المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

قوله تعالى: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ … } إلى آخر - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٧

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: قوله تعالى: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ … } إلى آخر

قوله تعالى: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ

} إلى آخر السورة، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لمّا أمر المؤمنين بترك المعاصي، لأنها محبطة لثواب الأعمال الصالحة، وأمرهم بالتشمير عن ساعد الجد للجهاد، ومقاتلة الأعداء نصرة لدينه، ووعدهم بأن الله ناصرهم وهم الأعلون، فلا ينبغي لهم أن يطلبوا المهادنة من العدوّ خورًا وجبنًا خوفًا على الحياة ولذاتها .. أكد هذا المعنى، فأبان أنه لا ينبغي لكم أيها المؤمنون الحرص على الدنيا، فإنها ظل زائل، وعرض غير باق، وما هي إلا لذات مؤقتة لا تلبث أن تزول، وهي مشغلة عن صالح الأعمال، فلا يليق بكم أن تعضوا عليها بالنواجذ، بل اعملوا لما يرضي ربكم يؤتكم أجوركم، وهو لا يسألكم من أموالكم إلا القليل النزر الذي فيه صلاح المجتمع للمعونة على القيام بالمرافق العامة دنيوية كانت أو دينية، وهو عليم بأنكم أشحة على أموالكم، فلو طلبها .. لبخلتم بها، وظهرت أحقادكم على طالبيها، والله قد طلب إليكم الإنفاق في سبيله، والقيام بما تحتاج إليه الدعوة، فإن بخلتم فضرر ذلك عائد إليكم، والله غني عن معونتكم، وإن أعرضتم عن الإيمان والتقوى .. يأت الله بخلق غيركم يقيمون دينه، وينصرون الدعوة.

أسباب النزول

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ

} الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه (1) ابن أبي حاتم ومحمد بن نصر المروزي في "كتاب الصلاة" عن أبي العالية، قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا الله ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} فخافوا أن يبطل الذنب العمل.

التفسير وأوجه القراءة

‌20

- {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا} اشتياقًا منهم إلى الوحي، وحرصًا على الجهاد، لأن

(1) لباب النقول.

ص: 181

فيه إحدى الحسنين: إما الجنة والشهادة، وإما الظفر والغنيمة {لَولَا}: تحضيضيّة؛ أي: هلا {نزلت سُورة} نؤمر فيها بالجهاد {فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ} ؛ أي: غير منسوخة أو مبينة لا تشابه فيها بوجه آخر سوى وجوب القتال، وعن قتادة: كل سورة فيها ذكر القتال فهي محكمة؛ لأنّ النسخ لا يرد عليها من قبل أنَّ القتال نسخ ما كان أو الصفح، والمهادنة، وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة وذكر فيها القتال بطريق الأمر به؛ أي: وفرض فيها الجهاد.

قرأ الجمهور (1): {فَإذَاَ أُنزِلت} و {ذكر} على بناء الفعلين للمفعول، وقرأ زيد بن علي وابن عمير:{نزلت} و {ذكر} على فقال الفعلين للفاعل، ونصب {القتال}؛ أي: ذكر الله القتال، وفي قراءة ابن مسعود:{فإذا أنزلت سورة محدثة} ؛ أي: محدثة النزول. {رأيت} يا محمد {اَلَذِينَ في قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} في الإيمان أو نفاق، وهو الأظهر، فيكون المراد: الإيمان الظاهري الزعمي، والكلام من إقامة المظهر مقام المضمر؛ أي: رأيت المنافقين {يَنظُرُونَ إليكَ} جبنًا وهلعًا {نَظَرَ اَلمَغثِشي عليهِ} ؛ أي: (2) نظرًا كنظر من أصابته الغشية والسكرة {مِنَ} أجل حلول {الْمَوْتِ} ؛ أي: ينظرون إليك نظر من شخص بصره عند الميت لجبنهم عن القتال، وميلهم إلى الكفار، قال ابن قتيبة والزجاج: يريد أنهم يشخصون نحوك بأبصارهم، وينظرون إليك نظرًا شديدًا، كما ينظر الشاخص بصره عند الموت.

أي: تشخص أبصارهم جبنًا وهلعًا، كدأب من أصابته غشية الميت؛ أي: حيرته وسكرته إذا نزل به، وعاين الملائكة، والغشي: تعطل القوى المتحركة والحساسة لضعف القلب، واجتماع الروح إليه بسبب يُحقِّقه في داخل، فلا يجد منقذًا. ومن أسباب ذلك: امتلاء خانق، أو مؤذ بارد، أو جوع شديد، أو وجع شديد، أو آفة في عضو مشارك كالقلب والمعدة، كذا في "المغرب". وفي الآية إشارة إلى أنّ من أمارات الإيمان: تمني الجهاد والميت شوقًا إلى لقاء الله، ومن

(1) الشوكاني.

(2)

روح البيان.

ص: 182