المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فناداه بعض من وراء هذه، وبعض من وراء تلك، فأسند - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٧

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: فناداه بعض من وراء هذه، وبعض من وراء تلك، فأسند

فناداه بعض من وراء هذه، وبعض من وراء تلك، فأسند فعل الأبعاض إلى الكل مجازًا.

{أَكْثَرُهُمْ} أي: كلهم {لَا يَعْقِلُونَ} ؛ أي: لا يفقهون أمر الله وتوحيده، ولا حرمة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لغلبة الجهل عليهم، وكثرة الجفاء في طباعهم، قال في "بحر العلوم": في قوله: {أكثر} دلالة على أنّه كان فيهم من قصد بالمحاشاة، وعلى قلة العقلاء فيهم قصدًا إلى نفي أن يكون فيهم من يعقل، إذ القلة تجري مجرى النفي في كلامهم، فيكون المعنى: كلهم لا يعقلون، إذ لو كان لهم عقل لما تجاسروا على هذه المرتبة من سوء الأدب، بل تأدَّبوا معه بأن يجلسوا على بابه، حتى يخرج إليهم،

‌5

- كما قال تعالى آنفًا: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا} ، الصبر: حبس النفس عن شهواتها. و {لو} (1) مختص بالفعل على ما ذهب إليه المبرّد والزجاج والكوفيون، فما بعد {لو} مرفوع على الفاعلية، لا على الابتداء على ما قاله سيبويه.

والمعنى: ولو تحقق صبرهم وانتظارهم {حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ} و {حَتَّى} تفيد أنّ الصبر ينبغي أن يكون مغيًا بخروجه صلى الله عليه وسلم، فإنها مختصّة بما هو غاية للشيء في نفسه، ولذلك تقول: أكلت السمكة حتى رأسها، ولا تقول: حتى نصفها وثلثها، بخلاف إلى فإنها عامّة، وفي قوله:{إِلَيْهِمْ} إشعار بأنّه لو خرج لا لأجلهم ينبغي أن يصبروا حتى يفاتحهم بالكلام أو يتوجه إليهم. {لَكَانَ} ؛ أي: الصبر المذكور {خَيْرًا لَهُمْ} من الاستعجال لما فيه من رعاية حسن الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم.

والمعنى: أنهم لو انتظروا خروجك، ولم يعجلوا بالمناداة .. لكان أصلح لهم في دينهم ودنياهم، لما في ذلك من رعاية حسن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورعاية جنابه الشريف، والعمل بما يستحقه من التعظيم والتبجيل، الموجبين للثواب والثناء، والإسعاف بالمسؤول، وقيل: إنّهم جاؤوا شفعاء في أسارى، فأعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم نصفهم، وفادى نصفهم، ولو صبروا .. لأعتق الجميع.

(1) روح البيان.

ص: 350

فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث سريّة إلى قوم من بني عنبر جماعة من خزاعة، وأمّر عليهم عيينة بن حصن الفزاريّ، فسار إليهم، فلمّا بلغهم أنه خرج إليهم .. فرّوا وهربوا، وتركوا عيالهم وأموالهم، فسبى ذراريَّهم، وجاء بهم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فجاء بعد ذلك رجالهم ليفادوا ذراريهم، فدخلوا المدينة عند القيلولة، ووافقوا النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا عند أهله، فلمّا رأتهم الذراريّ .. أجهشوا يبكون، فنادوا النبيّ صلى الله عليه وسلم: يا محمد أخرج إلينا، حتى أيقظوه من نومه، فخرج إليهم، فقالوا: يا محمد فادنا عيالنا، فنزل جبريل عليه السلام فقال: إنّ الله تعالى يأمرك أن تجعل بينك وبينهم رجلًا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أترضون أن يكون بيني وبينكم شبرمة بن عمرو، وهو على دينكم" فقالوا: نعم. فقال شبرمة: أنا لا أحكم بينهم وعمي شاهد، وهو أعور بن بسَّامة بن ضرار، فرضوا بالأعور، فقال الأعور: فانا أرى أن تفادي نصفهم، وتعتق نصفهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قد رضيت" ففادى نصفهم وأعتق نصفهم، ولو صبروا .. لأعتق جميعهم بغير فداء، فأنزل الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} .

{اللَّهُ} سبحانه وتعالى {غَفُورٌ رَحِيمٌ} ؛ أي: بليغ المغفرة والرحمة واسعهما، فلن تضيق ساحته عن هؤلاء المسيئين للأدب إن تابوا وأصلحوا.

ومعنى الآية (1): أي وّلو أنَّ هؤلاء الذين ينادونك من وراء الحجرات صبروا، ولم ينادوك حتى تخرج إليهم .. لكان خيرًا لهم عند الله تعالى؛ لأنّه قد أمرهم بتوقيرك وتعظيمك، والله ذو عفو عمّن ناداك من وراء الحجاب، إن هو تاب من معصيته بندائك كذلك، وراجع أمر الله في ذلك وفي غيره، رحيم به أن يعاقبه على ذنبه ذلك من بعد توبته منه.

والخلاصة (2): أنّ الله تعالى هجَّن الصياح برسول الله صلى الله عليه وسلم في حال خلوف من وراء الجدر، كما يصاح بأهون الناس قدرًا لينبه إلى فظاعة ما جسروا عليه؛ لأنَّ من رفع الله قدره عن أن يجهر له بالقول، يكون صنيع مثل هؤلاء معه من

(1) المراغي.

(2)

المراغي.

ص: 351

المنكر الذي يبلغ من التفاحش مبلغًا لا يقدر قدره.

تنبيه (1): وفي هذا المقام أمور:

الأول: أنّ في هذه الآية تنبيهًا على قدره صلى الله عليه وسلم، والتأدب معه بكل حال، فهم إنّما نادوه لعدم عقل يعرفون به قدره، ولو عرفوا قدره .. لكانوا كما في الخبر يقرعون بابه بالأظافير، وفي المناداة إشارة إلى أنهم رأوه من وراء الحجاب، ولو كانوا من أهل الحضور والشهود .. لما نادوه.

قال أبو عثمان المغربي رحمه الله تعالى: الأدب عند الأكابر، وفي مجلس السادات من العلماء والأولياء، يبلغ بصاحبه إلى الدرجات العلى، والخير في الأولى والعقبى، فكما لا بد من التأدّب معه صلى الله عليه وسلم، فكذا مع من استنّ بسنته: كالعلماء العاملين، وكان جماعة من العلماء يجلسون على باب غيرهم، ولا يدقّون عليه بابه حتى يخرج لقضاء حاجته احترامًا، قال أبو عبيدة القاسم بن سلّام: ما دققت الباب على عالم قط، كنت أصبر حتى يخرج إليّ، لقوله تعالى:{وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا} الآية.

قال بعضهم: من الحكمة توقير الكبير، ورحمة الصغير، ومخاطبة الناس بالليّن. وقال: إن كان خليلك فوقك .. فاصحبه بالحرمة، وإن كان كفأك ونظيرك .. فاصحبه بالوفاء، وإن كان دونك .. فاصحبه بالمرحمة، وإن كان عالمًا .. فاصحبه بالخدمة والتعظيم، وإن كان جاهلًا .. فاصحبه بالسياسة، وإن كان غنيًا .. فاصحبه بالزهد، وإن كان فقيرًا .. فاصحبه بالجود، وقال بعض الحكماء: عاشروا الناس معاشرة، إن متّم .. بكوا عليكم، وإن رغبتم .. حنّوا إليكم.

والثاني: ذم الجهل، ومدح العقل والعلم، فإن شرف العقل مدرك بضرورة العقل والعلم والحس، حتى إنّ أكبر الحيوانات شخصًا، وأقواها بدنًا، إذا رأى الإنسان .. احتشمه وخاف منه؛ لإحساسه بأنّه مسئول عليه بحيلته، قال بعضهم:

(1) روح البيان.

ص: 352