الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الذاريات
سورة الذاريات مكيّة، نزلت بعد الأحقاف، قال القرطبي في قول الجميع، وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه، والبيهقي في "الدلائل" عن ابن عباس قال: نزلت سورة الذاريات بمكة، وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.
وهي ستون آيةً (1)، وثلاث مئة وستون كلمةً، وألف ومئتان وتسعة وثلاثون حرفًا، سمّيت بالذاريات؛ لذكر الذاريات فيها.
مناسبتها لما قبلها من وجهين (2):
الأوّل: إنّه قد ذكر في السورة السابقة، البعث والجزاء والجنة والنار وافتتح هذه بالقسم بأنّ ما وعدوا من ذلك صدق، وأنّ الجزاء واقع.
الثاني: أنه ذكر هناك إهلاك كثير من القرون على وجه الإجمال، وهنا ذكر ذلك على وجه التفصيل.
وقال أبو حيان (3): مناسبتها لآخر ما قبلها أنه قال: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45)} . وقال في أوّل هذه بعد القسم: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6)} .
الناسخ والمنسوخ فيها: وقال ابن حزم: وفيها من المنسوخ آيتان:
أحدهما: قوله تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)} (الآية 19)، نسخ ذلك بآية الزكاة.
(1) الخازن.
(2)
المراغي.
(3)
البحر المحيط.
والثانية: قوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54)} (الآية 54). نسخت بقوله تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)} .
والله أعلم
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
المناسبة
هاهنا أمور يجمل بك أن تفهمها (1):
1 -
بعد أن بيّن الحشر بدلائله وقال: {ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} ثمّ أصروا على ذلك غاية الإصرار، لم يبق إلا اليمين فقال: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1)
…
إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5)}.
2 -
أنّ الإيمان التي حلف بها الله سبحانه في كتابه، كلها دلائل على قدرته، أخرجها في صورة الإيمان، كما يقول القائل للمنعم عليه: وحقّ نعمك الكثيرة، إني لا أزال أشكرك، فيذكر النعم وهي سبب لدوام الشكر، ويسلك بها مسلك القسم، وجاءت الآيات هكذا مصدرة بالقسم؛ لأن المتكلم إذا بدأ كلامه
(1) المراغي.
به .. علم السامع أنّ هاهنا كلامًا عظيمًا يجب أن يصغي إليه، فإذا وجَّه همَّه لسماعه .. خرج له الدليل والبرهان المتين في صورة اليمين.
3 -
في السورة التي أقسم الله في ابتدائها بغير الحروف المقطعة، كان القسم لإثبات أحد الأصول الثلاثة: الوحدانية والرسالة والحشر، وهي التي يتمّ بها الإيمان، فأقسم لإثبات الوحدانية في سورة الصافّات فقال:{إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4)} . وأقسم في سورتي النجم والضحى لإثبات الرسالة، فقال في الأولى:{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2)} ، وقال في الثانية:{وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)} . وأقسم في سور كثيرة على إثبات البعث والجزاء.
4 -
في السور التي أقسم فيها لإثبات الوحدانية، أقسم بالساكنات، فقال:{وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1)} . وفي السور التي أقسم فيها لإثبات الحشر أقسم بالمتحركات، فقال:{وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا} {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا} {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} ؛ لأنّ الحشر فيه جمع وتفريق، وهو بالحركة أليق.
5 -
كانت العرب تحترز عن الإيمان الكاذبة، وتعتقد أنها تدع الديار بلاقع، وقد جرى النبيّ صلى الله عليه وسلم على سننهم، فحلف بكل شريف، ولم يزده ذلك إلا رفعة وثباتًا، وكانوا يعلمون أنه لا يحلف إلا صادقًا، وإلا أصابه شؤم الإيمان، وناله المكروه في بعض الأيمان.
قوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
…
} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لما ذكر (1) حال المفترين الذين أنكروا يوم الدين، وكذّبوا بالبعث والنشور، وأنكروا نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وعبدوا مع الله سبحانه غيره من وثن أو صنم .. أردف ذلك بذكر حال المتقين، وما يتمتّعون به من النعيم المقيم، في جنّات تجري من تحتها الأنهار، جزاء إحسانهم في أعمالهم، وقيامهم في الليل للصلاة، والاستغفار بالأسحار، وإنفاقهم أموالهم للفقراء
(1) المراغي.
والمساكين، ونظرهم في دلائل التوحيد، التي في الآفاق والأنفس، وتفكيرهم في ملكوت السموات والأرض، مصدقين قوله تعالى:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ} . ثمّ أقسم بربّ السماء والأرض، إنّ ما توعدون من البعث والجزاء لحق، لا شك فيه، كما لا شك في نطقكم حين تنطقون.
قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ
…
} الآية، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لمّا ذكر إنكار قومه بالبعث والنشور، حتى أقسم لهم بعزّته أنه كائن لا محالة .. سلّى رسوله صلى الله عليه وسلم فأبان له أنه ليس ببدع في الرسل، وأنّ قومه ليسوا ببدع في الأمم، وأنهم إن تمادوا في غيّهم، وأصرّوا على كفرهم، ولم يقلعوا عمّا هم عليه .. فسيحل بهم مثل ما حلّ بمن قبلهم من الأمم الخالية.
وذكر إبراهيم عليه السلام من بين الأنبياء؛ لكونه شيخ المرسلين، وكون النبيّ صلى الله عليه وسلم على سننه، كما قال تعالى:{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)} ولأنّ العرب كانت تجله وتحترمه، وتدعي أنها على دينه.
وأتى (1) بالقصص بأسلوب الاستفهام؛ تفخيمًا لشأن الحديث، كما تقول لمخاطبك: هل بلغك كذا وكذا؟ وأنت تعلم أنه لم يبلغه؛ توجيهًا لأنظاره حتى يصغي إليه ويهتم بأمره، ولو جاء على صورة الخبر، لم يكن له من الروعة والجلال مثل ما كان وهو بهذه الصورة تنبيهًا إلى أنّ الرسول لم يعلم به إلا من طريق الوحي.
أسباب النزول
قوله تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)} الآية، سبب نزول هذه الآية (2): ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد بن الحنفية: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سريّة، فأصابوا وغنموا، فجاء قوم بعدما فرغوا، فنزلت
(1) المراغي.
(2)
لباب النقول.