الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
84
- {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ} ؛ أي: أعرض عنهم كراهة لما جاءوا به؛ أي: وأعرض يعقوب عن بنيه حين بلغوه خبر بنيامين، فحينئذ تناهى حزنه واشتد بلاؤه، وبلغ جهده وهيج حزنه على يوسف، فعند ذلك أعرض عنهم.
وقال: {يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} ؛ أي: يا حزني ويا حسرتي على يوسف أقبلي إلي فهذا وقتك، والحال مقتضية لك، فقد كنت أنتظر أن يأتوني من مصر ببشرى لقاء يوسف، فخاب أملي وحلّ محله ذهاب ابني المسلي عنه، ولم يشرك معه بنيامين بالأسف عليه؛ لأن مكان حب يوسف والرجاء فيه قد ملأ سويداء القلب وزواياه، ومحل غيره دون ذلك.
قال الزجاج: الأصل يا أسفي فأبدل من الياء ألفًا لخفة الفتحة، والأسف: شدة الجزع، وقيل: شدة الحزن.
قال يعقوب هذه المقالة لما بلغ منه غاية مبالغة بسبب فراقه ليوسف، وانضمام فراقه لأخيه بنيامين، وبلوغ ما بلغه من كونه أسيرًا عند ملك مصر، فتضاعفت أحزانه وهاج عليه الوجد القديم بما أثاره من الخبر الأخير.
وقد روي عن سعيد بن جبير (1): أن يعقوب لم يكن عنده ما ثبت في شريعتنا من الاسترجاع والصبر على المصائب، ولو كان عنده ذلك لما قال:{يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} ، ومعنى المناداة للأسف طلب حضوره، كأنه قال: تعالَ يا أسفي وأقبل إلي.
{وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ} ؛ أي: أصابت عينيه غشاوة بيضاء غطت على البصر مع بقاء العصب الذي يدرك المبصرات سليمًا معافى، أو المعنى: انقلب سواد عينيه بياضًا من كثرة البكاء. قيل: إنه زال إدراكه بحاسَّة البصر بالمرة. وقيل: كان يدرك إدراكًا ضعيفًا من كثرة البكاء، فإن الدمع يكثر عند غلبة البكاء، فتصير العين كأنها بيضاء من بياض الماء الخارج منها.
(1) الشوكاني.
(2)
المراغي.
{فَهُوَ كَظِيمٌ} ؛ أي: مكظوم مملوء غيظًا وغضبًا على أولاده يردد حزنه في جوفه، ولا يتكلم بسوء، أو مملوء حزنًا ممسك له كاتم له لا يبثه، ومنه كظم الغيظ؛ أي: وهو إخفاؤه، فالمكظوم المسدود عليه طريق حزنه، من كظم السقاء إذا سده على ما فيه.
والحزن: عرض طبيعي للنفس ولا يذم شرعًا إلا إذا بلغ بصاحبه أن يقول أو أن يفعل ما لا يرضي الله تعالى، ومن ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم عند موت ولده إبراهيم، وقد جعلت عيناه تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟! "يا ابن عوف إنها رحمة" ثم أتبعها بأخرى، فقال:"إن العين لتدمع وإن القلب ليخشع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون". رواه الشيخان وغيرهما.
فائدة: وقد اعترض بعض الجهال على يعقوب عليه السلام في قوله: {يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} فقال هذه شكاية وإظهار جزع، فلا يليق بعلو منصبه ذلك، وليس الأمر كما قال هذا الجاهل المعترض؛ لأن يعقوب عليه السلام شكا إلى الله لا منه، فقوله:{يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} معناه: يا رب ارحم أسفي على يوسف. وقد ذكر ابن الأنباري عن بعض اللغويين أنه قال: نداء يعقوب بالأسف في اللفظ من المجاز يعني به غير المظهر في اللفظ، وتخليصه: يا إلهي ارحم أسفي، أو أنت رائي أسفي، أو هذا أسفي، فنادى الأسف في اللفظ، والمنادى سواه في المعنى، ولا مأثم إذا لم ينطق اللسان بكلام مؤثم؛ لأنه لم يشك إلا إلى ربه عز وجل. فلما كان قوله:{يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} شكوى إلى ربه كان غير ملوم في شكواه، وقيل: إن يعقوب لما عظمت مصيبته واشتد بلاؤه وقويت محنته .. قال: يا أسفا على يوسف؛ أي: أشكو إلى الله شدة أسفي على يوسف، ولم يشكه إلى أحد من الخلق بدليل قوله:{إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} .
وقال الحسن: كان بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم التقيا ثمانون سنة لم تجف عينا يعقوب، وما على وجه الأرض يومئذ أكرم على الله منه.
الإعراب
{وَلَمَّا} (الواو): استئنافية. {لما} : حرف شرط. {دَخَلُوا} ؛ فعل وفاعل. {عَلَى يُوسُفَ} : متعلق به، والجملة فعل شرط {لما}. {آوَى}: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على {يُوسُفَ}. {إِلَيْهِ}: متعلق به. {أَخَاهُ} : مفعول به، والجملة جواب {لما} ، وجملة {لما} من فعل شرطها وجوابها مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. {قَال}: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على {يُوسُفُ} . والجملة مستأنفة، أو بدل من جملة {آوَى}. {إِنِّي أَنَا أَخُوكَ} إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت:{إِنِّي} : ناصب وإسمه. {أَنَا} : ضمير فصل، أو مؤكد لياء المتكلم. {أَخُوكَ}: خبر {إن} وجملة {إن} في محل النصب مقول {قَال} . {فَلَا} : (الفاء): حرف عطف وتفريع، {لا}: ناهية جازمة: {تَبْتَئِسْ} : فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وفاعله ضمير يعود على أخي يوسف، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة {إن} على كونها مقول قَالَ. {بِمَا}: جار ومجرور متعلق بـ {تَبْتَئِسْ} . {كَانُوا} : فعل ناقص واسمه، وجملة {يَعْمَلُونَ}: خبر كان، وجملة {كان}: صلة لـ {ما} ، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره، بما كانوا يعملونه ويصح كون {ما} مصدرية.
{فَلَمَّا} : (الفاء): حرف عطف وتعقيب، ومر في مبحث التفسير علة الإتيان بالفاء هنا. {لما}: حرف شرط غير جازم {جَهَّزَهُمْ} . فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على {يُوسُفَ}. {بِجَهَازِهِمْ}: متعلق به، والجملة فعل شرط لـ {لما}. {جَعَلَ السِّقَايَةَ}: فعل ومفعول به؛ لأن {جَعَل} هنا بمعنى وضع، وفاعله ضمير يعود على {يُوسُفَ}. {فِي رَحْلِ أَخِيهِ}: جا ومجرور ومضاف إليه
متعلق به، والجملة جواب {لما} لا محل لها من الإعراب، وجملة {لما} معطوفة على جملة {لما} في قوله:{وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ} {ثُمَ} : حرف عطف وتراخ. {أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} : فعل وفاعل معطوف على {جَعلَ} . {أَيتُها} : منادى نكرة مقصودة حذف منه حرف النداء، والهاء حرف تنبيه زيد تعويضًا عما فات؛ أي: من الإضافة، وجملة النداء في محل النصب مقول لقول محذوف حال من {مُؤَذِّنٌ} تقديره: حالة كونه قائلًا أيتها العير إنكم لسارقون. {الْعِيرُ} بدل {إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} : ناصب واسمه وخبره، واللام حرف ابتداء، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لذلك القول المحذوف على كونها جواب النداء.
{قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (71)} .
{قَالُوا} : فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. {وَأَقْبَلُوا}:{الواو} : واو الحال. {أَقْبَلُوا} : فعل وفاعل. {عَلَيْهِمْ} : متعلق به، والجملة في محل النصب حال من فاعل {قَالُوا}. {مَاذَا تَفْقِدُونَ}: مقول محكي لـ {قَالُوا} ، وإن شئت قلت:{مَاذَا} : استفهام مركب في محل النصب مفعول مقدم وجوبًا، أو {ما}: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، {ذا}: اسم موصول بمعنى الذي في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول {قَالُوا}. {تَفْقِدُونَ}: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: تفقدونه.
{قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72)} .
{قَالُوا} : فعل وفاعل، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. {نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ} إلى آخر الآية: مقول محكي لـ {قَالُوا} ، وإن شئت قلت:{نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ} : فعل ومفعول به ومضاف إليه، وفاعله ضمير يعود على أصحاب يوسف، والجملة في محل النصب مقول {قَالُوا}. {وَلِمَنْ}: جار ومجرور خبر مقدم. {جَاءَ} : فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على {من}. {بِهِ}: متعلق بـ {جَاءَ} ، والجملة صلة الموصول. {حِمْلُ بَعِيرٍ}: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب مقول {قَالُوا}. {وَأَنَا} مبتدأ. {بِهِ}: متعلق بما بعده {زَعِيمٌ} : خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول {قَالُوا} .
{قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} .
{قَالُوا} : فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. {تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ} إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت:{تَاللَّهِ} : (التاء): حرف جر وقسم مختص بلفظ الجلالة. {الله} : مقسم به مجرور بتاء القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل محذوف تقديره: أقسم تالله، وجملة القسم مع جوابه الآتي في محل النصب مقول {قَالُوا}. {لَقَد}:{اللام} : موطئة للقسم. {قد} : حرف تحقيق. {عَلِمْتُمْ} : فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب. {مَا}: نافية. {جِئْنَا} : فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب سادة مسد مفعول علم؛ لأنه بمعنى عرف تقديره: لقد علمتم عدم مجيئنا لنفسد في الأرض. {لِنُفْسِد} : {اللام} : لام كي. {نفسد} : فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على أخوة يوسف. {فِي الْأَرْضِ}: متعلق به. {وَمَا} : (الواو): عاطفة. {ما} : نافية. {كُنَّا سَارِقِينَ} : فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها تقديره: وعدم كوننا سارقين.
{قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74)} .
{قَالُوا} : فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. {فَمَا جَزَاؤُهُ} إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت:{فَمَا} : (الفاء): عاطفة على محذوف تقديره: قد سمعنا قولكم ما جئنا لنفسد في الأرض، وما كنا سارقين، {مَا جَزَاؤُهُ}:{ما} : استفهامية في محل الرفع مبتدأ. {جَزَاؤُهُ} : خبر مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على ذلك المحذوف على كونها مقولًا لـ {قَالُوا} ، ويحتمل كون الفاء زائدة. {إِن}: حرف شرط. {كُنْتُمْ كَاذِبِينَ} : فعل ناقص واسمه، وخبره في محل الجزم بـ {إن} الشرطية على كونها فعل شرط لها، وجواب {إن} الشرطية معلوم مما قبلها تقديره: إن كنتم كاذبين فما جزاؤه.
{قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75)} .
{قَالُوا} : فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. {جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ} إلى آخر الآية
مقول محكي لـ {قَالُوا} ، وإن شئت قلت:{جَزَاؤُهُ} : مبتدأ أول. {مَن} : اسم شرط في محل الرفع مبتدأ ثان، وخبره جملة الشرط، أو جملة الجواب، أو هما على الخلاف. {وُجِدَ}: فعل ماض مغيّر الصيغة في محل الجزم بـ {مَن} على كونه فعل شرط لها، ونائب فاعله ضمير يعود على الصواع. {فِي رَحْلِهِ}: متعلق به. {فَهُوَ} : (الفاء): رابطة لجواب {مَن} الشرطية. {هُوَ جَزَاؤُهُ} : مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ {مَن} الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة {مَن} الشرطية: في محل الرفع خبر المبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره في محل النصب مقول لـ {قَالُوا} .
وفي "السمين" قوله: {جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ} فيه أوجه:
أحدها: أن يكون {جَزَاؤُهُ} ؛ مبتدأ، والضمير للسارق، و {مَن} شرطية أو موصولة مبتدأ ثان، والفاء: رابطة الجواب للشرط، أو مزيدة في خبر الموصول لشبهه بالشرط، و {مَن} وما في حيزها على وجهيها خبر المبتدأ الأول.
والثاني: أن يكون {جَزَاؤُهُ} مبتدأ، والهاء تعود للمسروق، و {مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ} خبره، و {مَن} بمعنى الذي، والتقدير: وجزاء الصواع الذي وجد في رحله.
والثالث: أن يكون {جَزَاؤُهُ} خبر مبتدأ محذوف؛ أي: والمسؤول عنه {جَزَاؤُهُ} ، ثم أفتوا بقولهم:{مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} . اهـ. {كَذَلِكَ} : صفة لمصدر محذوف، والعامل فيه ما بعده. {نَجْزِي الظَّالِمِينَ}: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على إخوة يوسف، والتقدير: نجزي الظالمين جزاء مثل ذلك الجزاء المذكور، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ {قَالُوا} .
{فَبَدَأَ} : (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما قال إخوة يوسف، وما قال أصحاب يوسف، وأردت بيان ما فعل يوسف بهم .. فأقول لك:{بَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ} : {بدأ} : فعل ماض، وفاعله
ضمير يعود على {يُوسُف} ، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. {بِأَوْعِيَتِهِمْ}: جار ومجرور متعلق بـ {بدأ} . {قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ} : ظرف ومضاف إليه متعلق بـ {بدأ} أيضًا. {ثُمَّ} : حرف عطف. {اسْتَخْرَجَهَا} : فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على {يُوسُفَ}. {مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق باستخراج، والجملة الفعلية معطوفة على جملة {بدأ}. {كَذَلِكَ}: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف معمول لما بعده. {كِدْنَا} : فعل وفاعل. {لِيُوسُفَ} : متعلق به، والتقدير: كدنا ليوسف كيدًا مثل ذلك الكيد المذكور، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. {مَا}: نافية. {كاَنَ} : فعل ماضٍ ناقص، واسمها ضمير يعود على {يوسف}. {لِيَأخُذَ}:(اللام): حرف جر وجحود. {يأخذ أخاه} : فعل ومفعول منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود. {فِي دِينِ الْمَلِكِ} : جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام الجحود، الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر {كاَنَ} على مذهب البصريين تقديره: ما كان يوسف مريدًا لأخذ أخيه في دين الملك، ومتمكنًا منه في حكمه، وهذه الجملة تعليق لما صنعه الله ليوسف من الكيد، أو تفسير له. ذكره الشوكاني وغيره. {إِلَّا}: أداة استثناء من أعم الأحوال. {أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} : ناصب وفعل وفاعل، والجملة في تأويل مصدر مجرور بإضافة مستثنى المحذوف إليه، والتقدير: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك في حال من الأحوال إلا حال مشيئة الله سبحانه وتعالى. {نَرْفَعُ} : فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهُ} ، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. {دَرَجَاتٍ مَنْ}: مفعول به ومضاف إليه إذا قرأناه بلا تنوين، وإذا قرأناه بالتنوين {دَرَجَاتٍ} منصوب بنزع الخافض. {مَنْ}: اسم موصول في محل النصب مفعول به، وجملة {نَشَاءُ}: صلة {مَنْ} الموصولة، والتقدير: نرفع من نشاء رفعه من عبادنا في درجات. {وَفَوْقَ كُلِّ} : ظرف ومضاف إليه خبر مقدم. {ذِي عِلْمٍ} مضافان {عَلِيمٌ} : مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة.
{قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ
وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77)}.
{قَالُوا} : فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. {إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ}: مقول محكي، وإن شئت قلت:{إِنْ} : حرف شرط. {يَسْرِقْ} : فعل مضارع مجزوم بـ {إِنْ} الشرطية، وفاعله ضمير يعود علي بنيامين. {فَقَدْ}:(الفاء): رابطة لجواب {إن} الشرطية وجوبًا لاقترانه بـ {قد} . {قد} : حرف تحقيق. {سَرَقَ أَخٌ} : فعل وفاعل في محل الجزم بـ {إن} الشرطية على كونه جوابًا لها. {لَهُ} : جار ومجرور صفة لـ {أَخٌ} . {مِنْ قَبْلُ} : جار ومجرور متعلق بـ {سَرَقَ} ، وجملة {إِنْ} الشرطية في محل النصب مقول {قَالُوا} ، {فَأَسَرَّهَا} (الفاء): عاطفة. {أسرها يوسف} : فعل ومفعول به. {فِي نَفْسِهِ} متعلقان به {وَلَمْ يُبْدِهَا} جازم وفعل مجزوم ومفعول به، والجملة معطوفة على {فَأَسَرَّهَا} {لَهُمْ}: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على {يُوسُفُ} ، والجملة معطوفة على جملة {فَأَسَرَّهَا}. {قَالَ}: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على {يُوسُفُ} ، والجملة مستأنفة. {أَنْتُمْ شَرٌّ} إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شيء قلت:{أَنْتُمْ شَرٌّ} : مبتدأ وخبر. {مَكَانًا} : تمييز محول عن المبتدأ منصوب باسم التفضيل، والجملة في محل النصب مقول {قَالَ}. {وَاللَّهُ أَعْلَمُ}: مبتدأ وخبر. {بِمَا} : جار ومجرور متعلق بـ {أَعْلَمُ} ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول {قَالَ} ، وجملة {تَصِفُونَ}: صلة لـ {ما} أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما تصفونه.
{قَالُوا} : فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. {يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ} إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت:{يا} : حرف نداء، {أي}: منادى نكرة مقصودة. {ها} : حرف تنبيه. {الْعَزِيزُ} : صفة لـ {أي} ، وجملة النداء في محل النصب مقول {قَالُوا}. {إنَّ}: حرف نصب. {لَهُ} : جار ومجرور خبر مقدم لـ {إِنَّ} . {أَبًا} : اسم {إِنَّ} مؤخر. {شَيْخًا} : صفة لـ {أَخٌ} . {كَبِيرًا} : صفة
لـ {شَيْخًا} ، وجملة {إِنَّ} في محل النصب مقول {قَالُوا} على كونها جواب النداء. {فَخُذْ}:(الفاء): عاطفة تفريعية. {خذ} : فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على {يوُسُفُ} ، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة {إن}. {أَحَدَنَا}: مفعول به. {مَكَانَهُ} : ظرف متعلق بـ {خذ} . {إِنَّا} : ناصب واسمه. {نَرَاكَ} : فعل ومفعول به؛ لأن رأى بصرية. {مِنَ الْمُحْسِنِينَ} : متعلق به، ويصح كونها علمية، والجار والمجرور في محل المفعول الثاني، وفاعل نرى ضمير يعود على إخوة يوسف، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {إن} ، وجملة {إن}: في محل النصب مقول {قَالُوا} مسوقة لتعليل ما قبلها.
{قَالَ} : فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على {يُوسُفُ} ، والجملة مستأنفة. {مَعَاذَ اللَّهِ} إلى آخر الآية: محكي لـ {قَالَ} ، وإن شئت قلت {مَعَاذَ اللَّهِ} منصوب. على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا تقديره: نعوذ بالله معاذ؛ أي: نتعوذ بالله تعوذًا، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول {قَالَ}. {أَنْ نَأْخُذَ}: ناصب وفعل منصوب به، وفاعله ضمير يعود على {يوُسُفُ} ، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف تقديره: نعوذ بالله من أخذنا. {إِلَّا} : أداة استثناء مفرغ. {مَن} : اسم موصول في محل النصب مفعول به. {وَجَدْنَا مَتَاعَنَا} : فعل وفاعل ومفعول. {عِنْدَهُ} : متعلق به، والجملة صلة {مَنْ} الموصولة. {إِنَّا}: ناصب واسمه. {إِذًا} : حرف جواب وجزاء ملغاة لا عمل لها؛ لعدم دخولها على الفعل. {لَظَالِمُونَ} : خبر {إن} ، و {اللام}: حرف ابتداء، وجملة {إن} في محل النصب مقول {قَال} مسوقة لتعليل ما قبلها.
{فَلَمَّا} : (الفاء): استئنافية. {لما} : حرف شرط غير جازم. {اسْتَيْأَسُوا} : فعل وفاعل، فعل شرط لـ {لما}. {مِنْهُ}: متعلق به. {خَلَصُوا} : فعل وفاعل جواب {لما} . {نَجِيًّا} : حال من فاعل {خَلَصُوا} ، وجملة {لما}: مستأنفة،
وإنما أفردت الحال مع كون صاحبها جمعًا؛ لأن فعيلًا يستوي فيه المذكر والمؤنث. والجميع وغيره. {قَالَ كَبِيرُهُمْ} : فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. {أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ} إلى قوله:{بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ} مقول محكي، وإن شئت قلت {أَلَمْ تَعْلَمُوا}:(الهمزة): للاستفهام التقريري. {لَمْ تَعْلَمُوا} : جازم وفعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول {قَالَ}. {أَنَّ أَبَاكُمْ}: ناصب واسمه. {قَدْ أَخَذَ} : فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الأب. {عَلَيْكُمْ}: متعلق به. {مَوْثِقًا} : مفعول به. {مِنَ اللَّهِ} : جار ومجرور صفة له، وجملة {أَخَذَ} في محل الرفع خبر {أَنَّ} ، وجملة {أَنَّ} في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم تقديره: ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقًا من الله في شأن بنيامين.
{وَمِنْ قَبْلُ} : جار ومجرور متعلق بـ {فَرَّطْتُم} . {مَا} : زائدة، أو مصدرية. {فَرَّطْتُم}: فعل وفاعل. {في يُوسُف} : متعلق به، والجملة صلة لـ {مَا} المصدرية. {ما} مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر مؤول من جملة {أَنَّ} تقديره: ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقًا من الله في شأن بنيامين، وتفريطكم في شأن يوسف من قبل بنيامين. {فَلَنْ أَبْرَحَ}:(الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم ما قلت لكم وأردتم بيان شأني وحالي .. فأقول لكم، {لَنْ أَبْرَحَ}: ناصب وفعل منصوب، و {أَبْرَحَ} هنا تامة، وفاعله ضمير يعود على الكبير. {الْأَرْضَ}: مفعول به؛ لأنه في معنى لن أفارق الأرض، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول {قَالَ}. {حَتَّى}: حرف جر وغاية. {يَأْذَنَ} : فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد حتى بمعنى إلى. {لِي} : متعلق به. {أَبِي} : فاعل. {أَوْ يَحْكُمَ اللَّه} : فعل وفاعل معطوف على {لِي} . {لِي} : متعلق به، وجملة {يَأْذَنَ} في تأويل مصدر مجرور بحتى بمعنى إلى، الجار والمجرور متعلق بـ {أَبْرَحَ} ، والتقدير: فلن أبرح الأرض إلى إذن أبي لي، أو حكم الله لي. {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ}: مبتدأ وخبر، والجملة في محل
النصب مقول {قَالَ} على كونها معللة لما قبلها.
{ارْجِعُوا} : فعل وفاعل. {إِلَى أَبِيكُمْ} : متعلق به، والجملة في محل النصب مقول {قَال}. {فَقُولُوا}:(الفاء): عاطفة. {قولوا} : فعل وفاعل معطوف على {ارْجِعُوا} . {يَا أَبَانَا} إلى آخر الآية: مقول {قولوا} ، وإن شئت قلت:{يَا أَبَانَا} : منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول {قولوا}. {إِنَّ ابْنَكَ}: ناصب واسمه. {سَرَقَ} : فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الابن، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {إِنَّ} ، وجملة {إِنَّ}: في محل النصب مقول {قولوا} على كونها جواب النداء. {وَمَا} : (الواو): عاطفة. {ما} : نافية. {شَهِدْنَا} : فعل وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة {إِنَّ} على كونها جواب النداء. {إِلَّا}: أداة استثناء مفرغ. {بِمَا} : جار ومجرور متعلق بـ {شَهِدْنَا} . {عَلِمْنَا} : فعل وفاعل، والجملة صلة لـ {ما} ، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: إلا بما علمناه، وعلم بمعنى عرف. {وَمَا}:(الواو): عاطفة. {ما} : نافية. {كُنَّا} : فعل ناقص واسمه. {لِلْغَيْبِ} : متعلق بما بعده. {حَافِظِينَ} : خبر كان، وجملة كان معطوفة على جملة {إِنَّ} على كونها جواب النداء.
{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} : فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الأب، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة {إِنَّ} على كونها جواب النداء. {الَّتِي} صْفة لـ {الْقَرْيَةَ}. {كُنَّا}: فعل ناقص واسمه. {فِيهَا} : خبره، وجملة كان صلة الموصول. {وَالْعِيرَ}: معطوف على {الْقَرْيَةَ} . {الَّتِي} : صفة للعير. {أَقْبَلْنَا} : فعل وفاعل. {فِيهَا} : متعلق به، والجملة صلة الموصول. {وَإِنَّا}: ناصب واسمه. {لَصَادِقُونَ} : خبره، واللام حرف ابتداء، والجملة الاسمية معطوفة على جملة {وَاسْأَلِ} على كونها مقول {قولوا} .
{قَالَ} : فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على يعقوب، والجملة مستأنفة. {بَلْ سَوَّلَتْ} إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت:{بَل} : حرف إضراب وابتداء. {سَوَّلَتْ} : فعل ماضٍ. {لَكُمْ} : متعلق به. {أَنْفُسُكُمْ} : فاعل. {أَمْرًا} : مفعول به، والجملة في محل النصب مقول {قَالَ}. {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}:(الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم ما قلت لكم وأردتم بيان حالي لكم .. فأقول لكم: {صبر جميل} : {صبر} : خبر مبتدأ محذوف. {جَمِيلٌ} : صفة له تقديره: فصبري صبر جميل، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول {قَالَ}. {عَسَى اللَّهُ} لهُ: فعل ناقص واسمه، وهو من أفعال الرجاء. {أَنْ يَأْتِيَنِي}: ناصب وفعل ونون وقاية ومفعول به. {بِهِمْ} : متعلق به. {جَمِيعًا} : حال من ضمير {بِهِمْ} ، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهُ} ، والجملة الفعلية صلة {أَن} المصدرية، {أَن} مع صلتها: في تأويل مصدر منصوب على كونه خبر {عَسَى} ، ولكنه في تأويل اسم الفاعل؛ ليصح الإخبار تقديره: عسى الله آتيًا بهم جميعًا. {إِنَّهُ} : ناصب واسمه. {هُوَ} : ضمير فصل. {الْعَلِيمُ} : خبر أول له. {الْحَكِيمُ} : خبر ثان له، وجملة {إن} في محل النصب مقول القول مسوقة لتعليل ما قبلها.
{وَتَوَلَّى} : فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على يعقوب. {عَنْهُمْ}: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة {قال}. {وَقالَ}: فعل ماضٍ معطوف على {تولى} ، وفاعله ضمير يعود على يعقوب. {يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ}: مقول محكي لـ {قال} ، وإن شئت قلت {يا}: حرف نداء. {أسفى} : منادى مضاف منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المنقلبة ألفًا للتخفيف بعد قلب الكسرة فتحة، منع مع ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، {أسفى}: مضاف، وياء المتكلم المنقلبة ألفًا في محل الجر مضاف إليه. {عَلَىَ
يُوسُفَ} يُوسُفَ: متعلق بـ {أَسَفَى} ، وجملة النداء في محل النصب مقول {قال}. {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ}: فعل وفاعل. {مِنَ الْحُزْنِ} : متعلق به، والجملة معطوفة على جملة {قال} ، أو حال من فاعل {قال}. {فَهُوَ}:(الفاء): عاطفة تعليلية، {فَهُوَ كَظِيمٌ}: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على جملة {وَابْيَضَّتْ} .
التصريف ومفردات اللغة
{آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ} ؛ أي: ضم إليه في الطعام والمنزل والمبيت كما مر في مبحث التفسير. وأصل آوى: أأوى بهمزتين ثانيتهما ساكنة على وزن أفعل الرباعي، فقلبت الثانية ألفًا ثلاثية أوى يأوي بوزن رمى يرمي إذا رق له ورحمه.
{فَلَا تَبْتَئِسْ} ؛ أي: فلا تحزن، والابتئاس: اجتلاب البؤس والشقاء، وهو من باب افتعل الخماسي.
{فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} ؛ أي: هيأهم بأهبة السفر. {جَعَلَ السِّقَايَةَ} والسقاية - بكسر أوله - وعاء يسقى به، وبه يكال للناس، ويقدر بكيلة مصرية (1/ 12 من الأردب المصري) - وهو الذي عبر عنه بصواع الملك، فيسمى سقاية باعتبار أول حاله، وصاعًا باعتبار آخر أمره؛ لأن الصاع آلة الكيل، وهو أربعة أمداد، والأردب المصري يسع اثني عشر صاعًا. {فِي رَحْلِ أَخِيهِ} والرحل هو الوعاء الذي يجعل فيه ما يشتريه من الطعام من مصر. {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ}؛ أي: نادى مرارًا كثيرة بدليل صيغة التفعيل؛ لأنه من التأذين، وهو تكرار الأذان، والإعلام بالشيء، وكان ذلك النداء مع رفع الصوت قائلًا {أَيَّتُهَا الْعِيرُ}؛ أي: يا أصحاب العير، والعير في الأصل: كل ما يحمل عليه من الإبل والحمير والبغال، سمي بذلك؛ لأنه يعير؛ أي: يذهب ويجيء، والمراد منه هنا أصحاب الإبل ونحوها. وفي "المصباح": العير - بالكسر - اسم للإبل التي تحمل الميرة في الأصل، ثم غلب على كل قافلة. اهـ.
{وَأَقْبَلُوا} ؛ أي: والحال أنهم؛ أي: إخوة يوسف أقبلوا عليهم؛ أي: على جماعة الملك المؤذن وأصحابه؛ أي: التفتوا إليهم وخاطبوهم بما ذكر كما مر.
{مَاذَا تَفْقِدُونَ} ؛ أي: أي شيء ضاع منكم؟ والفقد: غيبة الشيء عن الحس بحيث لا يعرف مكانه كما في "البيضاوي" من فقد من باب ضرب.
{صُوَاعَ الْمَلِكِ} فالصاع والصواع لغتان معناهما واحد؛ وهو آلة الكيل، وتقدم أنه هو السقاية. قال الزجاج: الصواع هو الصاع بعينه، وهو يذكر ويؤنث، وهو السقاية، ومنه قول الشاعر:
نَشْرَبُ الخَمْرَ بِالصُّوَاعِ جَهَارَا
{وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} والحمل - بكسر الحاء - هنا هو ما يحمله البعير من الطعام.
{وَأَنَا بِهِ} ؛ أي: يحمل البعير الذي جعل لمن جاء بالصواع قبل التفتيش للأوعية. {زَعِيمٌ} ؛ أي: كفيل أجعله جزاءً لمن يجيء به.
{كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} والكيد: التدبير الذي يخفى ظاهره على المتعاملين به حتى يؤدي إلى باطنه المراد منه، واعلم أن الكيد يشعر بالحيلة والخديعة، وهذا في حق الله تعالى محال إلا أنه قد تقدم أصل معتبر في هذا الباب، وهو أن أمثال هذه الألفاظ في حق الله تعالى تحمل على نهاية الأغراض لا على بداياتها، فالكيد: السعي في الحيلة والخديعة، ونهايته إيقاع الإنسان من حيث لا يشعر في أمر مكروه، ولا سبيل له إلى دفعه، فالكيد في حق الله تعالى محمول على هذا المعنى. اهـ. "كرخي". {دِينِ الْمَلِكِ} شرعه الذي يدين الله تعالى به.
{وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} يقرأ شاذًا: {ذي عالم} وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: هو مصدر كالباطل.
والثاني: أن ذي زائدة، وقد جاء مثل ذلك في الشعر كقول الكميت:
إِلَيْكُمْ ذَوِيْ آلِ النَبِيِّ
والثالث: أنه أضاف الاسم إلى المسمى، وهو محذوف تقديره: ذي مسمى عالم كقول الشاعر: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما
أي: مسمى السلام. ذكره أبو البقاء.
{إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} سرق - من باب ضرب - أخذ الشيء من حرز مثله خفية. وقد سبق بيان سبب نسبة السرقة إلى يوسف في مبحث التفسير. وقولهم: {إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا} ؛ أي: كبير القدر، ولم يريدوا كبر السنن؛ لأن ذلك معروف من حال الشيخ ذكره "القرطبي".
{مَعَاذَ اللَّهِ} مصدر ميمي من عاذ يعوذ عوذًا ومعاذًا.
{فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا} ؛ أي: يئسوا مثل عجيب واستعجب وسخر واستسخر، فالسين والتاء زائدتان للمبالغة كما في "البيضاوي" و"القرطبي"، وفي "السمين":{فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا} استفعل هنا بمعنى فعل المجرد، يقال: يئس واستيأس بمعنى نحو عجيب واستعجب، وسخر واستسخر. وقال الزمخشري: زيادة السين والتاء للمبالغة نحو ما مر في استعصم.
{خَلَصُوا} ؛ أي: اعتزلوا عن مجلس يوسف، وانفردوا عنه، وانحازوا على حدة. وفي "المصباح": خلص يخلص خلوصًا من باب قعد؛ أي: انفصل. {نَجِيًّا} : حال من فاعل {خَلَصُوا} كما مر؛ أي: اعتزلوا حالة كونهم متناجين؛ أي: متحدثين في التشاور في شأن هذه القضية، وهو لفظ يوسف به من له نجوى، واحدًا كان أو جماعة مؤنثًا أو مذكرًا، فهو كعدل، ويجمع على أنجية، قال لبيد:
وَشَهِدْتُ أَنْجِيَةً الإِفَاقَةِ عَالِيًا
…
كَعْبِي وَأَرْدَافُ الملُوْكِ شُهُوْدُ
وقال آخر:
إِني إِذَا مَا القَوْم كَانُوْا أنْجِيَهْ
…
وَاضْطَرَبَ القَوْمُ اضْطِرَابَ الأَرْشِيَهْ
هُنَاكَ أوْصِيْنِيُ وَلا توْصِي بِيَهْ
وفي "الكرخي" قوله: {نَجِيًّا} حال من فاعل {خَلَصُوا} ؛ أي: اعتزلوا في هذه الحالة متناجين، وإنما أفردت الحال وصاحبها جمع؛ إما لأن النجي فعيل
بمعنى فاعل كالعشير والخليط بمعنى المعاشر والمخالط كقوله: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} ؛ أي: مناجيًا، وهذا في الاستعمال يفرد مطلقًا، يقال: هم خليطك وعشيرك؛ أي: مخالطوك ومعاشروك، وإما لأنه صفة على فعيل بمنزلة صديق وبابه، فوحد لأنه بزنة المصادر كالصهيل والوحيد والذميل، وإما لأنه مصدر بمعنى التناجي كما قيل: النجوى بمعناه قال الله تعالى: {وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} وحينئذ يكون فيه التأويلات المذكورة في رجل عدل وبابه. اهـ.
{قَالَ كَبِيرُهُمْ} ؛ أي: رأيًا وتدبيرًا وعلمًا؛ وهو شمعون. قاله مجاهد، أو كبيرهم في السنن، وهو روبيل. قاله قتادة، وقيل: في العقل والرأي؛ وهو يهوذا ذكرهم الميثاق في قول يعقوب: {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} .
{فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ} : {أَبْرَحَ} هنا تامة ضمِّنت معنى أفارق، فالأرض مفعول به، ولا يجوز أن تكون تامة من غير تضمين؛ لأنها إذا كانت كذلك كان معناها ظهر وذهب، ومعنى الظهور والذهاب لا يصل إلى الظرف المخصوص إلا بواسطة في تقول: ذهبت في الأرض، ولا يجوز ذهبت الأرض. وقد جاء شيء لا يقاس عليه. واعلم أنه لا يجوز في أبرح أن تكون ناقصة؛ لأنه لا ينتظم من الضمير الذي فيها ومن الأرض مبتدأ وخبر، ألا ترى أنك لو قلت: أنا الأرض، لم يجز من غير في بخلاف: أنا في الأرض. اهـ. "كرخي".
{الْقَرْيَةَ} : اسم للموضع الذي يجتمع فيه الناس وللناس جميعًا، ويستعمل في كل واحد منهما. قاله الراغب.
{قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ} ؛ أي: زينت وخيلت لكم {أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} ؛ أي: كيدًا آخر {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} ؛ أي: فشأني صبر جميل؛ أي: حسن، أو صبر جميل أولى بي وأليق.
واعلم: أن الواجب على كل مسلم إذا أصيب بمكروه في نفسه أو ولده أو ماله أن يتلقى ذلك بالصبر الجميل والرضا والتسليم لمجريه عليه؛ وهو العليم الحكيم، ويقتدي بيعقوب وسائر النبيين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وقال سعيد بن عروبة عن قتادة عن الحسن قال: ما من جرعتين يتجرعهما العبد
أحب إلى الله من جرعة مصيبة يتجرعها العبد بحسن صبر وحسن عزاء، وجرعة غيظ يتجرعها العبد بحلم وعفو.
{وَتَوَلَّى عَنْهُمْ} ؛ أي: أعرض عنهم {وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} ؛ أي: يا حزني عليه، والأسف أشد الحزن على ما فات، ومنه قول كثير:
فَيَا أَسَفًا لِلْقَلْبِ كَيْفَ انْصِرَافُهُ
…
وَلِلنَّفْس لَما سُلِّيَتْ فَتَسَلَّتِ
قال يعقوب هذه المقالة لما بلغ منه الحزن غاية مبالغة بسبب فراقه ليوسف وانضمام فراقه لأخيه بنيامين، وبلوغ ما بلغه من كونه أسيرًا عند ملك مصر، فتضاعفت أحزانه، وهاج عليه الوجد القديم بما أثاره من الخبر الأخير.
{فَهُوَ كَظِيمٌ} ؛ أي: مملوء غيظًا على أولاده ممسك له في قلبه لا يبثه لأحد، فهو فعيل بمعنى مفعول، وقيل: الكظيم بمعنى الكاظم؛ أي: المشتمل على حزنه الممسك له، ومنه قوله:
فَإِنْ أكُ كَاظِمًا لِمُصَابِ نَاسٍ
…
فَإنِّيْ اليَوْمَ مُنْطَلِقٌ لِسَانِي
وقال الزجاج: معنى كظيم محزون. وعن ابن عباس أنه قال: معناه مغموم مكروب. وفي "المصباح": كظمت الغيظ كظمًا - من باب ضرب - وكظومًا أمكست على ما في نفسك منه على صفح أو غيظ. انتهى.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة، وضروبًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: جناس الاشتقاق في قوله: {وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} وفي قوله: {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} .
ومنها: المجاز المرسل في قوله: {أَيَّتُهَا الْعِيرُ} ؛ لأن المراد منه أصحاب الإبل ونحوها، والعلاقة فيه المجاورة كما في "السمين".
ومنها: التعريض في قوله: {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} لما فيه من التعريض إلى
سرقتهم يوسف من أبيه.
ومنها: التخصيص في قوله: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} بعد التعميم في قوله: {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ} ؛ لأن هذه الجملة من كلام المؤذن؛ لأنه هو الذي كفل وضمن.
ومنها: ذكر الخاص بعد العام إشعارًا بأنه المقصود من العام في قوله: {وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} بعد قوله: {مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ} .
ومنها: التأكيد في قوله: {فَهُوَ جَزَاؤُهُ} ؛ لأن هذه الجملة بمعنى قوله: {جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ} ، فهي مؤكدة لها.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: {فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} . ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: {ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ} ؛ لأن حق العبارة: ثم استخرجها منه.
ومنها: التشبيه في قوله: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} .
ومنها: حكاية الحال الماضية في قوله: {مَاذَا تَفْقِدُونَ} وفي قوله: {نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ} ؛ لأن صيغة المضارع في كلا الموضعين لاستحضار الصورة الماضية كما في "روح البيان".
ومنها: الجناس المماثل في قوله: {إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} .
ومنها: التنكير في قوله: {أَخٌ لَهُ} لغرض الإبهام.
ومنها: الطباق في قوله: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا} .
ومنها: الإطناب في قوله: {شَيْخًا كَبِيرًا} لغرض الاستعطاف؛ لأن كبر السن معلوم من لفظ الشيخ.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} ؛ أي: أهلها، والعلاقة فيه المحلية، وفي قوله:{وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا} ؛ أي: أصحابها، والعلاقة فيه
المجاورة كما مر قريبًا.
ومنها: نداء غير العاقل تنزيلًا له منزلة العاقل في قوله: {يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} .
ومنها: جناس الاشتقاق بين لفظي الأسف ويوسف في قوله: {يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} وقال الزمخشري: والتجانس بين لفظتي الأسف ويوسف مما يقع مطبوعًا غير مستعمل، فيملح ويبدع، ونحوه {اثَّاقَلْتُمْ} ، {أَرَضِيتُمْ} ، {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} ، {يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} ، {مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} انتهى. ويسمى هذا تجنيس التصريف، وهو أن تنفرد كل كلمة من الكلمتين عن الأخرى بحرف، ذكره أبو حيان.
ومنها: الكناية في قوله: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاه} ؛ لأنه كناية عن فقدان البصر وذهابه عنه.
ومنها: عطف العام على الخاص في قوله: {حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} فإنه غيا الأمر بغايتين؛ إحداهما خاصة؛ وهي إذن أبيه، والثانية عامة؛ لأن إذن أبيه له في الانصراف من حكم الله تعالى. اهـ. "كرخي".
ومنها: جناس الاشتقاق بين {يَحْكُمَ} و {الْحَاكِمِينَ} في قوله: {حَتَّى} {يَحْكُمَ اللَّهُ لِي} {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} .
ومنها: الحذف والزيادة في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *