المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

قدرته ينكرون البعث والجزاء والعرض للحساب، ومع شديد بطشه وعظيم - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٤

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: قدرته ينكرون البعث والجزاء والعرض للحساب، ومع شديد بطشه وعظيم

قدرته ينكرون البعث والجزاء والعرض للحساب، ومع شديد بطشه وعظيم سلطانه يقدمون على المكايدة والعناد .. فهون عليك ولا تذهب نفسك عليهم حسرات. وقرأ الجمهور (1):{الْمِحَالِ} - بكسر الميم -، وقرأ الضحاك والأعرج شذوذًا:{المَحَال} - بفتح الميم - وفسرت هذه القراءة بالحول.

‌14

- {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} ؛ أي: له سبحانه وتعالى لا لغيره، وتقديم (2) الخبر لإفادة التخصيص، دعوة الحق؛ أي: الدعاء الحق على أن يكون من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، والدعوة بمعنى العبادة، والحق بمعنى الحقيق اللائق الغير الباطل، والمعنى: إن الدعوة التي هي التضرع والعبادة قسمان: ما يكون حقًّا وصوابًا، وما يكون باطلًا وخطأ. فالتي تكون حقًّا منها مختصة به تعالى لا يشاركه فيها غيره، أو له الدعوة المجابة على أن يكون الحق بمعنى الثابت الغير الضائع الباطل، فإنه الذي يجيب لمن دعاه دون غيره. قال في "المدارك": المعنى: إن الله يدعى فيستجيب الدعوة، ويعطي السائل الداعي سؤاله، فكانت دعوة ملابسة لكونه حقيقًا بأن يوجه إليه الدعاء بخلاف ما لا ينفع دعاؤه.

وعبارة الشوكاني هنا: إضافة (3) الدعوة إلى الحق للملابسة؛ أي: الدعوة الملابسة للحق والصدق المختصة به التي لا مدخل للباطل فيها بوجه من الوجوه، كما يقال كلمة الحق، والمعنى: إن له تعالى دعوة مجابة واقعة في موقعها، لا كدعوة من دونه. وقيل: هو الله سبحانه وتعالى.

والمعنى: إن لله سبحانه دعوة المدعو الحق، وهو الذي يسمع فيجيب. وقيل: المراد بدعوة ها هنا: كلمة التوحيد والإخلاص والمعنى: لله من خلقه أن يوحدوه ويخلصوا له، وإنه شرعها وأمر بها. وقيل: دعوة الحق، دعاؤه سبحانه عند الخوف، فإنه لا يدعى فيه سواه، كما قال تعالى:{ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} . وقيل: الدعوة: العبادة، فإن عبادة الله هي الحق والصدق انتهت. وفي هذا (4)

(1) البحر المحيط.

(2)

روح البيان.

(3)

الشوكاني.

(4)

المراغي.

ص: 211

وما قبله وعيد للكفار على مجادلتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بحلول محاله بهم وتهديدهم بإجابة دعائه عليه السلام إن دعا عليهم.

وقوله: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} مبتدأ، خبره جملة قوله:{لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ} ؛ أي: والأصنام الذين يدعوهم المشركون ويتضرعون إليهم من دونه تعالى متجاوزين إليهم، فحذف العائد، أو والكفار الذين يدعون الأصنام من دونه تعالى، فحذف المفعول لا يجيبونهم؛ أي: لا يجيب الأصنام. وعبر عن الأصنام بضمير العقلاء؛ لمعاملتهم إياها معاملة العقلاء؛ أي: لا تجيب الأصنام لداعيها بشيء مما يريدونه من نفع أو ضر. والاستثناء في قوله: {إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ} استثناء مفرغ من عام المصدر؛ أي: لا يستجيبونهم استجابةً إلا استجابةً مثل استجابة الماء لمن يبسط ويمد يديه إليه {لِيَبْلُغَ} الماء {فَاهُ} ؛ أي: يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيده ليصل إلى فمه {وَمَا هُوَ} ؛ أي: الماء {بِبَالِغِهِ} ؛ أي: ببالغ فيه؛ لأنه جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته إليه، ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فيه، وكذا ما يدعونه جماد لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم ولا يقدر على نفعهم، ففي الكلام تشبيه مركب تمثيلي، كما سيأتي في مبحث البلاغة.

والمعنى: أنه تعالى شبه من يعبد الأصنام بالرجل العطشان الذي يرى الماء بعينه من بعيد، فهو يشير بكفيه إلى الماء ويدعو بلسانه، فلا يأتيه أبدًا، هذا معنى قول مجاهد - وعن عطاء: كالعطشان الجالس على شفير البئر، فلا يبلغ إلى قعر البئر ليجر الماء ولا الماء يرتفع إليه، فلا ينفعه بسط الكف إلى الماء، ودعاؤه له، ولا هو يبلغه. اهـ "خازن".

{وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ} لأصنامهم {إِلَّا فِي ضَلَالٍ} ؛ أي: إلا (1) في ضياع وخسار وبطلان؛ لأن الآلهة لا تقدر على إجابتهم، وأما دعاؤهم له تعالى فالمذهب جواز استجابته، وقد أجاب الله دعاء إبليس وغيره، ألا ترى أن فرعون كان يدعو الله في مكانٍ خال عند نقصان النيل فيستجيب الله دعاؤه ويمده، فإذا كان الله لا

(1) روح البيان.

ص: 212