الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَجَلَّ قَالَ: «قَالَ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَارْتِفَاعِي فوق عرشي، ما من قَرْيَةٍ وَلَا أَهْلِ بَيْتٍ كَانُوا عَلَى مَا كَرِهْتُ مِنْ مَعْصِيَتِي ثُمَّ تَحَوَّلُوا عَنْهَا إِلَى مَا أَحْبَبْتُ مِنْ طَاعَتِي، إِلَّا تَحَوَّلْتُ لَهُمْ عَمَّا يَكْرَهُونَ مِنْ عَذَابِي إِلَى مَا يُحِبُّونَ مِنْ رَحْمَتِي» ، وَهَذَا غَرِيبٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَنْ لا أعرفه.
[سورة الرعد (13) : الآيات 12 الى 13]
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (12) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (13)
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُسَخِّرُ الْبَرْقَ، وَهُوَ مَا يُرَى مِنَ النُّورِ اللَّامِعِ سَاطِعًا مِنْ خِلَلِ السَّحَابِ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ «1» أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَتَبَ إِلَى أَبِي الْجَلْدِ يَسْأَلُهُ عَنِ الْبَرْقِ، فَقَالَ: الْبَرْقُ الْمَاءُ. وَقَوْلُهُ: خَوْفاً وَطَمَعاً قَالَ قَتَادَةُ: خَوْفًا لِلْمُسَافِرِ يَخَافُ أَذَاهُ وَمَشَقَّتَهُ، وَطَمَعًا لِلْمُقِيمِ يَرْجُو بَرَكَتَهُ وَمَنْفَعَتَهُ وَيَطْمَعُ فِي رِزْقِ اللَّهِ «2» ، وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ أَيْ وَيَخْلُقُهَا مُنْشَأَةً جَدِيدَةً، وَهِيَ لِكَثْرَةِ مَائِهَا ثَقِيلَةٌ قريبة إلى الأرض قال مجاهد: السحاب الثقال الذي فيه الماء، قال: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ كقوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الْإِسْرَاءِ: 44] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «3» : حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا إِلَى جَنْبِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي الْمَسْجِدِ، فَمَرَّ شَيْخٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ حُمَيْدٌ، فَلَمَّا أَقْبَلَ قَالَ: يَا ابْنَ أخي، وسع فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَإِنَّهُ قَدْ صَحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَقَالَ لَهُ حُمَيْدٌ: مَا الْحَدِيثُ الَّذِي حَدَّثْتَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ فقال له الشيخ:
سمعت عن شيخ من بني غفار أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ السَّحَابَ فَيَنْطِقُ أَحْسَنَ النُّطْقِ، وَيَضْحَكُ أَحْسَنَ الضَّحِكِ» وَالْمُرَادُ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ نُطْقَهَا الرَّعْدُ وَضَحِكَهَا الْبَرْقُ. وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ الْغَيْثَ فَلَا أَحْسَنَ مِنْهُ مَضْحَكًا، وَلَا آنَسَ مِنْهُ مَنْطِقًا، فَضَحِكُهُ الْبَرْقُ، وَمَنْطِقُهُ الرَّعْدُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ:
بَلَغَنَا أَنَّ الْبَرْقَ مَلَكٌ لَهُ أَرْبَعَةُ وُجُوهٍ: وَجْهُ إِنْسَانٍ، وَوَجْهُ ثَوْرٍ، وَوَجْهُ نَسْرٍ، وَوَجْهُ أَسَدٍ، فَإِذَا مَصَعَ بِذَنَبِهِ فَذَاكَ الْبَرْقُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «4» : حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا الحجاج، حدثنا أَبُو مَطَرٍ عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذا سمع الرعد والصواعق قال «اللهم
(1) تفسير الطبري 7/ 359.
(2)
انظر تفسير الطبري 7/ 359.
(3)
المسند 5/ 435.
(4)
المسند 2/ 100، 101.
لَا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ، وَلَا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ، وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ» «1» ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرَطَاةَ، عَنْ أَبِي مَطَرٍ وَلَمْ يُسَمَّ بِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ «2» : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أبيه، عن رجل، عن أبي هريرة رفعه، إِنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ قَالَ:«سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ» ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ صوت الرعد يقول:
سُبْحَانَ مَنْ سَبَّحْتَ لَهُ، وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابن عباس وطاوس والأسود بن يزيد، أنهم كانوا يقولون ذلك. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: كَانَ ابْنُ أَبِي زَكَرِيَّا يَقُولُ: مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الرَّعْدَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، لَمْ تُصِبْهُ صَاعِقَةٌ «3» ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ وَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ، وَيَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَوَعِيدٌ شَدِيدٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ «4» ، رَوَاهُ مَالِكٌ فِي موطئه، وَالْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «5» : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ عَنْ شُتَيْرِ بْنِ نَهَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: «قَالَ رَبُّكُمْ عز وجل:
لَوْ أَنَّ عَبِيدِي أَطَاعُونِي لَأَسْقَيْتُهُمُ الْمَطَرَ بِاللَّيْلِ، وَأَطْلَعْتُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ بِالنَّهَارِ، وَلَمَا أَسْمَعْتُهُمْ صَوْتَ الرَّعْدِ» .
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ، حَدَّثَنَا عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا سَمِعْتُمُ الرَّعْدَ فَاذْكُرُوا الله فإنه لا يصيب ذاكرا» .
وقوله تعالى: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ أَيْ يُرْسِلُهَا نِقْمَةً يَنْتَقِمُ بِهَا مِمَّنْ يَشَاءُ، وَلِهَذَا تَكْثُرُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «6» : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«تَكْثُرُ الصَّوَاعِقُ عِنْدَ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ حَتَّى يَأْتِيَ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَيَقُولُ: مَنْ صُعِقَ تِلْكُمُ الْغَدَاةَ؟ فَيَقُولُونَ: صُعِقَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ» .
وَقَدْ رُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا مَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حدثنا
(1) أخرجه الترمذي في الدعوات باب 49.
(2)
تفسير الطبري 7/ 360.
(3)
تفسير الطبري 7/ 360.
(4)
أخرجه مالك في الكلام حديث 26.
(5)
المسند 2/ 359.
(6)
المسند 3/ 64، 65.
عَلِيُّ بْنُ أَبِي سَارَّةَ الشَّيْبَانِيُّ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ رَجُلًا مَرَّةً إِلَى رَجُلٍ مِنْ فَرَاعِنَةِ الْعَرَبِ، فَقَالَ:«اذْهَبْ فَادْعُهُ لِي» . قَالَ: فَذَهَبَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَدْعُوكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُ: مَنْ رَسُولُ اللَّهِ، وَمَا اللَّهُ، أَمِنْ ذَهَبٍ هُوَ، أَمْ مِنْ فِضَّةٍ هُوَ، أَمْ مِنْ نُحَاسٍ هُوَ؟ قَالَ:
فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ أَعْتَى مِنْ ذَلِكَ، قال لي كذا وكذا، فقال لي:«ارجع إليه الثانية» فَذَهَبَ فَقَالَ لَهُ مِثْلَهَا، فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ أَعْتَى مِنْ ذلك، فقال:«ارْجِعْ إِلَيْهِ فَادْعُهُ» فَرَجَعَ إِلَيْهِ الثَّالِثَةَ، قَالَ:
فأعاد عليه ذلك الكلام، فبينما هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ عز وجل سَحَابَةً حِيَالَ رَأْسِهِ، فَرَعَدَتْ فَوَقَعَتْ مِنْهَا صَاعِقَةٌ، فذهب بقحف رأسه «1» ، فأنزل الله عز وجل وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ الآية، وَرَوَاهُ ابْنَ جَرِيرٍ «2» مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي سَارَّةَ بِهِ.
وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ عَنْ عَبْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ دَيْلَمِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَقَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صُحَارٍ الْعَبْدِيِّ أَنَّهُ بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم بَعَثَهُ إِلَى جَبَّارٍ يَدْعُوهُ فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ رَبَّكُمْ أذهب هو؟ أم فضة هو؟ أم لؤلؤ هو؟ قال: فبينما هُوَ يُجَادِلُهُمْ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ سَحَابَةً فَرَعَدَتْ، فَأَرْسَلَ عَلَيْهِ صَاعِقَةً، فَذَهَبَتْ بِقِحْفِ رَأْسِهِ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ «3» . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: جَاءَ يَهُودِيٌّ فَقَالَ:
يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عن ربك، من أي شيء هو؟ من نحاس هو، أم مَنْ لُؤْلُؤٍ أَوْ يَاقُوتٍ؟ قَالَ:
فَجَاءَتْ صَاعِقَةٌ فأخذته، وأنزل الله وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ الْآيَةَ «4» .
وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا أَنْكَرَ الْقُرْآنَ، وَكَذَّبَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فأرسل الله صاعقة فأهلكته، وأنزل الله وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ الْآيَةَ «5» ، وَذَكَرُوا فِي سَبَبِ نُزُولِهَا قِصَّةَ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ وَأَرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ، لَمَّا قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ فَسَأَلَاهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمَا نِصْفَ الْأَمْرِ، فَأَبَى عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ- لَعَنَهُ اللَّهُ-: أَمَا وَاللَّهِ لِأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلًا جُرْدًا «6» وَرِجَالًا مُرْدًا «7» ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«يَأْبَى اللَّهُ عليك ذلك وأبناء قيلة» «8» يعني
(1) القحف: أعلى الدماغ.
(2)
تفسير الطبري 7/ 361.
(3)
تفسير الطبري 7/ 360، 361.
(4)
تفسير الطبري 7/ 361. [.....]
(5)
تفسير الطبري 7/ 361.
(6)
الخيل الجرد: هو الذي يسبق الخيل وينجرد عنه لسرعته.
(7)
المرد: هو الشاب الذي طر شاربه ولم تنبت لحيته.
(8)
قيلة: امرأة ينتسب إليها الأوس والخزرج.
الأنصار، ثم إنهما هما بالفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل أَحَدُهُمَا يُخَاطِبُهُ، وَالْآخَرُ يَسْتَلُّ سَيْفَهُ لِيَقْتُلَهُ مِنْ ورائه، فحماه الله تعالى مِنْهُمَا وَعَصَمَهُ، فَخَرَجَا مِنَ الْمَدِينَةِ فَانْطَلَقَا فِي أحياء العرب يجمعان الناس لحربه عليه الصلاة والسلام، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى أَرْبَدَ سَحَابَةً فِيهَا صَاعِقَةٌ فَأَحْرَقَتْهُ، وَأَمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الطَّاعُونَ فَخَرَجَتْ فِيهِ غُدَّةٌ عَظِيمَةٌ، فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا آلَ عَامِرٍ غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبِكْرِ، وَمَوْتٌ فِي بَيْتِ سَلُولِيَّةٍ «1» ، حَتَّى مَاتَا لَعَنَهُمَا اللَّهُ، وأَنْزَلَ اللَّهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ أَخُو أربد يرثيه:[المنسرح]
أَخْشَى عَلَى أَرْبَدَ الْحُتُوفَ وَلَا
…
أَرْهَبُ نَوْءَ السّماك والأسد «2»
فجّعني الرعد والصواعق باك
…
فَارِسِ يَوْمَ الْكَرِيهَةِ النَّجُدِ
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو القاسم الطبراني: حدثنا مسعدة بن سعيد الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَرْبَدَ بْنَ قَيْسِ بْنِ جَزْءِ بْنِ جُلَيْدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ، وَعَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، قَدِمَا الْمَدِينَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَانْتَهَيَا إِلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فَجَلَسَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: يَا مُحَمَّدُ، مَا تَجْعَلُ لِي إِنْ أَسْلَمْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«لَكَ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْكَ مَا عَلَيْهِمْ» . قَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: أَتَجْعَلُ لِيَ الْأَمْرَ إِنْ أَسْلَمْتُ مَنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «ليس ذَلِكَ لَكَ وَلَا لِقَوْمِكَ، وَلَكِنَّ لَكَ أَعِنَّةَ الْخَيْلِ» قَالَ: أَنَا الْآنَ فِي أَعِنَّةِ خَيْلِ نَجِدٍ، اجْعَلْ لِيَ الْوَبَرَ وَلَكَ الْمَدَرُ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لا» ، فَلَمَّا قَفَلَا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ عَامِرٌ: أَمَا وَاللَّهِ لِأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلًا وَرِجَالًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«يَمْنَعُكَ اللَّهُ» ، فَلَمَّا خَرَجَ أَرْبَدُ وَعَامِرٌ، قَالَ عَامِرٌ: يا أربد، أنا أشغل عنك محمدا بِالْحَدِيثِ فَاضْرِبْهُ بِالسَّيْفِ، فَإِنَّ النَّاسَ إِذَا قَتَلْتَ مُحَمَّدًا لَمْ يَزِيدُوا عَلَى أَنْ يَرْضَوْا بِالدِّيَةِ وَيَكْرَهُوا الْحَرْبَ، فَنُعْطِيهِمُ الدِّيَةَ. قَالَ أَرْبَدُ: أَفْعَلُ، فَأَقْبَلَا رَاجِعِينَ إِلَيْهِ، فَقَالَ عَامِرٌ: يَا مُحَمَّدُ قُمْ مَعِي أُكَلِّمُكَ، فَقَامَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَجَلَسَا إِلَى الْجِدَارِ، وَوَقَفَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُكَلِّمُهُ، وَسَلَّ أَرْبَدُ السَّيْفَ، فَلَمَّا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى السَّيْفِ يَبِسَتْ يَدُهُ عَلَى قَائِمِ السَّيْفِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ سَلَّ السَّيْفِ، فَأَبْطَأَ أَرْبَدُ عَلَى عَامِرٍ بِالضَّرْبِ.
فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرَأَى أَرْبَدَ وَمَا يَصْنَعُ، فَانْصَرَفَ عَنْهُمَا، فَلَمَّا خَرَجَ عَامِرٌ وَأَرْبَدُ مِنْ
(1) أغدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية: مثل يضرب في خصلتين إحداهما شر من الأخرى. والبكر:
ولد الناقة، والغدة: طاعون الإبل، وقلما تسلم منه، وأما سلول: قبيلة من أدنى العرب وأذلهم، وكان عامر قد نزل بيت امرأة من سلول، فضرب هذا المثل عندهم.
(2)
البيتان للبيد بن ربيعة في ديوانه ص 158، وتفسير الطبري 7/ 356، والبيت الثاني في لسان العرب (فجع) ، (صعق) ، وتهذيب اللغة 1/ 385، وتاج العروس (فجع) .