المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

العاقل كلامه وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم به .. - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٧

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: العاقل كلامه وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم به ..

العاقل كلامه وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم به .. أمَّره على قلبه، فينظر فيه، فإن كان له؛ أي: لنفعه .. أمضاه، وإن كان عليه؛ أي: لضرّه .. أمسكه، والأحمق كلامه على طرف لسانه، وعقله في حجره إذا قام سقط، قال عليّ كرم الله وجهه: لسان العاقل في قلبه، وقلب الأحمق في فمه، والأدب صورة العقل، ولا شرف مع سوء الأدب، ولا داء أعيا من الجهل، وإذا تم العقل .. نقص الكلام.

والثالث: ما قاله بعضهم: تدبر سر قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى} ولا تنظر إلى سبب النزول، وانتظر خروجه مرةً ثانية لقيام الساعة لفتح باب الشفاعة، وقد ثبت أنّ الناس يلتجئون يوم القيامة إلى الأنبياء، ثمَّ، وثمَّ إلى أن يصلوا إليه صلى الله عليه وسلم، فلا يصلون إلى المراد إلا عنده.

‌6

- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} بالله ورسوله {إِنْ جَاءَكُمْ} وأتاكم {فَاسِقٌ} أيَّ فاسقٍ كان {بِنَبَإٍ} وخبر أيَّ نبأ كان، والنبأ: الخبر الخطير، والتنكير (1) في الموضعين للتعميم، وفيه إيذان بالاحتراز عن كل فاسق، وإنما قال:{إِنْ جَاءَكُمْ} بحرف الشك دون إذا؛ ليدل على أن المؤمنين ينبغي أن يكونوا على هذه الصفة، لئلا يطمع فاسق في مكالمتهم بكذب، وقال ابن الشيخ: إخراج الكلام بلفظ الشرط المحتمل الوقوع؛ لندرة مثله فيما بين أصحابه صلى الله عليه وسلم؛ أي: إن جاءكم فاسق بخبر يعظم وقعه في القلوب .. {فَتَبَيَّنُوا} ؛ أي: فتعرّفوا وتفّحصوا، حتى يتبين لكم ما جاء به، أصدق هو أم كذب، ولا تعتمدوا على قوله المجرد؛ لأنّ من لا يتحامى جنس الفسوق .. لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه.

قرأ الجمهور (2): {فَتَبَيَّنُوا} من التبين، وقرأ حمزة والكسائيّ:{فتثبتوا} من التثبت، والمراد من التبيّن: التعرف والتفحص، ومن التثبت: الأناة وعدم العجلة، والتبصر في الأمر الواقع، والخبر الوارد، حتى يتّضح ويظهر.

قال المفسرون: كما مر إنّ هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، أخي عثمان رضي الله عنه لأمه، وهو الذي ولّاه عثمان الكوفة بعد سعد بن

(1) روح البيان.

(2)

الشوكاني.

ص: 353

أبي وقّاص، فصلى بالناس وهو سكران صلاة الفجر أربعًا، ثم قال: هل أزيدكم؟ فعزله عثمان عنهم، بعثه صلى الله عليه وسلم مصدقًا إلى بني المصطلق، إلى آخر ما سبق في أسباب النزول.

وقوله: {أَنْ تُصِيبُوا} مفعول لأجله على تقدير مضاف؛ أي: حذار أن تصيبوا {قَوْمًا} بريئين بقتل وأسر وجرح، حال كونكم متلبسين {بِجَهَالَةٍ} بحالهم، وكنه قصتهم؛ لأنَّ الخطأ ممن لم يتبين الأمر، ولم يتثبت فيه هو الغالب وهو جهالة؛ لأنه لم يصدر عن علم. {فَتُصْبِحُوا}؛ أي: فتصيروا بعد ظهور براءتهم مما أسند إليهم {عَلَى مَا فَعَلْتُمْ} في حقهم {نَادِمِينَ} ؛ أي: مهتمين به مغتمّين له غمًّا لازمًا، متمنّين أنه لم يقع، فإنّ تركيب (1) هذه الأحرف الثلاثة: ن د م، يدور مع الدوام، مثل: أدمت الأمر: إذا أدامه، ومدن المكان: إذا أقام به، ومنه المدينة؛ يعني: أنَّ الندم غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام على ما وقع، مع تمني أنه لم يقع، ولزومه قد يكون لقوته من أول الأمر، وقد يكون لعدم غيبة موجبه وسببه عن المخاطر، وقد يكون لكثرة تذكره، ولغير ذلك من الأسباب.

وفي الآية (2): دلالة على أنَّ الجاهل لا بد أن يصير نادمًا على ما فعله بعد زمان، وفي ترتيب الأمر بالتبين على فسق المخبر: إشارة إلى قبول خبر الواحد العدل في بعض المواد، وفي الآية أيضًا إشارة إلى ترك الاستماع إلى كلام الساعي والنمام، والمغتاب للناس، فلا بدّ من التبين والتفحص؛ لتظهر حقيقة الحال، ويسلم المرء من الوبال، ويفتضح الكذاب الدجال، وفي الحديث:"التبيُّن من الله، والعجلة من الشيطان".

ومعنى الآية: أي (3) يا أيها الذين آمنوا، إن جاءكم الفاسق بأيّ نبأ، فتوقّفوا فيه، وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا على قوله، فإنّ

(1) روح البيان.

(2)

روح البيان.

(3)

المراغي.

ص: 354