الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
40
- ثم سأل الله سبحانه بأن يجعله مقيم الصلاة محافظًا عليها غير مهمل لشيء منها حيث قال: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ} ؛ أي: معدلًا (1) لها بأركانها وشروطها وآدابها، من أقمت العود إذا قومته، أو مواظبًا عليها، من قامت السوق إذا نفقت؛ أي: راجت أو مؤديًّا لها محافظًا عليها في أوقاتها، والاستمرار يستفاد من العدول من الفعل إلى الاسم حيث لم يقل: اجعلني أقيم الصلاة. {وَ} اجعل {مِنْ ذُرِّيَّتِي} من يقيم الصلاة، وإنما أدخل لفظة {مِنْ} التي هي للتبعيض في قوله:{وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} ؛ لأنه علم بإعلام الله تعالى إياه أنه قد يوجد من ذريته جمع من الكفار لا يقيمون الصلاة، فلهذا قال:{وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} وأراد بهم المؤمنين من ذريته.
والمعنى: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ} ؛ أي (2): رب اجعلني مؤديًّا ما ألزمتني من فريضتك التي فرضتها علي، واجعل أيضًا بعض ذريتي مقيمي الصلاة، وقد خصّ الصلاة من بين فرائض الدين؛ لأنها العنوان الذي يمتاز به المؤمن من غيره، ولما لها من المزية العظمى في تطهير القلوب بترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
ثم سأل الله سبحانه أن يتقبل دعاءه على العموم، ويدخل في ذلك دعاءه في هذا المقام دخولًا أوليًّا حيث قال:{رَبَّنَا} ويا مالك أمرنا، فاسمع ندائي {وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ}؛ أي (3): واستجب دعائي هذا المتعلق باجعلني، واجعل بعض ذريتي مقيمي الصلاة ثابتين على ذلك مجتنبين عن عبادة الأصنام، ولذلك جيء بضمير الجماعة في قوله:{رَبَّنَا} . وقرأ (4) ورش وأبو عمرو وحمزة وأبو جعفر: {وتقبل دعائي} بياء في الوصل. والبزي ويعقوب وصلًا ووقفًا، ويقف عليها بالهمزة الباقون. {دُعَاءِ} بغير ياء في الحالين. قال أبو علي: الوقف والوصل بياء هو القياس، والإشمام جائز لدلالة الكسرة على الياء.
41
- ثم طلب من الله سبحانه أن يغفر له ما وقع منه مما يستحق أن يغفره الله، وإن لم يكن كبيرًا؛ لما هو معلوم من عصمة الأنبياء عن الكبائر، فقال:{رَبَّنَا اغْفِرْ لِي} ؛ أي: ما فرط مني من ترك الأولى في باب الدين وغير ذلك مما لا
(1) روح البيان.
(2)
المراغي.
(3)
روح البيان.
(4)
زاد المسير.
يسلم منه البشر. ثم طلب من الله سبحانه أن يغفر لوالديه حيث قال: {وَلِوَالِدَيَّ} ؛ أي: واغفر لوالدين لي ذنوبهما واهدهما إلى صراطك المستقيم. وقد قيل (1): إنه دعا لهما بالمغفرة قبل أن يعلم أنهما عدوان لله سبحانه، كما في قوله سبحانه:{وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} . وقيل: كانت أمه مسلمة. وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء.
ثم استغفر للمؤمنين حيث قال: {و} اغفر {وَلِلْمُؤْمِنِينَ} والمؤمنات كلهم، وظاهره شمول كل مؤمن سواء كان من ذريته أو لم يكن منهم. وقيل: أراد المؤمنين من ذريته فقط، واكتفى بذكر (2) مغفرة المؤمنين دون مغفرة المؤمنات؛ لأنهن تبع لهم في الأحكام، وللإيذان باشتراك الكل في الدعاء بالمغفرة، جيء بضمير الجماعة في قوله:{رَبَّنَا} وفي الحديث: "من عمم بدعائه المؤمنين والمؤمنات استجيب له". فمن السنة أن لا يخص نفسه بالدعاء قال في "الأسرار المحمدية": اعلم أنه يكره للإمام تخصيص نفسه بالدعاء بأن يذكر على صيغة الإفراد، لا على صيغة الجمع. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يؤم عبد قومًا، فيخص نفسه بالدعاء دونهم، فإن فعل فقد خانهم"، رواه ثوبان. بل الأولى أيضًا إن كان منفردًا أن يأتي بصيغة الجمع، فينوي نفسه وآباءه وأمهاته وأولاده وإخوانه وأصدقاءه المؤمنين الصالحين، فيعممهم بالدعاء، وينالهم بركة دعائه.
{يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} ؛ أي: يوم (3) يبدو ويظهر فيه محاسبة أعمال المكلفين. وقيل: يوم يقوم الناس فيه للمحاسبة والمجازاة على أعمالهم، فاكتفى بذلك؛ أي: بذكر الحساب عن ذكر الناس، لكونه مفهومًا عند السامع، والأول أولى وهذا دعاء المؤمنين بالمغفرة، والله سبحانه وتعالى لا يرد دعاء خليله إبراهيم عليه السلام، ففيه بشارة عظيمة لجميع المؤمنين بالمغفرة.
والمعنى (4): أي ربنا اغفر لي ما فرط مني من الذنوب ولأبوي. وقد روي عن الحسن أن أمه كانت مؤمنة، واستغفاره لأبيه عن موعدة وعدها إياه، فلما
(1) الشوكاني.
(2)
روح البيان.
(3)
الخازن.
(4)
المراغي.
تبين له أنه عدو لله تبرأ منه كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ} .. الآية. وللمؤمنين بك ممن تبعني على الدين الذي أنا عليه، فأطاعك في أمرك ونهيك يوم تحاسب عبادك، فتجازيهم بأعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. وقرأ (1) ابن مسعود والنخعي والزهري وابن يعمر:{وَلِوَالِدَيَّ} - بغير ألف وبفتح اللام - يعني: إسماعيل وإسحاق يدل عليه ذكرهما قبل ذلك، وأنكر عاصم الجحدري هذه القراءة، وقال: إن في مصحف أبي بن كعب {ولأبوي} . وقرأ عاصم الجحدري: {ولوُلْدي} - بضم الواو وسكون اللام - فاحتمل أن يكون جمع ولد، كأُسد في أسد، ويكون قد دعا لذريته، وأن يكون لغة في الولد، كما قالوا: العَدَم والعُدْم. وقرأ مجاهد وابن جبير: {ولوالدي} - بإسكان الياء - على إرادة الأب وحده، كقوله:{وَاغْفِرْ لِأَبِي} . وقرأ يحيى بن يعمر والجوني: {ولولدَي} بفتح الواو وكسر الدال على التوحيد، وما عدا قراءة الجمهور شاذ وليس بمتواتر.
الإعراب
{أَلَمْ} (الهمزة): للاستفهام التعجبي. {لم} : حرف جزم. {تَرَ} : فعل مضارع مجزوم بـ {لم} ، وهو من رؤية البصر، عداه بـ {إِلَى} تضمينًا له بمعنى النظر، وفاعله ضمير يعود على محمد. {إِلَى الَّذِينَ}: جار ومجرور متعلق به، وهو في محل المفعول؛ أي: هل رأيت عجبًا مثل هؤلاء الذين بدلوا نعمة الله كفرًا. {بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا} : فعل وفاعل ومفعولان، والجملة صلة الموصول. {وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ}: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة {بَدَّلُوا}. {دَارَ الْبَوَارِ}: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ {أَحَلُّوا} . {جَهَنَّمَ} : عطف بيان من {دَارَ الْبَوَارِ} . {يَصْلَوْنَهَا} : فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب
(1) زاد المسير والبحر المحيط.
حال من {قَوْمَهُمْ} ، أو من {جَهَنَّمَ} ، أو من الـ {دَارَ}. {وَبِئْسَ الْقَرَارُ}: فعل وفاعل، وهو لإنشاء الذم، والمخصوص محذوف وجوبًا تقديره: هي؛ أي: {جَهَنَّمَ} ، والجملة إنشائية لا محل لها من الإعراب.
{وَجَعَلُوا} : فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة {بَدَّلُوا} فهو من جملة الصلة المتعجب منها. {لِلَّهِ}: جار ومجرور متعلق بـ {أَنْدَادًا} . {أَنْدَادًا} : مفعول ثان لجعل، والأول محذوف تقديره: وجعلوا الأصنام أندادًا لله. {لِيُضِلُّوا} : (اللام): حرف جر وتعليل. {يضلوا} : فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة. {عَنْ سَبِيلِهِ} : متعلق بـ {يضلوا} ، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور متعلق بـ {جَعَلُوا} ، والتقدير: وجعلوا لله أندادًا لإضلالهم الناس عن سبيله. {قُلْ} : فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. {تَمَتَّعُوا
…
} إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت:{تَمَتَّعُوا} : فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول القول. {فَإِنَّ}:(الفاء): تعليلية؛ لتعليلها القلة المفهومة من {تَمَتَّعُوا} ، {إن}: حرف نصب. {مَصِيرَكُمْ} : اسمها. {إِلَى النَّارِ} : خبرها، وجملة {إن}: في محل النصب مقول القول مسوقة لتعليل ما قبلها.
{قُلْ} : فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. {لِعِبَادِيَ}: جار ومجرور متعلق بـ {قُلْ} . {الَّذِينَ} : صفة {لِعِبَادِيَ} . {آمَنُوا} : فعل وفاعل صلة الموصول. {يُقِيمُوا الصَّلَاةَ} إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت:{يُقِيمُوا الصَّلَاةَ} : فعل وفاعل ومفعول مجزوم في جواب الطلب لفعل محذوف واقع مفعولًا لـ {قُلْ} تقديره: قل لعبادي أقيموا الصلاة .. يقيموا؛ أي: إن قلت لهم: أقيموا الصلاة .. يقيموا. {وَيُنْفِقُوا} : فعل وفاعل معطوف على {يُقِيمُوا} ، وفي "الفتوحات" قوله: {قُلْ لِعِبَادِيَ
…
} إلخ. مفعول {قُلْ}
محذوف يدل عليه جوابه؛ أي: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا، وقوله:{يُقِيمُوا} {وَيُنْفِقُوا} مجزومان في جواب الأمر؛ أي: إن قلت لهم: أقيموا الصلاة وأنفقوا .. الخ: يقيموا وينفقوا. اهـ. شيخنا. وفي "البيضاوي": ويجوز أن يقدرا بلام الأمر؛ ليصح تعلق القول بهما. اهـ؛ أي: ليقيموا الصلاة ولينفقوا. {مِمَّا} : جار ومجرور متعلق بـ {يُنْفِقُوا} . {رَزَقْنَاهُم} : فعل وفاعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف تقديره: مما رزقناهم إياه، والجملة صلة لـ {ما} أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: إياه. {سِرًّا وَعَلَانِيَةً} : منصوبان على المفعولية المطلقة؛ أي: إنفاق سر وعلانية، أو على الحالية من فاعل {يُنْفِقُوا}؛ أي: مسرين ومعلنين، أو على الظرفية؛ أي: وقتي سر وعلانية. {مِنْ قَبْلِ} : جار ومجرور متعلق بـ {يُنْفِقُوا} . {أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ} : ناصب وفعل وفاعل، والجملة في تأويل مصدر مجرور بالإضافة، والتقدير: وينفقوا من قبل إتيان يوم. {لَا} : نافية تعمل عمل ليس. {بَيْعٌ} : اسمها مرفوع. {فِيهِ} : جار ومجرور خبر لا؛ أي: لا بيع موجودًا فيه. {وَلَا خِلَالٌ} معطوف على {بَيْعٌ} ، وجملة {لَا}: في محل الرفع صفة لـ {يَوْمٌ} .
{اللَّهُ الَّذِي} : مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}: فعل ومفعول ومعطوف، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهُ} ، والجملة صلة الموصول. {وَأَنْزَلَ}: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهُ} ، والجملة معطوفة على جملة {خَلَقَ}. {مِنَ السَّمَاءِ}: متعلق بـ {أَنْزَلَ} . {مَاءً} : مفعول به لـ {أَنْزَلَ} . {فَأَخْرَجَ} : (الفاء): عاطفة. {أخرج} : فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهُ}. والجملة معطوفة على {أنزل}. {بِهِ}: متعلق بـ {أخرج} . {مِنَ الثَّمَرَاتِ} : جار ومجرور حال من {رِزْقًا} ؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. {رِزْقًا} : مفعولُ {أَخْرَج} . {لَكُمْ} : جار ومجرور صفة لـ {رِزْقًا} .
{وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ} .
{وَسَخَّرَ} : فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهُ} ، والجملة معطوفة على جملة {خَلَقَ}. {لَكُمْ}: متعلق بـ {سَخَّرَ} . {الْفُلْكَ} : مفعول {سَخَّرَ} . {لِتَجْرِيَ} : (اللام): لام كي، {تجري}: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة، وفاعله ضمير يعود على {الْفُلْكَ}. {فِي الْبَحْرِ}: متعلق بـ {تجري} . {بِأَمْرِهِ} : جار ومجرور حال من فاعل {تجري} ؛ أي: حالة كونها متلبسة بأمره، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لجريانها في البحر بأمره، الجار والمجرور متعلق بـ {سخر}. {وَسَخَّرَ}: فعل ماض معطوف على {خَلَقَ} ، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهُ}. {لَكُمْ}: متعلق به. {الْأَنْهَارَ} : مفعول به.
{وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33)} .
{وَسَخَّرَ} : فعل ماض معطوف على {خَلَقَ} ، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهُ}. {لَكُمْ}: متعلق به. {الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} : مفعولان لـ {سخر} . {دَائِبَيْنِ} : حال من {الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} . {وَسَخَّرَ} : فعل ماض معطوف على {خَلَقَ} ، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهُ}. {لَكُمُ}: متعلق به. {اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} : مفعولان لـ {سخر} .
{وَآتَاكُمْ} : فعل ومفعول أول معطوف على {خَلَقَ} ، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهُ}. {مِنَ}: حرف جر وتبعيض، أو زائد في المفعول الثاني. {كُلِّ}: مجرور بـ {مِنْ} ، الجار والمجرور متعلق بـ {آتَاكُمْ} ، والمفعول الثاني محذوف تقديره: وآتاكم شيئًا من كل ما سألتموه. {كُلِّ} : مضاف. {مَا} : موصولة، أو موصوفة في محل الجر مضاف إليه، ويجوز أن تكون {مَا}: مصدرية {سَأَلْتُمُوهُ} : فعل وفاعل ومفعول أول، والضمير فيه عائد إلى الله تعالى، والجملة صلة لـ {ما} أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره ما
سألتموه تعالى إياه، والمصدر المؤول من الفعل على كون {ما} مصدرية هو المفعول الثاني لـ {آتاكم} تقديره: وآتاكم مسؤولكم. {وَإِنْ تَعُدُّوا} : جازم وفعل وفاعل. {نِعْمَتَ اللَّهِ} : مفعول به. {لَا تُحْصُوهَا} : فعل وفاعل ومفعول جواب الشرط، وجملة الشرط مستأنفة. {إِنَّ الْإِنْسَانَ}: ناصب واسمه. {لَظَلُومٌ} : (اللام): حرف ابتداء، {ظلوم}: خبر {إِنَّ} . {كَفَّارٌ} : صفته، أو خبر ثان، وجملة {إِنَّ}: مستأنفة.
{وَإِذْ} : (الواو): استئنافية. {إذ} : ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف تقديره: واذكر يا محمد إذ قال؛ أي: قصة إذ قال إبراهيم. {قَالَ إِبْرَاهِيمُ} : والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ {إذ} . {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ} إلى قوله: {يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} : مقول محكي لـ {قَالَ} ، وإن شئت قلت:{رَبِّ} : منادى مضاف حذف حرف النداء للتخفيف، وجملة النداء في محل النصب مقول {قَالَ}. {اجعَل هَذَا}: فعل دعاء، ومفعول أول. {الْبَلَدَ}: بدل من إسم الإشارة، أو عطف بيان منه، وفاعله ضمير يعود على الله. {آمِنًا}: مفعول ثان، والجملة الفعلية في محل النصب مقول {قَالَ} على كونها جواب للنداء. {وَاجْنُبْنِي}: فعل ومفعول ونون وقاية، وفاعله ضمير يعود على الله. {وَبَنِيَّ}: معطوف على ياء المتكلم، والجملة معطوفة على جملة {اجْعَلْ}. {أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}: ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم وذريته، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف تقديره: من عبادتنا الأصنام، الجار والمجرور متعلق بـ {اجْنُبْنِي} .
{رَبِّ} : منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول {قَالَ}. {إِنَّهُنَّ}: ناصب واسمه. {أَضْلَلْنَ كَثِيرًا} : فعل وفاعل ومفعول. {مِنَ النَّاسِ} : صفة لـ {كَثِيرًا} ، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {إن} ، وجملة {إن}: في محل النصب مقول {قَالَ} على كونها جواب النداء. ({فمَنَ}: (الفاء): تفصيلية.
{من} : اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. {تَبِعَنِي}: فعل ومفعول ونون وقاية في محل الجزم بـ {من} على كونها فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على {من}. {فَإِنَّهُ}:(الفاء): رابطة لجواب {من} الشرطية وجوبًا. {إنه} : ناصب واسمه. {مِنِّي} : جار ومجرور خبره، وجملة {إن}: في محل الجزم بـ {من} الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة {من}: الشرطية في محل النصب مقول {قَالَ} . {وَمَنْ} : (الواو): عاطفة. {من} : اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الجواب. {عَصَانِي}: فعل ومفعول ونون وقاية، وفاعله ضمير يعود على {من} ، والجملة في محل الجزم بـ {من} على كونها فعل شرط لـ {من} ، {فَإِنَّكَ}:(الفاء): رابطة لجواب {من} . {إنك} : ناصب واسمه. {غَفُورٌ} : خبر أول له. {رَحِيمٌ} : خبر ثان، أو صفة لـ {غَفُورٌ} ، وجملة {إن}: في محل الجزم بـ {من} الشرطية على كونها جوابًا لها، والرابط محذوف تقديره: رحيم له، وجملة {من}: الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة {من} الأولى.
{رَبَّنَا} : منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول {قَالَ}. {إِنِّي}: ناصب واسمه. {أَسْكَنْتُ} : فعل وفاعل. {مِنْ ذُرِّيَّتِي} : جار ومجرور متعلق به، و {مِنْ} تبعيضية، والمفعول محذوف، والتقدير: ذرية بعض ذريتي، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {إن} ، وجملة {إن}: في محل النصب مقول {قَالَ} على كونها جواب النداء. {بِوَادٍ} : متعلق بـ {أَسْكَنْتُ} . {غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} : صفة ومضاف إليه. {عِنْدَ بَيْتِكَ} : ظرف ومضاف إليه متعلق بـ {أَسْكَنْتُ} . {الْمُحَرَّمِ} : صفة للبيت. {رَبَّنَا} : منادى مضاف مؤكد للنداء الأول. {لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ} : فعل وفاعل ومفعول منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لإقامتهم الصلاة، الجار والمجرور متعلق بـ {أَسْكَنْتُ}. {فَاجْعَلْ}:(الفاء): عاطفة تفريعية. {اجعل} : فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الله. {أَفْئِدَةً}: مفعول أول لجعل. {مِنَ النَّاسِ} : صفة
لـ {أَفْئِدَةً} . {تَهْوِي} : فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على {أَفْئِدَةً}. {إِلَيْهِمْ}: متعلق بـ {تَهْوِي} : وجملة {تَهْوِي} في محل النصب مفعول ثان لـ {اجعل} ، وجملة {اجعل}: في محل النصب معطوفة على جملة {إن} في قوله: {إِنِّي أَسْكَنْتُ} على كونها مقول {قَالَ} مع كونها جواب النداء. {وَارْزُقْهُمْ} : فعل ومفعول. {مِنَ الثَّمَرَاتِ} : متعلق به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة {اجعل}. {لَعَلَّهُمْ}: ناصب واسمه، وجملة {يَشْكُرُونَ}: في محل الرفع خبر {لعل} ، وجملة {لعل}: في محل النصب مقول {قَالَ} على كونها مسوقة لتعليل ما قبلها.
{رَبَّنَا} : منادى مضاف. {إِنَّكَ} : ناصب واسمه. {تَعْلَمُ} : فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {إن} ، وجملة {إن}: في محل النصب مقول {قَالَ} على كونها جواب النداء. {مَا} : في محل النصب مفعول {تَعْلَمُ} ؛ لأنه بمعنى عرف. {نُخْفِي} : فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على {إبراهيم} وسائر العباد، والجملة الفعلية صلة لـ {مَا} ، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما نخفيه. {وَمَا نُعْلِنُ} : معطوف على {مَا نُخْفِي} ، {وَمَا}:(الواو): اعتراضية، أو عاطفة. {مَا}: نافية. {يَخْفَى} : فعل مضارع. {عَلَى اللَّهِ} : متعلق به. {مِنْ شَيْءٍ} : فاعل {يَخْفَى} ، و {مِنْ}: زائدة. {فِي الْأَرْضِ} : صفة لـ {شَيْءٍ} ، أو متعلق بـ {يَخْفَى}. {وَلَا فِي السَّمَاءِ}: معطوف على {فِي الْأَرْضِ} ، والجملة الفعلية جملة معترضة لا محل لها من الإعراب إن قلنا: إنها من كلام الله؛ لاعتراضها بين كلامي إبراهيم، أو في محل النصب معطوفة على ما قبلها على كونها مقول {قَالَ} إن قلنا: إنها من كلام إبراهيم.
{الْحَمْدُ لِلَّهِ} : مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول {قَالَ} .
{الَّذِي} : اسم موصول في محل الجر صفة للجلالة. {وَهَبَ} : فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على {الله} ، والجملة صلة الموصول. {لِيَ}: جار ومجرور متعلق بـ {وَهَبَ} . {عَلَى اَلكِبَرِ} : جار ومجرور حال من ياء المتكلم، و {عَلَى} بمعنى: مع، التقدير: وهب لي حالة كوني مصاحبًا بالكبر. {إِسْمَاعِيلَ} : مفعول {وَهَبَ} . {وَإِسْحَاقَ} : معطوف عليه. {إِنَّ رَبِّي} : ناصب واسمه. {لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} : خبره ومضاف إليه، واللام: حرف ابتداء، وجملة {إن}: في محل النصب مقول {قَالَ} .
{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40)} .
{رَبِّ} : منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول {قَالَ}:{اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ} : فعل ومفعولان ونون وقاية، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل النصب مقول {قَالَ} على كونها جواب النداء. {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي}: جار ومجرور صفة لمحذوف معطوف على المفعول الأول لجعل، والتقدير: رب اجعلني وبعضًا من ذريتي مقيم الصلاة. {رَبَّنَا} : منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول {قَالَ}. {وَتَقَبَّلْ}: فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الله. {دُعَاءِ}: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والجملة الفعلية معطوفة على مقدر تقديره: ربنا فاسمع ندائي وتقبل دعائي، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول {قَالَ} على كونها جواب النداء.
{رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41)} .
{رَبَّنَا} : منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول {قَالَ}. {اغْفِرْ}: فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب مقول {قَالَ} على كونها جواب النداء. {لِيَ}: متعلق بـ {اغْفِرْ} . {وَلِوَالِدَيَّ} : جار ومجرور ومضاف إليه معطوف على {لِيَ} . {وَلِلْمُؤْمِنِينَ} : معطوف عليه أيضًا. {يَومَ} : منصوب على الظرفية متعلق بـ {اغْفِرْ} . {يَقُومُ الْحِسَابُ} : فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ {يَوْمَ} .
التصريف ومفردات اللغة
{دَارَ الْبَوَارِ} ؛ أي: الهلاك، يقال: رجل بسائر وقوم بور، كما قال:{وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا} ومنه قول الشاعر:
فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُمْ أَبْطَالَ حَرْبٍ
…
غَدَاةَ الْحَرْبِ إِذْ خِيْفَ الْبَوَارُ
وفي "المصباح": بار الشيء يبور بورًا - بالضم - هلك، وبار الشيء بوارًا إذا كسد.
{يَصْلَوْنَهَا} ؛ أي: يقاسون حرها، يقال: صلى النار صليًّا قاسى حرها كتصلاها، والمرادَ بيصلونها: الدخول مع المقاساة لشدة حرها، وإلا فمطلق الدخول قد استفيد من قوله:{وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ} . وفي "المصباح": صلى الله بالنار، وصليها، صلى - من باب تعب -: وجد حرها، والصِّلاء - وزان كتاب -: حر النار، وصليت اللحم أصليه - من باب رمى - إذا شويته. اهـ.
{أَنْدَادًا} والأنداد: الشركاء جمع ند، وهو المثل الشبيه.
{فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ} ؛ أي: مرجعكم ومردكم، والمصير: مصدر (1) صار التامة بمعنى: رجع. {سِرًّا وَعَلَانِيَةً} اسما مصدر لأسر وأعلن الرباعيين.
{يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ} ؛ أي: فدية. {وَلَا خِلَالٌ} الخلال: المخالة والصداقة، وفي "القرطبي" الخلال (2): جمع خلة كقلة وقلال. قال الشاعر:
فَلَسْتُ بِمَقْلِيِّ الْخِلَالِ وَلَا قَالِي
{وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ} السماء: السحاب، وكل ما علا الإنسان فأظله فهو سماء، مشتق من السمو؛ وهو الارتفاع، وسمي السحاب سماء لارتفاعه.
{مِنَ الثَّمَرَاتِ} : جمع ثمر، والثمر: اسم يقع على ما يحصل من الشجر، وقد يقع على الزرع أيضًا بدليل قوله تعالى:{كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} .
(1) روح البيان.
(2)
القرطبي.
{رِزْقًا} والرزق: كل ما ينتفع به مأكولًا كان أو مشروبًا أو غيرهما. {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ} التسخير: التيسير والإعداد، والفلك: السفن.
{دَائِبَيْنِ} : الدأب: العادة المستمرة دائمًا على حالة واحدة، ودأب في السير إذا داوم عليه، ودأب في العمل إذا سار فيه على عادة مطردة، كما قال:{تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا} . وفي "المختار": دأب في عمله جد وتعب، وبابه قطع وخضع فهو دائب بالألف لا غير، والدائبان: الليل والنهار، والدأب - بسكون الهمزة - العادة والشأن وقد يحرك. اهـ. وفي "القاموس": دأب في عمله - كمنع - دأبًا، ويحرك ودؤوبًا بالضم جد وتعب. اهـ.
{وَآتَاكُمْ} : أعطاكم. {لَا تُحْصُوهَا} : لا تطيقوا إحصاءها وحصرها من أحصى الرباعي، والإحصاء: العد بالحصى، وكان العرب يعتمدونه في العد كاعتمادنا فيه على الأصابع.
{ظَلُومٌ} ؛ أي: كثير الظلم لنفسه بإغفال شكر النعمة. {كَفَّارٌ} ؛ أي: شديد الكفران والجحود لها.
{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ} يقال: جنبته كنصرته وأجنبته وجنبته؛ أي: أبعدته، والمعنى: بعدني وإياهم. وفي "الفتوحات" يقال (1): جنبه شرًّا وأجنبه إياه ثلاثيًّا ورباعيًّا: وهي لغة نجد، وجنَّبه إياه مشددًا: وهي لغة الحجاز وهو المنع، وأصله من الجانب، وأصل التجنب أن يكون الرجل في جانب غير ما عليه غيره، ثم استعمل في البعد مطلقًا. وقال الراغب: وقوله تعالى: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ} من جنبته عن كذا؛ أي: أبعدته منه. وقيل: من جنبت الفرس كأنه سأله أن يبعده عن جانب الشرك بإلطاف منه وأسباب خفية، وأن نعبد على حذف حرف الجر؛ أي: عن أن نعبد. اهـ. "سمين". وفي "القاموس": والجنب: محركة أن يجنب فرسًا إلى فرسه في السباق، فإذا فاز المركوب تحول إلى المجنوب. اهـ.
وفي "المصباح": وجنبت الرجل الشر جنوبًا - من باب قعد - أبعدته عنه،
(1) الفتوحات.
وجنبته بالتثقيل مبالغة. اهـ. وفي "المختار": وجنبه الشيء - من باب نصر - وجنبه الشيء تجنيبًا بمعنى؛ أي: نحاه عنه، ومنه قوله تعالى:{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} اهـ. {وَبَنِيَّ} أصله: وبنين لي، حذفت النون للإضافة واللام للتخفيف، فأدغمت يا علامة الإعراب في ياء المتكلم.
{بِوَادٍ} ؛ أي: في وادٍ، والوادي: المنخفض بين الجبلين. {غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} ؛ أي: لا يصلح للإنبات؛ لأنه أرض حجرية لا تنبت شيئًا.
{أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ} الأفئدة (1): جمع فؤاد، وهو القلب عبر به عن جميع البدن؛ لأنه أشرف عضو فيه، وقيل: هو جمع وفد، والأصل: أوفدة فقدمت الفاء وقلبت الواو ياء، فكأنه قال: واجعل وفودًا من الناس تهوي إليهم.
{تَهْوِي إِلَيْهِمْ} ؛ أي: تسرع شوقًا وحبًّا إليهم. قال الأصمعي: يقال (2): هوى يهوي - من باب رمى - هويًا إذا سقط من عُلوٍ إلى سُفلٍ. وقال الفراء: تهوي إليهم تريدهم، كما تقول: رأيت فلانًا يهوي نحوك، معناه يريدك. وقال أيضًا: تهوي: تسرع إليهم. وقال ابن الأنباري: معناه: تنحط إليهم وتنحدر وتنزل، هذا قول أهل اللغة في هذا الحرف. وأما أقوال المفسرين فيه، فقد تقدمت في مبحث التفسير.
{لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} ؛ أي: إنك لكثير إجابة الدعاء لمن يدعوك، وإضافة (3) السميع إلى الدعاء من إضافة الصفة إلى مفعولها، وأصله: لسميعٌ الدعاء، وقد ذكر سيبويه فعيلًا في جملة أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل، كقولك: هذا رحيم أباه. وفي "البيضاوي": وهو من أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل أضيف إلى مفعوله، أو فاعله على إسناد السماع إلى دعاء الله تعالى على المجاز، وهذا الأخير بعيدٌ جدًّا. قال أبو حيان: والظاهر (4) إضافة سميع إلى المفعول، وهو من إضافة المثال الذي على وزن فعيل إلى المفعول، فيكون إضافة من نصب، ويكون
(1) الشوكاني.
(2)
الخازن.
(3)
النسفي.
(4)
البحر المحيط.
ذلك حجة على إعمال فعيل الذي للمبالغة في المفعول على ما ذهب إليه سيبويه. وقد خالف في ذلك جمهور البصريين، وخالف الكوفيون فيه، وفي إعمال باقي الخمسة الأمثلة فعول وفعال ومفعال وفعل، وهذا مذكور في علم النحو، ويمكن أن يقال في هذا: ليس ذلك إضافة من نصب، فيلزم جواز إعماله، بل هي إضافة كإضافة اسم الفاعل في نحو: هذا ضارب زيد أمس.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستفهام التعجبي في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا} فإنه تعجيب (1) لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل أحد مما صنع الكفرة من الأباطيل التي لا تكاد تصدر عمن له أدنى إدراك.
ومنها: المجاز بالحذف في قوله: {نِعْمَتَ اللَّهِ} ؛ أي: شكر نعمة الله.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: {وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ} لما فيه من الإسناد إلى السبب؛ لأنه أسند (2) الإحلال وهو فعل الله إلى أكابرهم؛ لأن سببه كفرهم وسبب كفرهم أمر أكابرهم إياهم بالكفر.
ومنها: الاستعارة التبعية في قوله: {لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ} ؛ لأنه ليس الإضلال غرضًا حقيقيًّا لهم من اتخاذ الأنداد، ولكن لما كان نتيجة له كما كان الإكرام في قولك: جئتك لتكرمني نتيجة المجيء، شبه بالغرض وأدخل اللام عليه بطريق الاستعارة التبعية، ونسب الإضلال الذي هو فعل الله تعالى إليهم؛ لأنهم سبب الضلالة حيث يأمرون بها ويدعون إليها.
ومنها: التهديد والوعيد لأولئك الضالين المضلين في قوله: {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} .
(1) أبو السعود.
(2)
روح البيان.
ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا} ؛ لأن الله سبحانه وتعالى شرف عباده بهذه الياء، وهي خير لهم من الدنيا وما فيها؛ لأن فيها إضافة إلى نفسه، والإضافة تدل على العتق.
ومنها: الطباق في قوله: {سِرًّا وَعَلَانِيَةً} .
ومنها: التكرار في قوله: {وَسَخَّرَ لَكُمُ} في أربعة مواضع.
ومنها: الاستغراق المفاد من قوله: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ} ؛ لأن المفرد المضاف يفيد الاستغراق.
ومنها: المبالغة في قوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} ؛ لأن فعول وفعال من صيغ المبالغة.
ومنها: الإسناد المجازي في قوله: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} ؛ أي: آمنًا أهله؛ لأن إسناد الأمن إلى البلد مجاز لوقوع الأمن فيه، وإنما الآمن في الحقيقة أهل البلد.
ومنها: جمع الأصنام في قوله: {أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} ليشتمل على كل صنم عبد من دون الله؛ لأن الجمع المعرف باللام يشمل كل واحد من الأفراد كالمفرد باتفاق جمهور أئمة التفسير والأصول والنحو.
ومنها: الإسناد المجازي في قوله: {إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا} لأن (1) نسبة الإضلال إليها مجاز من باب نسبة الشيء إلى سببه. اهـ. "كرخي"؛ أي: فهذا مجاز؛ لأن الأصنام جمادات وحجارة لا تعقل شيئًا حتى تضل من عبدها إلا أنه لما حصل الضلال بعبادتها أضيف إليها، كما تقول: فتنتهم الدنيا وغرتهم، وإنما فتنوا وغروا بسببها. اهـ. "خازن".
ومنها: الطباق في قوله: {تَبِعَنِي} و {عَصَانِي} . وفي {نُخْفِي} و {نُعْلِنُ} . وفي {الْأَرْضِ} و {السَّمَاءِ} .
(1) الفتوحات.
ومنها: التكرار في قوله: {رَبَّنَا} وفي قوله: {رَبِّ} لتأكيد الكلام.
ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: {عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} .
ومنها: الاستعارة في قوله: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} . قال (1) الشريف الرضي: وهذه من محاسن الاستعارة، وحقيقة الهوي: النزول من علو إلى انخفاض كالهبوط، والراد: تسرع إليهم شوقًا، وتطير إليهم حبًّا، ولو قال: تحنّ إليهم. لم يكن فيه من الفائدة ما في التعبير بـ {تَهْوِي إِلَيْهِمْ} ؛ لأن الحنين قد يكون من المقيم بالمكان.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: {يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} ؛ أي: يوم (2) يثبت حساب المكلفين في المحشر، استعير له لفظ {يَقُومُ} الذي هو حقيقة في قيام الرجل، للدلالة على أنه في غاية الاستقامة، كما يقال: قامت الحرب على ساق.
ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: {وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} إن قلنا: إنه من كلام الله معترض بين كلامي إبراهيم؛ لأن حق العبارة حينئذٍ أن يقال: وما يخفى علي من شيء.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
(1) تلخيص البيان.
(2)
الشوكاني.
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
المناسبة
قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ
…
} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر أن جزاء من بدلوا نعمة الله كفرًا، وجعلوا له الأنداد جهنم يصلونها وبئس المهاد، وطلب إلى عباده المؤمنين مجاهدة النفس والهوى وإقامة فرائض الدين .. ذكر هنا تسلية لرسوله وتهديدًا للظالمين من أهل مكة أن تأخيرهم وتمتعهم بالحظوظ الدنيوية ليس بإهمال للعقوبة، ولا لغفلة عن حالهم، وإنما كان لحكمة اقتضت ذلك، وهم مرصدون ليوم شديد الهول له من الأوصاف ما بين بعد، وعليك أيها الرسول أن تنذر الناس بقرب حلوله، وأنهم في ذلك اليوم سيطلبون المرد إلى الدنيا ليجيبوا دعوة الداعي، وهيهات هيهات.
صَاحِ هَلْ رَيْتَ أَوْ سَمِعْتَ بِرَاعِ
…
ردَّ فِيْ الضَّرْعِ مَا قَرَى في الْحِلَابِ
وقد كان لكم معتبر في تلك المساكن التي تسكنونها، فإنها كانت لقوم أمثالكم كفروا بأنعم الله، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر. ألا إن وعد الله لرسله لا