الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مَوْعِدُهُمْ} والفصل: القضاء بين الحق والباطل، كما في "القاموس"، ويوم الفصل هو اليوم الذي فيه يبين الحق من الباطل، ويفصل بين الناس بالحكم، كما في "المفردات":{لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} في الدنيا، فعوجلوا بالعقوبة. والضمير في {بَيْنَهُمْ} راجع إلى المؤمنين والمشركين، أو إلى المشركين وشركائهم.
والمعنى: أي ولولا القضاء السابق منه تعالى، بتأخير العذاب إلى يوم القيامة، لعوجلوا بالعذاب في الدنيا.
{وَإِنَّ الظَّالِمِينَ} أنفسهم، وهم المشركون والمكذبون {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الدنيا والآخرة؛ أي: نوع من العذاب متفاقم ألمه، وأقام المظهر مقام المضمر، تسجيلًا عليهم بالظلم، ودلالة على أن العذاب الأليم، الذي لا يكتنه كنهه، إنما يلحقهم بسبب ظلمهم، وانهماكهم فيه.
والمعنى: أي وإن الظالمين أنفسهم، بشرع ما لم يأذن به الله، مما ابتدعوه من التحليل، والتحريم، لهم عذاب شديد الإيلام في جهنم، وبئس المصير، وقرأ الجمهور (1): وإن الظالمين بكسر الهمزة على الاستئناف، والإخبار بما ينالهم في الدنيا، من القتل والأسر والنهب، وفي الآخرة من النار، وقرأ الأعرج ومسلم بن جندب:{وأنّ} بفتح الهمزة، عطفًا على كلمة الفصل، فهو في موضع رفع؛ أي: ولولا كلمة الفصل وكون الظالمين لهم عذاب أليم في الآخرة، لقضي بينهم في الدنيا، وفصل بين المتعاطفين بجواب {لولا} ، كما فصل في قوله تعالى:{وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129)} .
22
- ثم ذكر أحوال أهل العقاب، وأهل الثواب يوم القيامة، مبتدئًا بالأولين، فقال:{تَرَى} وتبصر يا محمد، أو يا من يصلح للرؤية {الظَّالِمِينَ}؛ أي: المشركين يوم القيامة {مُشْفِقِينَ} ؛ أي: خائفين {مِمَّا كَسَبُوا} ؛ أي: لأجل ما كسبوا واقترفوا في الدنيا من الشرك والمعاصي؛ أي (2): مشفقين إشفاقًا ناشئًا من
(1) البحر المحيط.
(2)
روح البيان.
السيئات، التي عملوها في الدنيا ومن أجلها، فكلمة من للتعليل، وليست صلة مشفقين، حتى يحتاج إلى تقدير المضاف، مع أنه أيضًا معنى صحيح؛ لأنه أبلغ وأدخل في الوعيد {وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ}؛ أي: والحال أن وبال ما كسبوه، وجزاءه، لا حق بهم لا محالة، أشفقوا أو لم يشفقوا والجملة حال من ضمير مشفقين، أو اعتراض. قال سعدي المفتي: يعني ينعكس الحال في الآخرة، فالآمنون في الدنيا يشفقون في الآخرة، والمشفقون في الدنيا يأمنون في الآخرة؛ أي: ترى الظالمين خائفين، وجلين أشد الخوف والوجل، لأجل ما كسبوا في الدنيا من السيئات، والحال أن جزاءه واقع بهم، نازل عليهم لا محالة، أشفقوا أو لم يشفقوا، وذكر الآخرين بقوله:{وَالَّذِينَ آمَنُوا} بالله ورسوله {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ؛ أي: استعملوا تكاليف الشرع لقمع الطبع، وكسر الهوى، وتزكية النفس وتصفية القلب وتحلية الروح، مستقرون {فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ}؛ أي: في أطيب بقاع الجنات وأنزهها، كما أنها في الدنيا أحسن أمكنتها.
قال في "حواشي الكشاف": الروضة اسم لكل موضع فيه ماء وعشب، وفي "كشف الأسرار": هي الأماكن المتسعة، المونقة ذات الرياحين. والزهر، انتهى. وفي الحديث: ثلاث يجلون البصر، النظر إلى الخضرة، وإلى الماء الجاري، وإلى الوجه الحسن. قال ابن عباس: رضي الله عنه: والإثمد عند النوم، قال الراغب: قوله: {فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ} إشارة إلى ما أعد لهم في العقبى من حيث الظاهر، وقيل: إشارة إلى ما أهلهم له من العلوم والأخلاق التي من تخصص بها طاب قلبه؛ أي: والذين آمنوا بالله، وأطاعوه فيما أمر به ونهى عنه، لهم في الآخرة روضات الجنات، متمتعين بمحاسنها ولذاتها.
ثم بين ما يكون لهم من النعيم، في تلك الروضات، فقال:{لَهُمْ} خبر مقدم {مَا يَشَاءُونَ} مبتدأ مؤخر؛ أي: ما يشتهونه من فنون المستلذات من مآكل ومشارب، ومناظر مما لاعين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، حاصل لهم {عِنْدَ رَبِّهِمْ} على أن عند ربهم ظرف للاستقرار العامل في {لَهُمْ} ، وقيل: ظرف ليشاؤون على أن يكون عبارة عن كونهم عند الله.