) .

قال بعضُ السلفِ: هو الرجلُ يسبُّه الرجلُ، فيقولُ له: إن

كنتَ صادقًا فغفر اللَّهُ لي، وإن كنتَ كاذبًا فغفرَ اللَّهُ لكَ.

قالَ رجل لسالم بنِ عبد اللَّهِ وقد زحمتْ راحلتُه في سفر: ما أراك إلا

رجلَ سوءٍ، فقال له سالمٌ: ما أراكَ أبعدتَ.

وقالت امرأةٌ لمالكِ بن دينارٍ: يا مُرائي، قال: متى عرفتِ اسمي؟

ما عرفَه أحدٌ من أهلِ البصرةِ غيرُكِ.

ومرَّ بعضُهم على صبيانٍ يلعبونَ بجوزٍ فوطئَ على بعضِ الجوز بغير

اختيارهِ فكسرَهُ، فقالَ له الصبيّ: يا شيخُ، النارَ، فجلسَ الشيخُ يبكي

ويقولُ: ما عرفني غيرُهُ. ومر بعضُهم مع أصحابهِ في طريقٍ فرموا عليهِم

رمادًا، فقالَ الشيخ لأصحابِهِ: من يستحق النَّارَ فصالحُوه على الرمادِ، يعني

فهو رابح.

ورأى جنديٌّ إبراهيمَ بنَ أدهمَ خارج البلدِ فسألهُ عن العمرانِ فأشارَ له إلى

القبورِ فضربَ رأسهُ ومضَى فقيلَ له: إنَّه إبراهيمُ بنُ أدهمَ فرجعَ يعتذرُ إليهِ.

فقالَ له إبراهيم: الرأسُ الذي يحتاجُ إلى اعتذاركَ تركتُه ببلخ، ومرَّ به جنديٌّ آخر وهو ينظرُ بستانًا لقومٍ بأجرةٍ فسألهُ أن يناولَهُ شيئا فلم يفعل وقالَ: إنَّ أصحابَهُ لم يأذنوا في ذلك، فضربَ رأسَهُ فجعلَ إبراهيمُ يطأطئ رأسَهُ وهو يقولُ: اضربْ رأسًا طالمَا عَصى اللَّهَ.

من أجلكَ قد جعلتُ خدِّي أرضًا. . . للشامتِ والحسودِ حتى ترضَى

الثالثُ من الدرجات:

الصلاةُ بالليلِ والناسُ نيام: فالصلاةُ بالليلِ من موجباتِ الجنةِ كما سبقَ ذكرُه

ص: 182

في غيرِ حديثٍ، وقد دلَّ عليه قولُه عز وجل:

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) .

فوصفَهم بالتيقظِ بالليلِ والاستغفارِ بالأسحارِ وبالإنفاقِ من

أموالهِم.

كانَ بعضُ السلفِ نائمًا فأتاه آتٍ في منامِه فقالَ له: قمْ فصلِّ أما علمتَ

أن مفاتيحَ الجنةِ مع أصحابِ الليلِ هم خزانهَا؟!

وقيام الليلِ يوجب علو الدرجات في الجنةِ قالَ اللَّهُ تعالَى لنبيهِ صلى الله عليه وسلم.

(وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَتَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مُّحْمُودًا) .

فجعلَ جزاءَهُ على التهجدِ بالقرآنِ بالليلِ أن يبعثَهُ المقامَ المحمودَ وهو أعْلى

درجاتِهِ صلى الله عليه وسلم.

قال عونُ بنُ عبدِ اللَّهِ: " إنَّ اللهَ يُدخلُ الجنةَ أقوامًا فيعطِيهم حتى يملُّوا

وفوقَهم ناسٌ في الدرجات العلى، فلما نظروا إليهم عرفوهُم فقالُوا: ربنا.

إخواننا كنَّا معهُم فبم فضًّلْتهم علينا؟

فيقولُ: هيهاتَ هيهاتَ إنَّهم كانُوا يجوعونَ حين تشبعونَ، ويظمؤونَ حين تروونَ، ويقومونَ حينَ تنامون، ويشخصونَ حينَ تخفضونَ ".

ويوجبُ أيضًا نعيمَ الجنةِ ما لم يطلعْ عليه العبادُ في الدنيا قالَ اللَّهُ عز وجل: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) .

وفي "الصحيح " عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:

"يقول اللهُ عز وجل: أعددتُ لعبادِي الصالحينَ ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطرَ على قلبِ بشر اقرؤوا إن شئتمُ: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) ".

ص: 183

قال بعضُ السلفِ: أخفَوا للَّهِ العملَ فأخفَى اللَّهُ لهم

الجزاءَ فلو قدموا عليهِ لأقرَّ تلكَ الأعينَ عندَهُ.

ومما يجزي به المتهجدينَ في الليلِ كثرةَ الأزواج من الحورِ العين في الجنةِ

فإنَّ المتهجدَ قَد تركَ لذةَ النومِ بالليلِ ولذةَ التمتع بأزواجِهِ طلبًا لما عندَ اللَّهِ عز وجل فعوَّضَهُ اللَّهُ تعالَى خيرًا مما تركَهُ وهوَ الحورُ العينِ في الجنةِ، ومن هُنا

قال بعضُهم: طول التهجدِ مهورُ الحورِ العينِ في الجنةِ.

وكانَ بعضُ السلفِ يُحيي الليلَ بالصلاة، فَفَتُرَ عن ذلك فأتاه آتٍ، فقال

له: قد كنتَ يا فلانُ تدأبُ في الخطبةِ، فما الذي قصرَ بكَ عن ذاكَ؟

كنتَ تقومُ من الليلِ أوَ ما علمتَ أن المتهجدَ إذا قامَ إلى التهجدِ قالتِ الملائكةُ: قد قامَ الخاطبُ إلى خطبتِهِ؟!

ورأى بعضُهم في منامهِ امرأةً لا تشبهُ نساءَ الدُّنيا فقال لها: من أنتِ؟

قالتْ: حوراءُ أمةُ اللَّهِ، فقال لها: زوِّجِيني نفسَكِ، قالتْ: اخطُبني إلى سيدي وامهُرني، قال: وما مهرُكِ؟

قالتْ: طول التهجدِ.

قامَ بعضُ المتهجدينَ ذاتَ ليلةٍ فرأى في منامهِ حوراءَ تنشدُ:

أتخطبُ مثْلي وعني تنامُ. . . ونومُ المحبينَ عنَّا حرامُ

لأنا خلقْنَا لكلِّ امرئٍ. . . كثيرِ الصلاةِ براهُ الصيامُ

وكانَ لبعضِ السلفِ وِرْدٌ من الليلِ فنَامَ عنهُ ليلةً فرأى في منامِه جاريةً كأنَّ

وجهها القمرُ، ومعَها رقٌّ فيه كتابٌ فقالتْ: أتقرأ؟

قال: نعم، فأعطتهُ إياهُ ففتحهُ فإذا فيه مكتوبٌْ

أتلهُو بالكَرَى عن طيبِ عيشٍ. . . مع الخيراتِ في غرفِ الجنانِ

ص: 184

تعيش مخلَّدًا لا موت فيهِ. . . وتنعمُ في الجنانِ مع الحسانِ

تيقظ من منامِكَ إن خيرًا. . . من النومِ التهجد بالقرانِ

فاستيقظَ قالَ: فواللهِ ما ذكرتُها إلا ذهبَ عنِّي النومُ.

كان بعضُ الصالحينَ له وِرْدٌ فنامَ عنه فوقفَ عليه فتى في منامِهِ فقال لهُ

لصوتٍ محزونٍ:

تيقظْ لساعاتٍ من الليلِ يا فتى. . . لعلكَ تحظَى في الجنانِ بحورِها

فتنعمُ في دار يدومُ نعيمُهَا. . . محمدٌ فيها والخليل يزورهَا

فقم فتيقظْ ساعةً بعد ساعةٍ. . . عساكَ توفَّى ما بقيَ من مهورِها

كان بعضُ السلفِ الصالحينَ كثيرُ التعبدِ، فبكى شوقًا إلى اللهِ عز وجل

ستينَ سنةً فرأى في منامهِ كأنّهُ على ضفةِ نهر يجرِي بالمسكِ حافتاهُ شجرُ لؤلؤ

ونبتٌ من قضبانِ الذهبِ، فإذا بجوارٍ مُزَيَّناتٍ يقلنَ بصوتٍ واحد: سبحانَ

المسبَّح بكل لسانٍ سبحانَهُ. سبحان الموحَّدِ بكل مكانٍ سبحانه. سبحان الدائم في كلِّ الأزمانِ سبحانه. فقال لهنَّ: ما تصنعن ههنا؟

فقلن:

برانَا إلهُ الناسِ ربّ محمدٍ. . . لقومٍ على الأقدامِ بالليلِ قوَّمُ

يناجونَ ربَّ العالمينَ إلههم. . . وتسري همومُ القومِ والناسُ نوَّمُ

فقال: بَخ بَخ لهؤلاءِ، من هم، لقد أقر اللَّهُ أعينهُم بكنَّ؟

فقلنَ: أو ما - تعرفَهم؟

قالَ: لا، فقلنَ: بلى هؤلاءِ المتهجدونَ أصحابُ القرآنِ والسهرِ.

وكان بعضُ الصالحينَ ربما نامَ في تهجدهِ، فتوقظُه الحوراءُ في منامِهِ

فيستيقظُ بإيقاظها.

وُرويَ عن أبي سليمان الداراني أنه قالَ: ذهبَ بي النومُ

ص: 185

ذاتَ ليلةٍ في صلاتي فإذا بها - يعني الحوراء - تنبهني وتقولُ: يا أبا سليمانَ

أترقدُ وأنا أُربَّى لك في الخدرِ منذ خمسمائة سنة.

وفي رواية عنهُ: أنه نام ليلةً في سجودهِ قالَ: فإذا بها قدْ ركضتني بِرِجْلِهَا وقالتْ: حبيبي أترقدُ عيناكَ والملكُ يقظانُ ينظرُ إلى المتهجدينَ في تهجدِهم؟ بؤسًا لعينٍ آثرت لذةَ نومٍ على مناجاةِ العزيزِ، قمْ فقدْ دنا الفراغُ ولقيَ المحبونَ بعضهم بعضًا، فما هذا الرقادُ يا حبيبي وقرةَ عيني؟

أترقدُ عيناكَ وأنا أُربَّى لكَ في الخدورِ منذ خمسمائةِ عامٍ؟

فوثبَ فزعًا وقد عرقَ من توبيخهَا له، قالَ:

وإن حلاوةَ منطقها لفي سمعي وقلبي.

وكان أبو سليمانَ يقولُ: أهلُ الليلِ في ليلهِم ألذ من أهل اللهو في

لهوهم، ولولا الليلُ ما أحببتُ البقاءَ في الدنيا.

وقال يزيدُ الرقاشي لحبيبٍ العجميِّ: ما أعلمُ شيئًا أقرّ لعيونِ العابدينَ في

الدنيا من التهجدِ في ظلمةِ الليلِ، وما أعلم شيئًا من نعيم الجنانِ وسرورها

ألذُّ عند العابدينَ ولا أقرَّ لعيونِهم من النظرِ إلى ذي الكبرياءِ العظيم إذا رُفعتْ

تلكَ الحجب، وتجلَّى لهم الكريم، فصاحَ حبيبٌ عندَ ذلكَ وخرَّ مغشيا عليه.

وكانَ السريُّ يقول: رأيتُ الفوائدَ تردُ في ظلامِ الليلِ.

وقالَ أبو سليمان: إذا جنَّ الليلُ وخلا كلُّ محبٍّ بحبيبهِ افترشَ أهلُ المحبةِ

أقدامَهُم، وجرتْ دموعُهم على خدودهِم، أشرفَ الجليلُ جل جلاله فنادَى يا جبريلُ بعيني من تلذذَ بكلامي واستروحَ إلى مناجاتي، نادِ فيهم يا جبريلُ ما

هذا البكاءُ هل رأيتُم حبيبًا يعذِّب أحباءَهُ أم كيفَ يجملُ بي أن أعذِّبَ قومًا إذا

جنَّهُمُ الليلُ تملَّقُوني، فبي حلفتُ، إذا قدِموا عليَّ يوم القيامةِ لأكشفنَّ لهمْ

ص: 186

عن وجهي، ينظرونَ إليَّ وأنظر إليهم.

وسئلَ الحسنُ البصريُّ لم كانَ المتهجدون أحسنُ الناس وجوهًا؟

قال:

لأنَّهُم خلَوا بالرحمنِ فألبسَهُم نورًا من نوره.

رأتِ امرأةٌ من الصالحاتِ في منامِهَا كأنَّ حللاً قد فرِّقتْ على أهلِ مسجدِ

محمدِ بنِ جحادةَ، فلما انتهَى الذي يفرِّقها إليه دعَا بسفطٍ مختومٍ فأخرجَ منه

حلةً صفراء، قالت: فلم يقُمْ لها بصرِي فكساهُ إياها وقال: هذه لكَ بطول

السهرِ، قالتْ: فواللَّهِ لقد كنتُ أراه - تعني محمدَ بن جحادةَ - بعد ذلكَ

فأتخايلُها عليهِ - تعني: تلكَ الحلةَ -.

قالَ كرزُ بنُ وبرةَ: بلغَنِي أنَّ كعبا قالَ: إنَّ الملائكةَ ينظرونَ من السماءِ إلى

الذينَ يتهجدونَ بالليلِ كما تنظرونَ أنتم إلى نجومِ السماء.

يا نفسُ فازَ الصالحونَ بالتُّقى. . . وأبصرُوا الحقَّ وقلبي قد عمِي

يا حُسْنَهُم والليلُ قد أجنَّهُم. . . ونورُهُم يفوقُ نورَ الأنجم

ترنَّمُوا بالذكرِ في ليلِهم. . . فعيشُهُم قدْ طابَ بالترنمِ

قلوبُهُم للذِّكْرِ قد تفرغتْ. . . دموعُهم كلؤلؤٍ منظَّم

أسحارُهُم بهم لهم قد أشرقتْ. . . وخلَعُ الغفرانِ خيرُ المقسمم

في بعضِ الآثارِ يقولُ اللَّهُ عز وجل كلَّ ليلةٍ: ياجبريلُ أقمْ فلاناً وأنمْ

فلاناً.

قام بعضُ الصالحينَ في ليلةٍ بارده وكانَ عليه خلقانُ رثةٌ فضربهُ البردُ

فبكى فسمعَ هاتفاً يقول: أقمناكَ وأنمناهُم ثمَّ تبكي علينا.

تنبهوا يا أهلَ وادي المنحنى. . . كم ذا الكرى هبَّ نسيم وجدي

كم بين خالٍ وجوٍ وساهرٍ. . . وراقدٍ وكاتمٍ ومعبدي

ص: 187

قيلَ لابنِ مسعودٍ: ما نستطيع قيامَ الليلِ، قال: أبعدَتْكُم ذنوبُكُم.

وقيلَ للحسنِ: أعجزنا قيامُ الليل، قال: قيدتْكُم خطاياكُم، إنما يؤهَّلُ الملوكُ للخلوةِ بهم ومخاطبتِهِم منْ يخلصُ في ودادِهِم ومعاملتِهِم، فأمَّا من كانَ من أهلِ مخالفتِهِم فلا يرضونَهُ لذلكَ.

الليلُ لي ولأحبابي أحادثُهُم. . . قد اصطفيتُهُم كَي يسمعُوا ويعُوا

لَهم قلوبٌ بأسرارٍ لَها مُلئتْ. . . على ودادِي وإرشَادِي لهُم طُبعُوا

قد أثمرتْ سْجراتُ الفهم عندهُمُ. . . فما جَنوا إذ جَنوا مما بهِ ارتفعُوا

سرَوا فما وهَنُوا عجزًا وما ضعُفُوا. . . وواصلُوا حبلَ تقرِيبي فما انقطَعُوا

الفصل الثالث في ذكرِ الدعواتِ المذكورةِ في هذا الحديثِ:

وهيَ:

" اللَّهمَّ إني أسألكَ فعلَ الخيراتِ، وتركَ المنكراتِ، وحبَّ المساكين، وأن تغفرَ لي وترحمني، وإذا أردتَ بقومٍ فتنة فاقبضْني إليكَ غيرَ مفتون وأسألكَ حُبَّكَ وحبَّ من يحبُّك وحبَّ العملِ الذي يبلغُني حبَّك"، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:" تعلموهنَ وادرُسُوهنَّ فإنهن حقًّا ".

هذا دعاء عظيم من أجمع الأدعيةِ وأكملِهَا، فقولهُ صلى الله عليه وسلم. "أسألُكَ فعلَ الخيرات وتركَ المنكراتِ "

يتضمنُ طلبَ كلِّ خيرٍ وتركَ كلِّ شر، فإنَّ الخيراتِ تجمعُ كلًّ ما يحبُّه اللَّهُ تعالَى ويقربُ منهُ منَ الأعمال والأقوال من الواجباتِ

والمستحباتِ، والمنكراتِ تشملُ كلَّ ما يكرههُ اللَّهُ تعالَى ويباعدُ عنهُ من

الأقوال والأعمال، فمنْ حصلَ له هذا المطلوبُ حصلَ له خيرُ الدنيا والآخرةِ، وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يحبُّ مثلَ هذه الأدعيةِ الجامعةِ، قالتْ عائشةُ: "كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم -

ص: 188

يعجبهُ الجوامعَ من الدعاءِ ويدعُ ما بينَ ذلكَ ".

خرَّجه أبو داود.

وقوله: "وحب المساكين " هذا قد يقال إنهُ من جملةِ فعلِ الخيراتِ وإنَّما أفرده

بالذكرِ لشرفهِ وقوةِ الاهتمامِ به، كما أفردَ أيضًا ذكرَ حبِّ اللَّهِ تعالى وحبِّ

من يحبُّه وحبِّ عملٍ يبلِّغهُ إلى حبِّه، وذلكَ أصلُ فعلِ الخيراتِ كلِّها، وقد

يُقال: إنه طلبَ من اللَّهِ عز وجل أن يرزقهُ أعمال الطاعاتِ بالجوارح، وتركَ

المنكراتِ بالجوارح، وأن يرزقَهُ ما يوجبُ له ذلكَ وهو حبُّه وحبُّ من يحبُّه.

حبُّ عملٍ يبلغهُ حبَّه، فهذه المحبةُ بالقلبِ موجبة لفعل الخيراتِ بالجوارح

ولتركِ المنكراتِ بالجوارح، وسأل اللَّهَ تعالى أن يرزقَهُ المحبةَ فيه، فقد تضمنَ

هذا الدعاءُ سؤال حبِّ اللهِ عز وجل وحبِّ أحبابِهِ، وحبِّ الأعمال التي

تقرِّبُ من حبِّه والحبِّ فيه، وذلكَ يقتضي فعلَ الخيراتِ كلِّها ويتضمنُ تركَ

المنكراِت، والسلامةَ من الفتنِ، وذلكَ يتضمنُ اجتنابَ الشرّ كلِّه فجمعَ هذا

الدعاءُ طلبَ خير الدنيا وتضمنَ سؤال المغفرةِ والرحمةِ وذلكَ يجمعُ خيرَ

الآخرةِ كلَّه فجمعَ هذا الدعاءُ خيري الدنيا والآخرةِ.

والمقصودُ أنَّ حبَّ المساكين أصل الحبِّ في اللَّهِ تعالى؛ لأن المساكينَ ليسَ

عندهم من الدنيا ما يوجبُ محبَّتهم لأجلهِ فلا يحبونَ إلا للَّهِ عز وجل والحبُّ

في اللَّهِ من أوثقِ عُرى الإيمان، ومن علاماتِ ذوقِ حلاوةِ الإيمانِ، وهو

صريحُ الإيمانِ، وهو أفضلُ الإيمانِ، وهذا كلُّه مرويّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه وصفَ به الحبَّ في اللَّهِ تعالى.

ورُويَ عن ابن عباسٍ أنه قال:

"به تنال ولايةُ اللَّهِ وبه يوجدُ طعم الإيمانِ ".

وحبُّ المساكين قد أوصَى به النبيُّ صلى الله عليه وسلم غيرَ واحدٍ من أصحابهِ،

ص: 189

قال أبو ذرٍّ: "أوصانِي رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنْ أحبَّ المساكينَ وأنْ أدنوَ منهُم "

خرَّجهُ الإمامُ أحمد.

وخرَّج الترمذي عن عائشةَ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ لها:

"يا عائشةُ أحبي المساكينَ وقربيهم فإن اللَّهَ يقربكِ يومَ القيامةِ ".

ويروى أن داودَ عليه السلام كانَ يجالسُ المساكين ويقولُ: ياربِّ مسكين

بين مساكين.

ولم يزلِ السلفُ الصالحُ يوصونَ بحب المساكينِ - كتبَ سفيانُ

الثوريُ إلى بعضِ إخوانِهِ - عليكَ بالفقراءِ والمساكينِ والدنو منهمُ فإنَّ رسولَ

الله صلى الله عليه وسلم كانَ يسأل ربه حبَّ المساكين، وحبَّ المساكينِ مستلزم لإخلاصِ العمل للَّهِ تعالَى، والإخلاصُ هو أساسُ الأعمالِ الذي لا تثبتُ الأعمالُ إلا عليهِ، فإن حبَّ المساكين يقتضِي إسداءَ النفع إليهِم بما يمكنُ من منافع الدينِ والدنيا، فإذا حصلَ إسداءُ النفع إليهِم حبًّا لَهُم، والإحسانُ إليهم كان هذا العملُ خالصًا وقد دلَّ القرآنُ على ذلكَ، قالَ اللَهُ تعالَى:(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) .

وقالَ عز وجل (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) .

وقالَ تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) .

قالَ سعدُ بنُ أبي وقاصٍ: نزلتْ هذه الآية ُ في ستةٍ: فيَّ، وفي ابن

مسعود، وصهيبٍ، وعمار، والمقدادِ، وبلال.

قالتْ قريشٌ لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

ص: 190

إنا لا نرضَى أن نكونَ أتباعًا لَهُم فاطردْهُم عنكَ، فأنزلَ اللَّهُ عز وجل.، (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُون رَبَّهم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) .

وقالَ خبابُ بنُ الأرتِ في هذه الآيةِ "جاء الأقرعُ بنُ حابسٍ وعيينةُ بنُ

حصنٍ، فوجدَا رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مع صهيبٍ وعمارٍ وبلالٍ وخبابٍ قاعداً في ناسٍ من الضعفاءِ منَ المؤمنينَ، فلما رأوهُم حولَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم حقروهُم، فأتوه فخَلوا بهِ وقالوا: إنا نريدُ أن نجعلَ لنا منكَ مجلسًا تعرفُ لنا به العربُ فضلَنَا، فإن وفودَ العربِ تأتيكَ فنستحي أن ترانا مع هولاءِ الأعبدِ، فإذَا نحنُ جئناكَ فأقمهُم عنكَ، فإذا نحنُ فرغنَا فاقعدْ معهم إن شئت، قالَ "نعم ".

قالوا: فاكتبْ لنا عليكَ كتابا، قالَ فدعا بصحيفةٍ، ودعا عليًّا ليكتبَ ونحن

قعودٌ في ناحيةٍ فنزلَ جبريلُ عليه السلام فقال:

(وَلا تَطْرد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِى يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْء وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْردَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) ، ثم ذكرَ الأقرعَ بنَ حابس، وعيينةَ ابنَ حصنٍ فقالَ:

(وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) .

ثم قالَ: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يؤمِنَونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كتَبَ رَبُكمْ عَلَى نَفْسِةِ الرَّحْمَةَ) .

قالَ: فدنونا منهُ حتَّى وضعْنَا رُكَبَنَا عَلَى رُكْبَتَيهِ، وكانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يجلسُ معنا فإذا أرادَ أنَّ يقومَ قامَ وتركَنَا، فأنزلَ اللَّهُ عز وجل (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) .

ولا تجالسِ الأشرافَ (وَلا تُطِعْ مَن أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكرِنَا) يعني عيينةَ، والأقرع.

قالَ خبابٌ: فكنَّا

ص: 191

نقعدُ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم فإذا بلغنَا الساعةَ التي يقومُ قمنا وتركناهُ حتى يقومَ "

خرَّجه ابنُ ماجَة، وغيره.

وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يعودُ المرضَى من مساكينِ أهلِ المدينةِ ويشيعُ جنائزهُم وكان

لا يأنفُ أن يمشِيَ مع الأرملةِ والمسكينِ حتى يقضيَ حاجتَهُما وعلى هذا الهَدْي

كانَ أصحابُهُ مِن بعدهِ والتابعون لهم بإحسانٍ.

وروي عن أبي هريرة قال: "كان جعفر بن أبي طالبٍ يحبُّ المساكينَ

ويجلسُ إليهم ويحدِّثهم ويحدّثونه، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يكنيه أبا المساكين ".

وفي رواية "أنهُ كان يعمهم وربما أخرج لهم عكةً فيها العسل فشقُّوها ولعقوها".

وكانتْ زينبُ بنْتُ خزيمةَ أمُّ المؤمنينَ رضي الله عنها تسمَّى أمَّ المساكينَ لكثرةِ إحسانهِا إليهم وتوفيتْ في حياةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

وقالَ ضرارُ بن مُرَّةَ في وصف عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه في أيامِ خلافتِهِ:

كان يعظمُ أهلَ الدينِ ويحبُّ المساكينَ، ومرَّ ابنهُ الحسنُ رضي الله عنه على مساكينَ يأكلونَ فدعُوه فأجابهمُ وأكلَ معهُم، وتلا

(إِنَّه لا يُحِبُّ الْمُسْتَكبِرِينَ) ، ثم دعاهم إلى منزِلِهِ فأطعمهم وأكرمهمُ.

وكان ابنُ عمر لا يأكلُ غالبًا إلا معَ المساكينِ وكانَ يقُولُ لعلَّ بعضَ هؤلاءِ أن يكونَ ملِكًا يومَ القيامةِ.

وجاءَ مسكين أعمى إلى ابن مسعودٍ وقد ازدحَم الناسُ عندَهُ فنادَاهُ يا أبا

عبدِ الرحمنِ آويتَ أربابَ الخزِّ واليمنيةِ وأقصيتنِي لأجلِ أنِّي مسكين؟

فقالَ له: ادْنُهْ فلم يزلْ يُدْنِيهِ حتى أجلسهُ إلى جانبهِ أو بِقُرْبهِ.

وكانَ مطرفُ بنُ عبدِ اللَّهِ يلبسُ الثيابُ الحسنةَ ثم يأتِي المساكينَ ويجالسهم.

ص: 192

وكان سفيانُ الثوريُّ يعظمُ المساكينَ ويجفو أهلَ الدنيا فكانَ الفقراءُ في مجلسِهِ

همُ الأغنياءُ والأغنياءُ همُ الفقراءُ.

وقال سليمانُ التيمي: كنَّا إذَا طلبنَا عليةَ أصحابنا وجدْناهُم عندَ الفقراءِ والمساكينِ.

وقالَ الفضيلُ: من أراد عزَّ الآخرةِ فليكن مجلسهُ مع المساكينِ.

ومن فضائلِ المساكينِ أنهُم أكثرُ أهلِ الجنةِ.

كما قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم:

"قمتُ على بابِ الجنةِ فإذا عامةُ من دخلَها المساكينُ "

وقالَ صلى الله عليه وسلم:

"تحاجتِ الجنةُ والنَّارُ، فقالتِ الجنةُ: لا يدخلني إلا الضعفاءُ والمساكينُ ".

وسئلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن أهل الجنةِ فقالَ:

"كلُّ ضعيفٍ مستضعفٍ "

وهم أولُ الناسِ دخولاً الجنةَ كما صحَ عنه صلى الله عليه وسلم:

"إن الفقراءَ يسبقونَ الأغنياءَ إلى الجنةِ بأربعين عاماً" -

وفي روايةٍ - "أنهم يدخلون الجنةَ بنصفِ يومٍ وهو خمسمائةِ سنةً"

وهم أولُ الناسِ إجازةً على الصراطِ كما صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنهُ سئلَ من أولُ الناسِ إجازةً على الصراط؟

فقالَ: "فقراءُ المهاجرينَ "

وهم أولُ الناسِ ورودًا على الحوضِ كما قالَ صلى الله عليه وسلم:

"أولُ الناسِ ورودًا عليهِ فقراءُ المهاجرينَ الدَّنسةُ رءوسُهم، الشعثةُ ثيابهُم الذينَ لا ينكحونَ المتنعماتِ ولا تفتحُ لهم السددُ" وهم

ص: 193

أتباعُ الرسلِ كما أخبرَ اللَّهُ تعالى عن نوح عليه السلام أن قومَهُ عيرُوهُ باتباع

الضعفاءِ له فقالُوا: (أَنؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ) .

وكذلكَ قالَ هرقلُ لأبي سفيانَ لما سألهُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهل يتَّبعهُ أشرافُ الناسِ أم ضعفاؤهم؟

فقال: بل ضعفاؤهم، قالَ هرقلُ: هم أتباعُ الرسلِ.

وهم أفضلُ من الأغنياءِ عندَ كثيرٍ من العلماءِ أو أكثرهم، وقد دلَّ على

ذلكَ أدلة كثيرة منها قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم حينَ مرَّ به الغنيُّ والمسكينُ في المسجدِ:

"هذا - يعني المسكينَ - خير من ملءِ الأرضِ مثلَ هذا - يعني الغنيَّ "

وقد خرَّجه البخاريُّ وغيرُه.

ومنهُم من لو أقسمَ على اللَّهِ لأبرهُ كما في "الصحيح " عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قالَ في أهلِ الجنةِ:

"كلُّ ضعيفٍ مستضعفٍ لو أقسمَ على اللَّهِ لأبَرَّهُ "

وفي روايةٍ " أشعثَ ذو طمرينِ "

وفي روايةٍ خرَّجَها ابنُ ماجةَ

"أنَّهم ملوكُ أهلِ الجنةِ"

وفي الحديثِ المشهورِ

"رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طمرينِ مدفوعٌ بالأبوابِ لو أقسمَ على اللَّهِ

لأبَرَّه "

خرَّجهُ الحاكمُ وغيرهُ.

ربَّ ذي طمرينِ نضوٍ. . . يأمنُ العالمُ شرَّهُ

لا يُرى إلا غنيًّا. . . وهوَ لا يملك ذرَّهُ

ثم لوأقسمَ في شيءٍ. . . على اللَّهِ أبرَّهُ

ص: 194

قال ابنُ مسعودٍ: كونُوا جدَدَ القلوبِ، خلقانَ الثيابِ.

سرجَ الليلِ مصابيحَ الظلامِ، تعرفونَ في أهلِ السماءِ

وتخفونَ على أهلِ الأرضِ.

طُوبى لعبدٍ بحبلِ اللَّهِ معتصمه. . . على صراطٍ سويٍّ ثابتٌ قدمُه

رث اللباسِ جديد القلبِ مستترٍ. . . في الأرضِ مشتهر فوقَ السماء وسمُه

ما زالَ يستحقرُ الأولى بهمتهِ. . . حتَى يرقى إلى الأخرى به هممُه

فذاكَ أعظمُ من التاج متكئًا. . . على النمارقِ محتفا به خدمُهُ

واعلم أنَّ محبةَ المساكينِ لها فوائدٌ كثيرة:

منها: أنَّها توجبُ إخلاصَ العملِ للهِ عز وجل، لأنَّ الإحسانَ إليهم

لمحبَّتهم لا يكونُ إلا للَّهِ عز وجل، لأنَّ نفعهُم في الدنيا لا يُرجَى غالبًا فأما

من أحسنَ إليهم ليمدحَ بذلكَ فما أحسنَ إليهم حبًّا لهم بل حبًّا لأهلِ الدُّنيا

وطلبًا لمدحهِم له بحبِّ المساكينِ.

ومنها: أنها تزيلُ الكِبْرَ، فإن المتكبرَ لا يرضى مجالسةَ المساكينِ كما سبقَ عن

رؤساءِ قريشٍ والأعرابِ، ومن حذا حذوهم من هذه الأمة ممن تشبهَ بهم حتى

أنَّ بعضَ علماءِ السوءِ كان لا يشهدُ الصلاةَ في جماعةٍ خشيةَ أن تزاحمَهُ

المساكينُ في الصفِّ، ويمتنعُ بسببِ هذا الكبرِ فيفوتُهُ خيرٌ كثيرٌ جدا، فإنَّ

مجالسَ الذكرِ والعلم تقعُ فيها كثيرًا مجالسةُ المساكينِ فإنهم أكثرُ هذه المجالسِ

فيمتنعُ المتكبرُ من هذه المجالسِ بتكبر، وربما كانَ المسموعُ منه الذكرُ والعلمُ

من جملة المساكينِ فيأنف أهلُ الكبرِ من التردد إلى مجلسهِ كذلكَ فيفوتهُم

خيرٌ كثير، وقد أخبرَ اللَهُ تعالى عن المشركينَ أنهم قالوا:

(لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) .

ص: 195

يشيرونَ إلى عظماءِ مكةَ والطائفِ كعتبةَ بنِ ربيعةَ وأخيهِ شيبةَ ونحوهما من

صناديد قريشٍ وثقيفٍ ذوي الأموالِ والشرفِ فيهم ممن كانَ أكثرَ مالاً من

محمدٍ صلى الله عليه وسلم وأعظمَ رياسةً عندهُم.

وردَّ عليهم سبحانهُ بأنهُ يقسِّم رحمتَهُ كما يشاءُ وأنه كما رفَع درجاتِ بعضهم على بعضٍ في الدنيا، فكذلكَ يرفَعُها في الآخرة بالنبوةِ والعلم والإيمانِ خيرٌ مما يجمعونَهُ من الأموالِ التي تَفْنَى، فهو يخصّ بهذه الرحمةِ الدينيةِ من يشاءُ ويرفعُهُ على أهلِ النعم الدنيويةِ وقد خصَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم بما لم يشركهُ فيه غيرهُ من هذه النعم كما قالَ تعالَى له:

(وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) .

وكانَ عليٌّ بنُ الحسينِ يجلسُ في مجلسِ زيدِ بنِ أسلمَ فيعاتَبُ على ذلكَ

فيقولُ: إنما يجلسُ المرء حيثُ يكونُ له فيه نفعٌ، أو كما قالَ يشيرُ إلى أنَّه

ينتفعُ بسماع ما يسمعُهُ من العلم والحكمةِ، وزيدُ بنُ أسلمَ أبوه مولى لعمرَ.

وعلي بنُ الحسينِ سيدُ بني هاشم وشريفِهم.

ولما اجتمع الزهريُّ وأبو حازمٍ الزاهدُ بالمدينةِ عند بعضِ بني أميةَ - لما

حجَّ - وسمعَ الزهريُّ كلامَ أبي حازمٍ وحكمتهُ أعجبهُ ذلكَ، وقالَ: هو جارِي منذُ كذا وكَذا وما جالسْتُهُ ولا عرفتُ أن هذا عندَهُ، فقالَ له أبو حازم: أجلْ إنَي من المساكينِ ولو كنتُ من الأغنياءِ لعرفتني، فوبخهُ بذلكَ، وفي رواية عنه أنه قالَ له: لو أحببتَ اللَّهَ أحببتني ولكنَّكَ نسيتَ اللَّهَ فنسيتني، يشيرُ إلى أنَّ من أحبَّ اللَّهَ تعالى أحبَّ المساكينَ من أهلِ العلم والحكمةِ لأجلِ محبتهِ للهِ تعالى ومن غفلَ عن اللَّهِ تعالَى غفلَ عن أوليائه من المساكينِ فلمْ يرفعْ لهم رأسًا، ولم ينتفعْ بما اختصَّهمُ اللَّهُ عز وجل بهِ من الحكمةِ والعلومِ النَّافعِةِ

ص: 196

التي لا توجدُ عند غيرِهم من أهلِ الدُّنيا.

وقد كانَ علماءُ السلفِ يأخذونَ العلمَ عن أهلِهِ والغالبِ عليهمُ المسكنةُ

وعدمُ المال والرفعةِ في الدنيا ويَدَعُونَ أهلَ الرياسات والولاياتِ فلا يأخذونَ

عنهم ما عندهُم من العلم بالكليةِ.

ومنها: أنَّه يوجبُ صلاحَ القلبِ وخشوعِهِ، وفي "المسندِ" عن أبي هريرةَ

أن رجلاً شكى إلى رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قسوةَ قلبهِ فقال له: "إن أحببتَ أن يلينَ قلبُكَ فأطعِم المسكينَ وامْسحْ رأس اليتيم ".

ومنها: أن مجالسةَ المساكينِ توجبُ رضى من يجالسُهُم برزقِ اللَّهِ عز وجل

وتعظمُ عنده نعمةُ اللَّهِ عز وجل عليهِ بنظرهِ في الدنيا إلى من دونَه، ومجالسةُ

الأغنياءِ توجبُ التسخطَ بالرزقِ ومدَّ العينِ إلى زينتهم وما هم فيه، وقد نهى

اللَّهُ عز وجل نبيَّه صلى الله عليه وسلم ّ عن ذلكَ فقال تعالَى: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) .

وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:

"انظرُوا إلى من دونكمُ ولا تنظُروا إلى منْ فوقَكم فإنَّه أجدر أن لا تزدرُوا

نعمةَ اللَّهِ عليكم "

قال أبو ذرٍّ رضي الله عنه:

"أوصانِي رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أن أنظر إلى من

دوني ولا أنظرَ إلى من فوقِي وأوصانِي أن أحبَّ المساكينَ وأن أدنوَ منهم ".

وكان عونُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عتبةَ بنِ مسعودٍ يجالسُ الأغنياءَ فلا يزال في

غمٍّ، لأنَه لا يزال يَرى من هو أحسنُ منه لباسًا ومركبًا ومسكنًا وطعامًا.

فتركَهُم وجالسَ المساكينَ فاستراحَ من ذلك.

ص: 197

وقد رُويَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه نهَى عائشةَ عن مخالطةِ الأغنياءِ.

وقالَ عمر: إيَّاكم والدخولَ على أهلِ السعةِ فإنَه مسخطةٌ للرزقِ.

واعلمْ أن المسكينَ إذا أُطلقَ يرادُ به غالبًا من لا مال لهُ يكفيه، فإنَّ الحاجةَ

توجبُ السكونَ والتواضعَ بخلافِ الغنِي فإنَّه يُوجبُ الطغيانَ، ولهذا ذمَّ الفقيرَ

المختالَ وعظَّم وعيدهُ؛ لأنَهُ عصَى بما ينافي فقرهُ وهو الاختيالُ والزهو والكبرُ، ولما كانَ المسكينُ عندَ الإطلاقِ لا ينصرفُ إلا إلى من لا كفايةَ لهُ من المال

وصى اللَّهُ تعالى بإيثارِ المساكينِ وإطعامهم الطعامَ، ومدحَ من يطعمُهم، وذمًّ

من لا يحضُّ على إطعامهِم، وجعلَ لهم حقًّا في أموالِ الصدقاتِ والفيء

وخمسِ الغنائمِ وحضورِ قمسةِ الأموالِ.

وهؤلاءِ المساكينُ على قسمينِ:

أحدُهما: من هو محتاجٌ في الباطنِ وقد أظهرَ حاجَتهُ للنَّاس.

والثاني: من يكتُم حاجتَهُ ويظهرُ للناسِ أنه غَني فهذا أشرَفُ القسمينِ، وقد

مدحَ اللَّهُ عز وجل هذا في قولِه تعالى:

(لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) .

وقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم:

"ليس المسكينُ بهذا الطواف الذي تردُّه اللقمةُ واللقمتان والتمرةُ والتمرتانِ، ولكن المسكينَ من لا يجدُ ما يغنيهِ، ولا يفطنُ له فيتصدَّقُ عليه "

وقالَ بعضُهم: هذا المحرومُ المذكورُ في قولِه عز وجل: (لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) .

فأخبرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن من كتمَ حاجتَهُ

فلم يفطنْ لهُ أحقُّ باسم المسكين من

ص: 198

الذي أظهرَ حاجتَهُ بالسؤالِ وأنَّه أحقُّ بالبرِّ منه وهذا يدلُّ على أنَّهم كانُوا لا

يعرفونَ من المساكينِ إلا من أظهرَ حاجتَهُ بالسؤالِ، وبهذا فرَّقَ طائفةٌ من

العلماءِ بين الفقيرِ والمسكينِ فقالوا: من أظهرَ حاجتَهُ فهو مسكينٌ ومن كتمَها

فهو فقيرٌ، وفي كلامِ الإمامِ أحمدَ إيماءٌ إلى ذلك وإن كانَ المشهورُ عنه أن

التفريقَ بينهما بكثرةِ الحاجةِ وقلَّتِهَا كقولِ كثير من الفقهاءِ.

وهذا حيثُ جمعَ بينَ ذِكْرِ الفقيرِ والمسكينِ كما في آيةِ الصدقاتِ، فأمَّا إذا

أفردَ أحدُ الاسمينِ دخلَ فيهِ الآخر عنَد الأكثرينَ، وقد كانَ كثيرٌ من السلفِ

يكتمُ حاجتَهُ ويظهرُ الغِنى تعففًا وتكرمًا، منهم إبراهيم النخعيّ كانَ يلبسُ ثيابًا حسناءَ ويخرجُ إلى الناسِ وهم يرونَ أنه تحل له الميتةَ من الحاجةَ.

كانَ بعضُ الصالحينَ يلبسُ الثيابَ الجميلةَ وفي كمهِ مفتاحُ دارٍ كبيرةٍ ولا

مأوى لهُ إلا المساجدُ، وكانَ آخرُ لا يلبسُ جبةً في الشتاءِ لفقرهِ ويقولُ: بي

علةٌ تمنعني من لبسِ المحشو وإنَّما يعني بها الفقرَ - شعر:

إن الكريمَ لُيخفي عنك عسرتَهُ. . . حتى تراهُ غنيًّا وهوَ مجهودُ

وكان بعكس هؤلاءِ من يلبسُ ثيابَ المساكينِ مع الغِنَى تواضعاً للهِ عز وجل

وبُعْدًا من الكبرِ كما كانَ يفعلُهُ الخلفاءُ الراشدونَ الأربعةُ وبعدَهم عمرُ بنُ عبد العزيز، وكذلكَ كانَ جماعةٌ من الصحابةِ منهم عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ وعبدُ اللَّهِ بنُ عمرو بن العاصِ وغيرُهما رضي الله عنه.

ورويَ أنَ أبا بكر الصدِّيقِ رضي الله عنه كانَ ينشدُ:

إذا أردتَ شريفَ الناسِ كلهم. . . فانظرْ إلى ملك في زي مسكينِ

ذاكَ الذي حسنت في الناسِ سيرتُهُ. . . وذاكَ يصلحُ للدُّنيا وللدينِ

وكان عليٌّ رضي الله عنه يُعاتَبُ على لباسِهِ فيقولُ: هو أبعدُ عن الكبرِ وأجدرُ أن يقتدي بي المسلمُ.

وعوتبَ عمرُ بنُ عبد العزيزِ على ذلكَ فقالَ: إن أفضلَ

ص: 199

القصدِ عندَ الجدةِ، يعني أفضلَ ما اقتصدَ الرجلُ في لباسِهِ مع قدرتِهِ

ووجدانهِ.

وفي "سنن أبِي داودَ" وغيرِه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قالَ: "البذاذةُ من الإيمانُ "

يعني: التقشفَ. وفي الترمذي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم

"من تركَ اللباسَ تواضعًا للَّهِ عز وجل وهو يقدرُ عليه دعاهُ اللَّهُ يومَ القيامةِ حتَّى يخيرهُ من أيِّ حُللِ الجنةِ شاء يلبسُهَا"

وخرَّجهُ أبو داود من وجهٍ آخرَ ولفظه:

"من تركَ ثوبَ جمالٍ وهو يقدرُ عليه - أحسبهُ قالَ: تواضعاً - كساهُ اللَهُ حلَّة الكرامةِ".

وإنَّما يذمّ من تركَ اللباسَ مع قدرتِهِ عليهِ بخلاً على نفسه أو كتمانًا لنعمةِ

اللَّهِ عز وجل وفي هذا جاءَ الحديثُ المشهورُ:

"إن اللهَ إذا أنعم على عبدٍ أحبَّ أن يرَى أثرَ نعمتِهِ على عبدِهِ "

ومن لبسَ لباسًا حسنًا إظهارًا لنعمةِ اللَّهِ ولم يفعلْهُ اختيالاً كانَ حسنًا.

وكان كثيرٌ من الصحابةِ والتابعينَ يلبسونَ لباسًا حسنًا، منهم: ابنُ عباس.

والحسنُ البصريّ، وقد صحَّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَه سُئِلَ عن الرجلِ يحبُّ أن يكونَ لباسهُ حسنًا ونعلُه حسنًا، قالَ:

"ليس ذلك بالكبر، إنما الكبر بطر الحق وغمط الناس "

يعني التكبرَ عن قبولِ الحقِّ والانقيادِ لهُ واحتقارَ الناسِ

وازدراءهمُ فهذا هُوَ الكبرُ وأمَّا مجردُ اللباسِ الحسنِ الخالي عن الخيلاءِ فليسَ

ص: 200

بكبرٍ، واحتقارُ الناسِ مع رثاثةِ اللباسِ كبر.

وقد رُويَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه كانَ ماشيًا في طريقٍ وهناكَ أمة سوداءُ، فقال لها رجل: الطريقَ الطريقَ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالتْ: الطريقُ يمنةً ويسرةً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

"دعُوهَا فإنَّها جبَّارةٌ"

خرَّجهُ النسائيُّ وغيرُه، وفي روايةِ الطبرانيِّ قالُوا:

يا رسولَ اللَّهِ إنها يعني مسكينة، قالَ:

"إنَّ ذاكَ في قلبها"

يعني أنَّ الكبرَ في قلبهَا وإنْ كانَ لباسهَا لباسَ المساكينِ.

وقالَ الحسنُ: إن قومًا جعلوا التواضعَ في لباسِهم والكبرَ في صدورهم إن

أحدَهم أشدُ كبرًا بمدرعتهِ من صاحبِ السريرِ بسريره، وصاحبِ المنبرِ بمنبرِهِ، قالَ أحمدُ بنُ أبي الحواريّ: قالَ لي سليمانُ بنُ أبي سليمانَ

وكانَ يعدلُ بأبيه: أيَّ شيء أرادوا بثيابِ الصوفِ؟

قلت: التواضعَ، قالَ: وما يتكبرُ أحدُهم إلا إذا لبسَ الصوفَ؟

وقالَ أبو سليمانَ: يكونُ ظاهرُكَ قطنيا وباطنكَ صوفيًا.

وقالَ أبو الحسينِ ابن بشارِ: صوِّف قلبَكَ والبس القوهيَ على القوهي يعني رفيعَ الثيابِ، فمتَى أظهرَ الإنسانُ لباسَ المساكينِ لدعوى الصلاح ليشتهرَ بذلكَ عندَ الناسِ كانَ ذلكَ كبرًا ورياءً، ومن هُنا تركَ كثيرٌ من السلفِ المخلصينَ اللباسَ المختصَّ بالفقراءِ والصالحينَ وقالُوا: إنه شهرة، ولما قدمَ سيارُ أبو الحكم البصرةَ لزيارةِ مالك بنِ دينار، لبسَ ثيابًا حسنةً ثمَ دخلَ المسجدَ فصلَّى صلاةً حسنةً فرآه مالكٌ ولم يعرفْهُ فقالَ له: يا شيخُ إنِّي أرغبُ بك عن هذه الثيابِ مع هذه الصلاةِ، فقالَ له: يا مالك ثيابي هذه تضعُني عندكَ أم ترفعُني؟

ص: 201

قالَ: بل تضعكَ، فقالَ: نِعمَ الثوبُ ثوبٌ يضعُ صاحبهُ عندَ الناسِ، ولكن انظرْ يا مالكُ لعلَّ ثوبيكَ هذين يعني الصوفَ أنزلاكَ عندَ الناسِ ما لم ينزلاكَ من اللَّهِ، فبكى مالكٌ وقام إليه واعتنقهُ وقال له: أنشدكَ اللَّهَ أنت سيارُ أبو

الحكم؟

قالَ: نعم.

فلهذا كرهَ من كرهَ من السلفِ كابنِ سيرينَ وغيره لباسَ الصوفِ حيثُ صارَ

شعارَ الزاهدينَ فيكونُ لباسُهُ إشهارًا للنفسِ وإظهارًا للزهدِ، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فكانَ يلبسُ لباسَ الأغنياءِ من حللِ اليمنِ وثيابِ الشامِ ونحوهَا، وتارةً يلبسُ لباسَ المساكينِ، فيلبسُ جبةً من صوفٍ أحيانًا وأحيانًا يتزر بعباءه، ويهيئُ إبلَ الصدقةِ بيدهِ يعني أنه يطليَها بيدِهِ ويصلحهَا كما يفعلُ أربابُ الإبلِ بها، ولم يبعثِ اللَّهُ نبيًا من أهلِ الكبرِ، وإنَّما يبعثُ من لا كبرَ عندَهُ ولا يتكبرُ عن معالجةِ الأشياءِ التي يأنفُ منها المتكبرونَ كرعايةِ الإبلِ والغنم، وإجارةِ نفسِهِ عندَ الحاجةِ إلى الاكتسابِ، ومن أعطاهُ اللَّهُ منهم مُلكًا فإنهُ لم يزل دأبهُ التواضعَ للَّهِ عز وجل كداودَ وسليمانَ ومحمدٍ صلَّى اللَّهُ عليهم وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

وقد يطلقُ اسمُ المسكينِ ويرادُ بهِ من استكانَ قلبُه للهِ عز وجل وانكسر لهُ

وتواضعَ لجلالهِ وكبريائهِ وعظمتهِ وخشيتهِ ومحبتِهِ ومهابتِهِ، وعلى هذا المعنى

حملَ بعضُهم الحديثَ المرويَّ عن النبيًّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اللَّهم أحيني مسكينا وأمتْني مسكينا واحشرنِي في زمرةِ المساكينِ "

خرَّجهُ الترمذيُّ من حديثِ أنسٍ وخرَّجَهُ ابنُ ماجةَ من حديثِ ابنِ عباسٍ، وفي حملهِ على ذلكَ نظرٌ؛ لأن

ص: 202

في تمامِ حديثيهما ما يدل على أن المرادَ به المساكينُ من المال؛ لأنهُ ذكرَ سبقَهم الأغنياء إلى الجنةِ مع أنَّ في إسنادِ الحديثين ضعفًا، وقد خُيِّرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بينَ أن يكونَ نبيًّا ملكًا أو عبدًا رسولاً فأشارَ إليهِ جبريلُ أنْ تواضعَ، فقالَ: بل عبدًا رسولاً، وكانَ بعدَ ذلكَ لا يأكلُ متكئًا ويقولُ:"آكل كما يأكلُ العبدُ وأجلسُ كما يجلسُ العبدُ".

قالَ الحسنُ: قالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

"فأعطاني اللهُ لذلكَ أن جعلَني سيدَ ولدِ آدمَ وأولَ شافع وأولَ مشفع وأولَ من تنشقُّ عنه الأرضُ "

وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قالَ:

"إنَّما أنا عبدٌ فقولوا عبدُ اللَّهِ ورسولُه "

فأشرفُ أسمائهِ عبدُ اللَّهِ ولهذا سُمِّي بهذا الاسم في القرآنِ في أفخرِ مقاماتِه، فلما حققَ صلى الله عليه وسلم عبوديته لربِّه حصلتْ له

السيادةُ على جميع الخلقِ.

كانَ كثير من العارفينَ يقولُ في مناجاتهِ لربِّه:

كفى بي فخرًا أنِّي لكَ عبدٌ وكفَى بي شرفًا أنكَ لي ربٌّ.

وكانَ بعضُهُم يقولُ:

كلَّما ذكرتُ أنه ربِّي وأنا عبدُه حصلَ لي من السرور ما يصلحُ به بدَني:

شرفُ النفوسِ دخولُها في رقِّهم. . . والعبدُ يحوِي الفخرَ بالمتملكِ

وكان أبو يزيدِ البسطاميُّ ينشدُ:

يا ليتني صرتُ شيئًا. . . من غيرِ شيء أعد

أصبحتُ للكلِّ مولى. . . لأنَّني لكَ عبدُ

ص: 203

فمنِ انكسَرَ قلبُه للهِ عز وجل واستكانَ وخشع وتواضعَ جبرهُ اللَّهُ عز وجل

رفعهُ بقدرِ ذلكَ، وفي الأثرِ المشهورِ أن اللَّهَ عز وجل قالَ لموسى على نبيِّنا

وعليهِ أفضلُ الصلاةِ والسلامِ حينَ سألَهُ أينَ أجدكَ؟

قالَ: عندَ المنكسرةِ قلوبُهُم من أجلي، فإني أدْنو منهُم كلَّ يوم باعًا ولولا ذلكَ انهدَموا.

وروِي عن عبدِ اللَّهِ بي سلامٍ أنه فسرهُ فقال: هم المنكسرة قلوبُهُم بحبِّ

اللَّهِ عن حبِّ غيرهِ، وفي الحديثِ المشهورِ المرفوع:

"أنَّ اللَهَ تعالى إذا تجلَّى لشيء من خلقِهِ خشعَ له "

فإذا تجلَّى لقلوبِ العارفينَ عظمةُ اللَّهِ وجلالهُ وكبرياؤه

اندكت قلوبهم من هيبتِهِ وخشعتْ وانكسرتْ من محبَّتِهِ ومخافتِهِ:

مساكينُ أهلِ الحبِّ حتى قبورُهم. . . عليها ترابُ الذلِّ بينَ المقابرِ

فالمسكينُ في الحقيقةِ من استكانَ قلبُهُ لربه وخشعَ من خشيتِهِ ولا يكونُ

المسكينُ ممدوحًا بدونِ هذه الصفةِ، فإنَّ من لم يخشعْ قلبُهُ معَ فقرِه وحاجتِهِ

فهوَ جبار كتلكَ الأمة السوداء التي قالَ فيها النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إنَّها جبَّارةٌ"

وهو إما عائلٌ مستكبر أو فقير مختالٌ، وكلاهما لا ينظرُ اللَهُ إليه يومَ القيامةِ، فالمؤمنُ من يستكينُ قلبُهُ لربِّه ويخشعُ له ويتواضعُ ويظهرُ مسكنتهُ وفاقتَه إليهِ في الشدَّةِ والرخاءِ، أما في حالِ الرخاءِ فإظهارُ الذل والعبوديةِ والفاقةِ والحاجةِ إلى كشفِ الضر قالَ تعالى:

(وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَعُونَ) ، فذمَّ من لا يستكينُ لربِّهِ عندَ الشدةِ، وكانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم

يخرجُ عندَ الاستسقاءِ متخشعًا متمسكنًا.

وحُبسَ لمطرفِ بنِ عبد اللَّهِ قريبٌ له لبسَ خلقانَ ثيابهِ، وأخذ بيده قصبةً

ص: 204

وقالَ: أتمسكنُ لربِّي لعلَّهُ يشفعني فيه.

ومما يشرعُ فيه التمسكنُ للَّهِ عز وجل حالَ الصلاةِ كما في حديثِ الفضلِ

بنِ عباس عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:

"الصلاةُ مثْنَي مثْنَي تشهدُ في كلِّ ركعتينِ وتخشعُ وتضرع وتمسكنُ وتقنعْ يديكَ - يقولُ ترفعهُما - وتقولُ: ياربِّ ثلاثا، فمن لم يفعلْ ذلكَ

فهي خداجٌ "

خرَّجهُ الترمذيُّ وغيره.

وكذلكَ يشرعُ إظهارُ المسكنةِ في الدعاءِ، خرَّجَ الطبراني من حديثِ ابنِ

عباسٍ قالَ: "رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يدعوُ بعرفةَ ويداهُ إلى صدره كاستطعامِ المسكينِ ".

ومن حديثِهِ أيضاً أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ في دعائِهِ عشيةَ عرفةَ:

"أنا البائسُ الفقيرُ المسغيثُ المستجيرُ الوجلُ المشفقُ المقرُّ المعترفُ بذنبِهِ، أسألكَ مسألةَ المسكينِ، وأبتهلُ إليكَ ابتهالَ المذنبِ الذليلِ، وأدعوكَ دعاءَ الخائفِ الضرير ".

وكان بعضُ السلفِ يجلسُ بالليلِ مطرقًا رأسَهُ ويمدُّ يديهِ وهو ساكَتٌ كحالِ

المسكينِ المستعطِي.

وقالَ طاوس: دخلَ عليٌّ بنُ الحسينِ الحِجْرَ ليلةً فصلَّى

فسمعتُهُ يقولُ في سجودِهِ: عُبيدُكَ بفنائِكَ، مسكينُكَ بفنائِكَ، فقيرُكَ

بفنائِكَ، سائلُكَ بفنائِكَ، قالَ طاوس: فحفظتُهنَّ فما دعوتُ بهنَّ في كربٍ

إلَاّ فرجَ عنَّي.

وكان بعضُ العبادِ قد حجَّ ثمانينَ حجةً على قدميهِ فبينَما هوَ

في الطوافِ وهوَ يقولُ: ياحبيبي ياحبيبي، فهتفَ هاتفٌ: ليسَ ترضَى أن

تكونَ مسكينًا حتى تكون حبيبا فغشيَ عليه، فكانَ بعد ذلكَ يقولُ:

مسكينُك، مسكينُك.

ص: 205

شعرٌ لابنِ تيميةَ شيخ الإسلامِ رحمه الله:

أنا الفقيرُ إلى ربِّ السماواتِ. . . أنا المستكينُ في مجموع حالاتي

أنا الظلومُ لنفسِي وهي ظالمتي. . . والخيرُ إن جاءَهَا من عندِهِ ياتي

قولهُ صلى الله عليه وسلم:

"وأن تغفَر لي وترحمني "

المغفرةُ والرحمةُ يجمعانِ خيرَ الآخرةِ كلَّهُ؛ لأن المغفرةَ سترُ الذنبِ مع وقايةِ شرِّه، وقد قيلَ: إنه لا تجتمعُ المغفرةُ مع عقوبةِ الذنبِ حيثُ كانتِ المغفرةُ وقايةً لشرِّ الذنبِ، وهذا لا يكونُ مع عقوبةٍ عليهِ، ولذلكَ سمِّي المغفرُ مغفرًا لأنه يستُرُ الرأسَ ويقيهِ الأذَى، وهذا بخلافِ العفوِ فإنَه يكونُ تارةً قبلَ العقوبةِ وتارةً بعدها.

وأمَّا الرحمةُ فهيَ دخولُ الجنةِ، وعلو درجاتِها، وجميع ما في الجنةِ من النعيم بالمخلوقاتِ ومنْ رضَى اللَّهِ عز وجل وقربِهِ ومشاهدتِهِ وزيارتِهِ فإنَّه من رحمةِ اللَّهِ تعالَى، وفي الحديثِ الصحيح:

"إنَّ اللَّهَ عز وجل يقولُ للجنةِ: أنتِ رحمتِي أرحمُ بكِ من أشاءُ من عبادِي "

فكلُّ ما في الجنةِ فهُو من رحمةِ اللهِ عز وجل وإنَّما تُنالُ برحمِتِه

لا بالعملِ كما قالَ صلى الله عليه وسلم:

"لن يدخلَ أحدٌ منكُمُ الجنةَ بعمله، قالُواْ ولا أنتَ يا رسولَ اللَّهِ؟

قالَ: ولا أنا إلا أن يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ برحمتِهِ ".

قولُه صلى الله عليه وسلم:

"وإذا أردتَ بقومٍ فتنةً فاقبضْنِي إليكَ غيرَ مفتونٍ ".

المقصودُ من هذا الدعاءِ سلامةُ العبدِ من فتن الدنيا مدةَ حياتِهِ فإنْ قدَّر اللَّهُ عز وجل على عبادِه فتنة قبضَ عبدَهُ إليهِ قبلَ وقوعها وهذا من أهمِّ الأدعيةِ فإنَّ المؤمن إذا عاشَ سليمًا من الفتن ثم قبضَهُ اللَّهُ قبل وقوعِهَا وحصولِ الناسِ فيها كانَ في ذلكَ نجاةٌ له من الشرِّ وقد أمرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابَهُ أن يتعوَّذوا من الفتن ما ظهرَ منها

ص: 206

وما بطَنَ، وفي حديثٍ آخرَ "وجنِّبنا الفواحشَ والفتنَ ما ظهرَ منها وما بطنَ "، وكانَ يخصُّ بعضَ الفتنِ العظيمة بالذكرِ، وكان يتعوذُ باللَّهِ في صلاتهِ من

أربع ويأمرُ بالتعوذِ منها

"أعوذُ باللًّهِ من عذابِ جهنمَ، ومن عذابِ القبرِ، ومن فتنةِ

المحيا والمماتِ، ومن فتنةِ المسيح الدجال "

ففتنةُ المحيا تدخلُ فيها فتنُ الدِّينِ والدنيا كلُّها كالكفرِ والبدع والفسوقِ والعصيانِ، وفتن المماتِ يدخلُ فيها سوءُ الخاتمةِ، وفتنةُ الملكينِ في القبرِ فإنَّ الناسَ يفتنونَ في قبورهم مثلَ أو قريبًا من فتنة الدجالِ، ثم خصَّ فتنةَ الدجالِ بالذكرِ لعظم موقِعهَا فإنه لم يكن في الدُّنَيا فتنةٌ قبل يومِ القيامةِ أعظمُ منها وكلما قربَ الزمانُ من الساعةِ كثُرتِ الفتن.

وفي حديث معاويةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ قالَ:

"إنه لم يبقَ من الدنيا إلا بلاءٌ وفتنةٌ "

وأخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن الفتنِ التي كقطع الليلِ المظلم يصبح الرجل فيها مؤمِنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبحُ كافرًا يبيعُ دينَهُ بعرِضٍ من الدنيا.

وكان أولُ هذه الفتنِ ما حدثَ بعدَ عمرَ رضي الله عنه ونشأ من تلكَ قتلُ عثمانَ رضي الله عنه وما ترتبَ عليهِ من إراقةِ الدماءِ وتفرق القلوبِ وظهورِ فتن الدينِ كبدع الخوارج المارقينَ من الدينِ وإظهارهم ما أظهروا، ثم ظهورُ بدع أهلِ القدرِ والرفضِ ونحوِهِم، وهذه هي الفتنُ التي تموجُ كموج البحرِ المذكورةُ في حديثِ حذيفةَ المشهورِ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم حينَ سألَهُ عنها عمرُ وكان حذيفةُ رضي الله عنه

.

ص: 207

من أكثرِ الناسِ سؤالاً للنبيِّ صلى الله عليه وسلم عن الفتن خوفا من الوقوع فيها، ولما حضرَهُ الموتُ قال: حبيبٌ جاءَ على فاقةٍ لا أفلَحَ من ندِمَ، الحمدُ للَّهِ الذي سبقت بي الفتنة قادتها وعلوجها.

وكان موتُه قبلَ قتلِ عثمانَ بنحو من أربعين يومًا وقيلَ: بل ماتَ بعدَ قتلِ

عثمانَ.

وكانَ في تلكَ الأيامِ رجلٌ من الصحابةِ نائمًا فأتاهُ آتٍ في منامهِ فقال

له: قمْ، فاسأل اللَّهَ أن يعيذَك من الفتنةِ التي أعاذَ منها صالحَ عبادِهِ، فقام

فتوضَّأ وصلَّى ثم اشتكَى وماتَ بعد قليلٍ.

وقد رويَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنهُ قال لرجل:

"إذا مت أنا وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ فإن استطعتَ أنْ تموتَ فمُتْ "

وهذا إشارةٌ إلى هذه الفتن التي وقدتْ بمقتلِ عثمانَ رضي الله عنه.

والدعاءُ بالموتِ خشيةَ الفتنةِ في الدينِ جائزٌ وقد دعا به الصحابةُ رضي الله عنهم والصالحونَ بعدَهم، ولما حجَّ عمرُ رضي الله عنه آخرَ حجَّة حجَّها استلقى بالأبطح ثم رفعَ يديهِ وقالَ: اللهمُّ إنه قد كبرَ سنِّي ورقَّ عظمي وانتشرتْ رعيتي فاقبضني إليكَ غيرَ مُضيِّع ولا مفتون، ثم رجع إلى المدينة، فما انسلخَ حتى قتلَ رضي الله عنه.

ودعا عليٌّ ربَّهُ أن يريحهُ من رعيتِه حيثُ سَئمَ منهم فقتلَ عن قريبٍ.

ودعتْ زينبُ بنتُ جحشٍ رضي الله عنها لما جاءَها عطاءُ عمرَ من المال فاستكثرتهُ وقالتْ: اللهمَّ لا يدركني عطاءٌ لعمرَ بعدَها فماتت قبلَ العطاءِ الثاني.

ولما ضجَرَ عمرُ بنُ عبدُ العزيزِ من رعيتِهِ حيثُ ثقلَ عليهم قيامُهُ فيهِم بالحقِّ

ص: 208

طلبَ من رجلٍ كان معروفًا بإجابةِ الدعوةِ أن يدعوَ له بالموتِ فدعَا له ولنفسِه

بالموتِ فماتا.

ودُعي طائفةٌ من السلفِ الصالح إلى ولايةِ القضاءِ فاستُمهلوا ثلاثةَ أيامٍ

فدعَوا اللَّهَ لأنفسِهِم بالموتِ فماتوا.

واطُّلعَ على حال بعض الصالحينَ ومعاملاتِهِ التي كانتْ سرًّا بينه وبينَ ربِّه.

فدعا اللَّهَ أن يقبضهُ إليه خوفًا من فتنةِ الاشتهارِ، فماتَ فإنَّ الشهرةَ بالخيرِ

فتنةٌ، كما جاءَ فى الحديثِ

"كفَى بالمرءِ فتنة أن يشارَ إليه بالأصابع فإنَّها فتنةٌ"

وكان سفيانُ الثوريّ يتمنَّى الموتَ كثيرًا فسئل عن ذلكَ فقال: ما يدريني لعلِّي أدخلُ في بدعةٍ، لعلِّي أدخلُ فيما لا يحلَّ لي، لعلي أدخلُ في فتنةٍ أكون قدْ متُّ فسبقتُ هذا.

واعلم أن الإنسانَ لا يخلو من فتنةٍ.

قال ابن مسعودٍ رضي الله عنه:

لا يقلْ أحدُكم أعوذُ باللَّهِ من الفتنِ ولكن ليقلْ: أعوذُ باللَّهِ من مضلاتِ الفتنِ ثم تلا قوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) يشيرُ إلى أنه لا يستعاذُ

من المال والولد وهما فتنةٌ.

وفي "المسندِ" أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمرَ أمَّ سلمةَ أن تقولَ:

"اللهمَّ ربَّ النبيًّ محمدٍ اغفرْ لي ذنبي، وأذهِبْ غيظ قلبِي، وأجرنِي من مضلات الفتنِ ما أبقيتَنِي "

وقد جعلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم النساءَ والأموال فتنةً ففي "الصحيح " عنه صلى الله عليه وسلم قالَ: "

مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ"

وفيه أيضًا أنهُ صلى الله عليه وسلم -

ص: 209

قالَ: "واللَّهِ ما الفقرُ أخشَى عليكم، ولكنْ أخشَى أن تبسطَ عليكُم الدُّنيا كما بسطَتْ على من كانَ قبلَكم، فتنافسوها كما تنافسوهَا فتهلكهمُ كما أهلكتهُم ".

وفي "صحيح مسلم " عنه صلى الله عليه وسلم قالَ:

"اتَّقوا النساءَ فإنَّ أولَ فتنةَ بني إسرائيلَ

كانتْ في النساء" وفي الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قالَ:

"لكلِّ أمةٍ فتنةٌ، وفتنةُ أمَّتي المالُ "

وقد قالَ اللًّهُ عز وجل:

(وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُون وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) .

فالرجلُ فتنة للمرأةِ، والمرأةُ فتنة للرجلِ، والغني فتنة للفقير، والفقيرُ فتنة

للغنيِّ، والفاجرُ فتنة للبرِّ، والبرُّ فتنة للفاجرِ، والكافرُ فتنة للمؤمنِ، والمؤمنُ

فتنة للكافرِ، كما قالَ اللَّهُ تعاليَ:(وَكذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ ليَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشاكِرِينَ) .

وقالَ عز وجل: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّر وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) .

فجعلَ كلَّ ما يصيبُ الإنسانَ من شر أو خيرٍ فتنةً يعني أنهُ محنة يمتحنُ بها

فإنْ أصيبَ بخير استحقَّ به شكرَه، وإن أصيبَ بسوءٍ استحقَّ به صبره، وفتنةُ

السراءِ أشدُّ من فتنةِ الضراءِ.

قالَ عبدُ الرحمنِ بن عوفٍ رضي الله عنه

بُلينا بفتنةِ الضراءِ فصبرْنَا، وبُلينا بفتنةِ السراءِ فلم نصبرْ.

قالَ بعضُهُم: فتنةُ الضراءِ يصبرُ عليها البر والفاجرُ ولا يصبرُ على فتنةِ السراءِ إلَاّ صدِّيقٌ.

ولما ابتليَ الإمامُ أحمدُ بفتنةِ الضراءِ صبرَ ولم يجزعْ وقالَ: كانتْ زيادةً في

إيماني، فلما ابتلي بفتنةِ السراءِ جزعَ وتَمَنَّى الموتَ صباحة ومساءً وخَشيَ أنْ

يكونَ نقصًا في دينهِ.

ص: 210

ثمَّ إن المؤمنَ لابدَّ أنْ يفتنَ بشي من الفتن - المؤلمةِ الشاقةِ عليه ليمُتحنَ

إيمانهُ، كما قالَ اللَّهُ تعالى:(الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) .

ولكنَّ اللَّهَ يلطُفُ بعباده المؤمنينَ في هذهِ الفتن ويصبرُهُم عليها، ويثيبُهُم

فيها، ولا يلقيهم في فتنةٍ مهلكةٍ مضلةٍ تذهبُ بدينِهم، بل تمرّ عليهِم الفتنُ

وهم منها في عافية.

وأخرجَ ابنُ أبي الدنيا من حديثِ ابنِ عمرَ مرفوعا

" إنَّ للهِ ضنائنُ منْ عبادِهِ يغذُوهُم في رحمتِهِ ويحييهم في عافيةٍ ويتوفاهُم إلي جنتهِ أولئكَ الذينَ تمرّ عليهِم الفتنُ كقطع الليل المظلم، وهم منهَا في عافية" والفتن الصغارُ التي يُبْتَلى بها المرءُ في أهلهِ ومالِهِ وولدِهِ وجاره تكفِّرُها الطًاعاتُ من الصلاةِ والصيامِ والصدقةِ، لذا جاءَ في حديثِ حذيفةَ.

ورُويَ عنهُ أنَّه سألَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ:

إن في لساني ذرباً وإنَّ عامةَ ذلكَ على أهلي؟

فقالَ لهُ: " أينَ أنتَ منَ الاستغفارِ؟ ".

وأما الفتنُ المضلةُ التي يُخشَى منها فسادُ الدينِ فهيَ التي يُستعاذُ مِنْهَا

ويسألُ الموتُ قبلَهَا، فمنْ ماتَ قبلَ وقوعِهِ في شيء من هذهِ الفتن فقدْ حفظَهُ

اللَّهُ تعالَى وحماهُ.

وفي "المسندِ" عن محمودِ بن لبيدٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:

"اثنتان يكرَهُهُمَا ابنُ آدمَ: يكرهُ الموتَ، والموتُ خيرٌ للمؤمنِ من الفتنِ، ويكرهُ قلةَ المالِ، وقلة المالِ أقلُّ للحسابِ ".

ص: 211

قولهُ صلى الله عليه وسلم

"وأسألكَ حبَّك وحبَّ من يحبُّك وحبَّ العملِ الذَّي يُبلغُني حبَّك"

هذا الدعاءُ يجمعُ كلَّ خيرٍ، فإن الأفعالَ الاختياريةَ من العبادِ إنما تنشأُ عن محبةٍ وإرادةٍ، فإنْ كانتْ محبةُ الله ثابتةً في قلبِ العبدِ نشأتْ عنهَا حركاتُ الجوارح فكانتْ بحسبِ ما يحبُّه اللَّهُ ويرتضِيهِ، فأحبَّ ما يحبُّه اللَّهُ عز وجل من الأعمالِ والأقوالِ كُلِّها، ففعلَ حينئذٍ الخيراتِ كُلَّها وتركَ المنكراتِ كلَّها، وأحبَّ من يحبُّه الله من خلقه، وهذا الدعاءُ كانتِ الأنبياءُ عليهم السلام

يدعونَ به كما في الترمذي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم:

"أن داودَ عليه السلام كان يقولُ:

اللهمَّ إنِّي أسألكَ حبَّكَ وحبَّ من يحبُّكَ، وحبَّ عملٍ يبلغني إلى حبِّك، اللهُم اجعلْ حبَّكَ أحبَّ إليَّ من نفسي وأهلِي ومن الماء الباردِ"

وفيه أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو:

"اللهمَّ ارزقني حبَّكَ، وحبَّ من يحبُّكَ، وحبَّ عملٍ يبلغني إلى حبك، اللهمَّ ما رزقتَني مما أحبُّ فاجعلهُ قوةً لي فيما تحبُّ.

وما زويتَ عني مما أحبُّ فاجعلهُ فراغًا لي فيما تحبُّ ".

وفي حديثٍ مرسلٍ خرَّجهُ ابنُ أبي الدنيا وغيرُه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كَان يقولُ:

"اللهمَّ اجعلْ حبَّكَ أحبَّ الأشياءِ إليَّ، وخشيتَكَ أخوفُ الأشياءِ عنْدِي واقطعْ عنِّي حاجاتِ الدُّنيا بالشوقِ إلى لقائكَ وإذا أقررتَ أعينَ أهلِ الدنيا من دنياهم فأقررْ عيني في عبادتكَ "

ومن كانَ همُّه طلبَ محبةِ اللهِ عز وجل أعطاهُ اللَّهُ فوق ما يريدُهُ

من الدُّنيا تبعًا.

قال بعضُ السلفِ: لما توفِّي داودُ عليه السلام أرسلَ اللَّهُ عز وجل إلى

سليمانَ عليه السلام ألكَ حاجةٌ تسألني إيَّاها؟

فقالَ سليمانُ: أسألُ اللَّهَ أن يجعلَ قلبي يحبُّه كما كانَ قلبُ أبي داودَ يحبُّه، وأن يجعلَ قلبِي يخشاهُ كما

ص: 212

كانَ قلبُ أبي داودَ يخشاهُ، فشكرَ اللَّهُ لهُ ذلكَ وأعطاهُ مُلْكًا لا ينبغي لأحدٍ

من بعده.

ومحبةُ اللَّهِ تعالَى على درجتينِ:

إحداهما: واجبةٌ وهيَ المحبةُ التي توجبُ للعبِد محبةَ ما يحبُّه اللَّهُ من

الواجباتِ وكراهةِ ما يكرهُهُ من المحرماتِ، فإنَّ المحبةَ التامةَ تقتضِي الموافقةَ

لمن يحبُّه في محبةِ ما يحبُّه وكراهةِ ما يكرههُ خصوصًا فيما يحبُّه ويكرهُهُ من

المحبِّ نفسِهِ، فلا تصحُّ المحبةُ بدونِ فعلِ ما يحبُّه المحبوب من مُحبَهِ وكراهةِ

ما يكرهُهُ المحبوبُ من محبيهِ، وسئلَ بعضُ العارفينَ عن المحبةِ فقالَ: الموافقةُ

في جميع الأحوالِ وأنشدَ:

ولو قلتَ لي مُتْ مُتُّ سمعًا وطاعة. . . وقلتُ لداعي الموتِ أهلاً ومرحبًا

وأنشدَ بعضُهُم:

تعصِي الإلهَ وأنتَ تزعمُ حبَّهُ. . . هذا لعمري في القِياسِ فظيعُ

لو كانَ حبُّكَ صادقًا لأطعتهُ. . . إن المحبَّ لمنْ يحبُّ مطيعُ

ومتى أخلَّ العبدُ ببعضِ الواجباتِ أو ارتكبَ بعضَ المحرماتِ فمحبّته لربِّهِ

غيرُ تامَّةٍ، فالواجبُ عليهِ المبادرةُ بالتوبةِ، والاجتهادُ في تكميلِ المحبةِ المفضيةِ

لفعلِ الواجباتِ كلِّها، واجتنابِ المحرماتِ كلِّها، وهذا معنى قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

" لا يزني الزانِي حينَ يزني وهو مؤمن ولا يسرقُ السارقُ حينَ يسرقُ وهوَ مؤمن ولا يشربُ الخمرَ حينَ يشربُها وهو مؤمنٌ "

فإنَّ الإيمانَ الكاملَ يقتضِي محبَّة ما يحبُّه اللَّهُ، وكراهةَ ما يكرهُهُ اللَّهُ عز وجل، والعملَ بمقتضَى ذلكَ فلا يرتكب أحدٌ

ص: 213

شيئًا من المحرماتِ أو يخلّ بشيءٍ من الواجباتِ إلا لتقديمِ هوى النفسِ

المقتضي لارتكابِ ذلكَ على محبةِ اللَّهِ تعالَى المقتضيةِ لخلافِهِ.

الدرجةُ الثانيةُ من المحبةِ: درجةٌ المقربينَ وهيَ: أنْ يمتلئَ القلبُ بمحبةِ اللَّهِ

تعالِى حتى توجبَ له محبةَ النوافلِ والاجتهادَ فيها وكراهةَ المكروهاتِ

والانكفافَ عنها، والرِّضا بالأقضيةِ والأقدارِ المؤلمةِ للنفوسِ لصدورها عن

المحبوبِ، كما قالَ عامرُ بنُ قيس:

أحببتُ اللَّهَ حبًا هوَّنَ عليَّ كلَّ مصيبةٍ، ورضَّاني بكلِّ بليةٍ، فلا أبالي معًّ حَبِّي إياهُ على ما أصبحتُ ولا على ما أمسيتُ.

وقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيز لما ماتَ ولدُهُ الصالحُ: إن اللَّهَ أحبَّ قبضَهُ، وإني

أعوذُ باللَّهِ أن يكونَ لي محبةٌ في شيءٍ من الأمورِ يخالفُ محبةَ اللَّهِ، وكانَ

يقولُ:

إذا أصبحتُ فما لي سرورٌ. . . إلا في مواقع القضاءِ والقدرِ.

يا من يعَزُّ علينا أن نفارِقَهم. . . وجداننَا كل شيءٍ بعدَكُم عدمُ

إن كانَ سرَّكم ما قد بليتُ بهِ. . . فما لجُرحٍ إذا أرضَاكمُ ألمُ

وحسبُ سلطانِ الهوى أن يلذَّ فيه كلُّ ما يؤلمُ.

كان عمارُ بنُ ياسرٍ يقولُ: اللهمَّ لو أعلمُ أنَّه أرْضَى لك أن أرمي بنفسِي

من هذا الجبلِ فأتردَّى فأسقطُ فعلتُ، ولو أعلمُ أنَّه أرضى لكَ أن أوقدَ نارًا

عظيمَةً فأقعُ فيها فعلتُ، ولو أعلمُ أنَّه أرْضى لكَ عنِّي أن ألقِي نفسي في الماءِ

فأغرِق نفسي فعلتُ، ولا أقولُ هذا إلا وأريدُ وجهَكَ وأنا أرجو أن لا تخيبني

وأنا أريدُ وجهَكَ.

وقُتِلَ لبعضِ الصالحين ولدانِ في الجهادِ فعزاهُ الناسُ فيهما فبكى وقالَ:

ص: 214

إنِّي ما أبْكِي لفقدهمَا إنما أبكانِي كيفَ كانَ رضاهُما عن اللهِ حيثُ أخذْتهُما

السيوفُ.

وكانَ بعضُ العارفينَ يطوفُ بالبيتِ فتجمعتِ القرامطةُ على الناس قتلُوهم

في الطوافِ فوصلُوا إليه فلم يقطع الطوافَ حتى سقطَ من ظربِ السيوفِ

صريعًا وأنشدَ:

واللَّهِ لو حلفَ العشاقُ أنهُمُ موتى. . . من الحبِّ ما ماتُوا وما حنثُوا

ترى المحبِّين صرْعى في ديارِهمُ. . . كَفِتْيةِ الكهفِ لا يدرونَ كم لبِثوا

أقلُّ ثمنِ المحبةِ بذل الروح.

بدمِ المحبِّ يُبَاعُ وصلُهُم. . . فمن الذي يبْتَاعُ بالثمنِ

قال بعضُ العارفينَ: إن كنت تسمحُ ببذل روحكَ في هذه الطريقِ وإلا فلا

تشتغلْ بالتُرَّهَات:

خاطرْ بروحكَ في هَوانَا واسترحْ. . . إنْ شئتَ تحظى بالمحل الأعظمِ

لا يشغلنَّكَ شاغِلٌ عن وصلِنا. . . وانهضْ على قدمِ الرجاءِ واقدمِ

ولما كانتْ محبةُ اللَّهِ عز وجل لها لوازمٌ وهي محبةُ ما يحبُّه اللَّهُ عز وجل

من الأشخاصِ والأعمال، وكراهةِ ما يكرههُ من ذلكَ سأل النبيُّ صلى الله عليه وسلم اللَّهَ تعالَى مع محبته محبةَ شيئينِ آخرينِ:

أحدُهما: محبةُ من يحبُّ ما يحبُّه اللَّهُ تَعالى فإن من أحبَّ اللَّهَ أحبَّ أحباءهَ

فيهِ ووالاهم وأبغضَ أعداءَهُ وعاداهم.

كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:

"ثلاثٌ من كنَّ فيه وجدَ بهنَّ حلاوةَ الإيمانِ، أن يكونَ اللَهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهُما، وأن يحبَّ المرءَ لا يحبُّه إلا للَّهِ، وأن يكرَه أنْ يعودَ في الكفرِ بعدَ إذ اْنقذهُ اللَّهُ منه كما يكرهُ أن يلقَى في النارِ".

ص: 215

وأعظم من تجبُ محبّتهُ في اللَّهِ تعالَى أنبياؤهُ ورسلهُ وأعظمُهم نبيُّه محمدٌ

صلى الله عليه وسلم الذي افترضَ اللَّهُ على الخلقِ كلِّهم متابعتَهُ، وجعلَ متابعتَهُ علامةً لصحةِ محبتِهِ، كما قالَ تعالى:

(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) .

وتوعدَ من قدَّم محبةَ شيءٍ من المخلوقينَ على محبتهِ ومحبةِ رسولهِ صلى الله عليه وسلم ومحبة الجهادِ في سبيلِهِ في قوله تعالى:

(قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا) .

ووصفَ المحبينَ لهُ باللينِ للمؤمنينَ والرأفةِ بهم والمحبةِ لهم والشدةِ

على الكافرينَ والبغضِ لهم والجهادِ في سبيله فقال:

(فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ) الآية.

والثاني: محبة ما يحبُّه اللَّهُ تعالى من الأعمالِ وبها يبلغُ إلى حبِّه وفي هذا

إشارةٌ إلى أنَّ درجةَ المحبةِ للَّهِ تعالَى إنَّما تنالُ بطاعتِهِ وبفعلِ ما يحبُّه فإذا

امتثلَ العبدُ أوامرَ مولاهُ وفعلَ ما يحبُّه أحبَّهُ اللَّهُ تعالَى ورقَّاه إلى درجةِ

محبتهِ، كما في الحديثِ الإلهي الذي خرَّجهُ البخاريُّ:

"وما تقربَ إليَّ عبدي بمثلِ ما افترضتُ عليهِ ولا يزالُ عبدي يتقربُ إليَّ بالنوافلِ حتى أحبَّه".

فأفضلُ ما تُستجلبُ به محبةُ اللَّهِ عز وجل فعلُ الواجباتِ وتركُ

المحرماتِ، ولهذا جعلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم من علاماتِ وجدانِ حلاوةِ الإيمان أن تكرَهَ

ص: 216

أنْ ترجعَ إلى الكفرِ كما تكرهُ أن تُلقَى في النار.

وسئلَ ذو النونِ متى أحبُّ ربِّي؟

قالَ: إذا كان ما يكرههُ عندَكَ أمرُّ من الصبرِ، ثمَّ بعدَ ذلكَ الاجتهادُ في

نوافلِ الطاعاتِ وتركُ دقائقِ المكروهاتِ والمشتبهاتِ، ومن أعظم ما تحصُلُ به

محبةُ اللَّهِ من النوافلِ تلاوةُ القرآنِ وخصوصًا مع التدبرِ.

قال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه:

لا يسألُ أحدُكم عن نفسِهِ إلا القرآنَ، فمنْ أحبَّ القرآنَ فهو يحبُّ اللَّهُ ورسولَه.

ولهذا قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لمنْ قالَ إني أحبُّ سورةَ

"قلْ هو اللَّهُ أحدٌ" لأنَّها صفةُ الرحمنِ فقالَ: "أخبروه أنَّ اللَّهَ يحبُّه ".

وقالَ أبو سلمةَ بنُ عبد الرحمنِ: لما قدِم النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينةَ خطبَ فقالَ في خطبتهِ:

"إنَّ أحسنَ الحديثِ كتابُ اللَّهِ، قد أفلحَ من زينَهُ اللَّهُ في قلبهِ وأدخَلَهُ في الإسلامِ بعدَ الكفرِ، واختارَهُ على ما سواهُ من الأحاديث، إنه أحسنُ الحديث وأبلغهُ، أحبُوا من أحبَّ اللَّهَ وأحبُّوا اللَّه من كلِّ قلوبكم ".

وكان بعضُهم يكثرُ من تلاوةِ القرآنِ ثمَّ فترَ عن ذلك فرأى في المنامِ قائلاً

يقولُ له:

إن كنتَ تزعمُ حبِّي. . . فلم جفوتَ كتابي

أما تدبرتَ ما فيه. . . من لطيف عِتابِي

فاستيقظ وعادَ إلى تلاوتِه:

ومن الأعمالِ التي توصِّلُ إلى محبةِ اللهِ تعالَى وهيَ من أعظمِ علامات

المحبينَ كثرةُ ذِكرِ اللَّهِ عز وجل بالقلبِ واللسان.

قالَ بعضُهم: ما أدمنَ أحد ذكرَ اللَّهِ إلا أفادتْهُ منهُ محبةَ اللَّهِ تعالَى.

وقالَ ذو النونِ: من أدمن ذكرَ اللَّهِ

ص: 217

قذفَ اللَّهُ في قلبِهِ نورَ الاشتياقِ إليهِ، وقالَ بعضُ التابعينَ: علامةُ حبِّ اللَّه

كثرةُ ذكر، فإنكَ لن تحبَّ شيئًا إلا أكثرتَ ذكرَهُ، وقالَ فتحٌ الموصليُّ: المحبُّ للهِ لا يجدُ مع حبِّ اللهِ للدنيا لذةً ولا يغفلُ عن ذكرِ اللَّهِ طرفَة عينٍ.

المحبونَ إن نطقوا نطقُوا بالذكرِ، وإن سكتُوا اشتغلوا بالفكرِ:

فإن نطقتُ فلم ألفظْ بغيركم. . . وإن سكتُّ فأنتم عند إضْمارِي

ومن علامات المحبينَ للهِ وهو مما يحصلُ به المحبةُ أيضًا حبُّ الخلوةِ بمناجاةِ

اللَّهِ تعالى وخصوصًا في ظلمةِ الليلِ:

الليلُ لي ولأحبابي أسامرُهم. . . قد اصطفيتُهم كي يسمعوا ويعوا

قالَ الفضيلُ: يقولُ اللَهُ عز وجل:

كذبَ من ادَعَى محبَّتي فإذا جَنَّهُ الليلُ نام عنِّي.

أليسَ كل حبيبٍ يحبُّ الخلوةَ بحبيبهِ؟

ها أنا مُطَّلعٌ على أحبابي إذا جنَّهُمُ الليلُ جعلتُ أبصارهُم في قلوبهم، ومثلتُ نفسِي بينَ أعينِهم فخاطبوني على المشاهدةِ، وكلَّموني على حضوري، غدًا أقرُّ عينَ أحبَابي في جنَاتي:

تنامُ عيناكَ وتشكُو الهوى. . . لو كنتَ صبًّا لم تكنْ نائمًا

قلوبُ المحبينَ جمرةٌ تحتَ فحمةِ الليلِ كلما هبَّ عليها نسيمُ السحرِ

التهبَتْ، وأنشد:

يذكِّرُني مرُّ النسيم عهودكمُ. . . فأزدادُ شوقًا كلَّما هبتِ الريحُ

أرَاني إذا ما أظلمَ الليلُ أشرقتْ. . . بقلبِي منْ نارِ الغرامِ مصابيحُ

كلما جنَ الغاسقُ حن العاشقُ.

لو أنَّكَ أبصرتَ أهلَ الهوى. . . إذا غابتِ الأنجمُ الطُّلعُ

ص: 218

فهذا ينوحُ على ذنبِهِ. . . وهذا يصلِّي وذا يركعُ

من لم يكنْ له مثلُ تقواهُم لم يدرِ ما الذي أبكاهُم، ومن لم يشاهدْ جمالَ

يوسفَ لم يدرِ ما الذي آلمَ قلبَ يعقوبَ، وسئلَ السّريُّ السقَطيُّ عن حالِهِ

فأنشدَ:

من لم يبتْ والحبُّ حشوَ فؤادِهِ. . . لم يدرِكيفَ تفتتُ الأكبادُ

أين رجالُ الليلِ؛ أين ابنُ أدهمَ والفضيلُ؛ ذهبَ الأبطالُ وبقيَ كلُّ بطالٍ.

يا من رضِيَ من الزهدِ بالزي، ومن الفقرِ بالاسم، ومن التصوفِ بالصوف.

ومن التسبيح بالسبح، أينَ فضلُ الفضيل؟ أين جدُّ الجنيدِ؟ أين سرُّ السريًّ؟ أين بشر أين إبراهيم بن أدهمَ؟ ويحَكَ إن لم تقدرْ على معرفةِ معروفٍ فاندُبْ على ربع رابعةَ وأنشد:

هاتيكَ رُبوعَهم وفيها كانُوا. . . بانُوا عنْهَا فَلْيَتَّهِم ما بانوا

ناديتُ وفي حشَاشتي نيرانُ. . . يا دارُ متى تحوَّلَ السكانُ

يا من كان له قلبٌ فانقلبَ، يا من كان له وقتٌ مع اللَّهِ فذهبَ، قيامُ

الأسحارِ يستوحشُ لكَ، صيامُ النهارِ يسألُ عنكَ، ليالي الوصالِ تعاتبكَ على انقطاعكَ:

تشَاغلتمُ عنَّا بصحبةِ غيرِنا. . . وأظهرتُم الهجْرَانَ ما هكذا كنَّا

وأقسمتُم أن لا تحولُوا عَنِ الهوى. . . فقد وحياةِ الحبِّ حلتُم وما حُلنا

ليالي كنَّا نجتَني من ثمارِكم. . . فقلبي إلى تلكَ الليالِي لقدْ حنَّا

إخواني مجَالسُ الذكرِ شرابُ المحبينَ وترياقُ المذنبينَ، قد علمَ كلُّ أناسٍ

مشرَبهم، مجالسُ الذكرِ مآتم الأحزانِ فهذا يبكي لذنوبِه، وهذا يندبُ

ص: 219