الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرشد بعد إضلال الله إياه، والاستفهام إنكاري؛ أي: لا أحد يستطيع أن يفعل ذلك، والهمزة في قوله:{أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألا تلاحظون (1) أيها الناس فلا تتذكرون، ولا تتفكرون، فتعلموا أن الهداية لا يملكها أحد سواه، أو فلا تتعظون؛ أي: أفلا تتذكرون أيها القوم فتعلموا، أن من فعل الله به ما وصفنا، لن يهتدي أبدًا، ولم يجد لنفسه وليًا ولا مرشدًا، وقرأ الجمهور:{تَذَكَّرُونَ} بتشديد الذال، والجحدري يخففها، والأعمش بتاءين.
ومجمل معنى الآية (2): أي أخبرني عن حال ذلك الكافر الذي أطاع هواه وترك الهدى، واتخذ دينه ما يهواه، فكأنه جعل الهوى إلهه، يعبده من دون الله، فلا يهوى شيئًا إلا اتبعه دون مراعاة لما يحبه الله ويرضاه، فهذا مما يدعو إلى العجب، وكان الحارث بن قيس لا يهوى شيئًا إلا فعله، والعبرة بعموم لفظ الآية، لا بخصوص السبب الذي نزلت الآية من أجله.
وقد أضله الله، وخذله مع علمه بالحق، ومعرفته الهدى من الضلال، وقيام الحجة عليه، وطبع على سمعه حتى لا يسمع الوعظ، وعلى قلبه حتى لا يفقه الهدى، وجعل غطاء على بصره وبصيرته حتى لا يبصر الرشد، ويدرك آيات الله في الكون، التي تدل على وحدانية الله تعالى، فمن يوفقه للصواب والحق، من بعد إضلال الله له بسبب انحرافه واتباعه هواه، أفلا تتذكرون تذكر اعتبار، وتتعظون حتى تعلموا حقيقة الحال.
24
- ثم بين سبحانه بعض جهالاتهم، فقال:{وَقَالُوا} ؛ أي: قال منكروا البعث من غاية غيهم وضلالهم، وهم كفار قريش، ومشركوا العرب، وفي "كشف الأسرار": هذا من قول الزنادقة، الذين قالوا: الناس كالحشيش أي: ما الحياة {إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} التي نحن فيها {نَمُوتُ وَنَحْيَا} ؛ أي: يصيبنا الموت، والحياة فيها، وليس وراء ذلك حياة، وتأخير {نحيا} لأن فيها شبه مراعاة الفاصلة،
(1) روح البيان.
(2)
التفسير المنير.
ولأن {الواو} لمطلق الجمع، وقيل: نموت نحن ويحيا فيها أولادنا، وقيل: نكون نطفًا ميتةً، ثم نصير أحياء، وقيل: في الآية تقديم وتأخير؛ أي: نحيا ونموت، وكذا قرأ ابن مسعود. وعلى كل تقدير، فمرادهم بهذه المقالة: إنكار البعث، وتكذيب الآخرة، وقد جوز (1) أن يريدوا به التناسخ، فإنه عقيدة أكثر عبدة الأوثان، قال الراغب: القائلون بالتناسخ قوم ينكرون البعث، على ما أثبتته الشريعة، ويزعمون أن الأرواح تنتقل من الأجساد على التأبيد؛ أي: إلى أجساد أخر. وفي "التعريفات": التناسخ عبارة عن تعلق الروح بالبدن، بعد المفارقة من بدن آخر، من غير تخلل زمان بين التعلقين، للتعشق الذاتي بين الروح والجسد. وقرأ زيد بن علي {ونحيا} بضم النون {وَمَا يُهْلِكُنَا} ويعدمنا، ويفنينا {إِلَّا الدَّهْرُ}؛ أي: إلا مرور الزمان، وهو مدة بقاء العالم من مبدأ وجوده إلى انقضائه، ثم يعبر به عن كل مدة كبيرة، وهو خلاف الزمان، فإن الزمان يقع على المدة القليلة والكثيرة، وقيل: إلا مرور الأيام والليالي، قال مجاهد، يعني السنين والأيام. وقال قتادة: إلا العمر والمعنى واحد. وقال قطرب: وما يهلكنا إلا الموت. وقال عكرمة: وما يهلكنا إلا الله، وقرأ عبد الله:{إلا دهر} ، وتأويل إلا دهر يمر، كانوا يضيفون كل حادثة إلى الدهر، وأشعارهم ناطقة بشكوى الدهر، حتى يوجد ذلك في أشعار المسلمين، قال ابن دريد في مقصورته:
يَا دَهْرُ إِنْ لَمْ تَكُ عُتْبَى فَاتَّئِدْ
…
فِإِنَّ إِرْوَادَكَ وَالْعُتْبَى سَوَاء
ومجمل المعنى (2): أي وقال المشركون الذين سبق ذكر بعض أوصافهم: لا حياة بعد هذه الحياة، التي نحن نعيش فيها، فنموت وتحيا أبناؤنا من بعدها، وهذا تكذيب صريح منهم للبعث والمعاد.
وقصارى ذلك: ما ثم إلا هذه الدار يموت قوم، ويعيش آخرون، وليس هناك بعث ولا قيامة {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}؛ أي: وما يفنينا إلا مر الليالي
(1) روح البيان.
(2)
المراغي.
والأيام، فمرورها هو المؤثر في هلاك الأنفس، ويضيفون كل حادث إلى الدهر، وأشعارهم ناطقة بذلك، قال:
أَشَابَ الصَّغِيْرَ وَأَفْنَى الْكَبِيْرَ
…
كَرُّ الْغَدَاةِ وَمَرُّ الْعَشِيّ
وقد كانت العرب في جاهليتهم، إذا أصابتهم شدة أو بلاء أو نكبة قالوا: يا خيبة الدهر، وقد جاء النهي عن سب الدهر، فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله تعالى: استقرضت عبدي فلم يعطني، وسبني عبدي، يقول وادهراه وأنا الدهر". قال الشافعي (1) وأبو عبيدة، وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم:"لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر": كان العرب في الجاهلية إذا أصيبوا بشدة أو بلاء، قالوا: يا خيبة الدهر، فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر، ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله، فكأنهم إنما سبوا الله عز وجل؛ لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلذا نهي عن سب الدهر بهذا الاعتبار؛ لأن الله تعالى هو الدهر الذي يعنونه، ويسندون إليه تلك الأفعال.
ثم نعى عليهم مقالهم هذا، الذي لا دليل عليه، فقال:{وَمَا لَهُمْ} ؛ أي: وما لهؤلاء المشركين، الذين ينفون البعث والحياة بعد الموت {بِذَلِكَ}؛ أي: بما ذكر من اقتصار الحياة على ما في الدنيا، وإسناد الحياة والموت إلى الدهر {مِنْ عِلْمٍ} ويقين، أسند إلى عقل، أو نقل، و {مِنْ}: مزيدة لتأكيد النفي؛ أي: وما لهم علم ويقين بذلك {إِنْ هُمْ} ؛ أي: ما هم {إِلَّا} قوم {يَظُنُّونَ} بذلك؛ أي: ما هم إلا قوم قصارى أمرهم: الظن والتقليد من غير أن يكون لهم شيء يصح أن يتمسك به في الجملة، هذا معتقدهم الفاسد في أنفسهم، وأما المؤمنون فقد
(1) ابن كثير.