المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

قال قتادة: نعم العبد عبد إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٤

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: قال قتادة: نعم العبد عبد إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي

قال قتادة: نعم العبد عبد إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن أمر المؤمن كله عجب لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا، إن أصابته ضبراء صبر، فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر؛ فكان خيرًا له".

وفي هذا (1) إيماء إلى أن الإنسان في هذه الحياة يجب أن يكون بين صبر وشكر أبدًا؛ لأنه: إما في مكروه يصبر عليه، وإما في محبوب يشكر عليه، والوقت في هذه الحياة ذهب، فمتى ضاع من حياتنا زمن دون عمل نسدي فيه خدمة لأنفسنا ولديننا ووطننا، فقد كفرنا النعمة وأضعنا الفرصة، ولم نعتبر بما حل بمن قبلنا من الأمم الغابرة، فليحذر كل امرئ أن يضيع حياته بلا عمل، وليخف على وقت يضيع، ثم بعده عذاب سريع.

‌6

- ولما سمع موسى أمر ربه امتثله، وأخذ يذكر قومه بأيام الله كما حكى الله عنه، فقال:{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ} ؛ أي: واذكر يا محمد لقومك قصة إذ قال موسى لقومه بني إسرائيل: يا قوم {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} ؛ أي: تذكروا إنعام الله سبحانه وتعالى عليكم {إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} ؛ أي: وقت إنجائه إياكم من فرعون وآله؛ أي: قومه حين كانوا {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} ؛ أي: يذيقونكم أشد العذاب، ويكلفونكم من الأعمال ما لا يطاق مع القهر والإذلال {وَيُذَبِّحُونَ} تذبيحًا كثيرًا {أَبْنَاءَكُمْ} المولودين صغارًا {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}؛ أي: ويبقون نسائكم وبناتكم في الحياة ذليلات في الخدمة مستضعفات فيها، وهذا رزء من أشد الأرزاء، وأعظم أنواع البلاء. قال شاعرهم:

وَمِنْ أعْظَمِ الرُّزْءِ فِيْمَا أرَى

بقَاَءُ الْبَنَاتِ وَمَوْتُ الْبَنِيْنَا

وفي الكرخي: فإن قيل (2): استحياء النساء كيف يكون ابتلاء؟

قلنا: كانوا يستخدمونهن بالاستعباد والإرقاق، ويفردونهن عن الأزواج،

(1) المراغي.

(2)

الفتوحات.

ص: 332

وذلك من أعظم المضار والابتلاء؛ إذ الهلاك أسهل من هذا. اهـ.

وقوله: {وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} من عطف (1) الخاص على العام؛ كأن التذبيح لشدته وفظاعته وخروجه عن مرتبة العذاب المعتاد جنس آخر، ولو جاء بحذف الواو كما في البقرة والأعراف .. لكان تفسيرًا للعذاب، وبيانًا له، وإنما فعلوا ذلك؛ لأن فرعون رأى في المنام أن نارًا أقبلت من نحو بيت المقدس، فأحرقت بيوت القبط دون بيوت بني إسرائيل، فخوفه الكهنة، وقالوا له: إنه سيولد منهم ولد يكون على يده هلاكك وزوال ملكك، فشمر عن ساق الاجتهاد، وحسر من ساق العناد، وأراد أن يدفع القضاء وظهوره، ويأبى الله إلا أن يتم نوره.

فإن قلت (2): قال في سورة البقرة {يُذَبِّحُونَ} بغير واو، وقال هنا:{وَيُذَبِّحُونَ} بزيادة واو، فما الفرق بين الوضعين؟

قلتُ: إنما حذفت الواو في سورة البقرة؛ لأن قوله: {يُذَبِّحُونَ} تفسير لقوله: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو، كما تقول: جاءني القوم زيد وعمرو إذا أردت تفسير القوم، وأما دخول الواو هنا في هذه السورة؛ فلأن آل فرعون كانوا يعذبونهم بأنواع من العذاب غير التذبيح كالأعمال الشاقة وبالتذبيح أيضًا، فقوله:{وَيُذَبِّحُونَ} نوع آخر من العذاب، لا أنه تفسير للعذاب.

{وَفِي ذَلِكُمْ} المذكور من أفعالهم الفظيعة {بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} ؛ أي: محنة عظيمة لا تطاق واقعة من ربكم. فإن قلت: كيف يكون فعل أن فرعون بلاء من ربهم؟

قلتُ: تمكينهم وإمهالهم حتى فعلوا بهم ما فعلوا بلاء من الله تعالى واختبار منه، ويجوز أن تكون الإشارة إلى الإنجاء، والمراد بالبلاء حينئذ: النعمة؛ لأن الابتلاء كما يكون بالنقمة يكون بالنعمة، كما قال: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ

(1) روح البيان.

(2)

الخازن.

ص: 333