الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمعنى (1): أنه إذا تقاتل فريقان من المسلمين .. فعلى المسلمين أن يسعوا بالصلح بينهم، ويدعوهم إلى حكم الله، فإن حصل بعد ذلك التعدّي من إحدى الطائفتين على الأخرى، ولم تقبل الصلح، ولا دخلت فيه .. كان على المسلمين أن يقاتلوا هذه الطائفة الباغية، حتى ترجع إلى أمر الله، وحكمه، فإن رجعت تلك الطائفة الباغية عن بغيها، وأجابت الدعوة إلى كتاب الله وحكمه .. فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم، ويتحروا الصواب المطابق لحكم الله، ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة، حتى تخرج من الظلم، وتؤدي ما يجب عليها للأخرى.
ثمّ أمر الله سبحانه المسلمين أن يعدلوا في كل أمورهم، بعد أمرهم بهذا العدل الخاصّ بالطائفتين المقتتلتين، فقال:{وَأَقْسِطُوا} ؛ أي: واعدلوا في كلّ ما تأتون وما تذرون، من أقسط، وهمزته للسلب إذا أزال القسط بالفتح؛ أي: الجور، يقال: إذا جاء القسط بالكسر؛ أي: العدل .. زال القسط بالفتح؛ أي: الجور {إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} ؛ أي: العادلين الذين يؤدُّون لكل ذي حق حقه، فيجازيهم بأحسن الجزاء؛ لأنّ محبته تعالى لهم تستلزم مجازاتهم بأحسن الجزاء، وفي "الصحيح": عن أنس رضي الله عنه: أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا". قلت: يا رسول الله هذا نصرته مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال:"تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إيّاه".
10
- وجملة قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} : مستأنفة مقرّرة لما قبلها من الأمر بالإصلاح، جمع الأخ (2)، وأصله: المشارك لأخر في الولادة من الطرفين، أو من أحدهما، أو من الرضاع، ويستعار في كل مشارك لغيره في القبيلة، أو في الدين، أو في صنعة، أو في معاملة، أو في مودّة، أو في غير ذلك من المناسبات، والفرق بين الخلة والأخوة: أنّ الصداقة إذا قويت .. صارت أخوة، فإن ازدادات .. صارت خلّة، كما في "إحياء العلوم". قال بعض أهل اللغة:
(1) الشوكاني.
(2)
روح البيان.
الإخوة جمع الأخ من النسب، والإخوان جمع الأخ من الصداقة، ويقع أحدهما موقع الآخر، وفي الحديث:"وكونوا عباد الله إخوانًا".
والمعنى: إنّما المؤمنون منتسبون إلى أصل واحد هو الإيمان الموجب للحياة الأبدية، كما أنّ الإخوة من النسب منتسبون إلى أصل واحد هو الأب الموجب للحياة الفانية، فالآية من قبيل التشبيه البليغ المبني على تشبيه الإيمان بالأب في كونه سبب الحياة كالأب.
وفي الحديث: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يعيّبه، ولا يخذله، ولا يتطاول عليه في البنيان، فيستر عليه الريح إلا بإذنه، ولا يؤذيه بقتار قدره، إلا أن يغرف له غرفة، ولا يشتري لبنيه الفاكهة فيخرجون بها إلى صبيان جاره ولا يطعمونهم منها". ثم قال: "احفظوا، ولا يحفظ منكم إلا قليل". وفي "الصحيح" أيضًا: "إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب .. قال الملك: آمين، ولك مثله".
ولما كانت الأخوة داعية إلى الإصلاح ولابد .. تسبب عن ذلك قوله: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} في الدين، كما تصلحون بين أخويكم في النسب، و {الفاء} فيه: للإيذان بأنّ الأخوّة الدينية موجبة للإصلاح، ووضع (1) المظهر موضح المضمر مضافًا إلى المأمورين للمبالغة في تأكيد وجوب الإصلاح، والتحضيض عليه، وتخصيص الأثنين بالذكر لإثبات وجوب الإصلاح فيما فوق ذلك بطريق الأولوية لتضاعف الفتنة والفساد فيه. {وَاتَّقُوا اللَّهَ} سبحانه وتعالى في كل ما تأتون، وما تذرون من الأمور التي من جملتها ما أمرتم به من إصلاح ذات البين، وفي "التأويلات النجمية": واتقوا الله في إخوتكم في الدين بحفظ عهودهم، ورعاية حقوقهم، في المشهد والمغيب، والحياة والممات.
{لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ؛ أي: راجين أن ترحموا على تقواكم كما ترحمون، أو رجاء أن يرحمكم ربّكم، ويصفح عن سالف إجرامكم إذا أنتم أطعتموه، واتبعتم أمره ونهيه، والترجّي باعتبار المخاطبين.
(1) روح البيان.
واعلم: أنّ أخوّة الإِسلام أقوى من أخوّة النسب، بحيث لا تعتبر أخوّة النسب إذا خلت عن أخوّة الإِسلام، ألا ترى أنه إذا مات المسلم، وله أخ كافر .. يكون ماله للمسلمين، لا لأخيه الكافر، وكذا إذا مات أخ الكافر، وذلك لأنّ الجامع الفاسد لا يفيد الأخوّة، وأنّ المعتبر الأصليّ الشرعيّ، ألا ترى أنّ ولدي الزنا من رجل واحد لا يتوارثان، وهذا المعنى يستفاد من الآية أيضًا؛ لأنّ {إِنَّمَا} للحصر، فكأنه قيل: لا أخوة إلا بين المؤمنين، فلا أخوّة بين المؤمن والكافر.
وفي هذه الآية (1): دليل على قتال الفئة الباغية إذا تقرر بغيها على الإِمام أو على أحد من المسلمين، وعلى فساد قول من قال بعدم الجواز، مستدلًا بقوله صلى الله عليه وسلم:"قتال المسلم كفر". فإنّ المراد بهذا الحديث، وما ورد في معناه: قتال المسلم الذي لم يبغ، قال ابن جرير: لو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين فريقين من المسلمين الهرب منه، ولزوم المنازل .. لما أقيم حق ولا أبطل باطل، ولوجد أهل النفاق والفجور سببًا إلى استحلال كل ما حرّم الله عليهم من أموال المسلمين، وسبي نسائهم، وسفك دمائهم، بأن يتحزبوا عليهم، ولكفِّ المسلمين أيديهم عنهم، وذلك مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم:"خُذوا على أيدي سفهائكم".
قال ابن العربي: هذه الآية أصل في قتال المسلمين، وعمدة في حرب المتأولين، وعليها عوّل الصحابة، وإليها لجأ الأعيان من أهل الملّة، وإياها عني النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله:"تقتل عمارا الفئة الباغية". وقوله في شأن الخوارج: "يخرجون على حين فرقة من الناس، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق".
وقرأ الجمهور (2): {بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} بالتثنية؛ لأنّ أقلّ من يقع بينهما الشقاق اثنان، فإذا كان الإصلاح لازمًا بين اثنين .. فهو ألزم بين أكثر من اثنين، وقيل: المراد بالأخرين: الأوس والخزرج، وقرأ زيد بن ثابت وابن مسعود والحسن: بخلاف عنه، والجحدري وثابت البنانيّ وحماد بن سلمة، وابن سيرين: {بين
(1) الشوكاني.
(2)
البحر المحيط.