الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يشكو ويجزع كفار في النعمة يجمع ويمنع، واللام في الإنسان للجنس.
والمعنى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} ؛ أي: إن الإنسان الذي بدل نعمة الله كفرًا لشاكر غير من أنعم عليه، فهو بذلك واضع للشكر في غير موضعه ذاك أن الله هو الذي أنعم عليه بما أنعم واستحق إخلاص العبادة له، فعبد هو غيره، وجعل له أندادًا ليضل عن سبيله، وذلك هو ظلمه وهو جحود لنعمه التي أنعم بها عليه، لصرفه العبادة إلى غير من أنعم بها عليه، وتركه طاعة من أنعم عليه.
فإن قلت (1): لم ختم الآية هنا بقوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} وختمها في سورة النحل بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} فما الفرق بين الختمين؟
قلتُ: إن الله سبحانه وتعالى لما قدم هنا قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا} وذكر بعده: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} فكان ذلك نصًّا على ما فعلوا من القبائح من كفران النعمة والظلم الذي هو الشرك بجعل الأنداد له تعالى .. ناسب أن يختم الآية هنا بذم من وقع ذلك منه، فقال:{إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} . وأما في النحل، فلما ذكر عدة تفضلات وأطنب فيها، وقال بعد ذلك:{أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} ؛ أي: أفمن أوجد هذه النعم السابق ذكرها كمن لا يقدر على الخلق، وعلى كل شيء منه .. ناسب أن يذكر هنا وهناك من تفضلاته اتصافه بالعذاب والرحمة تحريضًا على الرجوع إليه، وأن هاتين الصفتين هو متصف بهما، كما هو متصف بالخلق، ففي ذلك إطماع لمن آمن به، وانتقل من عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق في أنه يغفر زلَلَه السابق، ويرحمه. ذكره أبو حيان.
35
- {و} اذكر يا محمد لقومك مذكرًا لهم بأيام الله قصة {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ} الخليل عليه السلام في مناجاته لربه حين فرغ من بناء البيت {رَبِّ} المحسن إلي بإجابة دعائي {اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ} مكة المشرفة بلدًا {آمِنًا} ؛ أي: ذا أمن
(1) البحر المحيط بتصرف.
يأمن فيه أهله بحيث لا يخاف فيه من المخاوف والمكاره، كالقتل والغارة والأمراض المنفرة من البرص والجذام ونحوهما، فإسناد الأمن إلى البلد مجاز؛ لوقوع الأمن فيه، وإنما الآمن في الحقيقة أهل البلد.
والغرض من سياق ما قاله إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع (1): بيان كفر قريش بالنعم الخاصة بهم وهي إسكانهم مكة بعد ما بين كفرهم بالنعم العامة، وقيل: إن ذكر قصة إبراهيم ها هنا لمثال الكلمة الطيبة وقيل: لقصد الدعاء إلى التوحيد وإنكار عبادة الأصنام.
وقدم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده؛ لأنه إذا انتفى الأمن لم يفزغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا. فإن قلت (2): لم قال في سورة البقرة: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} بالتنكير وقال هنا: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} بالتعريف، فأي فرق بين الموضعين؟
قلتُ: الفرق بينهما أنه سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن فيها أهلها ولا يخافون، وذلك قبل بناء البيت حين وضع هاجر وإسماعيل في مكان البيت، وسأل في الثاني أن يخرج هذا البلد من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن كأنه قال: وهو بلد مخوف، فاجعله آمنًا، وذلك بعد بناء البيت.
والحاصل: أن هذا الدعاء وقع مرتين (3) مرة قبل بنائها ومرة بعده، ولذلك كتب الكرخي في سورة البقرة ما نصه: ونكر البلد هنا وعرّفه في إبراهيم؛ لأن الدعوة هنا كانت قبل جعل المكان بلدًا، فطلب من الله أن يُجعل ويُصيَّرَ بلدًا آمنًا، وهناك كانت الدعوة بعد جعله بلدًا.
والخلاصة: أن الفرق بين ما هنا وما هنالك أن المطلوب هنا مجرد الأمن للبلد، والمطلوب هنالك البلدية والأمن. وقد أجاب الله تعالى دعاءه، فجعله حرمًا لا يسفك فيه دم، ولا يظلم فيه أحد، ولا يصاد صيده، ولا يختلى خلاه،
(1) الشوكاني.
(2)
الخازن.
(3)
الفتوحات.