المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

مضاف لمفعوله الثاني؛ وإما متعد لواحد مضاف لمفعوله، و {رُسُلَهُ}، - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٤

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: مضاف لمفعوله الثاني؛ وإما متعد لواحد مضاف لمفعوله، و {رُسُلَهُ}،

مضاف لمفعوله الثاني؛ وإما متعد لواحد مضاف لمفعوله، و {رُسُلَهُ} ، مفعول لـ {وَعْدِهِ} .

وقرىء شاذًا (1): {مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} بجر رسله ونصب وعده. قال الزمخشري: وهذه القراءة في الضعف كقراءة من قرأ: {قتل أولادهم شركائهم} لما فيها من الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، وتقدم الكلام عليها مشبعًا في سورة الأنعام. {إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {عَزِيزٌ}؛ أي: غالب لا يماكر ولا يغالبه أحد {ذُو انْتِقَامٍ} ينتقم لأوليائه في أعدائه، وفي "القاموس": انتقم منه إذا عاقبه، والجملة تعليل للنهي.

والمعنى (2): أن الله سبحانه وتعالى عزيز؛ أي: غالب على أمره لا يمتنع منه من أراد عقوبته قادر على كل من طلبه لا يفوته بالهرب منه، وهو ذو انتقام ممن كفر برسله وكذبهم وجحد بنبوتهم وأشرك به، واتخذ معه إلهًا غيره،

‌48

- ثم ذكر زمان الانتقام، فقال:{يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} ؛ أي: إنه تعالى ذو انتقام من أعدائه، يوم تبدل الأرض غير الأرض بأن تتطاير هذه الأرض كالهباء وتصير كالدخان المنتشر، ثم ترجع أرضًا أخرى بعد ذلك، وتبدل السماوات غير السماوات بانتشار كواكبها وانفطارها، وتكوير شمسها وخسوف قمرها، {وَالسَّمَاوَاتُ} معطوف على {الْأَرْضُ} ، وإنما قدم تبديل الأرض لقربها هنا، ولكون تبديلها أعظم أثرًا بالنسبة إلينا اهـ "كرخي". وقرىء شاذًا:{نبدل} بالنون، {الأرض} بالنصب؛ {وَالسَّمَاوَاتُ} معطوف على الأرض. وعلى هذا التفسير فالظرف متعلق بـ {انْتِقَامٍ} ، ويحتمل أن يكون متعلقًا باذكر محذوفًا؛ أي: واذكر يا محمد صلى الله عليه وسلم لأمتك قصة يوم تبدل هذه الأرض المعروفة أرضًا أخرى غير معروفة، وتبدل السماوات غير السماوات، ويكون الحشر وقت التبديل عند الظلمة دون الجسر؛ أو يكون الناس على صراط.

(1) الشوكاني.

(2)

المراغي.

ص: 452

روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله؟ فقال: "على الصراط".

وروي عن ابن مسعود وأنس رضي الله عنهما من قولهما: يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطيء عليها أحد خطيئة، ولا بدع في أن تكون أرضًا جديدة لم يسكنها أحد، بل تخلق خلقًا جديدًا.

وفي "الخازن": ذكر المفسرون في معنى هذا التبديل قولين (1):

أحدها: أنه تبدل صفة الأرض والسماء، لا ذواتهما. فأما تبديل الأرض فيتغيير صفتها وهيئتها مع بقاء ذاتها: وهو أن تدكدك جبالها وتسوى وهادها وأوديتها، وتذهب أشجارها وجميع ما عليها من عمارة وغيرها لا يبقى على وجهها شيء إلا ذهب وتمد مد الأديم. وأما تبديل السماء فهو أن تنتثر كواكبها وتطمس شمسها وقمرها، ويكوران، وكونها تارة كالدهان وتارة كالمهل، وبهذا القول قال جماعة من العلماء، ويدل على صحة هذا القول ما روي عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس بها علم لأحد". أخرجاه في "الصحيحين". العفراء - بالعين المهملة - البيضاء إلى حمرة. ولهذا شبهها بقرصة النقي وهو الخبز الجيد البياض الفائق المائل إلى حمرة، كأن النار ميلت بياض وجهها إلى الحمرة. وقوله: ليس بها علم لأحد يعني: ليس فيها علامة لأحد بتبديل هيئتها وزوال جبالها وجميع بنائها، فلا يبقى فيها أثر يستدل به.

والقول الثاني: هو تبديل ذوات الأرض والسماء، وهذا قول جماعة من العلماء، ثم اختلفوا في معنى هذا التبديل. فقال ابن مسعود في معنى هذه الآية قال: تبدل الأرض بأرض كالفضة بيضاء نقية، لم يسفك بها دم، ولم يعمل عليها خطيئة. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الأرض من فضة والسماء من ذهب.

(1) الخازن.

ص: 453

وقال أبي بن كعب في معنى التبديل بأن تفسير الأرض نيرانًا والسماء جنانا. وقال أبو هريرة وسعد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل من تحت قدميه. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار سبحانه بيده، كما يتكفؤ أحدكم خبزته في السفر نزلًا لأهل الجنة". أخرجاه في "الصحيحين" بزيادة فيه.

فإن قلت: إذا فسرت التبديل بما ذكرت، فكيف يمكن الجمع بينه وبين قوله تعالى:{يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4)} وهو أن تحدث بكل ما عمل عليها؟

قلتُ: وجه الجمع بين الآيتين أن الأرض تبدل أولًا صفتها مع بقاء ذاتها، كما تقدم فيومئذ تحدث أخبارها، ثم بعد ذلك تبدل تبديلًا ثانيًا، وهو أن تبدل ذاتها بغيرها، كما تقدم أيضًا، ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن عائشة قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله؟ فقال: "على الصراط". أخرجه مسلم. وروى ثوبان أن حبرًا من اليهود سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؟ قال: "هم في الظلمة دون الجسر" ذكره البغوي بغير سند. ففي هذين الحديثين دليل على أن تبديل الأرض ثاني مرة يكون بعد الحساب، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه انتهى.

وقوله: {وَبَرَزُوا} معطوف على {تُبَدَّلُ} ؛ أي: واذكر يا محمد لأمتك قصة يوم برز الخلائق وخرجوا جميعًا من قبورهم {لِلَّهِ} ؛ أي: لحكم الله تعالى وقضائه، والوقوف بين يديه للحساب؛ أي: خرجوا من قبورهم للقاء الله. {الْوَاحِدِ} الذي لا ثاني له ولا شريك معه المنزه عن الشبه والضد والند. {الْقَهَّار} ؛ أي: الغالب الذي يقهر عباده على ما يريد ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وقرأ زيد بن علي شذوذًا: {وَبَرَزُوا} - بضم الباء وكسر الراء مشددة - جعله مبنيًّا للمفعول على سبيل التكثير بالنسبة إلى العالم وكثرتهم لا بالنسبة إلى تكرير الفعل. ذكره في "البحر".

ص: 454