المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

يَعْقِلُونَ}؛ أي: يستعملون عقولهم في التدبر، وخص التفضيل في الأكل، - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٤

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: يَعْقِلُونَ}؛ أي: يستعملون عقولهم في التدبر، وخص التفضيل في الأكل،

يَعْقِلُونَ}؛ أي: يستعملون عقولهم في التدبر، وخص التفضيل في الأكل، وإن كانت متفاضلة في غيره؛ لأنه غالب وجوه الانتفاع من الثمرات، ألا ترى إلى تقاربها في الأشكال والألوان والروائح والمنافع، وما يجري مجرى ذلك؛ أي: إن (1) فيما فضل من الأحوال السالفة لآيات باهرة لقوم يعملون على قضية العقل، فمن ير خروج الثمار المختلفة الأشكال والألوان والطعوم والروائح في تلك البقاع المتلاصقة مع أنها تسقى بماء واحد، وتتشابه وسائل نموها .. يجزم حتمًا بأن لذلك صانعًا حكيمًا قادرًا مدبرًا لا يعجزه شيء، وكذلك يعتقد بأن من قدر على إنشاء ذلك؛ فهو قادر على إعادة ما بدأه أول مرة، بل هو أهون منه لدى النظر والاعتبار.

وقرأ عاصم وابن عامر وزيد بن علي ويعقوب (2): {يُسْقَى} - بالياء -؛ أي: يسقى ما ذكر، وباقي العشرة بالتاء، وهي قراءة الحسن وأبي جعفر وأهل مكة، أنثوا لعود الضمير على لفظ ما تقدم، ولقوله:{وَنُفَضِّلُ} بالنون. وحمزة والكسائي بالياء وابن محيصن بالياء في {يُسْقَى} وفي {نُفَضِّلُ} . وقرأ يحيى بن يعمر وأبو حيوة والحلبي عن عبد الوارث شذوذًا: {ويفضل} - بالياء وفتح الضاد - {بعضها} - بالرفع -. قال أبو حاتم: وجدته كذلك في مصحف يحيى بن يعمر، وهو أول من نقط المصاحف، وتقدم في البقرة خلاف القراء في ضم الكاف من الأكل وسكونها، و {الْأُكُلِ} - بضم الهمزة - المأكول، كالنقض بمعنى المنقوض، وبفتحها المصدر.

‌5

- {وَإِنْ تَعْجَبْ} بتحقيق الباء وإدغامها في الفاء قراءاتان سبعيتان كما في "الخطيب". والعجب: تغير النفس برؤية المستبعد في العادة. وقال القرطبي: العجب: تغير النفس بما تخفي أسبابه، وذلك في حق الله تعالى محال، وإنما ذكر ذلك ليتعجب منه نبيه والمؤمنون. اهـ. "كرخي"؛ أي: وإن تعجب يا محمَّد من تكذيبهم لك بعدما كنت عندهم الصادق الأمين {فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} ؛ أي: فأعجب منه تكذيبهم بالبعث وقولهم: {أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا} ؛ أي: أنبعث إذا كنا ترابا؟ {أَإِنَّا

(1) المراغي.

(2)

البحر المحيط.

ص: 175

لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}؛ أي: أنعاد خلقًا جديدًا بعد الموت كما كنا قبله؟ والاستفهام في الموضعين للإنكار.

وقيل المعنى (1): أي إن عجبت يا محمَّد إنكارهم الإعادة مع إقرارهم بأني خالق السموات والأرض والثمار المختلفة من الأرض الواحدة، فقولهم:{أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} عجب؛ أي: عجب يعجب منه الخلق؛ لأن الإعادة في معنى الابتداء.

وقيل المعنى (2): أي وإن تعجب يا محمَّد من عبادتهم ما لا يضر ولا ينفع من الأصنام والأوثان بعد أن قامت الأدلة على التوحيد، فعجب قولهم؛ أي: فأعجب منه تكذيبهم بالبعث واستبعادهم إياه بقولهم: {أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} ؛ أي: أئذا فنينا وبلينا نعاد بعد العدم، مع أنهم لا ينكرون قدرته تعالى على إيجادهم بدأة ذي بدء، وتصويرهم في الأرحام، وتدبير شوؤنهم حالًا بعد حال. وقد تكرر هذا الاستفهام الإنكاري في أحد عشر موضعًا في تسع سور من القرآن، في الرعد والإسراء في موضعين، والمؤمنون والنحل والعنكبوت والسجدة والصافات والواقعة والنازعات، وكلها تتضمن كمال الإنكار وعظيم الاستعباد.

وفي "الفتوحات": يجوز (3) في هذه الجملة الاستفهامية وجهان:

أحدهما: وهو الظاهر: أنها منصوبة المحل لحكايتها بالقول.

والثاني: أنها في محل رفع بدلًا من قولهم، وبه بدأ الزمخشري، وعلى هذا فقولهم بمعنى مقولهم، ويكون بدل كل من كل؛ لأن هذا هو نفس قولهم: و {إِذَا} هنا ظرف محض، وليس فيها معنى الشرط، والعامل فيها مقدر يفسره:{لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} تقديره: أئذا كنا ترابًا نبعث أو نحشر، ولا يعمل فيها {خَلْقٍ جَدِيدٍ} ؛ لأن ما بعد {إن} وكذا ما بعد أداة الاستفهام لا يعمل فيما قبلها، ولا يعمل فيها أيضًا {كُنَّا} ؛ لإضافتها إليها، والتقدير: أنبعث في خلق جديد وقت كوننا ترابًا.

(1) القرطبي.

(2)

المراغي.

(3)

الفتوحات.

ص: 176

واختلف القراء في هذا الاستفهام المكرر اختلافًا منتشرًا. فقرأ (1) ابن كثير وأبو عمرو: {آيذا كنا ترابًا آينا} جميعًا بالاستفهام، غير أن أبا عمرو يمد الهمزة ثم يأتي بالياء ساكنة وابن كثير يأتي بياء ساكنة بعد الهمزة من غير مد. وقرأ نافع:{آيذا} مثل أبي عمرو واختلف عنه في المد، وقرأ:{إنا لفي خلق جديد} مكسورة على الخبر، وقرأ عاصم وحمزة:{أَإِذَا كُنَّا} {أَإِنَّا} - بهمزتين فيهما -، وقرأ ابن عامر:{إذا كنا ترابًا} مكسورة الألف من غير استفهام {أَإِنَّا} يهمز ثم يمد ثم يهمز على وزن عاعنا. وروي عن ابن عامر شاذًا أيضًا: {أَإِذَا} بهمزتين لا ألف بينهما. ثم الوجه (2) في قراءة من استفهم في الأول والثاني قصد المبالغة في الإنكار، فأتى به في الجملة الأولى، وأعاده في الثانية تأكيدًا له، والوجه في قراءة من أتى به مرة واحدة حصول المقصود به؛ لأن كل جملة مرتبطة بالأخرى، فإذا أنكر في إحداهما حصل الإنكار في الأخرى. اهـ. "سمين".

ثم وصف أولئك المنكرين للبعث بأوصاف ثلاثة، فقال:{أُولَئِكَ} المنكرون لقدرته تعالى على البعث بعدما عاينوا الآيات الباهرة وكذبوا رسوله هم {الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ} ؛ أي: تمادوا على عنادهم وكفرهم بربهم، فإن إنكار قدرته تعالى إنكار له؛ لأن الإله لا يكون عاجزًا؛ أي: هم المتمادون في الكفر الكاملون فيه {وَأُولَئِكَ} الكفار {الْأَغْلَالُ} كائنة {فِي أَعْنَاقِهِمْ} يوم القيامة عند العرض للحساب، توضع الأغلال في أعناقهم كما يقاد الأسير الذليل بالغل، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى:{إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72)} . والأغلال: جمع غل؛ وهو طوق تشد به اليد إلى العنق يغلون بها يوم القيامة. وقيل: الأغلال أعمالهم السيئة التي هي لازمة لهم لزوم الأطواق للأعناق، والمعنى عليه: وأولئك مقيدون بسلاسل وأغلال من الضلال تصدهم عن النظر في الحق، واتباع طريق الهدى، والبعد عن الهوى كما قال:

(1) زاد المسير.

(2)

الفتوحات.

ص: 177