المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب صلاة الجنازة - حاشية ابن عابدين = رد المحتار ط الحلبي - جـ ٢

[ابن عابدين]

فهرس الكتاب

- ‌بَابُ الْوِتْرِ وَالنَّوَافِلِ

- ‌بَابُ إدْرَاكِ الْفَرِيضَةِ

- ‌بَابُ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ

- ‌[فُرُوعٌ فِي قَضَاء الْفَوَائِت]

- ‌بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ

- ‌بَابُ صَلَاةِ الْمَرِيضِ

- ‌بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ

- ‌بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ

- ‌[مَطْلَبٌ فِي الْوَطَنِ الْأَصْلِيِّ وَوَطَنِ الْإِقَامَةِ]

- ‌[فُرُوعٌ فِي قَصْر الصَّلَاة]

- ‌[بَابُ بَابُ الْجُمُعَةِ]

- ‌بَابُ الْعِيدَيْنِ

- ‌بَابُ الْكُسُوفِ

- ‌بَابُ الِاسْتِسْقَاءِ

- ‌بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ

- ‌[فُرُوعٌ فِي صَلَاة الْخَوْف]

- ‌بَابُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ

- ‌[مطلب فِي دفن الْمَيِّت]

- ‌[فُرُوعٌ فِي الْجَنَائِز]

- ‌[مطلب فِي الثَّوَاب عَلَى المصيبة]

- ‌[مطلب فِي زِيَارَة الْقُبُور]

- ‌[مطلب فِي وَضَعَ الجريد ونحو الآس عَلَى الْقُبُور]

- ‌[تَتِمَّةٌ قَطْعُ النَّبَاتِ الرَّطْبِ وَالْحَشِيشِ مِنْ الْمَقْبَرَةِ دُونَ الْيَابِسِ]

- ‌بَابُ الشَّهِيدِ

- ‌بَابُ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ

- ‌كِتَابُ الزَّكَاةِ

- ‌بَابُ السَّائِمَةِ

- ‌ بَابٌ نِصَابُ الْإِبِلِ

- ‌بَابُ زَكَاةِ الْبَقَرِ

- ‌بَابُ زَكَاةِ الْغَنَمِ

- ‌بَابُ زَكَاةِ الْمَالِ

- ‌[بَابُ الْعَاشِرِ فِي الزَّكَاة]

- ‌[بَابُ زَكَاة الرِّكَازِ]

- ‌بَابُ الْعُشْرِ

- ‌[فُرُوعٌ فِي زَكَاة الْعَشْر]

- ‌[بَابُ مَصْرِفِ الزَّكَاةِ وَالْعُشْرِ]

- ‌[فُرُوعٌ فِي مَصْرِفِ الزَّكَاةِ]

- ‌بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ

- ‌كِتَابُ الصَّوْمِ

- ‌[سَبَبُ صَوْمِ رَمَضَانَ]

- ‌بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَمَا لَا يُفْسِدُهُ

- ‌[فُرُوعٌ فِي الصِّيَام]

- ‌فَصْلٌ فِي الْعَوَارِضِ الْمُبِيحَةِ لِعَدَمِ الصَّوْمِ

- ‌[مَطْلَبٌ فِي صَوْمِ السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ]

- ‌بَابُ الِاعْتِكَافِ

- ‌كِتَابُ الْحَجِّ

- ‌[سُنَنٌ وَآدَابٌ الْحَجِّ]

- ‌[مطلب فِي أَحْكَام الْعُمْرَة]

- ‌[مطلب فِي الْمَوَاقِيت]

- ‌(فَصْلٌ) فِي الْإِحْرَامِ وَصِفَةِ الْمُفْرِدِ

- ‌[مطلب فِي رَمْي جَمْرَة العقبة]

- ‌[مطلب فِي طَوَاف الزِّيَارَة]

- ‌بَابُ الْقِرَانِ

- ‌بَابُ التَّمَتُّعِ

- ‌[بَابُ الْجِنَايَاتِ فِي الْحَجّ]

- ‌بَابُ الْإِحْصَارِ

- ‌بَابُ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ

- ‌[مَطْلَبٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْقُرْبَةِ وَالطَّاعَةِ]

- ‌بَابُ الْهَدْيِ

- ‌[فُرُوعٌ فِي الْحَجُّ]

- ‌[مَطْلَبٌ فِي تَفْضِيلِ الْحَجِّ عَلَى الصَّدَقَةِ]

- ‌[مَطْلَبٌ فِي فَضْلِ وَقْفَةِ الْجُمُعَةِ]

- ‌[مَطْلَبٌ فِي تَكْفِيرِ الْحَجِّ الْكَبَائِرَ]

- ‌[مَطْلَبٌ فِي دُخُولِ الْبَيْتِ]

- ‌[مَطْلَبٌ فِي اسْتِعْمَالِ كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ]

- ‌[مَطْلَبٌ فِيمَنْ جَنَى فِي غَيْرِ الْحَرَمِ ثُمَّ الْتَجَأَ إلَيْهِ]

- ‌[مَطْلَبٌ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِمَاءِ زَمْزَمَ]

- ‌[حرم الْمَدِينَة وَمَكَّة]

- ‌[مَطْلَبٌ فِي الْمُجَاوَرَةِ بِالْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ وَمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ]

- ‌[خَاتِمَة فِي الْحَجّ]

الفصل: ‌باب صلاة الجنازة

وَبَطْنِ نَخْلٍ وَعُسْفَانَ وَذِي قَرَدٍ» .

‌بَابُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ

مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ لِسَبَبِهِ، وَهِيَ بِالْفَتْحِ الْمَيِّتُ وَبِالْكَسْرِ السَّرِيرُ، وَقِيلَ: لُغَتَانِ. وَالْمَوْتُ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ خُلِقَتْ ضِدُّ الْحَيَاةِ، وَقِيلَ: عَدَمِيَّةٌ (يُوَجَّهُ الْمُحْتَضَرُ) وَعَلَامَتُهُ اسْتِرْخَاءُ قَدَمَيْهِ، وَاعْوِجَاجُ مَنْخَرِهِ وَانْخِسَافُ صُدْغَيْهِ (الْقِبْلَةَ) عَلَى يَمِينِهِ هُوَ السُّنَّةُ (وَجَازَ الِاسْتِلْقَاءُ) عَلَى ظَهْرِهِ (وَقَدَمَاهُ إلَيْهَا) وَهُوَ الْمُعْتَادُ فِي زَمَانِنَا (وَ) لَكِنْ (يُرْفَعُ رَأْسُهُ قَلِيلًا) لِيَتَوَجَّهَ لِلْقِبْلَةِ (وَقِيلَ يُوضَعُ كَمَا تَيَسَّرَ عَلَى الْأَصَحِّ) صَحَّحَهُ فِي الْمُبْتَغَى (وَإِنْ شُقَّ عَلَيْهِ تُرِكَ عَلَى حَالِهِ) وَالْمَرْجُومُ لَا يُوَجَّهُ مِعْرَاجٌ

ــ

[رد المحتار]

وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنَا وَنَقِبَتْ قَدَمَايَ وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي فَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَظْفَارِنَا الْخِرَقَ فَسُمِّيَتْ غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ لِمَا كُنَّا نُعَصِّبُ عَلَى أَرْجُلِنَا مِنْ الْخِرَقِ» . اهـ. ط عَنْ الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ. وَالصَّوَابُ أَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ الْخَنْدَقِ خِلَافًا لِمَا فِي الْكَافِي وَالِاخْتِيَارِ تَبَعًا لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ كَمَا حَقَّقَهُ فِي الْفَتْحِ.

(قَوْلُهُ وَبَطْنِ نَخْلٍ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ اسْمُ مَوْضِعٍ ط (قَوْلُهُ وَعُسْفَانَ) بِوَزْنِ عُثْمَانَ قَامُوسٌ (قَوْلُهُ وَذِي قَرَدٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالرَّاءِ وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ مَاءٌ عَلَى بَرِيدٍ مِنْ الْمَدِينَةِ وَتُعْرَفُ بِغَزْوَةِ الْغَابَةِ وَكَانَتْ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سِتٍّ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ ط عَنْ الْمَوَاهِبِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[بَابُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ]

بَابُ صَلَاةِ الْجَنَائِزِ تَرْجَمَ لِلصَّلَاةِ وَأَتَى بِأَشْيَاءَ زَائِدَةٍ عَلَيْهَا بَعْضُهَا شُرُوطٌ كَالْغُسْلِ، وَبَعْضُهَا مُقَدِّمَاتٌ كَالتَّكْفِينِ وَالتَّوْجِيهِ وَالتَّلْقِينِ، وَبَعْضُهَا مُتَمِّمَاتٌ كَالدَّفْنِ وَأَخَّرَهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ صَلَاةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلِأَنَّهَا تَعَلَّقَتْ بِآخِرِ مَا يَعْرِضُ لِلْحَيِّ، وَهُوَ الْمَوْتُ وَلِمُنَاسَبَةٍ خَاصَّةٍ بِمَا قَبْلَهَا، وَهِيَ أَنَّ الْخَوْفَ وَالْقِتَالَ قَدْ يُفْضِيَانِ إلَى الْمَوْتِ (قَوْلُهُ لِسَبَبِهِ) هُوَ الْجِنَازَةُ بِالْفَتْحِ يَعْنِي الْمَيِّتَ ط (قَوْلُهُ وَبِالْكَسْرِ السَّرِيرَ) قَالَ الْأَزْهَرِيُّ لَا يُسَمَّى جِنَازَةً حَتَّى يُشَدَّ الْمَيِّتُ عَلَيْهِ مُكَفَّنًا إمْدَادٌ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لُغَتَانِ) أَيْ الْكَسْرُ وَالْفَتْحُ لُغَتَانِ فِي الْمَيِّتِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الْقَامُوسِ جَنَزَهُ يُجَنِّزُهُ سَتَرَهُ وَجَمَعَهُ وَالْجِنَازَةُ أَيْ بِالْكَسْرِ الْمَيِّتُ وَيُفْتَحُ أَوْ بِالْكَسْرِ الْمَيِّتُ وَبِالْفَتْحِ السَّرِيرُ أَوْ عَكْسُهُ أَوْ بِالْكَسْرِ السَّرِيرُ مَعَ الْمَيِّتِ اهـ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَقِيلَ عَدَمِيَّةٌ) لِأَنَّهُ قَطْعُ مَوَادِّ الْحَيَاةِ عَنْ الْحَيِّ وَالْمُقَابَلَةُ عَلَيْهِ مِنْ مُقَابَلَةِ الْعَدَمِ وَالْمَلَكَةِ وَعَلَى الْأَوَّلِ مِنْ مُقَابَلَةِ التَّضَادِّ أَفَادَهُ ط وقَوْله تَعَالَى: {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} [الملك: 2] لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْخَلْقَ يَكُونُ بِمَعْنَى الْإِيجَادِ وَبِمَعْنَى التَّقْدِيرِ وَالْإِعْدَامِ مُقَدَّرَةٌ فَلِذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ إلَى الثَّانِي كَمَا نَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ (قَوْلُهُ يُوَجَّهُ الْمُحْتَضَرُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فِيهِمَا أَيْ يُوَجَّهُ وَجْهُ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْ مَلَائِكَتُهُ وَالْمُرَادُ مَنْ قَرُبَ مَوْتُهُ (قَوْلُهُ وَعَلَامَتُهُ إلَخْ) أَيْ عَلَامَةُ الِاحْتِضَارِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَزَادَ عَلَى مَا هُنَا أَنْ تَمْتَدَّ جِلْدَةُ خُصْيَتَيْهِ لِانْشِمَارِ الْخُصْيَتَيْنِ بِالْمَوْتِ (قَوْلُهُ الْقِبْلَةَ) نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْجِهَةِ (قَوْلُهُ وَجَازَ الِاسْتِلْقَاءُ) اخْتَارَهُ مَشَايِخُنَا بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ لِخُرُوجِ الرُّوحِ وَتَعَقَّبَهُ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا نَقْلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالْأَيْسَرِ مِنْهُمَا وَلَكِنَّهُ أَيْسَرُ لِتَغْمِيضِهِ وَشَدِّ لَحْيَيْهِ وَأَمْنَعُ مِنْ تَقَوُّسِ أَعْضَائِهِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ لِيَتَوَجَّهَ لِلْقِبْلَةِ) عِبَارَةُ الْفَتْحِ لِيَصِيرَ وَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ دُونَ السَّمَاءِ (قَوْلُهُ تُرِكَ عَلَى حَالِهِ) أَيْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَلْقِيًا أَوْ مُتَوَجِّهًا (قَوْلُهُ وَالْمَرْجُومُ لَا يُوَجَّهُ) لِيُنْظَرَ وَجْهُهُ وَهَلْ يُقَالُ كَذَلِكَ فِيمَنْ أُرِيدَ قَتْلُهُ لِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ؟ لَمْ أَرَهُ

ص: 189

(وَيُلَقَّنُ) نَدْبًا. وَقِيلَ: وُجُوبًا (بِذِكْرِ الشَّهَادَتَيْنِ) لِأَنَّ الْأُولَى لَا تُقْبَلُ بِدُونِ الثَّانِيَةِ (عِنْدَهُ) قَبْلَ الْغَرْغَرَةِ.

وَاخْتُلِفَ فِي قَبُولِ تَوْبَةِ الْيَأْسِ، وَالْمُخْتَارُ قَبُولُ تَوْبَتِهِ لَا إِيمَانِهِ وَالْفَرْقُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا.

ــ

[رد المحتار]

مَطْلَبٌ فِي تَلْقِينِ الْمُحْتَضَرِ الشَّهَادَةَ

(قَوْلُهُ وَيُلَقَّنُ إلَخْ) لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ مُسْلِمٌ يَقُولُهَا عِنْدَ الْمَوْتِ إلَّا أَنْجَتْهُ مِنْ النَّارِ» وَلِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» كَذَا فِي الْبُرْهَانِ أَيْ دَخَلَهَا مَعَ الْفَائِزِينَ، وَإِلَّا فَكُلُّ مُسْلِمٍ، وَلَوْ فَاسِقًا يَدْخُلُهَا وَلَوْ بَعْدَ طُولِ عَذَابٍ إمْدَادٌ (قَوْلُهُ وَقِيلَ وُجُوبًا) فِي الْقُنْيَةِ وَكَذَا فِي النِّهَايَةِ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: الْوَاجِبُ عَلَى إخْوَانِهِ وَأَصْدِقَائِهِ أَنْ يُلَقِّنُوهُ اهـ قَالَ فِي النَّهْرِ: لَكِنَّهُ تَجَوُّزٌ لِمَا فِي الدِّرَايَةِ مِنْ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ بِالْإِجْمَاعِ اهـ فَتَنَبَّهْ (قَوْلُهُ بِذِكْرِ الشَّهَادَتَيْنِ) قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: وَإِنَّمَا اقْتَصَرْت عَلَى ذِكْرِ الشَّهَادَةِ تَبَعًا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَإِنْ قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى وَغَيْرِهِ وَلُقِّنَ الشَّهَادَتَيْنِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَتَعْلِيلُهُ فِي الدُّرَرِ بِأَنَّ الْأُولَى لَا تُقْبَلُ بِدُونِ الثَّانِيَةِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمُؤْمِنِ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوْلُ جَمْعٍ يُلَقَّنُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أَيْضًا لِأَنَّ الْقَصْدَ مَوْتُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا يُسَمَّى مُسْلِمًا إلَّا بِهِمَا مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ خَتْمُ كَلَامِهِ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لِيَحْصُلَ لَهُ ذَلِكَ الثَّوَابُ أَمَّا الْكَافِرُ فَيُلَقَّنُهَا قَطْعًا مَعَ لَفْظِ أَشْهَدُ لِوُجُوبِهِ؛ إذْ لَا يَصِيرُ مُسْلِمًا إلَّا بِهِمَا اهـ.

قُلْت: وَقَدْ يُشِيرُ إلَيْهِ تَعْبِيرُ الْهِدَايَةِ وَالْوِقَايَةِ وَالنُّقَايَةِ وَالْكَنْزِ بِتَلْقِينِ الشَّهَادَةِ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة كَانَ أَبُو حَفْصٍ الْحَدَّادُ يُلَقِّنُ الْمَرِيضَ بِقَوْلِهِ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إلَيْهِ، وَكَانَ يَقُولُ فِيهَا مَعَانٍ: أَحَدُهَا تَوْبَةٌ، وَالثَّانِي تَوْحِيدٌ، وَالثَّالِثُ أَنَّ الْمَرِيضَ رُبَّمَا يَفْزَعُ لِأَنَّ الْمُلَقِّنَ رَأَى فِيهِ عَلَامَةَ الْمَوْتِ وَلَعَلَّ أَقْرِبَاءَ الْمَيِّتِ يَتَأَذَّوْنَ بِهِ (قَوْلُهُ عِنْدَهُ) مُتَعَلِّقٌ بِذِكْرِ (قَوْلُهُ: قَبْلَ الْغَرْغَرَةِ) لِأَنَّهَا تَكُونُ قُرْبَ كَوْنِ الرُّوحِ فِي الْحُلْقُومِ وَحِينَئِذٍ لَا يُمْكِنُ النُّطْقُ بِهِمَا ط وَفِي الْقَامُوسِ غَرْغَرَ جَادَ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ. اهـ.

قُلْت: وَكَأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ غَرْغَرَ بِالْمَاءِ إذَا أَدَارَهُ فِي حَلْقِهِ فَكَأَنَّهُ يُدِيرُ رُوحَهُ فِي حَلْقِهِ. مَطْلَبٌ فِي قَبُولِ تَوْبَةِ الْيَأْسِ (قَوْلُهُ وَاخْتُلِفَ فِي قَبُولِ تَوْبَةِ الْيَأْسِ) بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ ضِدُّ الرَّجَاءِ وَقَطْعُ الْأَمَلِ مِنْ الْحَيَاةِ أَوْ بِالْمُوَحَّدَةِ التَّحْتِيَّةِ وَالْمُرَادُ بِهِ الشِّدَّةُ وَأَهْوَالُ الْمَوْتِ وَيُحْتَمَلُ مَدُّ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ وَإِسْكَانُهَا عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ (قَوْلُهُ وَالْمُخْتَارُ إلَخْ) أَقُولُ: قَالَ فِي أَوَاخِرِ الْبَزَّازِيَّةِ قِيلَ: تَوْبَةُ الْيَأْسِ مَقْبُولَةٌ لَا إيمَانُ الْيَأْسِ، وَقِيلَ: لَا تُقْبَلُ كَإِيمَانِهِ لِأَنَّهُ تَعَالَى سَوَّى بَيْنَ مَنْ أَخَّرَ التَّوْبَةَ إلَى حُضُورِ الْمَوْتِ مِنْ الْفَسَقَةِ وَالْكُفَّارِ وَبَيْنَ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ فِي قَوْلِهِ - {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ} [النساء: 18] الْآيَةَ - كَمَا فِي الْكَشَّافِ وَالْبَيْضَاوِيِّ وَالْقُرْطُبِيِّ، وَفِي الْكَبِيرِ لِلرَّازِيِّ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ قُرْبُ الْمَوْتِ لَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ التَّوْبَةِ بَلْ الْمَانِعُ مِنْهُ مُشَاهَدَةُ الْأَهْوَالِ الَّتِي يَحْصُلُ الْعِلْمُ عِنْدَهَا عَلَى سَبِيلِ الِاضْطِرَارِ، فَهَذَا كَلَامُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالسُّنِّيَّةُ وَالْأَشَاعِرَةُ أَنَّ تَوْبَةَ الْيَأْسِ لَا تُقْبَلُ كَإِيمَانِ الْيَأْسِ بِجَامِعِ عَدَمِ الِاخْتِيَارِ، وَخُرُوجِ النَّفْسِ مِنْ الْبَدَنِ، وَعَدَمِ رُكْنِ التَّوْبَةِ وَهُوَ الْعَزْمُ بِطَرِيقِ التَّصْمِيمِ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إلَى مَا ارْتَكَبَ وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِي تَوْبَةِ الْيَأْسِ إنْ أُرِيدَ بِالْيَأْسِ مُعَايَنَةُ أَسْبَابِ الْمَوْتِ بِحَيْثُ يَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الْمَوْتَ يُدْرِكُهُ لَا مَحَالَةَ كَمَا أَخْبَرَ - تَعَالَى - عَنْهُ بِقَوْلِهِ {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر: 85] وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْفَتَاوَى أَنَّ تَوْبَةَ الْيَأْسِ مَقْبُولَةٌ، فَإِنْ أُرِيدَ بِالْيَأْسِ مَا ذَكَرْنَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا قُلْنَا وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْقُرْبُ مِنْ الْمَوْتِ فَلَا كَلَامَ فِيهِ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ

ص: 190

(مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ بِهَا) لِئَلَّا يَضْجَرَ وَإِذَا قَالَهَا مَرَّةً كَفَاهُ وَلَا يُكَرَّرُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ لِيَكُونَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيُنْدَبُ قِرَاءَةُ يس وَالرَّعْدِ

(وَلَا يُلَقَّنُ بَعْدَ تَلْحِيدِهِ) وَإِنْ فُعِلَ لَا يُنْهَى عَنْهُ. وَفِي الْجَوْهَرَةِ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَيَكْفِي قَوْلُهُ " يَا فُلَانُ يَا ابْنَ فُلَانٍ اُذْكُرْ مَا كُنْت عَلَيْهِ وَقُلْ رَضِيت بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ اسْمُهُ قَالَ: يُنْسَبُ إلَى آدَمَ وَحَوَّاءَ ".

ــ

[رد المحتار]

أَنَّ زَمَانَ الْيَأْسِ زَمَانُ مُعَايَنَةِ الْهَوْلِ وَالْمَسْطُورُ فِي الْفَتَاوَى أَنَّ تَوْبَةَ الْيَأْسِ مَقْبُولَةٌ لَا إيمَانُهُ لِأَنَّ الْكَافِرَ أَجْنَبِيٌّ غَيْرُ عَارِفٍ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَيَبْدَأُ إيمَانًا وَعِرْفَانًا وَالْفَاسِقُ عَارِفٌ وَحَالُهُ حَالُ الْبَقَاءِ أَسْهَلُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى قَبُولِهَا مِنْهُ مُطْلَقًا إطْلَاقُ قَوْله تَعَالَى {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [الشورى: 25] اهـ مُلَخَّصًا.

وَظَاهِرُ آخِرِ كَلَامِهِ اخْتِيَارُ التَّفْصِيلِ وَعَزَاهُ إلَى مَذْهَبِ الْمَاتُرِيدِيَّةِ الشَّيْخُ عَبْدُ السَّلَامِ فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ وَالِدِهِ اللَّقَانِيِّ وَقَالَ وَعِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ لَا تُقْبَلُ حَالَ الْغَرْغَرَةِ تَوْبَةٌ وَلَا غَيْرُهَا كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ. اهـ.

وَانْتَصَرَ لِلثَّانِي الْمُنْلَا عَلَى الْقَارِئِ فِي شَرْحِهِ عَلَى بَدْءِ الْأَمَالِي بِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فَإِنَّهُ يَشْمَلُ تَوْبَةَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ. وَاعْتَرَضَ قَوْلَ بَعْضِ الشُّرَّاحِ أَنَّ التَّفْصِيلَ مُخْتَارُ أَئِمَّةِ بُخَارَى مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَجَمْعٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ كَالسُّبْكِيِّ وَالْبُلْقِينِيِّ بِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يَحْتَاجُ إلَى ظُهُورِ حُجَّتِهِ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ظَنِّيَّةٌ، وَأَمَّا إيمَانُ الْيَأْسِ فَلَا يُقْبَلُ اتِّفَاقًا وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي بَابِ الرِّدَّةِ (قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ لَهُ قُلْ فَهُوَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إلَى مَفْعُولِهِ (قَوْلُهُ لِئَلَّا يَضْجَرَ) أَيْ وَيَرُدَّهَا دُرَرٌ (قَوْلُهُ وَيُنْدَبُ قِرَاءَةُ يس) لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس» صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَقَالَ الْمُرَادُ بِهِ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَانَتْ الْأَنْصَارُ إذَا حَضَرُوا قَرَءُوا عِنْدَ الْمَيِّتِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ إلَّا أَنَّ مُجَالِدًا مُضَعَّفٌ حِلْيَةٌ (قَوْلُهُ: وَالرَّعْدِ) هُوَ اسْتِحْسَانُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ لِقَوْلِ جَابِرٍ إنَّهَا تُهَوِّنُ عَلَيْهِ خُرُوجَ رُوحِهِ إمْدَادٌ.

مَطْلَبٌ فِي التَّلْقِينِ بَعْدَ الْمَوْتِ

(قَوْلُهُ: وَلَا يُلَقَّنُ بَعْدَ تَلْحِيدِهِ) ذَكَرَ فِي الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ ثُمَّ قَالَ وَفِي الْخَبَّازِيَّةِ وَالْكَافِي عَنْ الشَّيْخِ الزَّاهِدِ الصَّفَّارِ: أَنَّ هَذَا عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ بَعْدَ الْمَوْتِ عِنْدَهُمْ مُسْتَحِيلٌ أَمَّا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ فَالْحَدِيثُ أَيْ «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْيِيهِ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام «أَنَّهُ أَمَرَ بِالتَّلْقِينِ بَعْدَ الدَّفْنِ فَيَقُولُ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ اُذْكُرْ دِينَك الَّذِي كُنْت عَلَيْهِ مِنْ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ وَأَنَّ الْبَعْثَ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ وَأَنَّك رَضِيت بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم نَبِيًّا وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةً وَبِالْمُؤْمِنِينَ إخْوَانًا» . اهـ. وَقَدْ أَطَالَ فِي الْفَتْحِ فِي تَأْيِيدِ حَمْلِ مَوْتَاكُمْ فِي الْحَدِيثِ عَلَى حَقِيقَتِهِ مَعَ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ يَسْمَعُ أَوْ لَا كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْيَمِينِ فِي الضَّرْبِ وَالْقَتْلِ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ لَكِنْ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: إنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مَجَازُهُ ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا لَا يُنْهَى عَنْ التَّلْقِينِ بَعْدَ الدَّفْنِ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ بَلْ نَفْعٌ فَإِنَّ الْمَيِّتَ يَسْتَأْنِسُ بِالذِّكْرِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْآثَارِ إلَخْ.

قُلْت: وَمَا فِي ط عَنْ الزَّيْلَعِيِّ لَمْ أَرَهُ فِيهِ وَإِنَّمَا الَّذِي فِيهِ قِيلَ يُلَقَّنُ لِظَاهِرِ مَا رَوَيْنَاهُ وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ لَا يُؤْمَرُ بِهِ وَلَا يُنْهَى عَنْهُ اهـ وَظَاهِرُ اسْتِدْلَالِهِ لِلْأَوَّلِ اخْتِيَارُهُ فَافْهَمْ.

مَطْلَبٌ فِي سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ هَلْ هُوَ عَامٌّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَوْ لَا؟

(قَوْلُهُ وَمَنْ لَا يُسْأَلُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ سُؤَالَ الْقَبْرِ لَا يَكُونُ لِكُلِّ أَحَدٍ وَيُخَالِفُهُ مَا فِي السِّرَاجِ: كُلُّ ذِي رُوحٍ مِنْ بَنِي آدَمَ يُسْأَلُ فِي الْقَبْرِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ لَكِنْ يُلَقِّنُ الرَّضِيعَ الْمَلَكُ، وَقِيلَ لَا بَلْ يُلْهِمُهُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا أَلْهَمَ عِيسَى فِي الْمَهْدِ اهـ لَكِنْ فِي حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ. فَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْآثَارَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا لِمُؤْمِنٍ أَوْ مُنَافِقٍ مِمَّنْ كَانَ مَنْسُوبًا إلَى أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِظَاهِرِ الشَّهَادَةِ دُونَ الْكَافِرِ الْجَاحِدِ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ لَكِنْ رَدَّ عَلَيْهِ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ وَقَالَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هُوَ الْأَرْجَحُ وَلَا أَقُولُ سِوَاهُ. وَنَقَلَ الْعَلْقَمِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الرَّاجِحَ أَيْضًا اخْتِصَاصُ السُّؤَالِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ خِلَافًا لِمَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ وَنُقِلَ أَيْضًا عَنْ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ أَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ اخْتِصَاصُ السُّؤَالِ بِالْمُكَلَّفِ، وَقَالَ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ شَيْخُنَا يَعْنِي الْحَافِظَ السُّيُوطِيّ. مَطْلَبٌ ثَمَانِيَةٌ لَا يُسْأَلُونَ فِي قُبُورِهِمْ

ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ مَنْ لَا يُسْأَلُ ثَمَانِيَةٌ: الشَّهِيدُ، وَالْمُرَابِطُ، وَالْمَطْعُونُ، وَالْمَيِّتُ زَمَنَ الطَّاعُونِ بِغَيْرِهِ إذَا كَانَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، وَالصِّدِّيقُ وَالْأَطْفَالُ، وَالْمَيِّتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَتَهَا، وَالْقَارِئُ كُلَّ لَيْلَةٍ تَبَارَكَ الْمُلْكُ وَبَعْضُهُمْ ضَمَّ إلَيْهَا السَّجْدَةَ وَالْقَارِئُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] اهـ وَأَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّهُ يُزَادُ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِأَنَّهُمْ أَوْلَى مِنْ الصِّدِّيقِينَ (قَوْلُهُ وَالْأَصَحُّ إلَخْ) ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي الْمُسَايَرَةِ (قَوْلُهُ: وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ إلَخْ) أَيْ فِي أَنَّهُمْ يُسْأَلُونَ، وَفِي أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ أَوْ النَّارِ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي الْمُسَايَرَةِ. مَطْلَبٌ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ

وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي سُؤَالِ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ وَفِي دُخُولِهِمْ الْجَنَّةَ أَوْ النَّارَ، فَتَرَدَّدَ فِيهِمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ وَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِمْ أَخْبَارٌ مُتَعَارِضَةٌ فَالسَّبِيلُ تَفْوِيضُ أَمْرِهِمْ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا بِلَا ذَنْبٍ اهـ وَقَالَ تِلْمِيذُهُ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ فِي شَرْحِهِ وَقَدْ نُقِلَ الْأَمْرُ بِالْإِمْسَاكِ عَنْ الْكَلَامِ فِي حُكْمِهِمْ فِي الْآخِرَةِ مُطْلَقًا عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ مِنْ رُءُوسِ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمَا وَقَدْ ضَعَّفَ أَبُو الْبَرَكَاتِ النَّسَفِيُّ رِوَايَةَ التَّوَقُّفِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ عَنْهُ أَنَّهُمْ فِي الْمَشِيئَةِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» وَقَدْ حَكَى فِيهِمْ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ الْأَكْثَرُ أَنَّهُمْ فِي النَّارِ، الثَّانِي: التَّوَقُّفُ، الثَّالِثُ: الَّذِي صَحَّحَهُ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ لِحَدِيثِ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» وَيَمِيلُ إلَيْهِ مَا مَرَّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَفِيهِمْ أَقْوَالٌ أُخَرُ ضَعِيفَةٌ. اهـ.

ص: 191

وَمَنْ لَا يُسْأَلُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُلَقَّنَ. وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُسْأَلُونَ وَلَا أَطْفَالَ الْمُؤْمِنِينَ وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ وَقِيلَ هُمْ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ.

وَيُكْرَهُ تَمَنِّي الْمَوْتِ وَتَمَامُهُ فِي النَّهْرِ وَسَيَجِيءُ فِي الْحَظْرِ (وَمَا ظَهَرَ مِنْهُ مِنْ كَلِمَاتٍ كَفِرْيَةُ يُغْتَفَرُ فِي حَقِّهِ وَيُعَامَلُ مُعَامَلَةَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ) حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ فِي حَالِ زَوَالِ عَقْلِهِ وَلِذَا اخْتَارَ بَعْضُهُمْ زَوَالَ عَقْلِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ

ــ

[رد المحتار]

قَوْلُهُ: وَتَمَامُهُ فِي النَّهْرِ) حَيْثُ قَالَ: وَيُكْرَهُ تَمَنِّي الْمَوْتِ لِضَرَرٍ نَزَلَ بِهِ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي كَذَا فِي السِّرَاجِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَسَيَجِيءُ فِي الْحَظْرِ) أَيْ فِي كِتَابِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِكِتَابِ الْكَرَاهَةِ وَالِاسْتِحْسَانِ وَسَقَطَ مِنْ أَغْلَبِ النُّسَخِ لَفْظُ فِي الْحَظْرِ (قَوْلُهُ وَلِذَا اخْتَارَ إلَخْ) أَيْ لِكَوْنِهِ فِي حَالِ زَوَالِ عَقْلِهِ يُغْتَفَرُ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ اخْتَارَ بَعْضُهُمْ زَوَالَ عَقْلِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَخَافَةَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِذَلِكَ

ص: 192

ذَكَرَهُ الْكَمَالُ

(وَإِذَا مَاتَ تُشَدُّ لَحْيَاهُ وَتُغْمَضُ عَيْنَاهُ) تَحْسِينًا لَهُ، وَيَقُولُ مُغْمِضُهُ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ اللَّهُمَّ يَسِّرْ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَسَهِّلْ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ، وَأَسْعِدْهُ بِلِقَائِك، وَاجْعَلْ مَا خَرَجَ إلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا خَرَجَ عَنْهُ ثُمَّ تُمَدُّ أَعْضَاؤُهُ، وَيُوضَعُ عَلَى بَطْنِهِ سَيْفٌ أَوْ حَدِيدٌ لِئَلَّا يَنْتَفِخَ، وَيُحْضَرُ عِنْدَهُ الطِّيبُ وَيَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهِ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْجُنُبُ وَيَعْلَمُ بِهِ جِيرَانُهُ وَأَقْرِبَاؤُهُ وَيُسْرَعُ فِي جِهَازِهِ وَيُقْرَأُ عِنْدَهُ الْقُرْآنُ إلَى أَنْ يُرْفَعَ إلَى الْغُسْلِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ مَعْزِيًّا لِلنُّتَفِ.

قُلْت: وَلَيْسَ فِي النُّتَفِ إلَى الْغُسْلِ بَلْ إلَى أَنْ يُرْفَعَ فَقَطْ، وَفَسَّرَهُ فِي الْبَحْرِ بِرَفْعِ الرُّوحِ. وَعِبَارَةُ الزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِ تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ عِنْدَهُ حَتَّى يُغَسَّلَ، وَعَلَّلَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ تَنْزِيهًا لِلْقُرْآنِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَيِّتِ لِتَنَجُّسِهِ بِالْمَوْتِ

ــ

[رد المحتار]

قَصْدًا مِنْ أَلَمِ الْمَوْتِ وَمِنْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ فَإِنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَقْتُ عُرُوضِهِ لَهُ (قَوْلُهُ ذَكَرَهُ الْكَمَالُ) وَقَالَ أَيْضًا: وَبَعْضُهُمْ اخْتَارُوا قِيَامَهُ فِي حَالِ الْمَوْتِ. وَالْعَبْدُ الضَّعِيفُ مُؤَلِّفُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فَوَّضَ أَمْرَهُ إلَى الرَّبِّ الْغَنِيِّ الْكَرِيمِ مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ طَالِبًا مِنْهُ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ أَنْ يَرْحَمَ عَظِيمَ فَاقَتِي بِالْمَوْتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْإِيقَانِ {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. اهـ. وَإِنِّي الْعَبْدُ الذَّلِيلُ أَقُولُ مِثْلَ قَوْلِهِ مُسْتَعِينًا بِقُوَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحَوْلِهِ

(قَوْلُهُ لَحْيَاهُ) تَثْنِيَةُ لَحْيٍ بِفَتْحِ اللَّامِ فِيهِمَا، وَهُوَ مَنْبَتُ اللِّحْيَةِ أَوْ الْعَظْمُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَسْنَانُ بَحْرٌ (قَوْلُهُ تَحْسِينًا لَهُ) إذْ لَوْ تُرِكَ فَظُعَ مَنْظَرُهُ وَلِئَلَّا يَدْخُلَ فَاهُ الْهَوَامُّ وَالْمَاءُ عِنْدَ غُسْلِهِ إمْدَادٌ (قَوْلُهُ ثُمَّ تُمَدُّ أَعْضَاؤُهُ) أَيْ لِئَلَّا يَبْقَى مُقَوَّسًا كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَفِي الْإِمْدَادِ وَتُلَيَّنُ مَفَاصِلُهُ وَأَصَابِعُهُ بِأَنْ يَرُدَّ سَاعِدَهُ لِعَضُدِهِ وَسَاقَهُ لِفَخِذِهِ وَفَخِذَهُ لِبَطْنِهِ وَيَرُدَّهَا مُلَيَّنَةً لِيَسْهُلَ غُسْلُهُ وَإِدْرَاجُهُ فِي الْكَفَنِ (قَوْلُهُ وَيُوضَعُ إلَخْ) يُخَالِفُ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ تَوْجِيهَهُ عَلَى يَمِينِهِ هُوَ السُّنَّةُ لِأَنَّ هَذَا الْوَضْعَ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ الِاسْتِلْقَاءِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ ذَاكَ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ إلَى خُرُوجِ الرُّوحِ وَهَذَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ لِئَلَّا يَنْتَفِخَ) لِأَنَّ الْحَدِيدَ يَدْفَعُ النَّفْخَ لِسِرٍّ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَيُوضَعُ شَيْءٌ ثَقِيلٌ إمْدَادٌ (قَوْلُهُ وَيَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهِ إلَخْ) فِي النَّهْرِ وَيَنْبَغِي إخْرَاجُ الْحَائِضِ إلَخْ وَفِي نُورِ الْإِيضَاحِ وَاخْتُلِفَ فِي إخْرَاجِ الْحَائِضِ إلَخْ (قَوْلُهُ وَيَعْلَمُ بِهِ جِيرَانُهُ إلَخْ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا أَوْ زَاهِدًا أَوْ مِمَّنْ يُتَبَرَّكُ بِهِ فَقَدْ اسْتَحْسَنَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ النِّدَاءَ فِي الْأَسْوَاقِ لِجِنَازَتِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ وَلَكِنْ لَا يَكُونُ عَلَى جِهَةِ التَّفْخِيمِ وَتَمَامُهُ فِي الْإِمْدَادِ (قَوْلُهُ وَيُسْرَعُ فِي جِهَازِهِ) لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد «عَنْهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا عَادَ طَلْحَةَ بْنَ الْبَرَاءِ وَانْصَرَفَ قَالَ مَا أَرَى طَلْحَةَ إلَّا قَدْ حَدَثَ فِيهِ الْمَوْتُ فَإِذَا مَاتَ فَآذِنُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ عَلَيْهِ وَعَجِّلُوا بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانِيِّ أَهْلِهِ» وَالصَّارِفُ عَنْ وُجُوبِ التَّعْجِيلِ الِاحْتِيَاطُ لِلرُّوحِ الشَّرِيفَةِ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ الْإِغْمَاءُ. وَقَدْ قَالَ الْأَطِبَّاءُ: إنَّ كَثِيرِينَ مِمَّنْ يَمُوتُونَ بِالسَّكْتَةِ ظَاهِرًا يُدْفَنُونَ أَحْيَاءً لِأَنَّهُ يَعْسُرُ إدْرَاكُ الْمَوْتِ الْحَقِيقِيِّ بِهَا إلَّا عَلَى أَفَاضِلِ الْأَطِبَّاءِ فَيَتَعَيَّنُ التَّأْخِيرُ فِيهَا إلَى ظُهُورِ الْيَقِينِ بِنَحْوِ التَّغَيُّرِ إمْدَادٌ؛ وَفِي الْجَوْهَرَةِ وَإِنْ مَاتَ فَجْأَةً تُرِكَ حَتَّى يُتَيَقَّنَ بِمَوْتِهِ. مَطْلَبٌ فِي الْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْمَيِّتِ

(قَوْلُهُ وَيُقْرَأُ عِنْدَهُ الْقُرْآنُ إلَخْ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَا يُقْرَأُ بِلَا وَالصَّوَابُ إسْقَاطُهَا لِأَنِّي لَمْ أَرَهَا فِي نُسْخَتَيْنِ مِنْ الْقُهُسْتَانِيِّ وَلَا فِي النُّتَفِ وَلَا فِي الْبَحْرِ، نَعَمْ بِذِكْرِهَا لَا يَبْقَى مُخَالَفَةٌ بَيْنَ مَا فِي النُّتَفِ وَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَفْسِيرِ صَاحِبِ الْبَحْرِ بِرَفْعِ الرُّوحِ فَافْهَمْ وَالْأَنْسَبُ ذِكْرُ هَذَا الْبَحْثِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي قَرِيبًا وَكُرِهَ قِرَاءَةُ قُرْآنٍ عِنْدَهُ (قَوْلُهُ قُلْت إلَخْ) أَقُولُ رَاجَعْت النُّتَفَ فَرَأَيْت فِيهَا كَمَا نَقَلَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ فَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ إلَى الْغُسْلِ سَقَطَ مِنْ نُسْخَةِ صَاحِبِ الْبَحْرِ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ بِلَا مُرَاجَعَةٍ لِعِبَارَةِ النُّتَفِ نَعَمْ فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ وَقُرِئَ عِنْدَهُ الْقُرْآنُ

ص: 193

قِيلَ نَجَاسَةَ خَبَثٍ وَقِيلَ حَدَثٍ، وَعَلَيْهِ فَيَنْبَغِي جَوَازُهَا كَقِرَاءَةِ الْمُحْدِثِ

(وَيُوضَعُ) كَمَا مَاتَ (كَمَا تَيَسَّرَ) فِي الْأَصَحِّ (عَلَى سَرِيرٍ مُجَمَّرٍ وِتْرًا) إلَى سَبْعٍ فَقَطْ فَتْحٌ (كَكَفَنِهِ) وَعِنْدَ مَوْتِهِ فَهِيَ ثَلَاثٌ لَا خَلْفَهُ وَلَا فِي الْقَبْرِ

(وَكُرِهَ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عِنْدَهُ إلَى تَمَامِ غُسْلِهِ) عِبَارَةُ الزَّيْلَعِيِّ حَتَّى يُغَسَّلَ وَعِبَارَةُ النَّهْرِ قَبْلَ غُسْلِهِ (وَتُسْتَرُ عَوْرَتُهُ الْغَلِيظَةُ فَقَطْ عَلَى الظَّاهِرِ) مِنْ الرِّوَايَةِ (وَقِيلَ مُطْلَقًا) الْغَلِيظَةُ وَالْخَفِيفَةُ (وَصُحِّحَ) صَحَّحَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ (وَيَغْسِلُهَا تَحْتَ خِرْقَةٍ) السُّتْرَةِ (بَعْدَ لَفِّ) خِرْقَةٍ (مِثْلِهَا عَلَى يَدَيْهِ) لِحُرْمَةِ اللَّمْسِ كَالنَّظَرِ

ــ

[رد المحتار]

إلَى أَنْ يُرْفَعَ اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْمِعْرَاجِ عَنْ الْمُنْتَقَى لَكِنْ قَالَ عَقِبَهُ أَصْحَابُنَا كَرِهُوا الْقِرَاءَةَ بَعْدَ مَوْتِهِ حَتَّى يُغَسَّلَ فَأَفَادَ حَمْلُ مَا فِي الْمُنْتَقَى عَلَى مَا قَبْلَ الْمَوْتِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّفْعِ رَفْعُ الرُّوحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ قِيلَ نَجَاسَةَ خَبَثٍ) لِأَنَّ الْآدَمِيَّ حَيَوَانٌ دَمَوِيٌّ فَيَتَنَجَّسُ بِالْمَوْتِ كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ بَدَائِعُ وَصَحَّحَهُ فِي الْكَافِي.

قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ إطْلَاقُ مُحَمَّدٍ نَجَاسَةَ غُسَالَتِهِ وَكَذَا قَوْلُهُمْ لَوْ وَقَعَ فِي بِئْرٍ قَبْلَ غُسْلِهِ نَجَّسَهَا وَكَذَا لَوْ حَمَلَ مَيِّتًا قَبْلَ غُسْلِهِ وَصَلَّى بِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَعَلَيْهِ فَإِنَّمَا يَطْهُرُ بِالْغُسْلِ كَرَامَةً لِلْمُسْلِمِ، وَلِذَا لَوْ كَانَ كَافِرًا نَجَّسَ الْبِئْرَ وَلَوْ بَعْدَ غُسْلِهِ كَمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي الطَّهَارَةِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ حَدَثٍ) يُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ أَنَّ الْأَصَحَّ كَوْنُ غُسَالَتِهِ مُسْتَعْمَلَةً، وَأَنَّ مُحَمَّدًا أَطْلَقَ نَجَاسَتَهَا لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ النَّجَاسَةِ غَالِبًا.

قُلْت: لَكِنْ يُنَافِيهِ مَا مَرَّ مِنْ الْفُرُوعِ إلَّا أَنْ يُقَالَ بِبِنَائِهَا عَلَى قَوْلِ الْعَامَّةِ. قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «سُبْحَانَ اللَّهِ إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا» فَإِنْ صَحَّتْ وَجَبَ تَرْجِيحُ أَنَّهُ لِلْحَدَثِ. اهـ.

وَقَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «لَا تُنَجِّسُوا مَوْتَاكُمْ فَإِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا» وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ فَيَتَرَجَّحُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ حَدَثٌ اهـ.

قُلْت: وَيَظْهَرُ لِي إمْكَانُ الْوُجُوبِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِنَفْيِ النَّجَاسَةِ عَنْ الْمُسْلِمِ فِي الْحَدِيثِ النَّجَاسَةُ الدَّائِمَةُ فَيَكُونُ احْتِرَازًا عَنْ الْكَافِرِ فَإِنَّ نَجَاسَتَهُ دَائِمَةٌ لَا تَزُولُ بِغُسْلِهِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ نَفْيَ النَّجَاسَةِ مُطْلَقًا لَزِمَ أَنَّهُ لَوْ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ خَارِجِيَّةٌ لَا يَنْجُسُ مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ الْوَاقِعِ فَتَعَيَّنَ مَا قُلْنَا وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِنَجَاسَتِهِ نَجَاسَةُ حَدَثٍ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ بِإِنْصَافٍ (قَوْلُهُ كَقِرَاءَةِ الْمُحْدِثِ) فَإِنَّهُ إذَا جَازَ لِلْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ الْقِرَاءَةُ فَجَوَازُهَا عِنْدَ الْمَيِّتِ الْمُحْدِثِ بِالْأَوْلَى لَكِنْ كَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ كَالْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْجُنُبِ لِأَنَّ حَدَثَ الْمَوْتِ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ فَهُوَ أَشْبَهُ بِالْجَنَابَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَنَابَةً بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ حَدَثَهُ بِسَبَبِ اسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِلِ وَزَوَالِ الْعَقْلِ قَبْلَ الْمَوْتِ فَكَانَ يَنْبَغِي اقْتِصَارُهُ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لَكِنَّ الْقِيَاسَ فِي حَدَثِ الْحَيِّ غَسْلُ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْأَعْضَاءِ لِلْحَرَجِ لِتَكَرُّرِهِ كُلَّ يَوْمٍ بِخِلَافِ الْجَنَابَةِ، وَالْمَوْتُ شَبِيهٌ بِالْجَنَابَةِ فِي أَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ فَأَخَذُوا بِالْقِيَاسِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ فَلَا حَرَجَ فِي غَسْلِ جَمِيعِ الْبَدَنِ.

[تَنْبِيهٌ]

الْحَاصِلُ أَنَّ الْمَوْتَ إنْ كَانَ حَدَثًا فَلَا كَرَاهَةَ فِي الْقِرَاءَةِ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ نَجَسًا كُرِهَتْ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُحْمَلُ مَا فِي النُّتَفِ وَعَلَى الثَّانِي مَا فِي الزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِ. وَذَكَرَ ط أَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ، أَمَّا إذَا بَعُدَ عَنْهُ بِالْقِرَاءَةِ فَلَا كَرَاهَةَ. اهـ.

قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا أَيْضًا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ مُسَجًّى بِثَوْبٍ يَسْتُرُ جَمِيعَ بَدَنِهِ لِأَنَّهُ لَوْ صَلَّى فَوْقَ نَجَاسَةٍ عَلَى حَائِلٍ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ حَصِيرٍ لَا يُكْرَهُ فِيمَا يَظْهَرُ فَكَذَا إذَا قَرَأَ عِنْدَ نَجَاسَةٍ مَسْتُورَةٍ وَكَذَا يَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْكَرَاهَةِ بِمَا إذَا قَرَأَ جَهْرًا قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: وَتُكْرَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ كَالْمُغْتَسَلِ وَالْمَخْرَجِ وَالْمَسْلَخِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَأَمَّا فِي الْحَمَّامِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ مَكْشُوفُ الْعَوْرَةِ وَكَانَ الْحَمَّامُ طَاهِرًا لَا بَأْسَ بِأَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالْقِرَاءَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَإِنْ قَرَأَ فِي نَفْسِهِ وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَلَا بَأْسَ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَإِنْ رَفَعَ صَوْتَهُ اهـ وَفِي الْقُنْيَةِ لَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مُعَدًّا لِلنَّجَاسَةِ فَإِنْ كَانَ يُكْرَهُ اهـ وَفِيهَا لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ حِذَاءَ الْبَالُوعَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ بِقُرْبِهِ. اهـ.

ص: 194

(وَيُجَرَّدُ) مِنْ ثِيَابِهِ (كَمَا مَاتَ)«وَغُسْلُهُ عليه الصلاة والسلام فِي قَمِيصِهِ» مِنْ خَوَاصِّهِ (وَيُوَضَّأُ) مَنْ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ (بِلَا مَضْمَضَةٍ وَاسْتِنْشَاقٍ)

ــ

[رد المحتار]

فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَوْضِعَ إنْ كَانَ مُعَدًّا لِلنَّجَاسَةِ كَالْمَخْرَجِ وَالْمَسْلَخِ كُرِهَتْ الْقِرَاءَةُ مُطْلَقًا، وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَجَاسَةٌ وَلَا أَحَدٌ مَكْشُوفُ الْعَوْرَةِ فَلَا كَرَاهَةَ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ فَقَطْ إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ قَرِيبَةً فَتَأَمَّلْ

(قَوْلُهُ كَمَا مَاتَ) هَذِهِ الْكَافُ الدَّاخِلَةُ عَلَى مَا تُسَمَّى كَافَ الْمُبَادَرَةِ مِثْلَ: سَلِّمْ كَمَا تَدْخُلُ كَمَا فِي الْمُغْنِي أَيْ أَنَّهُ يُوضَعُ عَلَى السَّرِيرِ عَقِبَ تَيَقُّنِ مَوْتِهِ وَقَيَّدَهُ الْقُدُورِيُّ بِمَا إذَا أَرَادُوا غُسْلَهُ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ (قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ) وَقِيلَ يُوضَعُ إلَى الْقِبْلَةِ طُولًا، وَقِيلَ: عَرْضًا كَمَا فِي الْقَبْرِ أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ مُجَمَّرٍ) أَيْ: مُبَخَّرٍ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ السَّرِيرَ يُجَمَّرُ قَبْلَ وَضْعِهِ عَلَيْهِ تَعْظِيمًا وَإِزَالَةً لِلرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ مِنْهُ نَهْرٌ (قَوْلُهُ إلَى سَبْعٍ فَقَطْ) أَيْ بِأَنْ تُدَارَ الْمُجَمَّرَةُ حَوْلَ السَّرِيرِ مَرَّةً أَوْ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، وَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا كَمَا فِي الْفَتْحِ وَالْكَافِي وَالنِّهَايَةِ، وَفِي التَّبْيِينِ لَا يُزَادُ عَلَى خَمْسَةٍ (قَوْلُهُ كَكَفَنِهِ) فَإِنَّهُ يُجَمَّرُ وِتْرًا أَيْضًا ط (قَوْلُهُ: وَعِنْدَ مَوْتِهِ) أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ سَابِقًا: وَيُحْضَرُ عِنْدَهُ الطِّيبُ ط (قَوْلُهُ: فَهِيَ ثَلَاثٌ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَجَمِيعُ مَا يُجَمَّرُ فِيهِ الْمَيِّتُ ثَلَاثٌ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ لِإِزَالَةِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، وَعِنْدَ غُسْلِهِ وَعِنْدَ تَكْفِينِهِ، وَلَا يُجَمَّرُ خَلْفَهُ، وَلَا فِي الْقَبْرِ، لِمَا رُوِيَ «لَا تَتْبَعُوا الْجِنَازَةَ بِصَوْتٍ وَلَا نَارٍ» اهـ

(قَوْلُهُ: عِبَارَةُ الزَّيْلَعِيِّ إلَخْ) أَشَارَ بِنَقْلِ الْعِبَارَتَيْنِ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ إلَى تَمَامِ غُسْلِهِ غَيْرُ قَيْدٍ لِأَنَّهُ يَطْهُرُ بِغُسْلِهِ مَرَّةً فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّمَامِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَتُسْتَرُ عَوْرَتُهُ الْغَلِيظَةُ فَقَطْ) أَيْ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ أَيْسَرُ وَبِبُطْلَانِ الشَّهْوَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَيَانٌ لِلْوَاجِبِ بِمَعْنَى أَنْ لَا يَأْثَمَ بِذَلِكَ لَا لِكَوْنِ الْمَطْلُوبِ الِاقْتِصَارَ عَلَى ذَلِكَ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ صَحَّحَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ) وَالْأَوَّلُ صَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا لَكِنْ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ «لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام لِعَلِيٍّ لَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ» لِأَنَّ مَا كَانَ عَوْرَةً لَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ؛ وَلِذَا لَا يَجُوزُ مَسُّهُ، حَتَّى لَوْ مَاتَتْ بَيْنَ رِجَالٍ أَجَانِبَ يَمَّمَهَا رَجُلٌ بِخِرْقَةٍ وَلَا يَمَسَّهَا إلَخْ، وَفِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ، وَهَذَا شَامِلٌ لِلْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ؛ لِأَنَّ عَوْرَةَ الْمَرْأَةِ لِلْمَرْأَةِ كَالرَّجُلِ لِلرَّجُلِ (قَوْلُهُ مِثْلِهَا) لَيْسَ بِقَيْدٍ فَالْمُرَادُ مَا يَمْنَعُ الْمَسَّ ط (قَوْلُهُ لِحُرْمَةِ اللَّمْسِ كَالنَّظَرِ) يُفِيدُ هَذَا التَّعْلِيلُ أَنَّ الصَّغِيرَ الَّذِي لَا عَوْرَةَ لَهُ لَا يَضُرُّ عَدَمُ سَتْرِهِ ط

(قَوْلُهُ وَيُجَرَّدُ مِنْ ثِيَابِهِ) لِيُمْكِنَهُمْ التَّنْظِيفُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْغُسْلِ هُوَ التَّطْهِيرُ لَا يَحْصُلُ مَعَ ثِيَابِهِ لِأَنَّ الثَّوْبَ مَتَى تَنَجَّسَ بِالْغُسَالَةِ تَنَجَّسَ بِهِ بَدَنُهُ ثَانِيًا بِنَجَاسَةِ الثَّوْبِ فَلَا يُفِيدُ الْغُسْلُ فَيَجِبُ التَّجْرِيدُ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى ظَاهِرِهِ (قَوْلُهُ كَمَا مَاتَ) لِأَنَّ الثِّيَابَ تُحْمَى عَلَيْهِ فَيُسْرِعُ إلَيْهِ التَّغَيُّرُ بَحْرٌ (قَوْلُهُ مِنْ خَوَاصِّهِ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد «أَنَّهُمْ قَالُوا نُجَرِّدُهُ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ نُغَسِّلُهُ فِي ثِيَابِهِ فَسَمِعُوا مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ اغْسِلُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ» قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ فَدَلَّ هَذَا أَنَّ عَادَتَهُمْ كَانَتْ تَجْرِيدَ مَوْتَاهُمْ لِلْغُسْلِ فِي زَمَنِهِ صلى الله عليه وسلم شَرْحُ الْمُنْيَةِ زَادَ فِي الْمِعْرَاجِ: وَغُسْلُهُ صلى الله عليه وسلم لَيْسَ لِلتَّطْهِيرِ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ طَاهِرًا حَيًّا وَمَيِّتًا (قَوْلُهُ وَيُوَضَّأُ مَنْ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ) خَرَجَ الصَّبِيُّ الَّذِي لَمْ يَعْقِلْ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِحَيْثُ يُصَلِّي قَالَ الْحَلْوَانِيُّ وَهَذَا التَّوْجِيهُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ إذْ يُقَالُ: إنَّ هَذَا الْوُضُوءَ سُنَّةُ الْغُسْلِ الْمَفْرُوضِ لِلْمَيِّتِ لَا تَعَلُّقَ لِكَوْنِ الْمَيِّتِ بِحَيْثُ يُصَلِّي أَوْ لَا كَمَا فِي الْمَجْنُونِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَمُقْتَضَاهُ

ص: 195

لِلْحَرَجِ، وَقِيلَ يُفْعَلَانِ بِخِرْقَةٍ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ الْيَوْمَ، وَلَوْ كَانَ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ فُعِلَا اتِّفَاقًا تَتْمِيمًا لِلطَّهَارَةِ كَمَا فِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ مُسْتَمَدًّا مِنْ شَرْحِ الْمَقْدِسِيَّ، وَيُبْدَأُ بِوَجْهِهِ وَيُمْسَحُ رَأْسُهُ (وَيُصَبُّ عَلَيْهِ مَاءٌ مُغْلَى بِسِدْرِ) وَرَقِ النَّبْقِ (أَوْ حُرْضِ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ الْأُشْنَانِ (إنْ تَيَسَّرَ، وَإِلَّا فَمَاءٌ خَالِصٌ) مُغْلًى (وَيُغْسَلُ رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ بِالْخِطْمِيِّ) نَبْتٌ بِالْعِرَاقِ (إنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَبِالصَّابُونِ وَنَحْوِهِ) هَذَا لَوْ كَانَ بِهِمَا شَعْرٌ حَتَّى لَوْ كَانَ أَمْرَدَ أَوْ أَجْرَدَ لَا يُفْعَلُ

(وَيُضْجَعُ عَلَى يَسَارِهِ) لِيُبْدَأَ بِيَمِينِهِ (فَيُغْسَلُ حَتَّى يَصِلَ الْمَاءُ

ــ

[رد المحتار]

أَنَّهُ لَا كَلَامَ فِي أَنَّ الْمَجْنُونَ يُوَضَّأُ، وَأَنَّ الصَّبِيَّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ الصَّلَاةَ يُوَضَّأُ أَيْضًا عَلَى خِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ تَوْجِيهُ الْحَلْوَانِيِّ مِنْ أَنَّهُمَا لَا يُوَضَّآنِ (قَوْلُهُ لِلْحَرَجِ) إذْ لَا يُمْكِنُ إخْرَاجُ الْمَاءِ، أَوْ يَعْسُرُ فَيُتْرَكَانِ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ: بِخِرْقَةٍ) أَيْ يَجْعَلُهَا الْغَاسِلُ فِي أُصْبُعِهِ يَمْسَحُ بِهَا أَسْنَانَهُ وَلَهَاتَهُ وَلَثَتَهُ وَيُدْخِلُهَا مَنْخَرَهُ أَيْضًا بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ الْيَوْمَ) قَائِلُهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ كَمَا فِي الْإِمْدَادِ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ جُنُبًا إلَخْ) نَقَلَ أَبُو السُّعُودِ عَنْ شَرْحِ الْكَنْزِ لِلشَّلَبِيِّ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْخَلْخَالِيُّ أَيْ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ مِنْ أَنَّ الْجُنُبَ يُمَضْمَضُ وَيُسْتَنْشَقُ غَرِيبٌ مُخَالِفٌ لِعَامَّةِ الْكُتُبِ. اهـ.

قُلْت: وَقَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْضًا فِي حَاشِيَةِ الْبَحْرِ: إطْلَاقُ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ وَالْفَتَاوَى يَشْمَلُ مَنْ مَاتَ جُنُبًا وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ لَكِنْ الْإِطْلَاقُ يَدْخُلُهُ، وَالْعِلَّةُ تَقْتَضِيهِ اهـ وَمَا نَقَلَهُ أَبُو السُّعُودِ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ مِنْ قَوْلِهِ: بِلَا مَضْمَضَةٍ وَاسْتِنْشَاقٍ وَلَوْ جُنُبًا صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ لَكِنِّي لَمْ أَرَهُ فِي الزَّيْلَعِيِّ (قَوْلُهُ اتِّفَاقًا) لَمْ أَجِدْهُ فِي الْإِمْدَادِ وَلَا فِي شَرْحِ الْمَقْدِسِيَّ (قَوْلُهُ وَيَبْدَأُ بِوَجْهِهِ) أَيْ لَا يُغَسِّلُ يَدَيْهِ أَوَّلًا إلَى الرُّسْغَيْنِ كَالْجُنُبِ لِأَنَّ الْجُنُبَ يُغَسِّلُ نَفْسَهُ بِيَدَيْهِ فَيَحْتَاجُ إلَى تَنْظِيفِهِمَا أَوَّلًا وَالْمَيِّتُ يُغَسَّلُ بِيَدِ الْغَاسِلِ (قَوْلُهُ وَيَمْسَحُ رَأْسَهُ) أَيْ فِي الْوُضُوءِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَالْجُنُبِ بَحْرٌ.

[تَنْبِيهٌ]

لَمْ يَذْكُرْ الِاسْتِنْجَاءَ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ. فَعِنْدَهُمَا يُسْتَنْجَى، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا. وَصُورَتُهُ أَنْ يَلُفَّ الْغَاسِلُ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً، وَيَغْسِلَ السَّوْأَةَ لِأَنَّ مَسَّهَا حَرَامٌ كَالنَّظَرِ جَوْهَرَةٌ (قَوْلُهُ مُغْلًى) بِضَمِّ الْمِيمِ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ الْإِغْلَاءِ لَا مِنْ الْغَلْيِ وَالْغَلَيَانِ لِأَنَّهُ لَازِمٌ وَاسْمُ الْمَفْعُولِ إنَّمَا يُبْنَى مِنْ الْمُتَعَدِّي ح وَإِنَّمَا طُلِبَ تَسْخِينُهُ مُبَالَغَةً فِي التَّنْظِيفِ (قَوْلُهُ وَرَقِ النَّبْقِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا وَبِسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَكَتْفٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْقَامُوسِ. وَفِي التَّذْكِرَةِ السِّدْرُ شَجَرٌ مَعْرُوفٌ وَثَمَرُهُ هُوَ النَّبْقُ وَسَحِيقُ وَرَقِهِ يَلْحُمُ الْجِرَاحَ وَيُقْلِعُ الْأَوْسَاخَ وَيُنَقِّي الْبَشَرَةَ وَيُنَعِّمُهَا وَيَشُدُّ الشَّعْرَ. وَمِنْ خَوَاصِّهِ أَنَّهُ يَطْرُدُ الْهَوَامَّ وَيَشُدُّ الْعَصَبَ وَيَمْنَعُ الْمَيِّتَ مِنْ الْبَلَاءِ. اهـ. وَفِي الْقَامُوسِ أَيْضًا النَّبْقُ: حَمْلُ السِّدْرِ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ السِّدْرَ هُوَ الشَّجَرُ وَالنَّبْقَ الثَّمَرُ فَإِضَافَةُ الْوَرَقِ إلَى النَّبْقِ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَتَفْسِيرُ السِّدْرِ بِالْوَرَقِ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ مِنْهُ فَالْأَحْسَنُ فِي التَّعْبِيرِ قَوْلُ الْمِعْرَاجِ: السِّدْرُ شَجَرَةُ النَّبْقِ، وَالْمُرَادُ وَرَقُهُ. اهـ. (قَوْلُهُ فَسُكُونٍ) فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ: أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الرَّاءِ السُّكُونُ وَالضَّمُّ كَمَا فِي الصِّحَاحِ (قَوْلُهُ: الْأُشْنَانُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَقَيَّدَهُ الْكَمَالُ وَغَيْرُهُ بِغَيْرِ الْمَطْحُونِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَمَاءٌ خَالِصٌ مُغْلًى) أَيْ إغْلَاءً وَسَطًا لِأَنَّ الْمَيِّتَ يَتَأَذَّى بِمَا يَتَأَذَّى بِهِ الْحَيُّ ط وَأَفَادَ كَلَامُهُ أَنَّ الْحَارَّ أَفْضَلُ سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ وَسَخٌ أَوْ لَا نَهْرٌ (قَوْلُهُ بِالْخِطْمِيِّ) فِي الْمِصْبَاحِ أَنَّهُ مُشَدَّدُ الْيَاءِ وَكَسْرُ الْخَاءِ أَكْثَرُ مِنْ الْفَتْحِ (قَوْلُهُ نَبْتٌ بِالْعِرَاقِ) طَيِّبُ الرَّائِحَةِ يَعْمَلُ عَمَلَ الصَّابُونِ نَهْرٌ (قَوْلُهُ هَذَا إلَخْ) الْإِشَارَةُ إلَى قَوْلِهِ وَيَغْسِلَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ بِالْخِطْمِيِّ إلَخْ

(قَوْلُهُ: وَيُضْجَعُ إلَخْ) هَذَا أَوَّلُ الْغُسْلِ الْمُرَتَّبِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَصُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ مُغْلًى إلَخْ وَقَوْلُهُ وَإِلَّا فَالْقَرَاحُ وَقَوْلُهُ وَغَسَّلَ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ يُفْعَلُ قَبْلَ التَّرْتِيبِ الْآتِي، وَعِبَارَةُ الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ: وَيُفْعَلُ هَذَا قَبْلَ التَّرْتِيبِ الْآتِي لِيَبْتَلَّ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّرَنِ. اهـ. ط.

قُلْت: لَكِنَّ صَرِيحَ الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ قَوْلَهُ وَصُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ مُغْلًى إلَخْ لَيْسَ خَارِجًا عَنْ هَذِهِ الْغَسَلَاتِ الثَّلَاثِ الْآتِيَةِ بَلْ هُوَ إجْمَالٌ لِبَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْمَاءِ: أَيْ لِبَيَانِ الْمَاءِ الَّذِي يُغَسَّلُ بِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُ مُغْلًى بِسِدْرٍ لَا بَارِدًا وَلَا

ص: 196

إلَى مَا يَلِي التَّخْتَ مِنْهُ ثُمَّ عَلَى يَمِينِهِ كَذَلِكَ ثُمَّ يُجْلَسُ مُسْنَدًا) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (إلَيْهِ وَيُمْسَحُ بَطْنُهُ رَفِيقًا وَمَا خَرَجَ مِنْهُ يُغَسِّلُهُ ثُمَّ) بَعْدَ إقْعَادِهِ (يُضْجِعُهُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ وَيَغْسِلُهُ) وَهَذِهِ غَسْلَةٌ (ثَالِثَةٌ) لِيَحْصُلَ الْمَسْنُونُ (وَيَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ عِنْدَ كُلِّ اضْطِجَاعٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) لِمَا مَرَّ (وَإِنْ زَادَ عَلَيْهَا أَوْ نَقَصَ جَازَ) إذْ الْوَاجِبُ مَرَّةً (وَلَا يُعَادُ غُسْلُهُ وَلَا وُضُوءُهُ بِالْخَارِجِ مِنْهُ) لِأَنَّ غُسْلَهُ مَا وَجَبَ لِرَفْعِ الْحَدَثِ لِبَقَائِهِ بِالْمَوْتِ بَلْ لِتَنَجُّسِهِ بِالْمَوْتِ كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الدَّمَوِيَّةِ إلَّا أَنَّ الْمُسْلِمَ يَطْهُرُ بِالْغُسْلِ كَرَامَةً لَهُ وَقَدْ حَصَلَ بَحْرٌ وَشَرْحُ مَجْمَعٍ.

(وَيُنَشَّفُ فِي ثَوْبٍ وَيُجْعَلُ الْحَنُوطُ) وَهُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ (الْعِطْرُ الْمُرَكَّبُ مِنْ الْأَشْيَاءِ الطَّيِّبَةِ غَيْرِ زَعْفَرَانٍ وَوَرْسٍ) لِكَرَاهَتِهِمَا لِلرِّجَالِ، وَجَعْلُهُمَا فِي الْكَفَنِ جَهْلٌ (عَلَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ) نَدْبًا (وَالْكَافُورُ عَلَى مَسَاجِدِهِ) كَرَامَةً لَهَا

(وَلَا يُسَرَّحُ شَعْرُهُ)

ــ

[رد المحتار]

قَرَاحًا، وَكَذَا قَالَ فِي الْفَتْحِ وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْوُضُوءِ غَسَّلَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ بِالْخِطْمِيِّ ثُمَّ يُضْجِعُهُ إلَخْ وَمِثْلُهُ فِي الْجَوْهَرَةِ. نَعَمْ اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ وَهُوَ أَنَّهُ فِي الْهِدَايَةِ لَمْ يَفْصِلْ فِي الْغَسَلَاتِ بَيْنَ الْقَرَاحِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْحَاكِمِ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْأُولَى بِالْقَرَاحِ أَيْ الْمَاءِ الْخَالِصِ، وَالثَّانِيَةُ بِالْمُغْلَى فِيهِ سِدْرٌ، وَالثَّالِثَةُ بِاَلَّذِي بِهِ كَافُورٌ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَالْأَوْلَى كَوْنُ الْأُولَيَيْنِ بِالسِّدْرِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْهِدَايَةِ لِمَا فِي أَبِي دَاوُد بِسَنَدٍ صَحِيحٍ " أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ تُغَسِّلُ بِالسِّدْرِ مَرَّتَيْنِ وَالثَّالِثَ بِالْمَاءِ وَالْكَافُورِ "(قَوْلُهُ إلَى مَا يَلِي التَّخْتَ مِنْهُ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ السَّرِيرَ وَمِنْهُ بَيَانٌ لِمَا، وَالْمُرَادُ بِهِ الْجَانِبُ الْأَسْفَلُ وَكَأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ جَانِبُ الرِّجْلَيْنِ وَجَوَّزَ الْعَيْنِيُّ التَّحْتَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَلَا يَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَالْإِعْرَابِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ كَذَلِكَ) بِأَنْ يُغَسِّلَهُ إلَى أَنْ يَصِلَ الْمَاءُ إلَى مَا يَلِي التَّخْتَ مِنْهُ وَهُوَ الْجَانِبُ الْأَيْسَرُ وَهَذِهِ غَسْلَةٌ ثَانِيَةٌ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ. وَأَفَادَ أَنَّهُ لَا يَكُبُّ عَلَى وَجْهِهِ لِيَغْسِلَ ظَهْرَهُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ عَنْ غَايَةِ السُّرُوجِيِّ (قَوْلُهُ رَفِيقًا) أَيْ مَسْحًا بِرِفْقٍ (قَوْلُهُ وَمَا خَرَجَ مِنْهُ يَغْسِلُهُ) أَيْ تَنْظِيفًا لَهُ بَحْرٌ. قَالَ الرَّمْلِيُّ: أَيْ لَا شَرْطًا حَتَّى لَوْ صُلِّيَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ غُسْلِهِ جَازَ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُتَوَقَّفُ فِيهِ اهـ وَفِي الْأَحْكَامِ عَنْ الْمُحِيطِ يُمْسَحُ مَا سَالَ وَيُكَفَّنُ. وَفِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لِلْحَسَنِ إذَا سَالَ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّنَ غُسِّلَ وَبَعْدَهُ لَا. اهـ.

قُلْت: وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي بَحْثِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ لِيَحْصُلَ الْمَسْنُونُ) وَهُوَ تَثْلِيثُ الْغَسَلَاتِ الْمُسْتَوْعِبَاتِ جَسَدَهُ إمْدَادٌ (قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ لِيَحْصُلَ الْمَسْنُونُ ط (قَوْلُهُ وَإِنْ زَادَ) أَيْ عِنْدَ الْحَاجَةِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وِتْرًا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ شَرْحُ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ جَازَ) أَيْ صَحَّ وَكُرِهَ بِلَا حَاجَةٍ لِأَنَّهُ إسْرَافٌ أَوْ تَقْتِيرٌ (قَوْلُهُ وَلَا يُعَادُ غُسْلُهُ) بِضَمِّ الْغَيْنِ قِيلَ، وَبِالْفَتْحِ أَيْضًا، وَقِيلَ إنْ أُضِيفَ إلَى الْمَغْسُولِ أَيْ كَالثَّوْبِ مَثَلًا فُتِحَ وَإِلَى غَيْرِهِ ضُمَّ نَهْرٌ (قَوْلُهُ لِبَقَائِهِ بِالْمَوْتِ) أَيْ لِأَنَّ الْمَوْتَ حَدَثٌ كَالْخَارِجِ فَلَمَّا لَمْ يُؤَثِّرْ الْمَوْتُ فِي الْوُضُوءِ وَهُوَ مَوْجُودٌ لَمْ يُؤَثِّرْ الْخَارِجُ بَحْرٌ وَلِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ التَّكْلِيفِ بِنَقْضِ الطَّهَارَةِ شَرْحُ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ: بَلْ لِتَنَجُّسِهِ بِالْمَوْتِ) قَدَّمْنَا الْكَلَامَ فِيهِ قَرِيبًا (قَوْلُهُ: وَقَدْ حَصَلَ) أَيْ الْغُسْلُ وَبِطُرُوِّ النَّجَاسَةِ بَعْدَهُ لَا يُعَادُ بَلْ يُغْسَلُ مَوْضِعُهَا

(قَوْلُهُ وَيُنَشَّفُ فِي ثَوْبٍ) أَيْ كَيْ لَا تَبْتَلَّ أَكْفَانُهُ وَهُوَ طَاهِرٌ كَالْمِنْدِيلِ الَّذِي يَمْسَحُ بِهِ الْحَيُّ بَحْرٌ (قَوْلُهُ نَدْبًا) رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ وَيُجْعَلُ وَالْأَوْلَى ذِكْرُهُ بِلَصْقِهِ ط (قَوْلُهُ عَلَى مَسَاجِدِهِ) مَوَاضِعِ سُجُودِهِ جَمْعُ مَسْجَدٍ بِالْفَتْحِ لَا غَيْرُهُ وَهُوَ الْجَبْهَةُ وَالْأَنْفُ وَالْيَدَانِ وَالرُّكْبَتَانِ وَالْقَدَمَانِ فَتْحٌ وَسَوَاءٌ فِيهِ الْمُحْرِمُ وَغَيْرُهُ فَيُطَيَّبُ وَيُغَطَّى رَأْسُهُ إمْدَادٌ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة (قَوْلُهُ كَرَامَةً لَهَا) فَإِنَّهُ كَانَ يَسْجُدُ بِهَذِهِ

ص: 197

أَيْ يُكْرَهُ تَحْرِيمًا (وَلَا يُقَصُّ ظُفْرُهُ) إلَّا الْمَكْسُورُ (وَلَا شَعْرُهُ) وَلَا يُخْتَنُ، وَلَا بَأْسَ بِجَعْلِ الْقُطْنِ عَلَى وَجْهِهِ، وَفِي مَخَارِقِهِ كَدُبُرٍ وَقُبُلٍ وَأُذُنٍ وَفَمٍ، وَيُوضَعُ يَدَاهُ فِي جَانِبَيْهِ لَا عَلَى صَدْرِهِ لِأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ الْكُفَّارِ ابْنُ مَالِكٍ

(وَيُمْنَعُ زَوْجُهَا مِنْ غُسْلِهَا وَمَسِّهَا لَا مِنْ النَّظَرِ إلَيْهَا عَلَى الْأَصَحِّ) مُنْيَةٌ.

وَقَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ: يَجُوزُ لِأَنَّ عَلِيًّا غَسَّلَ فَاطِمَةَ رضي الله عنها.

قُلْنَا: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ إلَّا سَبَبِي وَنَسَبِي» مَعَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ أَنْكَرَ عَلَيْهِ شَرْحُ الْمَجْمَعِ لِلْعَيْنِيِّ (وَهِيَ لَا تُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ)

ــ

[رد المحتار]

الْأَعْضَاءِ فَتَخْتَصُّ بِزِيَادَةِ كَرَامَةٍ، وَصِيَانَةً لَهَا عَنْ سُرْعَةِ الْفَسَادِ دُرَرٌ

(قَوْلُهُ: أَيْ يُكْرَهُ تَحْرِيمًا) لِمَا فِي الْقُنْيَةِ مِنْ أَنَّ التَّزْيِينَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَالِامْتِشَاطَ وَقَطْعَ الشَّعْرِ لَا يَجُوزُ نَهْرٌ، فَلَوْ قُطِعَ ظُفْرُهُ أَوْ شَعْرُهُ أُدْرِجَ مَعَهُ فِي الْكَفَنِ قُهُسْتَانِيٌّ عَنْ الْعَتَّابِيِّ (قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ إلَخْ) كَذَا فِي الزَّيْلَعِيِّ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَلَيْسَ فِي الْغُسْلِ اسْتِعْمَالُ الْقُطْنِ فِي الرِّوَايَاتِ الظَّاهِرَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُجْعَلُ فِي مَنْخِرَيْهِ وَفَمِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي صِمَاخِهِ أَيْضًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي دُبُرِهِ أَيْضًا قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ: وَاسْتَقْبَحَهُ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ اهـ لَكِنْ فِي الْحِلْيَةِ أَنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ فَإِطْلَاقُ أَنَّهُ قَبِيحٌ لَيْسَ بِصَحِيحٍ. اهـ.

(قَوْلُهُ وَيُمْنَعُ زَوْجُهَا إلَخْ) أَشَارَ إلَى مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْغَاسِلِ أَنْ يَحِلَّ لَهُ النَّظَرُ إلَى الْمَغْسُولِ فَلَا يُغَسِّلُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَبِالْعَكْسِ. اهـ. وَسَيَأْتِي مَا إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ بَيْنَ رِجَالٍ أَوْ بِالْعَكْسِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْغُسْلِ أَوْ لِجَوَازِهِ لَا لِصِحَّتِهِ (قَوْلُهُ لَا مِنْ النَّظَرِ إلَيْهِمَا عَلَى الْأَصَحِّ) عَزَاهُ فِي الْمِنَحِ إلَى الْقُنْيَةِ، وَنَقَلَ عَنْ الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِلْمَرْأَةِ مَحْرَمٌ يَمَّمَهَا بِيَدِهِ وَأَمَّا الْأَجْنَبِيُّ فَبِخِرْقَةٍ عَلَى يَدِهِ وَيَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْ ذِرَاعِهَا وَكَذَا الرَّجُلُ فِي امْرَأَتِهِ إلَّا فِي غَضِّ الْبَصَرِ اهـ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ النَّظَرَ أَخَفُّ مِنْ الْمَسِّ فَجَازَ لِشُبْهَةِ الِاخْتِلَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ قُلْنَا إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِمُصَنِّفِهِ فَاطِمَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - غَسَّلَتْهَا أُمُّ أَيْمَنَ حَاضِنَتُهُ صلى الله عليه وسلم وَرَضِيَ عَنْهَا فَتُحْمَلُ رِوَايَةُ الْغُسْلِ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى مَعْنَى التَّهْيِئَةِ وَالْقِيَامِ التَّامِّ بِأَسْبَابِهِ، وَلَئِنْ ثَبَتَتْ الرِّوَايَةُ فَهُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ، أَلَا تَرَى «أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه لَمَّا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَجَابَهُ بِقَوْلِهِ: أَمَا عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إنَّ فَاطِمَةَ زَوْجَتُك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» فَادِّعَاؤُهُ الْخُصُوصِيَّةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَهُمْ عَدَمُ الْجَوَازِ اهـ. مَطْلَبٌ فِي حَدِيثِ «كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ مُنْقَطِعٌ إلَّا سَبَبِي وَنَسَبِي»

قُلْت: وَيَدُلُّ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ أَيْضًا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَفَسَّرَ بَعْضُهُمْ السَّبَبَ فِيهِ بِالْإِسْلَامِ وَالتَّقْوَى، وَالنَّسَبَ بِالِانْتِسَابِ وَلَوْ بِالْمُصَاهَرَةِ وَالرَّضَاعِ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ الْأَوْلَى كَوْنُ الْمُرَادِ بِالسَّبَبِ الْقَرَابَةَ السَّبَبِيَّةَ كَالزَّوْجِيَّةِ وَالْمُصَاهَرَةِ وَبِالنَّسَبِ الْقَرَابَةَ النَّسَبِيَّةَ لِأَنَّ سَبَبِيَّةَ الْإِسْلَامِ وَالتَّقْوَى لَا تَنْقَطِعُ عَنْ أَحَدٍ فَبَقِيَتْ الْخُصُوصِيَّةُ فِي سَبَبِهِ وَنَسَبِهِ صلى الله عليه وسلم وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: فَتَزَوَّجْت أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ لِذَلِكَ.

وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ} [المؤمنون: 101] فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ نَسَبِهِ صلى الله عليه وسلم النَّافِعِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَمَّا حَدِيثُ «لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا» أَيْ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ إلَّا إنْ مَلَّكَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ يَنْفَعُ الْأَجَانِبَ بِشَفَاعَتِهِ لَهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَذَا الْأَقَارِبُ وَتَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي رِسَالَتِنَا [الْعِلْمِ الظَّاهِرِ فِي نَفْعِ النَّسَبِ الطَّاهِرِ](قَوْلُهُ وَهِيَ لَا تُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ تَغْسِيلِ زَوْجِهَا دَخَلَ بِهَا أَوْ لَا كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُجْتَبَى.

ص: 198

وَلَوْ ذِمِّيَّةً بِشَرْطِ بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ (بِخِلَافِ أُمِّ الْوَلَدِ) وَالْمُدَبَّرَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ فَلَا يُغَسِّلُونَهُ وَلَا يُغَسِّلُهُنَّ عَلَى الْمَشْهُورِ مُجْتَبَى.

(وَالْمُعْتَبَرُ) فِي الزَّوْجِيَّةِ (صَلَاحِيَّتُهَا لِغُسْلِهِ حَالَةَ الْغُسْلِ لَا) حَالَةَ (الْمَوْتِ فَتُمْنَعُ مِنْ غُسْلِهِ لَوْ) بَانَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ (ارْتَدَّتْ بَعْدَهُ) ثُمَّ أَسْلَمَتْ (أَوْ مَسَّتْ ابْنَهُ بِشَهْوَةٍ) لِزَوَالِ النِّكَاحِ (وَجَازَ لَهَا) غُسْلُهُ (لَوْ أَسْلَمَ) زَوْجُ الْمَجُوسِيَّةِ (فَمَاتَ فَأَسْلَمَتْ) بَعْدَهُ لِحِلِّ مَسِّهَا حِينَئِذٍ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْحَيَاةِ.

(وُجِدَ رَأْسُ آدَمِيٍّ) أَوْ أَحَدُ شِقَّيْهِ (لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) بَلْ يُدْفَنُ إلَّا أَنْ يُوجَدَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ وَلَوْ بِلَا رَأْسٍ

(وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُغَسَّلَ) الْمَيِّتُ (مَجَّانًا، فَإِنْ ابْتَغَى الْغَاسِلُ الْأَجْرَ جَازَ إنْ كَانَ ثَمَّةَ غَيْرُهُ وَإِلَّا لَا) لِتَعَيُّنِهِ عَلَيْهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْحَمَّالِ وَالْحَفَّارِ كَذَلِكَ سِرَاجٌ

(وَإِنْ غَسَّلَ) الْمَيِّتَ (بِغَيْرِ نِيَّةٍ أَجْزَأَ) أَيْ لِطَهَارَتِهِ لَا لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ عَنْ ذِمَّةِ الْمُكَلَّفِينَ

ــ

[رد المحتار]

قُلْت: أَيْ لِأَنَّهَا تَلْزَمُهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ، وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَفِي الْبَدَائِعِ: الْمَرْأَةُ تُغَسِّلُ زَوْجَهَا؛ لِأَنَّ إبَاحَةَ الْغُسْلِ مُسْتَفَادَةٌ بِالنِّكَاحِ، فَتَبْقَى مَا بَقِيَ النِّكَاحُ، وَالنِّكَاحُ بَعْدَ الْمَوْتِ بَاقٍ إلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَتْ فَلَا يُغَسِّلُهَا لِانْتِهَاءِ مِلْكِ النِّكَاحِ لِعَدَمِ الْمَحَلِّ فَصَارَ أَجْنَبِيًّا، وَهَذَا إذَا لَمْ تَثْبُتْ الْبَيْنُونَةُ بَيْنَهُمَا فِي حَالِ حَيَاةِ الزَّوْجِ، فَإِنْ ثَبَتَتْ بِأَنْ طَلَّقَهَا بَائِنًا، أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ مَاتَ لَا تُغَسِّلُهُ لِارْتِفَاعِ الْمِلْكِ بِالْإِبَانَةِ إلَخْ.

(قَوْلُهُ وَلَوْ ذِمِّيَّةً) الْأَوْلَى، وَلَوْ كِتَابِيَّةً لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمَجُوسِيَّةِ إذَا أَسْلَمَ زَوْجُهَا فَمَاتَ لَا تُغَسِّلُهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ إلَّا إذَا أَسْلَمَتْ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: بِشَرْطِ بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ) أَيْ إلَى وَقْتِ الْغُسْلِ، وَيَأْتِي مُحْتَرَزُهُ (قَوْلُهُ فَلَا يُغَسِّلُونَهُ) تَبِعَ فِيهِ النَّهْرَ وَالصَّوَابُ يُغَسِّلْنَهُ ط، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَا يَبْقَى فِيهَا الْمِلْكُ بِبَقَاءِ الْعِدَّةِ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا يَمِينٌ، وَهِيَ تُعْتَقُ بِمَوْتِهِ، وَالْحُرِّيَّةُ تُنَافِي مِلْكَ الْيَمِينِ، بِخِلَافِ الْمَنْكُوحَةِ الْمُعْتَدَّةِ فَإِنَّ حُرِّيَّتَهَا لَا تُنَافِي مِلْكَ النِّكَاحِ حَالَ الْحَيَاةِ، وَأَمَّا الْمُدَبَّرَةُ فَلِأَنَّهَا تُعْتَقُ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا فَلَا تُغَسِّلُهُ بِالْأَوْلَى وَكَذَا الْأَمَةُ لِأَنَّهَا زَالَتْ عَنْ مِلْكِهِ بِالْمَوْتِ إلَى الْوَرَثَةِ وَلَا يُبَاحُ لِأَمَةِ الْغَيْرِ مَسُّ عَوْرَتِهِ بَدَائِعُ مُلَخَّصًا، وَأَمَّا الْمُكَاتَبَةُ فَلِأَنَّهَا صَارَتْ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ حُرَّةً يَدًا حَالًا، وَرَقَبَةً مَآلًا أَيْ عِنْدَ الْأَدَاءِ وَلِذَا حُرِّمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا فِي حَيَاتِهِ وَغَرِمَ عُقْرَهَا كَمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى (قَوْلُهُ: وَلَا يُغَسِّلُهُنَّ) لِأَنَّ الْمِلْكَ يَبْطُلُ بِمَوْتِ مَحَلِّهِ (قَوْلُهُ فِي الزَّوْجِيَّةِ) لَمْ يَظْهَرْ وَجْهٌ فِي تَقْدِيرِ الشَّارِحِ الزَّوْجِيَّةَ كَمَا قَالَ ح: وَقَالَ ط: صَوَابُهُ فِي الزَّوْجَةِ لِأَنَّ الصَّلَاحِيَةَ لِلزَّوْجَةِ لَا لِلزَّوْجِيَّةِ اهـ وَالْأَحْسَنُ التَّعْبِيرُ بِمَا فِي الْمِعْرَاجِ وَالْبَحْرِ وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الزَّوْجِيَّةِ عِنْدَ الْغُسْلِ، وَبِهِ يَظْهَرُ التَّفْرِيعُ بِمَا زَادَهُ الشَّارِحُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَانَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ) أَيْ بِأَيِّ سَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ بِرِدَّتِهَا أَوْ بِتَمْكِينِهَا ابْنَهُ أَوْ طَلَاقٍ فَإِنَّهَا لَا تُغَسِّلُهُ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ فَتْحٌ أَيْ لِعَدَمِ بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ عِنْدَ الْغُسْلِ، وَلَا عِنْدَ الْمَوْتِ. وَاحْتَرَزَ عَمَّا لَوْ طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا ثُمَّ مَاتَ فِي عِدَّتِهَا فَإِنَّهَا تُغَسِّلُهُ لِأَنَّهُ لَا يُزِيلُ مِلْكَ النِّكَاحِ بَدَائِعُ (قَوْلُهُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ مَوْتِهِ (قَوْلُهُ لِزَوَالِ النِّكَاحِ) لِأَنَّ النِّكَاحَ كَانَ قَائِمًا بَعْدَ الْمَوْتِ فَارْتَفَعَ بِالرِّدَّةِ وَبِالْمَسِّ بِشَهْوَةٍ الْمُوجِبِ تَحْرِيمَ الْمَمْسُوسَةِ عَلَى أُصُولِ الْمَاسِّ وَفُرُوعِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُعْتَبَرُ بَقَاءَ الزَّوْجِيَّةِ حَالَةَ الْمَوْتِ كَمَا قَالَ بِهِ زُفَرُ لَجَازَ لَهَا تَغْسِيلُهُ (قَوْلُهُ وَجَازَ لَهَا إلَخْ) الْأَوْلَى فِي حِلِّ التَّرْكِيبِ أَنْ يَقُولَ: وَجَازَ لِامْرَأَةِ الْمَجُوسِيِّ تَغْسِيلُهُ لَوْ أَسْلَمَ إلَخْ ح (قَوْلُهُ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْحَيَاةِ) فَإِنَّهُ لَوْ أَسْلَمَتْ بَعْدَهُ وَكَانَ حَيًّا يَبْقَى النِّكَاحُ وَيَحِلُّ الْمَسُّ فَكَذَا إذَا أَسْلَمَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ

(قَوْلُهُ وَلَوْ بِلَا رَأْسٍ) وَكَذَا يُغَسَّلُ لَوْ وُجِدَ النِّصْفُ مَعَ الرَّأْسِ بَحْرٌ

(قَوْلُهُ لِتَعَيُّنِهِ عَلَيْهِ) أَيْ لِأَنَّهُ صَارَ وَاجِبًا عَلَيْهِ عَيْنًا، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ كَالْمَعْصِيَةِ، وَفِيهِ أَنَّ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَأَجَازَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ

ص: 199

(وَ) لِذَا قَالَ (لَوْ وُجِدَ مَيِّتٌ فِي الْمَاءِ فَلَا بُدَّ مِنْ غُسْلِهِ ثَلَاثًا) لِأَنَّا أُمِرْنَا بِالْغُسْلِ فَيُحَرِّكُهُ فِي الْمَاءِ بِنِيَّةِ الْغُسْلِ ثَلَاثًا فَتْحٌ وَتَعْلِيلُهُ يُفِيدُ أَنَّهُمْ لَوْ صَلَّوْا عَلَيْهِ بِلَا إعَادَةِ غُسْلِهِ صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يَسْقُطْ وُجُوبُهُ عَنْهُمْ فَتَدَبَّرْ. وَفِي الِاخْتِيَارِ الْأَصْلُ فِيهِ تَغْسِيلُ الْمَلَائِكَةِ لِآدَمَ عليه السلام وَقَالُوا لِوَلَدِهِ هَذِهِ سُنَّةُ مَوْتَاكُمْ.

[فُرُوعٌ] لَوْ لَمْ يُدْرَ أَمُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ، وَلَا عَلَامَةَ فَإِنْ فِي دَارِنَا غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَإِلَّا لَا. اخْتَلَطَ مَوْتَانَا بِكُفَّارٍ وَلَا عَلَامَةَ

ــ

[رد المحتار]

لِلضَّرُورَةِ كَمَا بُيِّنَ فِي مَحَلِّهِ، وَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ الْجَوَازِ هُنَا، وَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ طَاعَةٌ تَعَيَّنَ أَوْ لَا وَلَا يَخْتَصُّ عَدَمُ الْجَوَازِ بِالْوَاجِبِ، نَعَمْ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْوَاجِبِ غَيْرُ جَائِزٍ اتِّفَاقًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقُهُسْتَانِيُّ فِي الْإِجَارَاتِ، وَعِبَارَةُ الْفَتْحِ وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى غُسْلِ الْمَيِّتِ وَيَجُوزُ عَلَى الْحَمْلِ وَالدَّفْنِ وَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ فِي الْغُسْلِ أَيْضًا اهـ فَلْيُتَأَمَّلْ

(قَوْلُهُ: وَلِذَا) أَيْ لِكَوْنِ النِّيَّةِ لَيْسَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ الطَّهَارَةِ بَلْ شَرْطٌ لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ عَنْ الْمُكَلَّفِينَ (قَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ) أَيْ فِي تَحْصِيلِ الْغُسْلِ الْمَسْنُونِ، وَإِلَّا فَالشَّرْطُ مَرَّةً، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ بِلَا بُدَّ إلَى أَنَّهُ بِوُجُودِهِ فِي الْمَاءِ لَمْ يَسْقُطْ غُسْلُهُ الْمَسْنُونُ فَضْلًا عَنْ الشَّرْطِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَتَعْلِيلُهُ) أَيْ تَعْلِيلُ الْفَتْحِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّا أُمِرْنَا إلَخْ أَيْ وَلَمْ يَقُلْ فِي التَّعْلِيلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَطْهُرْ ط. [تَنْبِيهٌ]

اعْلَمْ أَنَّ حَاصِلَ الْكَلَامِ فِي الْمَقَامِ أَنَّهُ قَالَ فِي التَّجْنِيسِ: وَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ فِي غُسْلِهِ فِي الظَّاهِرِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ: إذَا جَرَى الْمَاءُ عَلَى الْمَيِّتِ، أَوْ أَصَابَهُ الْمَطَرُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَنُوبُ عَنْ الْغُسْلِ لِأَنَّا أُمِرْنَا بِالْغُسْلِ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِغُسْلٍ وَفِي النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ إلَّا أَنْ يُحَرِّكَهُ بِنِيَّةِ الْغُسْلِ، وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمَاءَ مُزِيلٌ بِطَبْعِهِ وَكَمَا لَا تَجِبُ النِّيَّةُ فِي غُسْلِ الْحَيِّ فَكَذَا الْمَيِّتُ؛ وَلِذَا قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: مَيِّتٌ غَسَّلَهُ أَهْلُهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْغُسْلِ أَجْزَأَهُمْ ذَلِكَ اهـ.

وَصَرَّحَ فِي التَّجْرِيدِ والإسبيجابي وَالْمِفْتَاحِ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهَا أَيْضًا وَوَفَّقَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِقَوْلِهِ: الظَّاهِرُ اشْتِرَاطُهَا فِيهِ لِإِسْقَاطِ وُجُوبِهِ عَنْ الْمُكَلَّفِ لَا لِتَحْصِيلِ طَهَارَتِهِ هُوَ وَشَرْطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ. اهـ.

وَبَحَثَ فِيهِ شَارِحُ الْمُنْيَةِ بِأَنَّ مَا مَرَّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ يُفِيدُ أَنَّ الْفَرْضَ فِعْلُ الْغُسْلِ مِنَّا، حَتَّى لَوْ غَسَّلَهُ لِتَعْلِيمِ الْغَيْرِ كَفَى وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُفِيدُ اشْتِرَاطَ النِّيَّةِ لِإِسْقَاطِ الْوُجُوبِ بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ بِتَرْكِهَا. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ مَا وَجَبَ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَفْعَالِ الْحِسِّيَّةِ يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ لَا إيجَادُهُ كَالسَّعْيِ وَالطَّهَارَةِ نَعَمْ لَا يَنَالُ ثَوَابَ الْعِبَادَةِ بِدُونِهَا اهـ وَأَقَرَّهُ الْبَاقَانِيُّ وَأَيَّدَهُ بِمَا فِي الْمُحِيطِ لَوْ وُجِدَ الْمَيِّتُ فِي الْمَاءِ لَا بُدَّ مِنْ غُسْلِهِ لِأَنَّ الْخِطَابَ يَتَوَجَّهُ إلَى بَنِي آدَمَ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ فِعْلٌ. اهـ.

فَتَلَخَّصَ: أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي إسْقَاطِ الْفَرْضِ مِنْ الْفِعْلِ، وَأَمَّا النِّيَّةُ فَشَرْطُ التَّحْصِيلِ الثَّوَابُ؛ وَلِذَا صَحَّ تَغْسِيلُ الذِّمِّيَّةِ زَوْجَهَا الْمُسْلِمَ مَعَ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطُهَا الْإِسْلَامُ فَيَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنَّا بِفِعْلِنَا بِدُونِ نِيَّةٍ، وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِ الْخَانِيَّةِ أَجْزَأَهُمْ ذَلِكَ. بَقِيَ قَوْلُ الْمُحِيطِ لِأَنَّ الْخِطَابَ يَتَوَجَّهُ إلَى بَنِي آدَمَ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْمِلْكِ. وَيَرِدُ عَلَيْهِ قِصَّةُ حَنْظَلَةَ غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ. وَقَدْ قَالَ: إنَّ فِعْلَهُمْ ذَلِكَ كَانَ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ تَأَمَّلْ وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي بَابِ الشَّهِيدِ. هَذَا وَقَدْ صَرَّحَ فِي أَحْكَامِ الصِّغَارِ بِأَنَّ الصَّبِيَّ إذَا غَسَّلَ الْمَيِّتَ جَازَ اهـ وَمِثْلُهُ مَا سَنَذْكُرُهُ عَنْ الْبَدَائِعِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَيْنِ رِجَالٍ وَمَعَهُمْ صَبِيٌّ غَيْرُ مُشْتَهٍ عَلَّمُوهُ الْغُسْلَ لِيُغَسِّلَهَا وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْبُلُوغَ غَيْرُ شَرْطٍ (قَوْلُهُ وَفِي الِاخْتِيَارِ إلَخْ) اُسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّهُ شَرِيعَةٌ قَدِيمَةٌ، وَأَنَّهُ يَسْقُطُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْغَاسِلُ مُكَلَّفًا؛ وَلِذَا لَمْ يُعِدْ أَوْلَادُ أَبِينَا آدَمَ عليه السلام غُسْلَهُ ط

(قَوْلُهُ فَإِنْ فِي دَارِنَا إلَخْ) أَفَادَ بِذِكْرِ التَّفْصِيلِ فِي الْمَكَانِ بَعْدَ انْتِفَاءِ الْعَلَامَةِ أَنَّ الْعَلَامَةَ مُقَدَّمَةٌ وَعِنْدَ فَقْدِهَا يُعْتَبَرُ الْمَكَانُ فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ كَمَا فِي النَّهْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ. وَفِيهَا أَنَّ عَلَامَةَ الْمُسْلِمِينَ أَرْبَعَةٌ الْخِتَانُ وَالْخِضَابُ وَلُبْسُ السَّوَادِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ اهـ

ص: 200

اُعْتُبِرَ الْأَكْثَرُ فَإِنْ اسْتَوَوْا غُسِّلُوا وَاخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَمَحَلِّ دَفْنِهِمْ كَدَفْنِ ذِمِّيَّةٍ حُبْلَى مِنْ مُسْلِمٍ قَالُوا: وَالْأَحْوَطُ دَفْنُهَا عَلَى حِدَةٍ وَيُجْعَلُ ظَهْرُهَا إلَى الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّ وَجْهَ الْوَلَدِ لِظَهْرِهَا.

مَاتَتْ بَيْنَ رِجَالٍ أَوْ هُوَ بَيْنَ نِسَاءٍ يَمَّمَهُ الْمَحْرَمُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْأَجْنَبِيُّ بِخِرْقَةٍ وَيُيَمَّمُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ لَوْ مُرَاهِقًا وَإِلَّا فَكَغَيْرِهِ فَيُغَسِّلُهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ. يُمِّمَ لِفَقْدِ مَاءٍ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ثُمَّ وَجَدُوهُ غَسَّلُوهُ وَصَلَّوْا ثَانِيًا وَقِيلَ لَا

ــ

[رد المحتار]

قُلْت: فِي زَمَانِنَا لُبْسُ السَّوَادِ لَمْ يَبْقَ عَلَامَةً لِلْمُسْلِمِينَ (قَوْلُهُ اُعْتُبِرَ الْأَكْثَرُ) أَيْ فِي الصَّلَاةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ فِي الِاسْتِوَاءِ وَاخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: فَإِنْ كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَامَةٌ فَلَا إشْكَالَ فِي إجْرَاءِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ وَإِلَّا فَلَوْ الْمُسْلِمُونَ أَكْثَرَ صَلَّى عَلَيْهِمْ وَيَنْوِي بِالدُّعَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ الْكُفَّارُ أَكْثَرَ. فَفِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ لِلْإِسْبِيجَابِيِّ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ لَكِنْ يُغَسَّلُونَ وَيُكَفَّنُونَ وَيُدْفَنُونَ فِي مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ اهـ قَالَ ط: وَكَيْفِيَّةُ الْعِلْمِ بِالْأَكْثَرِ أَنْ يُحْصِيَ عَدَدَ الْمُسْلِمِينَ وَيَعْلَمَ مَا ذَهَبَ مِنْهُمْ، وَيَعُدَّ الْمَوْتَى فَيَظْهَرَ الْحَالُ (قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ) فَقِيلَ لَا يُصَلِّي لِأَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُسْلِمِ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ كَالْبُغَاةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ فَكَانَ أَوْلَى مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْكَافِرِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} [التوبة: 84] وَقِيلَ يُصَلِّي وَيَقْصِدُ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ إنْ عَجَزَ عَنْ التَّعَيُّنِ لَا يَعْجِزُ عَنْ الْقَصْدِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ.

قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ أَيْضًا أَيْ حَالَةِ مَا إذَا كَانَ الْكُفَّارُ أَكْثَرَ لِأَنَّهُ حَيْثُ قَصَدَ الْمُسْلِمِينَ فَقَطْ لَمْ يَكُنْ مُصَلِّيًا عَلَى الْكُفَّارِ، وَإِلَّا لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى أَيْضًا مَعَ أَنَّ الِاتِّفَاقَ عَلَى الْجَوَازِ فَيَنْبَغِي الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ كَمَا قَالَتْ بِهِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثُ وَهُوَ أَوْجَهُ قَضَاءً لِحَقِّ الْمُسْلِمِينَ بِلَا ارْتِكَابِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ اهـ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ: وَمَحَلِّ دَفْنِهِمْ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الصَّلَاةِ فَفِيهِ خِلَافٌ أَيْضًا (قَوْلُهُ كَدَفْنِ ذِمِّيَّةٍ) جَعَلَ الْأَوَّلَ مُشَبَّهًا بِهَذَا لِأَنَّهُ لَا رِوَايَةَ فِيهِ عَنْ الْإِمَامِ بَلْ فِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ قِيَاسًا عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّهُ اخْتَلَفَ فِيهَا الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُدْفَنُ فِي مَقَابِرِنَا تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الْوَلَدِ، وَبَعْضُهُمْ: فِي مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّ الْوَلَدَ فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْهَا مَا دَامَ فِي بَطْنِهَا.

وَقَالَ وَائِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ: يُتَّخَذُ لَهَا مَقْبَرَةٌ عَلَى حِدَةٍ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ، وَهَذَا أَحْوَطُ وَالظَّاهِرُ كَمَا أَفْصَحَ بِهِ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُصَوَّرَةٌ فِيمَا إذَا نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ، وَإِلَّا دُفِنَتْ فِي مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ (قَوْلُهُ لِأَنَّ وَجْهَ الْوَلَدِ لِظَهْرِهَا) أَيْ وَالْوَلَدُ مُسْلِمٌ تَبَعًا لِأَبِيهِ فَيُوَجَّهُ إلَى الْقِبْلَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ط (قَوْلُهُ يَمَّمَهُ الْمَحْرَمُ إلَخْ) أَيْ يَمَّمَ الْمَيِّتَ الْأَعَمَّ مِنْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَكَذَا قَوْلُهُ فَالْأَجْنَبِيُّ أَيْ فَالشَّخْصُ الْأَجْنَبِيُّ الصَّادِقُ بِذَلِكَ، وَأَفَادَ أَنَّ الْمَحْرَمَ لَا يَحْتَاجُ إلَى خِرْقَةٍ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ مَسُّ أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ إلَّا إذَا كَانَ الْمَيِّتُ أَمَةً لِأَنَّهَا كَالرَّجُلِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ النِّسَاءِ رَجُلٌ لَا مُسْلِمٌ وَلَا كَافِرٌ وَلَا صَبِيَّةٌ صَغِيرَةٌ فَلَوْ مَعَهُنَّ كَافِرٌ عَلَّمْنَهُ الْغُسْلَ لِأَنَّ نَظَرَ الْجِنْسِ إلَى الْجِنْسِ أَخَفُّ وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ فِي الدِّينِ وَلَوْ مَعَهُنَّ صَبِيَّةٌ لَمْ تَبْلُغْ حَدَّ الشَّهْوَةِ وَأَطَاقَتْ غُسْلَهُ عَلَّمْنَهَا غُسْلَهُ لِأَنَّ حُكْمَ الْعَوْرَةِ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي حَقِّهَا وَكَذَا فِي الْمَرْأَةِ تَمُوتُ بَيْنَ رِجَالٍ مَعَهُمْ امْرَأَةٌ كَافِرَةٌ أَوْ صَبِيٌّ غَيْرُ مُشْتَهًى كَمَا بَسَطَهُ فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ لَوْ مُرَاهِقًا) الْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَنْ بَلَغَ حَدَّ الشَّهْوَةِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَكَغَيْرِهِ) أَيْ مِنْ الصِّغَارِ وَالصَّغَائِرِ قَالَ فِي الْفَتْحِ: الصَّغِيرُ وَالصَّغِيرَةُ إذَا لَمْ يَبْلُغَا حَدَّ الشَّهْوَةِ يُغَسِّلُهُمَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَقَدَّرَهُ فِي الْأَصْلِ بِأَنْ يَكُونَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ. اهـ. (قَوْلُهُ يُمِّمَ لِفَقْدِ مَاءٍ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ مَاءٌ فَيُمِّمَ الْمَيِّتُ وَصَلَّوْا عَلَيْهِ ثُمَّ وَجَدُوهُ غَسَّلُوهُ وَصَلَّوْا عَلَيْهِ ثَانِيًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْهُ يُغَسَّلُ وَلَا تُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَفَّنُوهُ وَبَقِيَ مِنْهُ عُضْوٌ لَمْ يُغَسَّلْ فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ ذَلِكَ الْعُضْوُ وَلَوْ بَقِيَ نَحْوُ الْأُصْبُعِ لَا يُغَسَّلُ اهـ (قَوْلُهُ وَقِيلَ لَا) أَيْ يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ كَمَا عَلِمْته.

ص: 201

(وَيُسَنُّ فِي الْكَفَنِ لَهُ إزَارٌ وَقَمِيصٌ وَلِفَافَةٌ وَتُكْرَهُ الْعِمَامَةُ) لِلْمَيِّتِ (فِي الْأَصَحِّ) مُجْتَبَى وَاسْتَحْسَنَهَا الْمُتَأَخِّرُونَ لِلْعُلَمَاءِ وَالْأَشْرَافِ وَلَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَيُحَسَّنُ الْكَفَنُ لِحَدِيثِ «حَسِّنُوا أَكْفَانَ الْمَوْتَى فَإِنَّهُمْ يَتَزَاوَرُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَيَتَفَاخَرُونَ بِحُسْنِ أَكْفَانِهِمْ» ظَهِيرِيَّةٌ

ــ

[رد المحتار]

قُلْت: وَلَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَيِّ، فَإِنَّ الْحَيَّ لَوْ تَيَمَّمَ لِفَقْدِ الْمَاءِ وَصَلَّى ثُمَّ وَجَدَهُ لَا يُعِيدُ، ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ نَقْلًا عَنْ السُّرُوجِيِّ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مُوَافِقَةٌ لِلْأُصُولِ اهـ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِتَرْجِيحِهَا لِمَا قُلْنَا.

[خَاتِمَةٌ] يُنْدَبُ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَيُكْرَهُ أَنْ يُغَسِّلَهُ جُنُبٌ أَوْ حَائِضٌ إمْدَادٌ وَالْأَوْلَى كَوْنُهُ أَقْرَبَ النَّاسِ إلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ الْغُسْلَ فَأَهْلُ الْأَمَانَةِ وَالْوَرَعِ وَيَنْبَغِي لِلْغَاسِلِ وَلِمَنْ حَضَرَ إذَا رَأَى مَا يُحِبُّ الْمَيِّتُ سَتْرَهُ أَنْ يَسْتُرَهُ وَلَا يُحَدِّثَ بِهِ لِأَنَّهُ غِيبَةٌ وَكَذَا إذَا كَانَ عَيْبًا حَادِثًا بِالْمَوْتِ كَسَوَادِ وَجْهٍ وَنَحْوِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا بِبِدْعَةٍ فَلَا بَأْسَ بِذِكْرِهِ تَحْذِيرًا مِنْ بِدْعَتِهِ، وَإِنْ رَأَى مِنْ أَمَارَاتِ الْخَيْرِ كَوَضَاءَةِ الْوَجْهِ وَالتَّبَسُّمِ وَنَحْوِهِ اُسْتُحِبَّ إظْهَارُهُ لِكَثْرَةِ التَّرَحُّمِ عَلَيْهِ وَالْحَثِّ عَلَى مِثْلِ عَمَلِهِ الْحَسَنِ شَرْحُ الْمُنْيَةِ.

مَطْلَبٌ فِي الْكَفَنِ

(قَوْلُهُ وَيُسَنُّ فِي الْكَفَنِ إلَخْ) أَصْلُ التَّكْفِينِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَكَوْنُهُ عَلَى هَذَا الشَّكْلِ مَسْنُونٌ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ (قَوْلُهُ لَهُ) أَيْ لِلرَّجُلِ (قَوْلُهُ إزَارٌ إلَخْ) هُوَ مِنْ الْقَرْنِ إلَى الْقَدَمِ، وَالْقَمِيصُ مِنْ أَصْلِ الْعُنُقِ إلَى الْقَدَمَيْنِ بِلَا دِخْرِيصٍ وَكُمَّيْنِ، وَاللِّفَافَةُ تَزِيدُ عَلَى مَا فَوْقَ الْقَرَنِ وَالْقَدَمِ لِيُلَفَّ فِيهَا الْمَيِّتُ وَتُرْبَطَ مِنْ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ إمْدَادٌ. وَالدِّخْرِيصُ: الشِّقُّ الَّذِي يُفْعَلُ فِي قَمِيصِ الْحَيِّ لِيَتَّسِعَ لِلْمَشْيِ (قَوْلُهُ وَتُكْرَهُ الْعِمَامَةُ إلَخْ) هِيَ بِالْكَسْرِ مَا يُلَفُّ عَلَى الرَّأْسِ قَامُوسٌ قَالَ ط: وَهِيَ مَحَلُّ الْخِلَافِ، وَأَمَّا مَا يُفْعَلُ عَلَى الْخَشَبَةِ مِنْ الْعِمَامَةِ وَالزِّينَةِ بِبَعْضِ حُلِيٍّ فَهُوَ مِنْ الْمَكْرُوهِ بِلَا خِلَافٍ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُكْرَهُ فِيهِ كُلُّ مَا كَانَ لِلزِّينَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ) هُوَ أَحَدُ تَصْحِيحَيْنِ قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَاسْتَحْسَنَ عَلَى الصَّحِيحِ الْعِمَامَةَ يُعَمَّمُ يَمِينًا وَيُذَنَّبُ وَيُلَفُّ ذَنَبُهُ عَلَى كُورَةٍ مِنْ قِبَلِ يَمِينِهِ، وَقِيلَ يُذَنَّبُ عَلَى وَجْهِهِ كَمَا فِي التُّمُرْتَاشِيِّ وَقِيلَ هَذَا إذَا كَانَ مِنْ الْأَشْرَافِ، وَقِيلَ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْوَرَثَةِ صِغَارٌ، وَقِيلَ لَا يُعَمَّمُ بِكُلِّ حَالٍ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ تُكْرَهُ الْعِمَامَةُ بِكُلِّ حَالٍ كَمَا فِي الزَّاهِدِيِّ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثَةِ) كَذَا فِي النَّهْرِ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ، وَنَقْلُهُ قَبْلَهُ عَنْ الْمُجْتَبَى الْكَرَاهَةُ لَكِنْ قَالَ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ الذَّخِيرَةِ مَعْزِيًّا إلَى عِصَامٍ: أَنَّهُ إلَى خَمْسَةٍ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَلَا بَأْسَ بِهِ. اهـ. ثُمَّ قَالَ: وَوُجِّهَ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَفَّنَ ابْنَهُ وَاقِدًا فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ قَمِيصٍ وَعِمَامَةٍ وَثَلَاثِ لَفَائِفَ وَأَدَارَ الْعِمَامَةَ إلَى تَحْتِ حَنَكِهِ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. اهـ.

قَالَ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ نَقْلِ الْكَرَاهَةِ عَنْ الْمُجْتَبَى وَاسْتَثْنَى فِي رَوْضَةِ الزَّنْدَوَسْتِيِّ مَا إذَا وَصَّى بِأَنْ يُكَفَّنَ فِي أَرْبَعَةٍ أَوْ خَمْسَةٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى أَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبَيْنِ فَإِنَّهُ يُكَفَّنُ فِي ثَلَاثَةٍ، وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُكَفَّنَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ كُفِّنَ كَفَنًا وَسَطًا اهـ.

قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ مُنْقَطِعٌ؛ إذْ لَوْ كُرِهَ لَمْ تُنَفَّذْ وَصِيَّتُهُ كَمَا لَمْ تُنَفَّذْ بِالْأَقَلِّ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَيَحْسُنُ الْكَفَنُ) بِأَنْ يُكَفَّنَ بِكَفَنِ مِثْلِهِ، وَهُوَ أَنْ يُنْظَرَ إلَى ثِيَابِهِ فِي حَيَاتِهِ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، وَفِي الْمَرْأَةِ مَا تَلْبَسُهُ لِزِيَارَةِ أَبَوَيْهَا كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ فَقَوْلُ الْحَدَّادِيِّ: وَتُكْرَهُ الْمُغَالَاةُ فِي الْكَفَنِ يَعْنِي زِيَادَةً عَلَى كَفَنِ الْمِثْلِ نَهْرٌ (قَوْلُهُ لِحَدِيثِ إلَخْ) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم «إذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ» وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْهُ صلى الله عليه وسلم «لَا تُغَالُوا فِي الْكَفَنِ فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَلْبًا سَرِيعًا» وَجُمِعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِتَحْسِينِهِ بَيَاضُهُ وَنَظَافَتُهُ لَا كَوْنُهُ ثَمِينًا حِلْيَةٌ، وَهُوَ فِي مَعْنَى مَا مَرَّ عَنْ النَّهْرِ (قَوْلُهُ وَيَتَفَاخَرُونَ) الْمُرَادُ بِهِ الْفَرَحُ وَالسُّرُورُ حَيْثُ وَافَقَ السُّنَّةَ، وَالزِّيَارَةُ

ص: 202

(وَلَهَا دِرْعٌ) أَيْ قَمِيصٌ (وَإِزَارٌ وَخِمَارٌ وَلِفَافَةٌ وَخِرْقَةٌ تُرْبَطُ بِهَا ثَدْيَاهَا) وَبَطْنُهَا (وَكِفَايَةٌ لَهُ إزَارٌ وَلِفَافَةٌ) فِي الْأَصَحِّ (وَلَهَا ثَوْبَانِ وَخِمَارٌ)

ــ

[رد المحتار]

وَإِنْ كَانَتْ لِلرُّوحِ لَكِنْ لِلرُّوحِ نَوْعُ تَعَلُّقٍ بِالْجَسَدِ (قَوْلُهُ: وَلَهَا) أَيْ وَيُسَنُّ فِي الْكَفَنِ لِلْمَرْأَةِ (قَوْلُهُ أَيْ قَمِيصٌ) أَشَارَ إلَى تَرَادُفِهِمَا كَمَا قَالُوا: وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ شَقَّ الدِّرْعِ إلَى الصَّدْرِ وَالْقَمِيصِ إلَى الْمَنْكِبِ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَخِمَارٌ) بِكَسْرِ الْخَاءِ مَا تُغَطِّي بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ وَمِقْدَارُهُ حَالَةَ الْمَوْتِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ بِذِرَاعِ الْكِرْبَاسِ يُرْسَلُ عَلَى وَجْهِهَا، وَلَا يُلَفُّ كَذَا فِي الْإِيضَاحِ وَالْعَتَّابِيِّ. اهـ. (قَوْلُهُ وَخِرْقَةٌ) وَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ مِنْ الثَّدْيَيْنِ إلَى الْفَخِذَيْنِ نَهْرٌ عَنْ الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ وَكِفَايَةٌ) أَيْ الِاقْتِصَارُ عَلَى الثَّوْبَيْنِ لَهُ كَفَنُ الْكِفَايَةِ لِأَنَّهُ أَدْنَى مَا يُلْبَسُ حَالَ حَيَاتِهِ وَكَفَنُهُ كِسْوَتُهُ بَعْدَ الْوَفَاةِ فَيُعْتَبَرُ بِكِسْوَتِهِ فِي الْحَيَاةِ وَلِهَذَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ فِيهِمَا بِلَا كَرَاهَةٍ مِعْرَاجٌ.

وَحَاصِلُهُ أَنَّ كَفَنَ الْكِفَايَةِ هُوَ أَدْنَى مَا يَكْفِيهِ بِلَا كَرَاهَةٍ فَهُوَ دُونَ كَفَنِ السُّنَّةِ وَهَلْ هُوَ سُنَّةٌ أَيْضًا أَوْ وَاجِبٌ؟ الَّذِي يَظْهَرُ لِي الثَّانِي وَلِذَاكِرِهِ الْأَقَلُّ مِنْهُ كَمَا يَذْكُرُهُ الشَّارِحُ وَقَالَ فِي الْبَحْرِ: قَالُوا: وَيُكْرَهُ أَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ لِأَنَّ فِي حَالَةِ حَيَاتِهِ تَجُوزُ صَلَاتُهُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَقَالُوا: إذَا كَانَ بِالْمَالِ قِلَّةٌ، وَالْوَرَثَةُ كَثْرَةٌ فَكَفَنُ الْكِفَايَةِ أَوْلَى وَعَلَى الْقَلْبِ كَفَنُ السُّنَّةِ أَوْلَى وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أَنْ يُبَاعَ مِنْهَا وَاحِدٌ لِلدَّيْنِ لِأَنَّ الثَّالِثَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ حَتَّى تُرِكَ لِلْوَرَثَةِ عِنْدَ كَثْرَتِهِمْ وَالدَّيْنُ أَوْلَى مَعَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ بِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهَا بِالدَّيْنِ كَمَا فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ إذَا أَفْلَسَ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ هُوَ لَابِسُهَا لَا يُنْزَعُ عَنْهُ شَيْءٌ لِيُبَاعَ اهـ مَا فِي الْبَحْرِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْفَتْحِ وَقَالَ فِي الْفَتْحِ وَلَا يَبْعُدُ الْجَوَابُ اهـ وَذَكَرَ الْجَوَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمَيِّتِ وَالْحَيِّ بِأَنَّ عَدَمَ الْأَخْذِ مِنْ الْحَيِّ لِاحْتِيَاجِهِ وَلَا كَذَلِكَ الْمَيِّتُ. اهـ.

أَقُولُ: أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْإِشْكَالَ جَاءَ مِنْ تَصْرِيحِهِمْ بِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ فَأَنَّى يَصِحُّ هَذَا الْجَوَابُ؟ نَعَمْ يَصِحُّ عَلَى مَا قَالَهُ السَّيِّدُ فِي شَرْحِ السِّرَاجِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا فَلِلْغُرَمَاءِ الْمَنْعُ مِنْ تَكْفِينِهِ بِمَا زَادَ عَلَى كَفَنِ الْكِفَايَةِ. وَقَالَ الشَّارِحُ فِي فَرَائِضِ الدُّرِّ الْمُنْتَقَى وَهَلْ لِلْغُرَمَاءِ الْمَنْعُ مِنْ كَفَنِ الْمِثْلِ قَوْلَانِ وَالصَّحِيحُ نَعَمْ اهـ وَمِثْلُهُ فِي سَكْبِ الْأَنْهُرِ لَكِنْ قَالَ أَيْضًا: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْمَدْيُونِ ثِيَابٌ حَسَنَةٌ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَيُمْكِنُهُ الِاكْتِفَاءُ بِمَا دُونَهَا يَبِيعُهَا الْقَاضِي، وَيَقْضِي الدَّيْنَ وَيَشْتَرِي بِالْبَاقِي ثَوْبًا يَلْبَسُهُ فَكَذَا فِي الْمَيِّتِ الْمَدْيُونِ كَذَا اخْتَارَهُ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي. اهـ.

ثُمَّ رَأَيْت مِثْلَهُ فِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ عَنْ شَرْحِ السِّرَاجِيَّةِ الْمُسَمَّى ضَوْءُ السِّرَاجِ لِلْكَلَابَاذِيِّ: وَحِينَئِذٍ فَلَا إشْكَالَ، وَلَا جَوَابَ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ مَا مَرَّ عَنْ الْخُلَاصَةِ خِلَافُ الصَّحِيحِ وَقَدْ يُوَفَّقُ بِحَمْلِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ فِي الْحَيِّ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكْتَفِ بِمَا دُونَ الثَّلَاثَةِ، وَفِي الْمَيِّتِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَمْنَعْهُمْ الْغُرَمَاءُ قَالَ فِي شَرْحِ قَلَائِدِ الْمَنْظُومِ صَحَّحَ الْعَلَّامَةُ حَيْدَرُ فِي شَرْحِهِ عَلَى السِّرَاجِيَّةِ الْمُسَمَّى بِالْمِشْكَاةِ بِأَنَّ لِلْوَرَثَةِ تَكْفِينَهُ بِكَفَنِ الْمِثْلِ مَا لَمْ يَمْنَعْهُمْ الْغُرَمَاءُ. اهـ.

قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ الْمَنْعِ الرِّضَا بِذَلِكَ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يَسُوغُ لِلْوَرَثَةِ تَقْدِيمُ الْمَسْنُونِ عَلَى الدَّيْنِ الْوَاجِبِ ثُمَّ إنَّ هَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا بَحَثْنَاهُ مِنْ أَنَّ كَفَنَ الْكِفَايَةِ وَاجِبٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَقَلُّ مِنْهُ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الْمَقْدِسِيَّ قَالَ: وَهَذَا أَقَلُّ مَا يَجُوزُ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: فِي الْأَصَحِّ) وَقِيلَ قَمِيصٌ وَلِفَافَةٌ زَيْلَعِيٌّ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَيَنْبَغِي عَدَمُ التَّخْصِيصِ بِالْإِزَارِ وَاللِّفَافَةِ لِأَنَّ كَفَنَ الْكِفَايَةِ مُعْتَبَرٌ بِأَدْنَى مَا يَلْبَسُهُ الرَّجُلُ فِي حَيَاتِهِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ كَمَا عَلَّلَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ اهـ (قَوْلُهُ: وَلَهَا ثَوْبَانِ) لَمْ يُعَيِّنْهُمَا كَالْهِدَايَةِ وَفَسَّرَهُمَا فِي الْفَتْحِ بِالْقَمِيصِ وَاللِّفَافَةِ وَعَيَّنَهُمَا فِي الْكَنْزِ بِالْإِزَارِ وَاللِّفَافَةِ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالظَّاهِرُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَدَمُ التَّعْيِينِ بَلْ إمَّا قَمِيصٌ وَإِزَارٌ أَوْ إزَارَانِ

ص: 203

وَيُكْرَهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ

(وَكَفَنُ الضَّرُورَةِ لَهُمَا مَا يُوجَدُ) وَأَقَلُّهُ مَا يَعُمُّ الْبَدَنَ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ كَالْحَيِّ (تُبْسَطُ اللِّفَافَةُ) أَوَّلًا (ثُمَّ يُبْسَطُ الْإِزَارُ عَلَيْهَا وَيُقَمَّصُ وَيُوضَعُ عَلَى الْإِزَارِ وَيُلَفُّ يَسَارُهُ ثُمَّ يَمِينُهُ ثُمَّ اللِّفَافَةُ كَذَلِكَ) لِيَكُونَ الْأَيْمَنُ عَلَى الْأَيْسَرِ (وَهِيَ تَلْبَسُ الدِّرْعَ وَيُجْعَلُ شَعْرُهَا ضَفِيرَتَيْنِ عَلَى صَدْرِهَا فَوْقَهُ) أَيْ الدِّرْعِ (وَالْخِمَارُ فَوْقَهُ) أَيْ الشَّعْرِ (تَحْتَ اللِّفَافَةِ) ثُمَّ يُفْعَلُ كَمَا مَرَّ (وَيُعْقَدُ الْكَفَنُ إنْ خِيفَ انْتِشَارُهُ)

(وَخُنْثَى مُشْكِلٌ كَامْرَأَةٍ فِيهِ) أَيْ الْكَفَنِ، وَالْمُحْرِمُ كَالْحَلَالِ وَالْمُرَاهِقُ كَالْبَالِغِ وَمَنْ لَمْ يُرَاهِقْ إنْ كُفِّنَ فِي وَاحِدٍ جَازَ وَالسِّقْطُ يُلَفُّ

ــ

[رد المحتار]

وَالثَّانِي أَوْلَى لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً فِي سَتْرِ الرَّأْسِ وَالْعُنُقِ (قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ) أَيْ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ

(قَوْلُهُ وَأَقَلُّهُ مَا يَعُمُّ الْبَدَنَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ ذَلِكَ سَأَلُوا النَّاسَ لَهُ ثَوْبًا يَعُمُّهُ، وَأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ، وَأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ عَنْ الْمُكَلَّفِينَ وَإِنْ كَانَ سَاتِرًا لِلْعَوْرَةِ مَا لَمْ يَعُمَّ الْبَدَنَ، لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ كَفَنَ الضَّرُورَةِ مَا لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ، فَلَا يُنَاسِبُ تَقْيِيدَهُ بِشَيْءٍ وَلِذَا عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِمَا يُوجَدُ.

نَعَمْ مَا يَعُمُّ الْبَدَنَ هُوَ كَفَنُ الْفَرْضِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ فَيَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ عَنْ الْمُكَلَّفِينَ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِأَنَّهَا تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، وَلِذَا «لَمَّا اُسْتُشْهِدَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ رضي الله عنه يَوْمَ أُحُدٍ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا نَمِرَةٌ أَيْ كِسَاءٌ مُخَطَّطٌ فَكَانَ إذَا غُطِّيَ بِهَا رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ وَبِالْعَكْسِ أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ بِهَا وَرِجْلَيْهِ بِالْإِذْخِرِ» إلَّا أَنَّ مَا لَا يَسْتُرُ الْبَدَنَ لَا يَكْفِي عِنْدَ الضَّرُورَةِ أَيْضًا بَلْ يَجِبُ سَتْرُ بَاقِيهِ بِنَحْوِ حَشِيشٍ كَالْإِذْخِرِ؛ وَلِذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ بَعْدَ سَوْقِهِ حَدِيثَ مُصْعَبٍ: وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَحْدَهَا لَا يَكْفِي خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ اهـ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَيُقَمَّصُ) أَيْ الْمَيِّتُ أَيْ يُلْبَسُ الْقَمِيصَ بَعْدَ تَنْشِيفِهِ بِخِرْقَةٍ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: وَيُلَفُّ يَسَارُهُ ثُمَّ يَمِينُهُ) الضَّمِيرَانِ لِلْإِزَارِ وَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الْإِزَارِ وَاللِّفَافَةِ يُلَفُّ وَحْدَهُ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ فِي السَّتْرِ ط (قَوْلُهُ: لِيَكُونَ الْأَيْمَنُ عَلَى الْأَيْسَرِ) اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْحَيَاةِ إمْدَادٌ (قَوْلُهُ: تَحْتَ اللِّفَافَةِ) الْأَوْضَحُ تَحْتَ الْإِزَارِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ يُفْعَلُ كَمَا مَرَّ) أَيْ بِأَنْ تُوضَعَ بَعْدَ إلْبَاسِ الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ عَلَى الْإِزَارِ، وَيُلَفُّ يَسَارُهُ إلَخْ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِرْقَةَ وَفِي شَرْحِ الْكَنْزِ فَوْقَ الْأَكْفَانِ كَيْ لَا تَنْتَشِرَ، وَعَرْضُهَا مَا بَيْنَ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ إلَى السُّرَّةِ، وَقِيلَ مَا بَيْنَ الثَّدْيِ إلَى الرُّكْبَةِ، كَيْ لَا يَنْتَشِرَ الْكَفَنُ عَنْ الْفَخِذَيْنِ وَقْتَ الْمَشْيِ، وَفِي التُّحْفَةِ تُرْبَطُ الْخِرْقَةُ فَوْقَ الْأَكْفَانِ عِنْدَ الصَّدْرِ فَوْقَ الثَّدْيَيْنِ اهـ وَقَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ وَقَوْلِ الْخُجَنْدِيِّ: تُرْبَطُ الْخِرْقَةُ عَلَى الثَّدْيَيْنِ فَوْقَ الْأَكْفَانِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ تَحْتَ اللِّفَافَةِ وَفَوْقَ الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَهُوَ الظَّاهِرُ اهـ وَفِي الِاخْتِيَارِ: تُلْبَسُ الْقَمِيصَ ثُمَّ الْخِمَارَ فَوْقَهُ ثُمَّ تُرْبَطُ الْخِرْقَةُ فَوْقَ الْقَمِيصِ اهـ وَمُفَادُ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ الِاخْتِلَافُ فِي عَرْضِهَا، وَفِي مَحَلِّ وَضْعِهَا وَفِي زَمَانِهِ تَأَمَّلْ

(قَوْلُهُ وَخُنْثَى مُشْكِلٌ كَامْرَأَةٍ فِيهِ) أَيْ فَيُكَفَّنُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ احْتِيَاطًا لِأَنَّهُ عَلَى احْتِمَالِ كَوْنِهِ ذَكَرًا فَالزِّيَادَةُ لَا تَضُرُّ قَالَ فِي النَّهْرِ إلَّا أَنَّهُ يُجَنَّبُ الْحَرِيرَ وَالْمُعَصْفَرَ وَالْمُزَعْفَرَ احْتِيَاطًا (قَوْلُهُ: وَالْمُحْرِمُ كَالْحَلَالِ) أَيْ فَيُغَطَّى رَأْسُهُ وَتُطَيَّبُ أَكْفَانُهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (قَوْلُهُ: وَالْمُرَاهِقُ كَالْبَالِغِ) الذَّكَرُ كَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى كَالْأُنْثَى ح قَالَ فِي الْبَدَائِعِ لِأَنَّ الْمُرَاهِقَ فِي حَيَاتِهِ يَخْرُجُ فِيمَا يَخْرُجُ فِيهِ الْبَالِغُ عَادَةً فَكَذَا يُكَفَّنُ فِيمَا يُكَفَّنُ فِيهِ (قَوْلُهُ وَمَنْ لَمْ يُرَاهِقْ إلَخْ) هَذَا لَوْ ذَكَرًا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَأَدْنَى مَا يُكَفَّنُ بِهِ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَالصَّبِيَّةُ ثَوْبَانِ. اهـ. وَقَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا لَمْ يُرَاهِقْ فَإِنْ كُفِّنَ فِي خِرْقَتَيْنِ إزَارٍ وَرِدَاءٍ فَحَسَنٌ، وَإِنْ كُفِّنَ فِي إزَارٍ وَاحِدٍ جَازَ وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَلَا بَأْسَ أَنْ تُكَفَّنَ فِي ثَوْبَيْنِ. اهـ.

أَقُولُ: فِي قَوْلِهِ فَحَسَنٌ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ كُفِّنَ بِكَفَنِ الْبَالِغِ يَكُونُ أَحْسَنَ لِمَا فِي الْحِلْيَةِ عَنْ الْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ الطِّفْلُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الشَّهْوَةِ الْأَحْسَنُ أَنْ يُكَفَّنَ فِيمَا يُكَفَّنُ فِيهِ الْبَالِغُ وَإِنْ كُفِّنَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ جَازَ اهـ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِمَنْ لَمْ يُرَاهِقْ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الشَّهْوَةِ (قَوْلُهُ وَالسِّقْطُ يُلَفُّ) أَيْ فِي خِرْقَةٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حُرْمَةٌ كَامِلَةٌ وَكَذَا

ص: 204

وَلَا يُكَفَّنُ كَالْعُضْوِ مِنْ الْمَيِّتِ

(وَ) آدَمِيٌّ (مَنْبُوشٌ طَرِيٌّ) لَمْ يَتَفَسَّخْ (يُكَفَّنُ كَاَلَّذِي لَمْ يُدْفَنْ) مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى (وَإِنْ تَفَسَّخَ كُفِّنَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) وَإِلَى هُنَا صَارَ الْمُكَفَّنُونَ أَحَدَ عَشَرَ. وَالثَّانِي عَشَرَ: الشَّهِيدُ ذَكَرَهَا فِي الْمُجْتَبَى

(وَلَا بَأْسَ فِي الْكَفَنِ بِبُرُودٍ وَكَتَّانٍ وَفِي النِّسَاءِ بِحَرِيرٍ وَمُزَعْفَرٍ وَمُعَصْفَرٍ) لِجَوَازِهِ بِكُلِّ مَا يَجُوزُ لُبْسُهُ حَالَ الْحَيَاةِ وَأَحَبُّهُ الْبَيَاضُ أَوْ مَا كَانَ يُصَلِّي فِيهِ

(وَكَفَنُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ عَلَى مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ) فَإِنْ تَعَدَّدُوا فَعَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ.

ــ

[رد المحتار]

مَنْ وُلِدَ مَيِّتًا بَدَائِعُ (قَوْلُهُ: وَلَا يُكَفَّنُ) أَيْ لَا يُرَاعَى فِيهِ سُنَّةُ الْكَفَنِ، وَهَلْ النَّفْيُ بِمَعْنَى النَّهْيِ أَوْ بِمَعْنَى نَفْيِ اللُّزُومِ؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ كَالْعُضْوِ مِنْ الْمَيِّتِ) أَيْ لَوْ وُجِدَ طَرَفٌ مِنْ أَطْرَافِ إنْسَانٍ أَوْ نِصْفُهُ مَشْقُوقًا طُولًا أَوْ عَرْضًا يُلَفُّ فِي خِرْقَةٍ إلَّا إذَا كَانَ مَعَهُ الرَّأْسُ فَيُكَفَّنُ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ قَالَ: وَكَذَا الْكَافِرُ لَوْ لَهُ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مُسْلِمٍ يُغَسِّلُهُ وَيُكَفِّنُهُ فِي خِرْقَةٍ لِأَنَّ التَّكْفِينَ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ. اهـ.

(قَوْلُهُ مَنْبُوشٌ طَرِيٌّ) أَيْ بِأَنْ وُجِدَ مَنْبُوشًا بِلَا كَفَنٍ (قَوْلُهُ لَمْ يَتَفَسَّخْ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ لَوْ تَفَسَّخَ يُكَفَّنُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْدَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ طَرِيٌّ كَمَا تَشْهَدُ بِهِ الْمُقَابَلَةُ بِقَوْلِهِ وَإِنْ تَفَسَّخَ (قَوْلُهُ كَاَلَّذِي لَمْ يُدْفَنْ) أَيْ يُكَفَّنُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ (قَوْلُهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى) أَيْ لَوْ نُبِشَ ثَانِيًا وَثَالِثًا، وَأَكْثَرَ كُفِّنَ كَذَلِكَ مَا دَامَ طَرِيًّا مِنْ أَصْلِ مَالِهِ عِنْدَنَا، وَلَوْ مَدْيُونًا إلَّا إذَا قَبَضَ الْغُرَمَاءُ التَّرِكَةَ فَلَا يُسْتَرَدُّ مِنْهُمْ، وَإِنْ قُسِمَ مَالُهُ فَعَلَى كُلِّ وَارِثٍ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ دُونَ الْغُرَمَاءِ وَأَصْحَابِ الْوَصَايَا لِأَنَّهُمْ أَجَانِبُ سَكْبِ الْأَنْهُرِ (قَوْلُهُ أَحَدَ عَشَرَ) الْمَذْكُورُ مِنْهَا مَتْنًا خَمْسَةٌ: الرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةُ، وَالْخُنْثَى، وَالْمَنْبُوشُ الطَّرِيُّ، وَالْمُتَفَسِّخُ. وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ سِتَّةً: الْمُحْرِمُ، وَالْمُرَاهِقُ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، وَمَنْ لَمْ يُرَاهِقْ كَذَلِكَ أَوْ السِّقْطُ لَكِنْ عَلِمْت أَنَّ الْمُرَاهِقَةَ لَمْ يَنُصَّ عَلَى حُكْمِهَا وَقَدَّمْنَا عَنْ الْبَدَائِعِ اثْنَيْنِ آخَرَيْنِ وَهُمَا مَنْ وُلِدَ مَيِّتًا وَالْكَافِرُ

(قَوْلُهُ وَلَا بَأْسَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ خِلَافَهُ أَوْلَى وَهُوَ الْبَيَاضُ مِنْ الْقُطْنِ. وَفِي جَامِعِ الْفَتَاوَى: وَيَجُوزُ أَنْ يُكَفَّنَ الرَّجُلُ مِنْ الْكَتَّانِ وَالصُّوفِ لَكِنْ الْأَوْلَى الْقُطْنُ. وَفِي التَّاجِيَّةِ: وَيُكْرَهُ الصُّوفُ وَالشَّعْرُ وَالْجِلْدُ، وَفِي الْمُحِيطِ وَغَيْرُهُ، وَيُسْتَحَبُّ الْبَيَاضُ إسْمَاعِيلُ (قَوْلُهُ بِبُرُودٍ) جَمْعُ بُرْدٍ بِالضَّمِّ مِنْ بُرُودِ الْعَصَبِ مُغْرِبٌ ثُمَّ قَالَ: وَالْعَصَبُ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ لِأَنَّهُ يُعْصَبُ غَزْلُهُ ثُمَّ يُصْبَغُ ثُمَّ يُحَاكُ، وَفِيهِ: وَأَمَّا الْبُرْدَةُ بِالْهَاءِ فَكِسَاءٌ مُرَبَّعٌ أَسْوَدُ صَغِيرٌ (قَوْلُهُ وَفِي النِّسَاءِ) عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ وَفِي كَفَنِ النِّسَاءِ وَاحْتَرَزَ عَنْ الرِّجَالِ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُمْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَأَحَبُّهُ الْبَيَاضُ) وَالْجَدِيدُ وَالْغَسِيلُ فِيهِ سَوَاءٌ نَهْرٌ (قَوْلُهُ أَوْ مَا كَانَ يُصَلِّي فِيهِ) مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ ط

(قَوْلُهُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ) أَمَّا مَنْ لَهُ مَالٌ فَكَفَنُهُ فِي مَالِهِ يُقَدَّمُ عَلَى الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْإِرْثِ إلَى قَدْرِ السُّنَّةِ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ كَالرَّهْنِ وَالْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالْعَبْدِ الْجَانِي بَحْرٌ وَزَيْلَعِيٌّ وَقَدَّمْنَا أَنَّ لِلْغُرَمَاءِ مَنْعَ الْوَرَثَةِ مِنْ تَكْفِينِهِ بِمَا زَادَ عَلَى كَفَنِ الْكِفَايَةِ (قَوْلُهُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ) وَكَفَنُ الْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ وَالْمَرْهُونِ عَلَى الرَّاهِنِ وَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ عَلَيْهِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ فَعَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ) كَمَا كَانَتْ النَّفَقَةُ وَاجِبَةً عَلَيْهِمْ فَتْحٌ أَيْ فَإِنَّهَا عَلَى قَدْرِ الْمِيرَاثِ، فَلَوْ لَهُ أَخٌ لِأُمٍّ وَأَخٌ شَقِيقٌ فَعَلَى الْأَوَّلِ السُّدُسُ وَالْبَاقِي عَلَى الشَّقِيقِ.

أَقُولُ: وَمُقْتَضَى اعْتِبَارِ الْكَفَنِ بِالنَّفَقَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ ابْنٌ وَبِنْتٌ كَانَ عَلَيْهِمَا سَوِيَّةً كَالنَّفَقَةِ؛ إذْ لَا يُعْتَبَرُ الْمِيرَاثُ فِي النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْفَرْعِ لِأَصْلِهِ؛ وَلِذَا لَوْ كَانَ لَهُ ابْنٌ مُسْلِمٌ، وَابْنٌ كَافِرٌ فَهِيَ عَلَيْهِمَا، وَمُقْتَضَاهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْمَيِّتِ أَبٌ وَابْنٌ كَفَّنَهُ الِابْنُ دُونَ الْأَبِ كَمَا فِي النَّفَقَةِ عَلَى التَّفَاصِيلِ الْآتِيَةِ فِي بَابِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [تَنْبِيهٌ]

لَوْ كَفَّنَهُ الْحَاضِرُ مِنْ مَالِهِ لِيَرْجِعَ عَلَى الْغَائِبِ مِنْهُمْ بِحِصَّتِهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ إنْ أَنْفَقَ بِلَا إذْنِ الْقَاضِي حَاوِي الزَّاهِدِيِّ وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ أَنَّهُ لَوْ كَفَّنَ الزَّوْجَةَ غَيْرُ زَوْجِهَا بِلَا إذْنِهِ، وَلَا إذْنِ الْقَاضِي فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ.

ص: 205

(وَاخْتُلِفَ فِي الزَّوْجِ وَالْفَتْوَى عَلَى وُجُوبِ كَفَنِهَا عَلَيْهِ) عِنْدَ الثَّانِي (وَإِنْ تَرَكَتْ مَالًا) خَانِيَّةٌ وَرَجَّحَهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ الظَّاهِرُ لِأَنَّهُ كَكِسْوَتِهَا (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ فَفِي بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) بَيْتُ الْمَالِ مَعْمُورًا أَوْ مُنْتَظِمًا (فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ تَكْفِينُهُ) فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا سَأَلُوا النَّاسَ لَهُ ثَوْبًا فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ رُدَّ لِلْمُصَّدِّقِ إنْ عُلِمَ وَإِلَّا كُفِّنَ بِهِ مِثْلُهُ، وَإِلَّا تُصُدِّقَ بِهِ مُجْتَبَى وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ إلَّا سُؤَالُ كَفَنِ الضَّرُورَةِ لَا الْكِفَايَةُ وَلَوْ كَانَ فِي مَكَان لَيْسَ فِيهِ إلَّا وَاحِدٌ، وَذَلِكَ الْوَاحِدُ لَيْسَ لَهُ إلَّا ثَوْبٌ لَا يَلْزَمُهُ تَكْفِينُهُ بِهِ

ــ

[رد المحتار]

مَطْلَبٌ فِي كَفَنِ الزَّوْجَةِ عَلَى الزَّوْجِ

(قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ فِي الزَّوْجِ) أَيْ فِي وُجُوبِ كَفَنِ زَوْجَتِهِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ عِنْدَ الثَّانِي) أَيْ أَبِي يُوسُفَ وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَلَا يَلْزَمُهُ لِانْقِطَاعِ الزَّوْجِيَّةِ بِالْمَوْتِ، وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُجْتَبَى أَنَّهُ لَا رِوَايَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَكِنْ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ عَنْ شَرْحِ السِّرَاجِيَّةِ لِمُصَنِّفِهَا أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ (قَوْلُهُ: وَإِنْ تَرَكَتْ مَالًا إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّهُ اخْتَلَفَتْ الْعِبَارَاتُ فِي تَحْرِيرِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَفِي الْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَنُهَا، وَإِنْ تَرَكَتْ مَالًا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَفِي الْمُحِيطِ وَالتَّجْنِيسِ وَالْوَاقِعَاتِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ لِمُصَنِّفِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ فَكَفَنُهَا عَلَى الزَّوْجِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِمُصَنِّفِهِ إذَا مَاتَتْ وَلَا مَالَ لَهَا فَعَلَى الزَّوْجِ الْمُوسِرِ اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْأَحْكَامِ عَنْ الْمُبْتَغَى بِزِيَادَةٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ مُعْسِرًا لَا يَلْزَمُهُ اتِّفَاقًا وَفِي الْأَحْكَامِ أَيْضًا عَنْ الْعُيُونِ كَفَنُهَا فِي مَالِهَا إنْ كَانَ وَإِلَّا فَعَلَى الزَّوْجِ وَلَوْ مُعْسِرًا فَفِي بَيْتِ الْمَالِ. اهـ. وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ فِي الْبَحْرِ لُزُومُهُ عَلَيْهِ مُوسِرًا أَوْ لَا لَهَا مَالٌ أَوْ لَا لِأَنَّهُ كَكِسْوَتِهَا وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ مُطْلَقًا قَالَ: وَصَحَّحَهُ فِي نَفَقَاتِ الْوَلْوَالِجيَّةِ. اهـ.

قُلْت: وَعِبَارَتُهَا إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ، وَلَا مَالَ لَهَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَى كَفَنِهَا، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ مَنْ يُجْبَرُ عَلَى نَفَقَتِهِ فِي حَيَاتِهِ يُجْبَرُ عَلَيْهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يُجْبَرُ الزَّوْجُ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ اهـ فَلْيُتَأَمَّلْ. [تَنْبِيهٌ]

قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَقُمْ بِهَا مَانِعُ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ حَالَةَ الْمَوْتِ مِنْ نُشُوزِهَا أَوْ صِغَرِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ اهـ وَهُوَ وَجِيهٌ لِأَنَّهُ إذَا اُعْتُبِرَ لُزُومُ الْكَفَنِ بِلُزُومِ النَّفَقَةِ سَقَطَ بِمَا يُسْقِطُهَا.

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ تَكْفِينُهَا وَتَجْهِيزُهَا الشَّرْعِيَّانِ مِنْ كَفَنِ السُّنَّةِ أَوْ الْكِفَايَةِ وَحَنُوطٍ وَأُجْرَةِ غُسْلٍ وَحَمْلٍ وَدَفْنٍ دُونَ مَا اُبْتُدِعَ فِي زَمَانِنَا مِنْ مُهَلِّلِينَ وَقُرَّاءٍ وَمُغَنِّينَ وَطَعَامٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِدُونِ رِضَا بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ الْبَالِغِينَ يَضْمَنُهُ فِي مَالِهِ (قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْتُ الْمَالِ مَعْمُورًا) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ أَوْ مُنْتَظِمًا أَيْ مُسْتَقِيمًا بِأَنْ كَانَ عَامِرًا وَلَا يَصْرِفُ مَصَارِفَهُ ط (قَوْلُهُ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ) أَيْ الْعَالِمِينَ بِهِ وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ جَمِيعُ مَنْ عَلِمَ بِهِ ط (قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا) أَيْ مَنْ عَلِمَ مِنْهُمْ بِأَنْ كَانُوا فُقَرَاءَ (قَوْلُهُ وَإِلَّا كُفِّنَ بِهِ مِثْلُهُ) هَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمُجْتَبَى بَلْ زَادَهُ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ عَنْ التَّجْنِيسِ وَالْوَاقِعَاتِ.

قُلْت: وَفِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ: فَقِيرٌ مَاتَ فَجُمِعَ مِنْ النَّاسِ الدَّرَاهِمُ وَكَفَّنُوهُ وَفَضَلَ شَيْءٌ إنْ عُرِفَ صَاحِبُهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ وَإِلَّا يُصْرَفُ إلَى كَفَنِ فَقِيرٍ آخَرَ أَوْ يُتَصَدَّقُ بِهِ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُهُ إلَخْ) أَيْ ظَاهِرُ قَوْلِهِ ثَوْبًا، وَهَذَا بَحْثٌ لِصَاحِبِ النَّهْرِ لَكِنْ قَالَ فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ بَعْدَ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ. وَلَا يُجْمَعُ مِنْ النَّاسِ إلَّا قَدْرُ كِفَايَتِهِ اهـ فَتَأَمَّلْ. ثُمَّ رَأَيْت فِي الْأَحْكَامِ عَنْ عُمْدَةِ الْمُفْتِي وَلَا يَجْمَعُونَ مِنْ النَّاسِ إلَّا قَدْرَ ثَوْبٍ وَاحِدٍ اهـ (قَوْلُهُ لَا يَلْزَمُهُ تَكْفِينُهُ بِهِ) لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ فَلَوْ كَانَ الثَّوْبُ لِلْمَيِّتِ وَالْحَيُّ وَارِثُهُ يُكَفَّنُ بِهِ الْمَيِّتُ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمِيرَاثِ بَحْرٌ إلَّا إذَا كَانَ الْحَيُّ

ص: 206

وَلَا يَخْرُجُ الْكَفَنُ عَنْ مِلْكِ الْمُتَبَرِّعِ

(وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ) صِفَتُهَا (فَرْضُ كِفَايَةٍ) بِالْإِجْمَاعِ فَيَكْفُرُ مُنْكِرُهَا لِأَنَّهُ أَنْكَرَ الْإِجْمَاعَ قُنْيَةٌ (كَدَفْنِهِ) وَغُسْلِهِ وَتَجْهِيزِهِ فَإِنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ.

(وَشَرْطُهَا) سِتَّةٌ (إسْلَامُ الْمَيِّتِ وَطَهَارَتُهُ) مَا لَمْ يُهَلْ عَلَيْهِ التُّرَابُ فَيُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ بِلَا غُسْلٍ، وَإِنْ صَلَّى عَلَيْهِ أَوَّلًا اسْتِحْسَانًا

ــ

[رد المحتار]

مُضْطَرًّا إلَيْهِ لِبَرْدٍ أَوْ سَبَبٍ يُخْشَى مِنْهُ التَّلَفُ كَمَا لَوْ كَانَ لِلْمَيِّتِ مَاءٌ وَهُنَاكَ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ لِعَطَشٍ قُدِّمَ عَلَى غُسْلِهِ شَرْحُ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْرُجُ الْكَفَنُ عَنْ مِلْكِ الْمُتَبَرِّعِ) حَتَّى لَوْ افْتَرَسَ الْمَيِّتَ سَبُعٌ كَانَ لِلْمُتَبَرِّعِ لَا لِلْوَرَثَةِ نَهْرٌ أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ وَهَبَهُ لَهُمْ كَمَا فِي الْأَحْكَامِ عَنْ الْمُحِيطِ.

مَطْلَبٌ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ

(قَوْلُهُ صِفَتُهَا إلَخْ) ذَكَرَ صِفَتَهَا وَشَرْطَهَا وَرُكْنَهَا وَسُنَنَهَا وَكَيْفِيَّتَهَا وَالْأَحَقَّ بِهَا. قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَسَبَبُ وُجُوبِهَا الْمَيِّتُ الْمُسْلِمُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَوَقْتُهَا وَقْتُ حُضُورِهِ؛ وَلِذَا قُدِّمَتْ عَلَى سُنَّةِ الْمَغْرِبِ كَمَا فِي الْخِزَانَةِ. اهـ. وَفِي الْبَحْرِ وَيُفْسِدُهَا مَا أَفْسَدَ الصَّلَاةَ إلَّا الْمُحَاذَاةَ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَتُكْرَهُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ وَلَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فَاسْتَخْلَفَ غَيْرَهُ فِيهَا جَازَ هُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ. اهـ. (قَوْلُهُ بِالْإِجْمَاعِ) وَمَا فِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ مِنْ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فَالْمُرَادُ الِافْتِرَاضُ بَحْرٌ لَكِنْ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ النَّظْمِ قِيلَ إنَّهَا سُنَّةٌ. اهـ.

قُلْت: يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ بِثُبُوتِهَا بِالسُّنَّةِ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ لَكِنْ يُنَافِيهِ التَّصْرِيحُ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْإِجْمَاعَ سَنَدُهُ السُّنَّةُ كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «صَلُّوا عَلَى كُلّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ» وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103] فَقِيلَ إنَّهُ دَلِيلُ الْفَرْضِيَّةِ لَكِنْ رُدَّ كَمَا فِي النَّهْرِ بِإِجْمَاعِ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ الدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ لِلْمُتَصَدِّقِ. اهـ.

هَذَا، وَاسْتَشْكَلَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي التَّحْرِيرِ وُجُوبَهَا بِسُقُوطِهَا بِفِعْلِ الصَّبِيِّ، قَالَ: وَالْجَوَابُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْفِعْلُ لَا يَدْفَعُ الْوَارِدَ مِنْ لَفْظِ الْوُجُوبِ اهـ أَيْ لِأَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ فَلَا بُدَّ مِنْ صُدُورِ الْفِعْلِ مِنْهُمْ وَذَكَرَ شَارِحُهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ أَنَّ سُقُوطَهَا بِفِعْلِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ: وَلَا يَحْضُرُنِي هَذَا مَنْقُولًا فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ كُتُبِنَا وَإِنَّمَا ظَاهِرُ أُصُولِ الْمَذْهَبِ عَدَمُ السُّقُوطِ اهـ وَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ قَرِيبًا

(قَوْلُهُ: وَشَرْطُهَا) أَيْ شَرْطُ صِحَّتِهَا وَأَمَّا شُرُوطُ وُجُوبِهَا فَهِيَ شُرُوطُ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ مِنْ الْقُدْرَةِ وَالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَالْإِسْلَامِ مَعَ زِيَادَةِ الْعِلْمِ بِمَوْتِهِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ سِتَّةٌ) ثَلَاثَةٌ فِي الْمَتْنِ وَثَلَاثَةٌ فِي الشَّرْحِ، وَهِيَ: سَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَحُضُورُ الْمَيِّتِ، وَكَوْنُهُ أَوْ أَكْثَرُهُ أَمَامَ الْمُصَلِّي، وَزَادَ أَيْضًا سَابِعًا: وَهُوَ بُلُوغُ الْإِمَامِ، ثُمَّ هَذِهِ الشُّرُوطُ رَاجِعَةٌ إلَى الْمَيِّتِ، وَأَمَّا الشُّرُوطُ الَّتِي تَرْجِعُ إلَى الْمُصَلِّي فَهِيَ شُرُوطُ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ مِنْ الطَّهَارَةِ الْحَقِيقِيَّةِ بَدَنًا وَثَوْبًا وَمَكَانًا وَالْحُكْمِيَّةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَالنِّيَّةِ سِوَى الْوَقْتِ (قَوْلُهُ إسْلَامُ الْمَيِّتِ) أَيْ وَلَوْ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ لِلدَّارِ أَوْ لِلسَّابِي كَمَا سَيَأْتِي وَالْمُرَادُ بِالْمَيِّتِ مَنْ مَاتَ بَعْدَ وِلَادَتِهِ حَيًّا لَا لِبَغْيٍ أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ أَوْ مُكَابَرَةٍ فِي مِصْرٍ أَوْ قَتْلٍ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ قَتْلٍ لِنَفْسِهِ كَمَا يَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ كُلِّهِ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُهَلْ عَلَيْهِ التُّرَابُ) أَمَّا لَوْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ وَلَمْ يُهَلْ عَلَيْهِ التُّرَابُ فَإِنَّهُ يُخْرَجُ وَيُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ جَوْهَرَةٌ (قَوْلُهُ فَيُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ بِلَا غُسْلٍ) أَيْ قَبْلَ أَنْ يَتَفَسَّخَ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِنْ دُفِنَ بِلَا صَلَاةٍ. هَذَا، وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ هُنَاكَ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ إذَا دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَأَنَّهُ صَحَّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى الْقُدُورِيِّ وَصَاحِبِ التُّحْفَةِ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ لِأَنَّهَا بِلَا غُسْلٍ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ رَمْلِيٌّ وَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.

(قَوْلُهُ وَإِنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ أَوَّلًا) أَيْ ثُمَّ تَذَّكَّرُوا أَنَّهُ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ (قَوْلُهُ اسْتِحْسَانًا)

ص: 207

وَفِي الْقُنْيَةِ الطَّهَارَةُ مِنْ النَّجَاسَةِ فِي ثَوْبٍ وَبَدَنٍ وَمَكَانٍ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ شَرْطٌ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ وَالْإِمَامِ جَمِيعًا؛ فَلَوْ أَمَّ بِلَا طَهَارَةٍ وَالْقَوْمُ بِهَا أُعِيدَتْ وَبِعَكْسِهِ لَا كَمَا لَوْ أَمَّتْ امْرَأَةٌ وَلَوْ أَمَةً لِسُقُوطِ فَرْضِهَا بِوَاحِدٍ وَبَقِيَ مِنْ الشُّرُوطِ بُلُوغُ الْإِمَامِ تَأَمَّلْ وَشَرْطُهَا أَيْضًا حُضُورُهُ (وَوَضْعُهُ) وَكَوْنُهُ هُوَ أَوْ أَكْثَرُهُ (أَمَامَ الْمُصَلِّي) وَكَوْنُهُ لِلْقِبْلَةِ

ــ

[رد المحتار]

لِأَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا لِتَرْكِ الطَّهَارَةِ مَعَ الْإِمْكَانِ وَالْآنَ زَالَ الْإِمْكَانُ وَسَقَطَتْ فَرِيضَةُ الْغُسْلِ جَوْهَرَةٌ (قَوْلُهُ وَفِي الْقُنْيَةِ إلَخْ) مِثْلُهُ فِي الْمِفْتَاحِ وَالْمُجْتَبَى مَعْزِيًّا إلَى التَّجْرِيدِ إسْمَاعِيلُ، لَكِنْ فِي التَّتَارْخَانِيَّة سُئِلَ قَاضِي خَانْ عَنْ طَهَارَةِ مَكَانِ الْمَيِّتِ هَلْ تُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ؟ قَالَ إنْ كَانَ الْمَيِّتُ عَلَى الْجِنَازَةِ لَا شَكَّ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَإِلَّا فَلَا رِوَايَةَ لِهَذَا وَيَنْبَغِي الْجَوَازُ، وَهَكَذَا أَجَابَ الْقَاضِي بَدْرُ الدِّينِ اهـ. وَفِي ط عَنْ الْخِزَانَةِ إذَا تَنَجَّسَ الْكَفَنُ بِنَجَاسَةِ الْمَيِّتِ لَا يَضُرُّ دَفْعًا لِلْحَرَجِ بِخِلَافِ الْكَفَنِ الْمُتَنَجِّسِ ابْتِدَاءً. اهـ. وَكَذَا لَوْ تَنَجَّسَ بَدَنُهُ بِمَا خَرَجَ مِنْهُ إنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُكَفَّنَ غُسِّلَ وَبَعْدَهُ لَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْغُسْلِ فَيُقَيَّدُ مَا فِي الْقُنْيَةِ بِغَيْرِ النَّجَاسَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ الْمَيِّتِ (قَوْلُهُ أُعِيدَتْ) لِأَنَّهُ لَا صِحَّةَ لَهَا بِدُونِ الطَّهَارَةِ وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْإِمَامِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْقَوْمِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ: وَبِعَكْسِهِ لَا) أَيْ لَا تُعَادُ لِصِحَّةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ (قَوْلُهُ كَمَا لَوْ أَمَّتْ امْرَأَةٌ) أَيْ أَمَّتْ رَجُلًا فَإِنَّ صَلَاتَهَا تَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَمَةً) سَاقِطٌ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ (قَوْلُهُ لِسُقُوطِ فَرْضِهَا بِوَاحِدٍ) أَيْ بِشَخْصٍ وَاحِدٍ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً، فَهُوَ تَعْلِيلٌ لِمَسْأَلَةِ الْعَكْسِ وَمَسْأَلَةِ الْمَرْأَةِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ وَالْحِلْيَةِ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا تَجِبُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ فِيهَا اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ وَبَقِيَ مِنْ الشُّرُوطِ بُلُوغُ الْإِمَامِ) الْأَوْلَى ذِكْرُ ذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ الشُّرُوطِ لِأَنَّهُ شَرْطٌ سَابِعٌ زَائِدٌ عَلَى السِّتَّةِ فَافْهَمْ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالتَّأَمُّلِ لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ بَحْثًا لَا نَقْلًا

مَطْلَبٌ هَلْ يَسْقُطُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِفِعْلِ الصَّبِيِّ؟

قَالَ الْإِمَامُ الْأُسْرُوشَنِيُّ فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الصِّغَارِ: الصَّبِيُّ إذَا غَسَّلَ الْمَيِّتَ جَازَ وَإِذَا أَمَّ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ أَدَاءِ الْفَرْضِ، وَلَكِنْ يَشْكُلُ بِرَدِّ السَّلَامِ إذَا سَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ فَرَدَّ صَبِيٌّ جَوَابَ السَّلَامِ. اهـ.

أَقُولُ: حَاصِلُهُ أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ عَنْ الْبَالِغِينَ بِفِعْلِهِ لِأَنَّ صَلَاتَهُمْ لَمْ تَصِحَّ لِفَقْدِ شُرُوطِ الِاقْتِدَاءِ وَهُوَ بُلُوغُ الْإِمَامِ وَصَلَاتُهُ، وَإِنْ صَحَّتْ لِنَفْسِهِ لَا تَقَعُ فَرْضًا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ صَلَّى وَحْدَهُ لَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهُمْ بِفِعْلِهِ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ لَوْ صَلَّتْ إمَامًا أَوْ وَحْدَهَا كَمَا مَرَّ، لَكِنْ يَشْكُلُ عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَةُ السَّلَامِ، وَكَذَا جَوَازُ تَغْسِيلِهِ لِلْمَيِّتِ مَعَ أَنَّهُ فَرْضٌ أَيْضًا، وَقَدَّمْنَا عَنْ التَّحْرِيرِ قَرِيبًا اسْتِشْكَالَ سُقُوطِ الصَّلَاةِ بِفِعْلِهِ. وَعَنْ شَارِحِهِ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ وَأَنَّ ظَاهِرَ أُصُولِ الْمَذْهَبِ عَدَمُ السُّقُوطِ، لَكِنْ نُقِلَ فِي الْأَحْكَامِ عَنْ جَامِعِ الْفَتَاوَى سُقُوطُهَا بِفِعْلِهَا كَرَدِّ السَّلَامِ، وَنَقَلَ بَعْدَهُ عَنْ السِّرَاجِيَّةِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ.

قُلْت: يُمْكِنُ حَمْلُ الثَّانِي عَلَى أَنَّ الْبُلُوغَ شَرْطٌ لِكَوْنِهِ إمَامًا، فَلَا يُنَافِي السُّقُوطَ بِفِعْلِهِ كَمَا فِي التَّغْسِيلِ وَرَدِّ السَّلَامِ، وَكَوْنُهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ أَدَاءِ الْفَرْضِ لَا يُنَافِي ذَلِكَ، كَمَا حَقَّقْنَاهُ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ حُضُورُهُ) أَيْ كُلُّهُ أَوْ أَكْثَرُهُ كَالنِّصْفِ مَعَ الرَّأْسِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَوَضْعُهُ) أَيْ عَلَى الْأَرْضِ، أَوْ عَلَى الْأَيْدِي قَرِيبًا مِنْهَا (قَوْلُهُ: وَكَوْنُهُ هُوَ أَوْ أَكْثَرُهُ أَمَامَ الْمُصَلِّي) الْمُنَاسِبُ ذِكْرُ قَوْلِهِ هُوَ أَوْ أَكْثَرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ حُضُورُهُ لِأَنَّهُ احْتِرَازٌ عَنْ كَوْنِهِ خَلْفَهُ مَعَ أَنَّهُ يُوهِمُ اشْتِرَاطَ مُحَاذَاتِهِ لِلْمَيِّتِ أَوْ أَكْثَرِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ ذَكَرَ الْقُهُسْتَانِيُّ عَنْ التُّحْفَةِ أَنَّ رُكْنَهَا الْقِيَامُ وَمُحَاذَاتُهُ إلَى جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيِّتِ اهـ لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ الْأَقْرَبُ كَوْنُ الْمُحَاذَاةِ

ص: 208

فَلَا تَصِحُّ عَلَى غَائِبٍ وَمَحْمُولٍ عَلَى نَحْوِ دَابَّةٍ وَمَوْضُوعٍ خَلْفَهُ، لِأَنَّهُ كَالْإِمَامِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ لِصِحَّتِهَا عَلَى الصَّبِيِّ وَصَلَاةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى النَّجَاشِيِّ لُغَوِيَّةٌ أَوْ خُصُوصِيَّةٌ. وَصَحَّتْ لَوْ وَضَعُوا الرَّأْسَ مَوْضِعَ الرِّجْلَيْنِ وَأَسَاءُوا إنْ تَعَمَّدُوا، وَلَوْ أَخْطَئُوا الْقِبْلَةَ صَحَّتْ إنْ تَحَرَّوْا وَإِلَّا لَا مِفْتَاحُ السَّعَادَةِ.

(وَرُكْنُهَا) شَيْئَانِ (التَّكْبِيرَاتُ) الْأَرْبَعُ، فَالْأُولَى رُكْنٌ أَيْضًا لَا شَرْطٌ، فَلِذَا لَمْ يَجُزْ بِنَاءُ أُخْرَى عَلَيْهَا (وَالْقِيَامُ) فَلَمْ تَجُزْ قَاعِدًا بِلَا عُذْرٍ.

(وَسُنَّتُهَا) ثَلَاثَةٌ (التَّحْمِيدُ وَالثَّنَاءُ وَالدُّعَاءُ فِيهَا) ذَكَرَهُ الزَّاهِدِيُّ، وَمَا فَهِمَهُ الْكَمَالُ مِنْ أَنَّ الدُّعَاءَ رُكْنٌ

ــ

[رد المحتار]

شَرْطًا فَيُزَادُ عَلَى السَّبْعَةِ الْمَذْكُورَةِ، ثُمَّ هَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ الْمَيِّتُ وَاحِدًا، وَإِلَّا فَيُحَاذِي وَاحِدًا مِنْهُمْ بِدَلِيلِ مَا سَيَأْتِي مِنْ التَّخْيِيرِ فِي وَضْعِهِمْ صَفًّا طُولًا أَوْ عَرْضًا تَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْته فِي ط.

ثُمَّ قَالَ: إنَّ هَذَا ظَاهِرٌ فِي الْإِمَامِ لِأَنَّ صَفَّ الْمُؤْتَمِّينَ قَدْ يَخْرُجُ عَنْ الْمُحَاذَاةِ (قَوْلُهُ فَلَا تَصِحُّ) بَيَانٌ لِمُحْتَرَزَاتِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ (قَوْلُهُ عَلَى نَحْوِ دَابَّةٍ) أَيْ كَمَحْمُولٍ عَلَى أَيْدِي النَّاسِ، فَلَا تَجُوزُ فِي الْمُخْتَارِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ إمْدَادٌ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ، وَهَذَا لَوْ حُمِلَتْ عَلَى الْأَيْدِي ابْتِدَاءً؛ أَمَّا لَوْ سُبِقَ بِبَعْضِ التَّكْبِيرَاتِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ بِمَا فَاتَهُ، وَإِنْ رُفِعَتْ عَلَى الْأَيْدِي قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ عَلَى الْأَكْتَافِ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ كَالْإِمَامِ مِنْ وَجْهٍ) لِاشْتِرَاطِ هَذِهِ الشُّرُوطِ وَعَدَمِ صِحَّتِهَا بِفَقْدِهَا أَوْ فَقْدِ بَعْضِهَا (قَوْلُهُ: لِصِحَّتِهَا عَلَى الصَّبِيِّ) أَيْ وَالْمَرْأَةِ، وَهَذَا عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ دُونَ وَجْهٍ؛ إذْ لَوْ كَانَ إمَامًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَمَا صَحَّتْ عَلَى الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ عَلَى النَّجَاشِيِّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَبِتَخْفِيفِهَا أَفْصَحُ وَتُكْسَرُ نُونُهَا، أَوْ هُوَ أَفْصَحُ: مَلِكِ الْحَبَشَةِ اسْمُهُ أَصْحَمَةُ قَامُوسٌ. وَذُكِرَ فِي الْمُغْرِبِ أَنَّهُ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ سَمَاعًا مِنْ الثِّقَاتِ، وَأَنَّ تَشْدِيدَ الْجِيمِ فِيهِ خَطَأٌ، وَأَنَّ السِّينَ فِي أَصْحَمَةَ تَصْحِيفٌ (قَوْلُهُ لُغَوِيَّةٌ) أَيْ الْمُرَادُ بِهَا مُجَرَّدُ الدُّعَاءِ وَهُوَ بَعِيدٌ (قَوْلُهُ أَوْ خُصُوصِيَّةٌ) أَوْ لِأَنَّهُ رُفِعَ سَرِيرُهُ حَتَّى رَآهُ عليه الصلاة والسلام بِحَضْرَتِهِ فَتَكُونُ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ عَلَى مَيِّتٍ يَرَاهُ الْإِمَامُ وَبِحَضْرَتِهِ دُونَ الْمَأْمُومِينَ، وَهَذَا غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ الِاقْتِدَاءِ فَتْحٌ. وَاسْتَدَلَّ لِهَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ فَارْجِعْ إلَيْهِ، مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَعَزِّهِمْ عَلَيْهِ الْقُرَّاءُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِمْ مَعَ حِرْصِهِ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَالَ «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إلَّا آذَنْتُمُونِي بِهِ فَإِنَّ صَلَاتِي عَلَيْهِ رَحْمَةٌ لَهُ» (قَوْلُهُ وَصَحَّتْ لَوْ وَضَعُوا إلَخْ) كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَفَسَّرَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ مَعْزِيًّا لِلتَّتَارْخَانِيَّةِ بِأَنْ وَضَعُوا رَأْسَهُ مِمَّا يَلِي يَسَارَ الْإِمَامِ اهـ فَأَفَادَ أَنَّ السُّنَّةَ وَضْعُ رَأْسِهِ مِمَّا يَلِي يَمِينَ الْإِمَامِ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ الْآنَ، وَلِهَذَا عَلَّلَ فِي الْبَدَائِعِ لِلْإِسَاءَةِ بِقَوْلِهِ لِتَغْيِيرِهِمْ السُّنَّةَ الْمُتَوَارَثَةَ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ: يُوضَعُ رَأْسُهُ مِمَّا يَلِي الْمُسْتَقْبِلَ، فَمَا فِي حَاشِيَةِ الرَّحْمَتِيِّ مِنْ خِلَافِ هَذَا فِيهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ

(قَوْلُهُ شَيْئَانِ) وَأَمَّا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ التُّحْفَةِ مِنْ زِيَادَةِ الْمُحَاذَاةِ إلَى جُزْءٍ مِنْ الْمَيِّتِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ كَوْنُهُ شَرْطًا لَا رُكْنًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ فَلِذَا إلَخْ) أَيْ لِكَوْنِهَا رُكْنًا لَا شَرْطًا لِأَنَّهُ لَوْ نَوَاهَا لِلْأُخْرَى أَيْضًا يَصِيرُ مُكَبِّرًا ثَلَاثًا، وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَحْرٌ عَنْ الْمُحِيطِ (قَوْلُهُ: فَلَمْ تَجُزْ قَاعِدًا) أَيْ وَلَا رَاكِبًا (قَوْلُهُ بِلَا عُذْرٍ) فَلَوْ تَعَذَّرَ النُّزُولُ لِطِينٍ أَوْ مَطَرٍ جَازَتْ رَاكِبًا، وَلَوْ كَانَ الْوَالِي مَرِيضًا فَصَلَّى قَاعِدًا وَالنَّاسُ قِيَامًا أَجْزَأَهُمْ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: تُجْزِئُ الْإِمَامَ فَقَطْ حِلْيَةٌ

(قَوْلُهُ: التَّحْمِيدُ وَالثَّنَاءُ) كَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ، وَمُقْتَضَى قَوْلِ الشَّارِحِ ثَلَاثَةٌ أَنَّ الثَّنَاءَ غَيْرُ التَّحْمِيدِ مَعَ أَنَّهُ فِيمَا يَأْتِي فَسَّرَ الثَّنَاءَ بِقَوْلِهِ " سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك " فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا وَاحِدٌ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ الثَّالِثُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (قَوْلُهُ وَمَا فَهِمَهُ الْكَمَالُ) تَبِعَهُ شَارِحَا الْمُنْيَةِ الْبُرْهَانُ الْحَلَبِيُّ وَابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ (قَوْلُهُ مِنْ أَنَّ الدُّعَاءَ رُكْنٌ) قَالَ لِقَوْلِهِمْ إنَّ حَقِيقَتَهَا وَالْمَقْصُودَ مِنْهَا الدُّعَاءُ

ص: 209

وَالتَّكْبِيرَةُ الْأُولَى شَرْطٌ رَدَّهُ فِي الْبَحْرِ بِتَصْرِيحِهِمْ بِخِلَافِهِ

(وَهِيَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مَاتَ خَلَا) أَرْبَعَةٍ (بُغَاةٍ، وَقُطَّاعِ طَرِيقٍ) فَلَا يُغَسَّلُوا، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ (إذَا قُتِلُوا فِي الْحَرْبِ) وَلَوْ بَعْدَهُ صَلَّى عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ حَدٌّ أَوْ قِصَاصٌ

ــ

[رد المحتار]

قَوْلُهُ وَالتَّكْبِيرَةُ الْأُولَى شَرْطٌ) قَالَ لِأَنَّهَا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامَ (قَوْلُهُ رَدَّهُ فِي الْبَحْرِ بِتَصْرِيحِهِمْ بِخِلَافِهِ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَفِي الْمُحِيطِ أَنَّ الدُّعَاءَ سُنَّةٌ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْمَسْبُوقَ يَقْضِي التَّكْبِيرَ نَسَقًا بِغَيْرِ دُعَاءٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ بِنَاءُ أُخْرَى عَلَيْهَا وَقَوْلُهُمْ: إنَّ التَّكْبِيرَاتِ الْأَرْبَعَ قَائِمَةٌ مَقَامَ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ. اهـ.

قُلْت: مَا نَقَلَهُ عَنْ الْمُحِيطِ مِنْ أَنَّ الدُّعَاءَ سُنَّةٌ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، فَقَدْ صَرَّحُوا عَنْ آخِرِهِمْ بِأَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ هِيَ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ إذْ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا. اهـ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الْمَسْبُوقَ يَقْضِي التَّكْبِيرَ نَسَقًا بِغَيْرِ دُعَاءٍ، فَقَدْ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: إنَّ الْإِمَامَ يَتَحَمَّلُهُ عَنْهُ أَيْ فَلَا يُنَافِي رُكْنِيَّتَهُ كَمَا يَتَحَمَّلُ عَنْهُ الْقِرَاءَةَ وَهِيَ رُكْنٌ أَيْضًا اهـ لَكِنْ تُحْمَلُ الْقِرَاءَةُ فِي حَالَةِ الِاقْتِدَاءِ، أَمَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ فَيَأْتِي الْمَسْبُوقُ بِهَا. وَقَدْ يُقَالُ: يَتَحَمَّلُ الْإِمَامُ الدُّعَاءَ عَنْ الْمَسْبُوقِ لِضَرُورَةِ تَصْحِيحِ صَلَاتِهِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا خِيفَ رَفْعُ الْجِنَازَةِ وَأَتَى بِالتَّكْبِيرَاتِ نَسَقًا تَأَمَّلْ.

أَقُولُ: وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَنْوِي مَعَ الصَّلَاةِ لِلَّهِ - تَعَالَى - الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ، وَعَلَّلَهُ الشَّارِحُ هُنَاكَ بِأَنَّهُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، وَنَقَلْنَاهُ هُنَاكَ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ وَالْبَحْرِ وَالنَّهْرِ، فَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا اخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَأَمَّا عَدَمُ جَوَازِ بِنَاءِ أُخْرَى عَلَيْهَا فَلِكَوْنِهَا قَائِمَةً مَقَامَ رَكْعَةٍ، وَكَوْنُهَا كَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ رُكْنًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ إذْ لَا شَكَّ أَنَّهَا تَحْرِيمَةٌ يَدْخُلُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ؛ وَلِذَا خُصَّتْ بِرَفْعِ الْأَيْدِي، فَهِيَ شَرْطٌ مِنْ وَجْهٍ رُكْنٌ مِنْ وَجْهٍ فَتَدَبَّرْ

(قَوْلُهُ وَهِيَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مَاتَ) لَفْظُ عَلَى بِمَعْنَى اللَّامِ التَّعْلِيلِيَّةِ مِثْلَ {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185] أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ خَبَرٌ ثَانٍ لِلضَّمِيرِ الْمُبْتَدَإِ أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ لِأَنَّهُ عَائِدٌ لِلصَّلَاةِ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَالصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مَاتَ فَرْضٌ: أَيْ مُفْتَرِضٍ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ، وَلَوْ أَسْقَطَ الشَّارِحُ لَفْظَ فَرْضٍ لَكَانَ أَصْوَبَ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ تَصْرِيحُ الْمُصَنِّفِ بِهِ، وَلِئَلَّا يُوهِمَ تَعَلُّقَ الْجَارِّ بِهِ فَيَفْسُدُ الْمَعْنَى فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ خَلَا أَرْبَعَةٍ) بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّ خَلَا حَرْفُ اسْتِثْنَاءٍ (قَوْلُهُ بُغَاةٍ) هُمْ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ خَرَجُوا عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ بِغَيْرِ حَقٍّ (قَوْلُهُ فَلَا يُغَسَّلُوا إلَخْ) فِي نُسْخَةٍ فَلَا يُغَسَّلُونَ وَهِيَ أَصْوَبُ، إنَّمَا لَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ إهَانَةً لَهُمْ وَزَجْرًا لِغَيْرِهِمْ عَنْ فِعْلِهِمْ. وَصَرَّحَ بِنَفْيِ غُسْلِهِمْ لِأَنَّهُ قِيلَ يُغَسَّلُونَ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الشَّهِيدِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهَذَا الْقِيلُ رِوَايَةٌ. وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى ضَعْفِهَا، لَكِنْ مَشَى عَلَيْهَا فِي الدُّرَرِ وَالْوِقَايَةِ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَعْدَهُ إلَخْ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَأَمَّا إذَا قُتِلُوا بَعْدَ ثُبُوتِ يَدِ الْإِمَامِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ، وَهَذَا تَفْصِيلٌ حَسَنٌ أَخَذَ بِهِ كِبَارُ الْمَشَايِخِ لِأَنَّ قَتْلَ قَاطِعِ الطَّرِيقِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَدٌّ أَوْ قِصَاصٌ، وَمَنْ قُتِلَ بِذَلِكَ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَتْلُ الْبَاغِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِلسِّيَاسَةِ أَوْ لِكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ فَيَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ لِعَوْدِ نَفْعِهِ إلَى الْعَامَّةِ اهـ وَقَوْلُهُ أَوْ قِصَاصٌ أَيْ بِأَنْ كَانَ ثَمَّ مَا يُسْقِطُ الْحَدَّ كَقَطْعِهِ عَلَى مُحْرِمٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا ذُكِرَ فِي بَابِهِ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ هَذَا التَّفْصِيلِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمْ حَتْفَ أَنْفِهِ قَبْلَ الْأَخْذِ أَوْ بَعْدَهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ كَمَا بَحَثَهُ فِي الْحِلْيَةِ، وَقَالَ: وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا.

ص: 210

(وَكَذَا) أَهْلُ عُصْبَةٍ وَ (مُكَابِرٌ فِي مِصْرٍ لَيْلًا بِسِلَاحٍ وَخَنَّاقٌ) خَنَقَ غَيْرَ مَرَّةٍ فَحُكْمُهُمْ كَالْبُغَاةِ.

(مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ) وَلَوْ (عَمْدًا يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ) بِهِ يُفْتَى وَإِنْ كَانَ أَعْظَمَ وِزْرًا مِنْ قَاتِلِ غَيْرِهِ. وَرَجَّحَ الْكَمَالُ قَوْلَ الثَّانِي بِمَا فِي مُسْلِمٍ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أُتِيَ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ» .

ــ

[رد المحتار]

قُلْت: وَفِي الْأَحْكَامِ عَنْ أَبِي اللَّيْثِ: وَلَوْ قُتِلُوا فِي غَيْرِ الْحَرْبِ أَوْ مَاتُوا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ اهـ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْمَطْلُوبِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا أَهْلُ عُصْبَةٍ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، وَفِي نُسْخَةٍ عَصَبِيَّةٍ.

وَفِي نِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ: الْعَصَبِيَّةُ وَالتَّعَصُّبُ: الْمُحَامَاةُ وَالْمُدَافَعَةُ. وَالْعَصَبِيُّ: مَنْ يُعِينُ قَوْمَهُ عَلَى الظُّلْمِ، وَاَلَّذِي يَغْضَبُ لِعُصْبَتِهِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إلَى عَصَبِيَّةٍ أَوْ قَاتَلَ عَصَبِيَّةً» قَالَ فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ: وَفِي النَّوَازِلِ: وَجَعَلَ مَشَايِخُنَا الْمَقْتُولِينَ فِي الْعَصَبِيَّةِ فِي حُكْمِ أَهْلِ الْبَغْيِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ. وَفِي الْمُغْنِي: جَعَلَ الدَّرْوَازَكِيُّ وَالْكَلَابَاذِيُّ كَالْبَاغِي وَكَذَا الْوَاقِفُونَ النَّاظِرُونَ إلَيْهِمَا إنْ أَصَابَهُمْ حَجَرٌ أَوْ غَيْرُهُ وَمَاتُوا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَلَوْ مَاتُوا بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ. اهـ. قَالَ ط: وَمِثْلُهُمْ سَعْدٌ وَحَرَامٌ بِمِصْرَ وَقَيْسٌ وَيَمَنٌ بِبَعْضِ الْبِلَادِ اهـ.

أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا حَيْثُ كَانَ الْبَغْيُ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ، فَلَوْ بَغَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَقَصَدَ الْآخَرُ الْمُدَافَعَةَ عَنْ نَفْسِهِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ يَكُونُ الْمُدَافِعُ شَهِيدًا. وَفِي شَرْحِ مُنْلَا مِسْكِينٍ مَا يُؤَيِّدُهُ فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ: وَمُكَابِرٍ فِي مِصْرٍ لَيْلًا بِسِلَاحٍ) كَذَا فِي الدُّرَرِ وَالْبَحْرِ وَغَيْرِهِمَا. وَالْمُكَابِرُ: بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُتَغَلِّبُ إسْمَاعِيلُ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ يَقِفُ فِي مَحَلٍّ مِنْ الْمِصْرِ يَتَعَرَّضُ لِمَعْصُومٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ مِنْ أَنَّهُ يَكُونُ قَاطِعَ طَرِيقٍ إذَا كَانَ فِي الْمِصْرِ لَيْلًا مُطْلَقًا أَوْ نَهَارًا بِسِلَاحٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، فَيُعْطَى أَحْكَامَ قَاطِعِ الطَّرِيقِ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ مِنْ أَنَّهُ إذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَخْذِ شَيْءٍ وَقَتَلَ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَتُوبَ، وَإِنْ أَخَذَ مَالًا قُطِعَ مِنْ خِلَافٍ وَإِنْ قَتَلَ مَعْصُومًا قُتِلَ حَدًّا عَلَى مَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي مَحَلِّهِ، فَحَيْثُ كَانَ حَدُّهُ الْقَتْلَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَهُ بِسِلَاحٍ غَيْرُ قَيْدٍ لِأَنَّهُ إذَا وَقَفَ فِي الْمِصْرِ لَيْلًا لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ قَاتِلًا بِسِلَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ كَحَجَرٍ أَوْ عَصًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ خَنَقَ غَيْرَ مَرَّةٍ) هُوَ مُفَادُ صِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ، وَقَيَّدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْبُغَاةِ بِمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْمِصْرِ. وَعِبَارَتُهُ فِي الشَّرْحِ: وَمَنْ تَكَرَّرَ الْخَنِقُ بِكَسْرِ النُّونِ مِنْهُ فِي الْمِصْرِ أَيْ خَنَقَ مِرَارًا، ذَكَرَهُ مِسْكِينٌ قُتِلَ بِهِ سِيَاسَةً لِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ يُدْفَعُ شَرُّهُ بِالْقَتْلِ وَإِلَّا بِأَنْ خَنَقَ مَرَّةً لَا لِأَنَّهُ كَالْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ، وَفِيهِ الْقَوَدُ عِنْدَ غَيْرِ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ أَيْ وَأَمَّا عِنْدَهُ فَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ كَالْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ بِأَنْ خَنَقَ مَرَّةً أَنَّ التَّكْرَارَ يَحْصُلُ بِمَرَّتَيْنِ (قَوْلُهُ: فَحُكْمُهُمْ كَالْبُغَاةِ) كَذَا فِي الْبَحْرِ وَالزَّيْلَعِيِّ: أَيْ حُكْمُ أَهْلِ عَصَبِيَّةٍ وَمُكَابِرٍ وَخَنَّاقٍ حُكْمُ الْبُغَاةِ فِي أَنَّهُمْ لَا يُغَسَّلُونَ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ. وَأَمَّا فِي الدُّرَرِ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ غُسِّلُوا: أَيْ الْبُغَاةُ وَالْقُطَّاعُ وَالْمُكَابِرُ، فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَقَدَّمْنَا تَرْجِيحَهَا

(قَوْلُهُ بِهِ يُفْتَى) لِأَنَّهُ فَاسِقٌ غَيْرُ سَاعٍ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَإِنْ كَانَ بَاغِيًا عَلَى نَفْسِهِ كَسَائِرِ فُسَّاقِ الْمُسْلِمِينَ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ: وَرَجَّحَ الْكَمَالُ قَوْلَ الثَّانِي إلَخْ) أَيْ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ: إنَّهُ يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إسْمَاعِيلُ عَنْ خِزَانَةِ الْفَتَاوَى. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَالْكِفَايَةِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ الْإِمَامِ السَّعْدِيِّ: الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا تَوْبَةَ لَهُ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ، لَكِنْ تَأَيَّدَ الثَّانِي بِالْحَدِيثِ. اهـ.

أَقُولُ: قَدْ يُقَالُ: لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ سِوَى «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ» فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ امْتَنَعَ زَجْرًا لِغَيْرِهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ كَمَا امْتَنَعَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَدْيُونِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ

ص: 211

(لَا) يُصَلَّى عَلَى (قَاتِلِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ) إهَانَةً لَهُ، وَأَلْحَقَهُ فِي النَّهْرِ بِالْبُغَاةِ.

(وَهِيَ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ) كُلُّ تَكْبِيرَةٍ قَائِمَةٌ مَقَامَ رَكْعَةٍ (يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْأُولَى فَقَطْ) وَقَالَ أَئِمَّةُ بَلْخٍ فِي كُلِّهَا (وَيُثْنِي بَعْدَهَا) وَهُوَ " سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك "(وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) كَمَا فِي التَّشَهُّدِ (بَعْدَ الثَّانِيَةِ) لِأَنَّ تَقْدِيمَهَا سُنَّةُ الدُّعَاءِ (وَيَدْعُو بَعْدَ الثَّالِثَةِ) بِأُمُورِ الْآخِرَةِ وَالْمَأْثُورُ أَوْلَى،

ــ

[رد المحتار]

صَلَاةِ أَحَدٍ عَلَيْهِ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ إذْ لَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ صَلَاتِهِ وَصَلَاةِ غَيْرِهِ. قَالَ تَعَالَى {إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103] ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ بَحْثًا كَذَلِكَ، وَأَيْضًا فَالتَّعْلِيلُ بِأَنَّهُ لَا تَوْبَةَ لَهُ مُشْكِلٌ عَلَى قَوَاعِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ فِي قَبُولِ تَوْبَةِ الْعَاصِي، بَلْ التَّوْبَةُ مِنْ الْكُفْرِ مَقْبُولَةٌ قَطْعًا وَهُوَ أَعْظَمُ وِزْرًا، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مَا إذَا تَابَ حَالَةَ الْيَأْسِ كَمَا إذَا فَعَلَ بِنَفْسِهِ مَا لَا يَعِيشُ مَعَهُ عَادَةً كَجُرْحٍ مُزْهِقٍ فِي سَاعَتِهِ وَإِلْقَاءٍ فِي بَحْرٍ أَوْ نَارٍ فَتَابَ، أَمَّا لَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ، وَبَقِيَ حَيًّا أَيَّامًا مَثَلًا ثُمَّ تَابَ وَمَاتَ فَيَنْبَغِي الْجَزْمُ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ وَلَوْ كَانَ مُسْتَحِلًّا لِذَلِكَ الْفِعْلِ؛ إذْ التَّوْبَةُ مِنْ الْكُفْرِ حِينَئِذٍ مَقْبُولَةٌ فَضْلًا عَنْ الْمَعْصِيَةِ، بَلْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي قَبُولِ تَوْبَةِ الْعَاصِي حَالَةَ الْيَأْسِ.

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِيمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ عَمْدًا، أَمَّا لَوْ كَانَ خَطَأً فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكِفَايَةِ وَغَيْرِهَا وَسَيَأْتِي عَدُّهُ مَعَ الشُّهَدَاءِ

(قَوْلُهُ: لَا يُصَلَّى عَلَى قَاتِلِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا قَتَلَهُ الْإِمَامُ قِصَاصًا، أَمَّا لَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ يُصَلَّى عَلَيْهِ كَمَا فِي الْبُغَاةِ وَنَحْوِهِمْ، وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ وَأَلْحَقَهُ فِي النَّهْرِ بِالْبُغَاةِ) أَيْ فَلَا يُعَدُّ خَامِسًا هَكَذَا فَهِمْت، ثُمَّ رَأَيْته فِي ط، لَكِنْ فِيهِ أَنَّ عِبَارَةَ النَّهْرِ هَكَذَا: وَالْعَصَبِيَّةُ كَالْبُغَاةِ، وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ الْخَنَّاقُ وَقَاتِلُ أَحَدِ أَبَوَيْهِ اهـ وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ الْمُسْتَثْنَى أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ تَأَمَّلْ

(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَئِمَّةُ بَلْخٍ فِي كُلِّهَا) وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ، وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ. وَفِي حَاشِيَتِهِ لِلرَّمْلِيِّ: رُبَّمَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْحَنَفِيَّ إذَا اقْتَدَى بِالشَّافِعِيِّ فَالْأَوْلَى مُتَابَعَتُهُ فِي الرَّفْعِ وَلَمْ أَرَهُ. اهـ.

أَقُولُ: وَلَمْ يَقُلْ يَجِبُ لِأَنَّ الْمُتَابَعَةَ إنَّمَا تَجِبُ فِي الْوَاجِبِ أَوْ الْفَرْضِ، وَهَذَا الرَّفْعُ غَيْرُ وَاجِبٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ؛ وَمَا فِي شَرْحِ الْكَيْدَانِيَّةِ لِلْقُهُسْتَانِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْمُتَابَعَةُ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي تَكْبِيرَاتِ الرُّكُوعِ وَتَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ فِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُسَوَّغُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ بِالنَّظَرِ إلَى الرَّفْعِ فِي تَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ، لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهُ قَالَ بِهِ الْبَلْخِيُّونَ مِنْ أَئِمَّتِنَا، وَقَدْ أَوْضَحْنَا الْمَقَامَ فِي آخِرِ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ، وَقَدَّمْنَا أَيْضًا شَيْئًا مِنْهُ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك) كَذَا فَسَّرَ بِهِ الثَّنَاءَ فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ: إنَّهُ مُرَادُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ مِنْ الثَّنَاءِ، وَذَكَرَ فِي النَّهْرِ أَنَّ هَذَا رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ. وَاَلَّذِي فِي الْمَبْسُوطِ عَنْ صَاحِبِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يَحْمَدُ اللَّهَ. اهـ.

أَقُولُ: مُقْتَضَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ حُصُولُ السُّنَّةِ بِأَيِّ صِيغَةٍ مِنْ صِيَغِ الْحَمْدِ، فَيَشْمَلُ الثَّنَاءَ الْمَذْكُورَ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْحَمْدِ (قَوْلُهُ كَمَا فِي التَّشَهُّدِ) أَيْ الْمُرَادُ الصَّلَاةُ الْإِبْرَاهِيمِيَّة الَّتِي يَأْتِي بِهَا الْمُصَلِّي فِي قَعْدَةِ التَّشَهُّدِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ تَقْدِيمَهَا) أَيْ تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ عَلَى الدُّعَاءِ سُنَّةٌ كَمَا أَنَّ تَقْدِيمَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمَا سُنَّةٌ أَيْضًا (قَوْلُهُ وَيَدْعُو إلَخْ) أَيْ لِنَفْسِهِ وَلِلْمَيِّتِ وَلِلْمُسْلِمِينَ لِكَيْ يَغْفِرَ لَهُ فَيُسْتَجَابَ دُعَاؤُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الدُّعَاءِ أَنْ يَبْدَأَ بِنَفْسِهِ. قَالَ تَعَالَى {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا} [نوح: 28] جَوْهَرَةٌ، ثُمَّ أَفَادَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُحْسِنْ الدُّعَاءَ بِالْمَأْثُورِ يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلَهُ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (قَوْلُهُ وَالْمَأْثُورُ أَوْلَى) وَمِنْ الْمَأْثُورِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا. اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْته مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ

ص: 212

وَقُدِّمَ فِيهِ الْإِسْلَامُ مَعَ أَنَّهُ الْإِيمَانُ لِأَنَّهُ مُنْبِئٌ عَنْ الِانْقِيَادِ فَكَأَنَّهُ دُعَاءٌ فِي حَالِ الْحَيَاةِ بِالْإِيمَانِ وَالِانْقِيَادِ، وَأَمَّا فِي حَالِ الْوَفَاةِ فَالِانْقِيَادُ، وَهُوَ الْعَمَلُ غَيْرُ مَوْجُودٍ (وَيُسَلِّمُ) بِلَا دُعَاءٍ (بَعْدَ الرَّابِعَةِ) تَسْلِيمَتَيْنِ نَاوِيًا الْمَيِّتَ مَعَ الْقَوْمِ، وَيُسِرُّ الْكُلَّ إلَّا التَّكْبِيرَ زَيْلَعِيٌّ وَغَيْرُهُ، لَكِنْ فِي الْبَدَائِعِ الْعَمَلُ فِي زَمَانِنَا عَلَى الْجَهْرِ بِالتَّسْلِيمِ. وَفِي جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى: يَجْهَرُ بِوَاحِدَةٍ

(وَلَا قِرَاءَةَ وَلَا تَشَهُّدَ فِيهَا) وَعَيَّنَ الشَّافِعِيُّ الْفَاتِحَةَ فِي الْأُولَى. وَعِنْدَنَا تَجُوزُ بِنِيَّةِ الدُّعَاءِ،

ــ

[رد المحتار]

لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَنَقِّهِ مِنْ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ» مِنَحٌ، وَثَمَّ أَدْعِيَةٌ أُخَرُ فَانْظُرْهَا فِي الْفَتْحِ وَالْإِمْدَادِ وَشُرُوحِ الْمُنْيَةِ. [تَنْبِيهٌ]

الْمُرَادُ الِاسْتِيعَابُ، فَالْمَعْنَى اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ، فَلَا يُنَافِي قَوْلُهُ وَصَغِيرِنَا قَوْلَهُ الْآتِي، وَلَا يَسْتَغْفِرُ لِصَبِيٍّ: أَيْ لَا يَقُولُ اغْفِرْ لَهُ أَفَادَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ، وَالْمُرَادُ بِالْإِبْدَالِ فِي الْأَهْلِ وَالزَّوْجَةِ إبْدَالُ الْأَوْصَافِ لَا الذَّوَاتِ {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطور: 21] وَلِخَبَرِ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ «إنَّ نِسَاءَ الْجَنَّةِ مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ» " وَفِيمَنْ لَا زَوْجَةَ لَهُ عَلَى تَقْدِيرِهَا لَهُ أَنْ لَوْ كَانَتْ وَلِأَنَّهُ صَحَّ الْخَبَرُ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ لِآخِرِ أَزْوَاجِهَا: أَيْ إذَا مَاتَ وَهِيَ فِي عِصْمَتِهِ وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ جَمْعٌ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ «الْمَرْأَةُ مِنَّا رُبَّمَا يَكُونُ لَهَا زَوْجَانِ فِي الدُّنْيَا فَتَمُوتُ وَيَمُوتَانِ وَيَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ لِأَيِّهِمَا هِيَ؟ قَالَ: لِأَحْسَنِهِمَا خُلُقًا كَانَ عِنْدَهَا فِي الدُّنْيَا» وَتَمَامُهُ فِي تُحْفَةِ ابْنِ حَجَرٍ (قَوْلُهُ وَقَدَّمَ فِيهِ الْإِسْلَامَ) أَيْ فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ كَمَا مَرَّ.

اعْلَمْ أَنَّ الْإِسْلَامَ عَلَى وَجْهَيْنِ: شَرْعِيٍّ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْإِيمَانِ. وَلُغَوِيٍّ، وَهُوَ بِمَعْنَى الِاسْتِسْلَامِ وَالِانْقِيَادِ كَمَا فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ لِلنَّسَفِيِّ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ مَعَ أَنَّهُ الْإِيمَانُ نَاظِرٌ لِلْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ لِلْإِسْلَامِ، وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ مُنْبِئٌ نَاظِرٌ إلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لَهُ، وَقَوْلُهُ فَكَأَنَّهُ دُعَاءٌ فِي حَالِ الْحَيَاةِ بِالْإِيمَانِ هُوَ مَعْنَى الْإِسْلَامِ الشَّرْعِيِّ، وَقَوْلُهُ وَالِانْقِيَادُ أَيْ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْإِسْلَامِ اللُّغَوِيِّ. اهـ. ح؛ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مَأْخُوذٌ مِنْ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِسْلَامَ خُصَّ بِحَالَةِ الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لَهَا بِمَعْنَيَيْهِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ الْإِيمَانُ: أَيْ التَّصْدِيقُ الْقَلْبِيُّ، وَاللُّغَوِيِّ، وَهُوَ الِانْقِيَادُ بِالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ، وَخُصَّ الْإِيمَانُ بِحَالَةِ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لَهَا؛ إذْ لَا يُنْبِئُ عَنْ الْعَمَلِ بَلْ عَنْ التَّصْدِيقِ فَقَطْ، وَلَا يُمْكِنُ فِي حَالَةِ الْمَوْتِ سِوَاهُ (قَوْلُهُ: بِلَا دُعَاءٍ) هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَقُولُ: اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً إلَخْ، وَقِيلَ - رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا إلَخْ، وَقِيلَ يُخَيَّرُ بَيْنَ السُّكُوتِ وَالدُّعَاءِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ نَاوِيًا الْمَيِّتَ مَعَ الْقَوْمِ) كَذَا فِي الْفَتْحِ. وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: يَنْوِي بِهِمَا كَمَا وَصَفْنَا فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَيَنْوِي الْمَيِّتَ كَمَا يَنْوِي الْإِمَامُ اهـ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَنْوِي الْمَلَائِكَةَ الْحَفَظَةَ أَيْضًا، ثُمَّ رَأَيْته صَرِيحًا فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ. وَذَكَرَ فِي الْخَانِيَّةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَالْجَوْهَرَةِ أَنَّهُ لَا يَنْوِي الْمَيِّتَ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يُخَاطَبُ بِالسَّلَامِ حَتَّى يُنْوَى بِهِ إذْ لَيْسَ أَهْلًا لَهُ اهـ وَأَقَرَّهُ فِي النَّهْرِ، لَكِنْ قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: إنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَسَيَأْتِي مَا وَرَدَ فِي أَهْلِ الْمَقْبَرَةِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَتَعْلِيمُهُ صلى الله عليه وسلم السَّلَامَ عَلَى الْمَوْتَى اهـ (قَوْلُهُ لَكِنْ فِي الْبَدَائِعِ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ: إنَّ الزَّيْلَعِيَّ لَمْ يُرِدْ دُخُولَ التَّسْلِيمِ فِي الْكُلِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ. وَاَلَّذِي فِي الْبَدَائِعِ: وَلَا يَجْهَرُ بِمَا يَقْرَأُ عَقِبَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ، وَالسُّنَّةُ فِيهِ الْمُخَافَتَةُ، وَهَلْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّسْلِيمِ؛ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ لِأَنَّهُ لِلْإِعْلَامِ، وَلَا حَاجَةَ لَهُ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ مَشْرُوعٌ عَقِبَ التَّكْبِيرِ بِلَا فَصْلٍ وَلَكِنْ الْعَمَلُ فِي زَمَانِنَا عَلَى خِلَافِهِ. اهـ.

(قَوْلُهُ وَعَيَّنَ الشَّافِعِيُّ الْفَاتِحَةَ) وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَجَهَرَ بِالْفَاتِحَةِ، وَقَالَ: عَمْدًا فَعَلْت لِيُعْلِمَ أَنَّهَا سُنَّةٌ. وَمَذْهَبُنَا قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِهِ وَعَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ بِنِيَّةِ الدُّعَاءِ)

ص: 213

وَتُكْرَهُ بِنِيَّةِ الْقِرَاءَةِ لِعَدَمِ ثُبُوتِهَا فِيهَا عَنْهُ عليه الصلاة والسلام

وَأَفْضَلُ صُفُوفِهَا آخِرُهَا إظْهَارًا لِلتَّوَاضُعِ (وَلَوْ كَبَّرَ إمَامُهُ خَمْسًا لَمْ يَتْبَعْ) لِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ (فَيَمْكُثُ الْمُؤْتَمُّ حَتَّى يُسَلِّمَ مَعَهُ إذَا سَلَّمَ) بِهِ يُفْتَى، هَذَا إذَا سَمِعَ مِنْ الْإِمَامِ، وَلَوْ مِنْ الْمُبَلِّغِ تَابَعَهُ، وَيَنْوِي الِافْتِتَاحَ بِكُلِّ تَكْبِيرَةٍ وَكَذَا فِي الْعِيدِ

ــ

[رد المحتار]

وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا حِينَئِذٍ تَقُومُ مَقَامَ الثَّنَاءِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ أَنَّهُ يُسَنُّ بَعْدَ الْأُولَى التَّحْمِيدُ (قَوْلُهُ وَتُكْرَهُ بِنِيَّةِ الْقِرَاءَةِ) فِي الْبَحْرِ عَنْ التَّجْنِيسِ وَالْمُحِيطِ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الدُّعَاءِ دُونَ الْقِرَاءَةِ اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ والتتارخانية. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ، وَقَوْلُ الْقُنْيَةِ: لَوْ قَرَأَ فِيهَا الْفَاتِحَةَ جَازَ أَيْ لَوْ قَرَأَهَا بِنِيَّةِ الدُّعَاءِ لِيُوَافِقَ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ، أَوْ أَرَادَ بِالْجَوَازِ الصِّحَّةَ، عَلَى أَنَّ كَلَامَ الْقُنْيَةِ لَا يُعْمَلُ بِهِ إذَا عَارَضَهُ غَيْرُهُ، فَقَوْلُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي رِسَالَتِهِ: إنَّهُ نَصَّ عَلَى جَوَازِ قِرَاءَتِهَا فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِمَا عَلِمْته، وَقَوْلُهُ: وَقَوْلُ مُنْلَا عَلَى الْقَارِئِ أَيْضًا يُسْتَحَبُّ قِرَاءَتُهَا بِنِيَّةِ الدُّعَاءِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ عِنْدَهُ إلَّا بِنِيَّةِ الْقُرْآنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْرَأَهَا بِنِيَّةِ الْقِرَاءَةِ وَيَرْتَكِبَ مَكْرُوهَ مَذْهَبِهِ لِيُرَاعِيَ مَذْهَبَ غَيْرِهِ كَمَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ أَوَّلَ الْكِتَابِ

(قَوْلُهُ وَأَفْضَلُ صُفُوفِهَا آخِرُهَا إلَخْ) كَذَا فِي الْقُنْيَةِ، وَبَحَثَ فِيهِ فِي الْحِلْيَةِ بِإِطْلَاقِ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا» وَبِأَنَّ إظْهَارَ التَّوَاضُعِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّأَخُّرِ. اهـ.

أَقُولُ: قَدْ يُقَالُ: إنَّ الْحَدِيثَ مَخْصُوصٌ بِالصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ لِأَنَّهَا الْمُتَبَادِرَةُ، وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ غُفِرَ لَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَفَّ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ، حَتَّى لَوْ كَانُوا سَبْعَةً يَتَقَدَّمُ أَحَدُهُمْ لِلْإِمَامَةِ، وَيَقِفُ وَرَاءَهُ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ اثْنَانِ ثُمَّ وَاحِدٌ. اهـ. فَلَوْ كَانَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ أَفْضَلَ فِي الْجِنَازَةِ أَيْضًا لَكَانَ الْأَفْضَلُ جَعْلَهُمْ صَفًّا وَاحِدًا وَلَكُرِهَ قِيَامُ الْوَاحِدِ وَحْدَهُ كَمَا كُرِهَ فِي غَيْرِهَا، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ) لِأَنَّ الْآثَارَ اخْتَلَفَتْ فِي فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ فَرُوِيَ الْخَمْسُ وَالسَّبْعُ وَالتِّسْعُ وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا «أَنَّ آخِرَ فِعْلِهِ عليه الصلاة والسلام كَانَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ» فَكَانَ نَاسِخًا لِمَا قَبْلَهُ ح عَنْ الْإِمْدَادِ. وَفِي الزَّيْلَعِيِّ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم حِينَ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ كَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ وَثَبَتَ عَلَيْهَا إلَى أَنْ تُوُفِّيَ» فَنَسَخَتْ مَا قَبْلَهَا ط (قَوْلُهُ فَيَمْكُثُ الْمُؤْتَمُّ إلَخْ) لَمَّا كَانَ قَوْلُهُمْ لَمْ يَتْبَعْ صَادِقًا بِالْقَطْعِ وَبِالِانْتِظَارِ أَرْدَفَهُ بِبَيَانِ الْمُرَادِ مِنْهُ ط (قَوْلُهُ بِهِ يُفْتَى) رَجَّحَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ الْبَقَاءَ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ فَرَاغِهَا لَيْسَ بِخَطَأٍ مُطْلَقًا إنَّمَا الْخَطَأُ فِي الْمُتَابَعَةِ فِي الْخَامِسَةِ بَحْرٌ. وَرُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ يُسَلِّمُ لِلْحَالِ وَلَا يَنْتَظِرُ تَحْقِيقًا لِلْمُخَالَفَةِ ط (قَوْلُهُ هَذَا) أَيْ عَدَمُ الْمُتَابَعَةِ ط.

(قَوْلُهُ: وَيَنْوِي الِافْتِتَاحَ إلَخْ) لِجَوَازِ أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِمَامِ لِلِافْتِتَاحِ الْآنَ، وَأَخْطَأَ الْمُبَلِّغُ نَقَلَ ذَلِكَ فِي الْبَحْرِ عَنْ شَرْحِ الْمَجْمَعِ الْمَكِّيِّ بِصِيغَةِ قَالُوا، وَنَقَلَهُ فِي بَابِ صَلَاةِ الْعِيدِ بِصِيغَةِ قِيلَ، وَكِلَا الصِّيغَتَيْنِ مُشْعِرٌ بِالضَّعْفِ؛ كَيْفَ وَهُوَ لَا وَجْهَ لَهُ يَظْهَرُ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَنْوِي الِافْتِتَاحَ بِمَا زَادَ عَلَى الرَّابِعَةِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ وَلَزِمَ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَهَا بِثَلَاثِ تَكْبِيرَاتٍ أُخَرَ لِأَنَّ نِيَّةَ الِافْتِتَاحِ لِتَصْحِيحِ صَلَاتِهِ بِاحْتِمَالِ خَطَأِ الْمُبَلِّغِ، وَلَا صِحَّةَ لَهَا إلَّا بِثَلَاثٍ بَعْدَهَا لِأَنَّهَا أَرْكَانٌ، وَإِلَّا كَانَتْ نِيَّتُهُ لَغْوًا فَكَانَ الْوَاجِبُ عَدَمَهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ جَمِيعَ التَّكْبِيرَاتِ فَمِنْ أَيْنَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُبَلِّغَ يَزِيدُ عَلَى الرَّابِعَةِ حَتَّى يَنْوِيَ الِافْتِتَاحَ بِالْجَمِيعِ، فَإِنَّ احْتِمَالَ الْخَطَأِ إنَّمَا ظَهَرَ وَقْتَ الزِّيَادَةِ؟ وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ ثَابِتٌ قَبْلَهَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ الِافْتِتَاحَ بِالْجَمِيعِ، وَإِنْ لَمْ يَزِدْ الْمُبَلِّغُ شَيْئًا، وَأَنَّهُ يَأْتِي بَعْدَ الرَّابِعَةِ بِثَلَاثِ تَكْبِيرَاتٍ أَيْضًا، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ النِّيَّةِ فَائِدَةٌ، وَأَنَّهُ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ يَأْتِي بِتَكْبِيرَةٍ أُخْرَى لِاحْتِمَالِ خَطَأِ الْمُبَلِّغِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ يُقَالُ فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي بَابِهِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِاخْتِيَارِ الشِّقِّ الْأَوَّلِ، وَأَنَّ فَائِدَتَهُ أَنَّهُ إذَا زَادَ خَامِسَةً مَثَلًا احْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ التَّحْرِيمَةَ وَأَنَّهُ سَيُكَبِّرُ بَعْدَهَا

ص: 214

(وَلَا يَسْتَغْفِرُ فِيهَا لِصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ) وَمَعْتُوهٍ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ (بَلْ يَقُولُ بَعْدَ دُعَاءِ الْبَالِغِينَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا) بِفَتْحَتَيْنِ: أَيْ سَابِقًا إلَى الْحَوْضِ لِيُهَيِّئَ الْمَاءَ، وَهُوَ دُعَاءٌ لَهُ أَيْضًا بِتَقَدُّمِهِ فِي الْخَيْرِ، لَا سِيَّمَا، وَقَدْ قَالُوا: حَسَنَاتُ الصَّبِيِّ لَهُ لَا لِأَبَوَيْهِ بَلْ لَهُمَا ثَوَابُ التَّعْلِيمِ (وَاجْعَلْهُ ذُخْرًا) بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، ذَخِيرَةً (وَشَافِعًا مُشَفَّعًا) مَقْبُولَ الشَّفَاعَةِ.

ــ

[رد المحتار]

ثَلَاثًا أُخْرَى وَهَكَذَا فِي السَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ، فَإِذَا سَلَّمَ احْتَمَلَ أَنَّ أَرْبَعًا قَبْلَ السَّلَامِ هِيَ الْفَرَائِضُ الْأَصْلِيَّةُ وَأَنَّ مَا قَبْلَهَا زَائِدَةٌ غَلَطًا، وَاحْتَمَلَ أَنَّ أَرْبَعًا مِنْ الِابْتِدَاءِ هِيَ الْفَرَائِضُ الْأَصْلِيَّةُ وَمَا بَعْدَهَا زَائِدٌ غَلَطًا فَإِذَا نَوَى تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ الْأُوَلِ قَدْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ بِلَا ضَرَرٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

(قَوْلُهُ: وَلَا يَسْتَغْفِرُ فِيهَا لِصَبِيٍّ) أَيْ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ (قَوْلُهُ: وَمَجْنُونٍ وَمَعْتُوهٍ) هَذَا فِي الْأَصْلِيِّ فَإِنَّ الْجُنُونَ وَالْعَتَهَ الطَّارِئَيْنِ بَعْدَ الْبُلُوغِ لَا يُسْقِطَانِ الذُّنُوبَ السَّالِفَةَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ بَعْدَ دُعَاءِ الْبَالِغِينَ) كَذَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الدُّرَرِ وَفِي بَعْضِهَا بَدَلَ دُعَاءِ الْبَالِغِينَ: وَكَتَبَ الْعَلَّامَةُ نُوحٌ عَلَى نُسْخَةٍ بَعْدُ أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِمَا فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ وَمُنَاقِضَةٌ لِقَوْلِهِ لَا يَسْتَغْفِرُ لِصَبِيٍّ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهَا تَصْحِيفٌ مِنْ بَدَلٍ. اهـ. وَقَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ بَعْدَ كَلَامٍ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُقْتَضَى مُتُونِ الْمَذْهَبِ وَالْفَتَاوَى وَصَرِيحِ غُرَرِ الْأَذْكَارِ الِاقْتِصَارُ فِي الطِّفْلِ عَلَى: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا إلَخْ. اهـ.

قُلْت: وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنْ دُعَاءِ الْبَالِغِينَ أَصْلًا، بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى مَا ذُكِرَ. وَقَدْ نَقَلَ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ الْبَدَائِعِ وَالْمُحِيطِ وَشَرْحِ الْجَامِعِ لِقَاضِي خَانْ مَا هُوَ كَالصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ فَرَاجِعْهُ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ مَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ مِنْ أَنَّهُ يَأْتِي بِذَلِكَ الدُّعَاءُ بَعْدَ قَوْلِهِ " وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ " مَبْنِيٌّ عَلَى نُسْخَةٍ بَعْدُ مِنْ الدُّرَرِ فَتَدَبَّرْ.

هَذَا وَمَا مَرَّ فِي الْمَأْثُورِ فِي دُعَاءِ الْبَالِغِينَ مِنْ قَوْلِهِ وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُمْ لَا يَسْتَغْفِرُ لِصَبِيٍّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ أَيْ سَابِقًا إلَخْ) قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا: أَيْ أَجْرًا يَتَقَدَّمُنَا، وَأَصْلُ الْفَارِطِ وَالْفَرَطِ فِيمَنْ يَتَقَدَّمُ الْوَارِدَةَ اهـ أَيْ مَنْ يَتَقَدَّمُ الْجَمَاعَةَ الْوَارِدَةَ إلَى الْمَاءِ لِيُهَيِّئَهُ لَهُمْ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ» وَاقْتَصَرَ الشَّارِحُ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ، لِمَا فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ الْأَنْسَبُ هُنَا لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ مَعَ قَوْلِهِ " وَاجْعَلْهُ لَنَا أَجْرًا ". اهـ. قَالَ ط: وَاَلَّذِي فِي النَّهْرِ وَغَيْرِهِ تَفْسِيرُهُ بِالْمُتَقَدِّمِ لِيُهَيِّئَ مَصَالِحَ وَالِدَيْهِ فِي دَارِ الْقَرَارِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ دُعَاءٌ لَهُ) أَيْ لِلصَّبِيِّ أَيْضًا: أَيْ كَمَا هُوَ دُعَاءٌ لِوَالِدَيْهِ وَلِلْمُصَلِّينَ لِأَنَّهُ لَا يُهَيِّئُ الْمَاءَ لِدَفْعِ الظَّمَأِ أَوْ مَصَالِحِ وَالِدَيْهِ فِي دَارِ الْقَرَارِ إلَّا إذَا كَانَ مُتَقَدِّمًا فِي الْخَيْرِ، وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ، حَاصِلُهُ أَنَّ هَذَا دُعَاءٌ لِلْأَحْيَاءِ، وَلَا نَفْعَ لِلْمَيِّتِ فِيهِ ط (قَوْلُهُ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالُوا إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ حَسَنَاتُهُ: أَيْ ثَوَابُهَا لَهُ يَكُونُ أَهْلًا لِلْجَزَاءِ وَالثَّوَابِ، فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دُعَاءً لَهُ أَيْضًا لِيَنْتَفِعَ بِهِ يَوْمَ الْجَزَاءِ (قَوْلُهُ وَاجْعَلْهُ ذُخْرًا) فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَالْكَنْزِ وَغَيْرِهَا " وَاجْعَلْهُ لَنَا أَجْرًا، وَاجْعَلْهُ لَنَا ذُخْرًا " وَفِي الدُّرَرِ وَالْوِقَايَةِ كَمَا هُنَا (قَوْلُهُ ذَخِيرَةً) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالذُّخْرِ الِاسْمُ: أَيْ مَا يَذْخَرُ لَا الْمَصْدَرُ فَإِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ اسْمًا وَمَصْدَرًا كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الْقَامُوسِ ذَخَرَهُ كَمَنَعَهُ ذُخْرًا بِالضَّمِّ، وَادَّخَرَهُ: اخْتَارَهُ، أَوْ اتَّخَذَهُ. وَالذَّخِيرَةُ: مَا أَذْخَرَ كَالذُّخْرِ جَمْعُهُ أَذْخَارٌ اهـ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ: شَبَّهَ تَقَدُّمَهُ لِوَالِدَيْهِ بِشَيْءٍ نَفِيسٍ يَكُونُ أَمَامَهُمَا مُدَّخَرًا إلَى وَقْتِ حَاجَتِهِمَا لَهُ بِشَفَاعَتِهِ لَهُمَا كَمَا صَحَّ. اهـ. (قَوْلُهُ مَقْبُولَ الشَّفَاعَةِ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ مُشَفَّعًا بِالْبِنَاءِ الْمَجْهُولِ. [تَتِمَّةٌ]

فِي بَعْضِ الْكُتُبِ يَقُولُ " اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لِوَالِدَيْهِ فَرَطًا وَسَلَفًا وَذُخْرًا وَعِظَةً وَاعْتِبَارًا وَشَفِيعًا وَأَجْرًا وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا، وَأَفْرِغْ الصَّبْرَ عَلَى قُلُوبِهِمَا، وَلَا تَفْتِنْهُمَا بَعْدَهُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ " ط.

أَقُولُ: رَأَيْت ذَلِكَ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ، لَكِنْ بِإِبْدَالِ قَوْلِهِ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ بِقَوْلِهِ وَلَا تَحْرِمْهُمَا أَجْرَهُ، وَهَذَا أَوْلَى

ص: 215

(وَيَقُومُ الْإِمَامُ) نَدْبًا (بِحِذَاءِ الصَّدْرِ مُطْلَقًا) لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْإِيمَانِ وَالشَّفَاعَةُ لِأَجْلِهِ

(وَالْمَسْبُوقُ) بِبَعْضِ التَّكْبِيرَاتِ لَا يُكَبِّرُ فِي الْحَالِ بَلْ (يَنْتَظِرُ) تَكْبِيرَ (الْإِمَامِ لِيُكَبِّرَ مَعَهُ) لِلِافْتِتَاحِ لِمَا مَرَّ أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ كَرَكْعَةٍ، وَالْمَسْبُوقُ لَا يَبْدَأُ بِمَا فَاتَهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُكَبِّرُ حِينَ يَحْضُرُ (كَمَا لَا يَنْتَظِرُ الْحَاضِرُ) فِي (حَالِ التَّحْرِيمَةِ) بَلْ يُكَبِّرُ اتِّفَاقًا لِلتَّحْرِيمَةِ، -

ــ

[رد المحتار]

لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَسْتَغْفِرُ لِصَبِيٍّ. وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَفِي الْمُفِيدِ وَيَدْعُو لِوَالِدَيْ الطِّفْلِ، وَقِيلَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا وَأَعْظِمْ بِهِ أَجْرَهُمَا وَلَا تَفْتِنْهُمَا بَعْدَهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إبْرَاهِيمَ، وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِي الْمُؤْمِنِينَ. اهـ.

(قَوْلُهُ نَدْبًا) أَيْ كَوْنُهُ بِالْقُرْبِ مِنْ الصَّدْرِ مَنْدُوبٌ، وَإِلَّا فَمُحَاذَاةُ جُزْءٍ مِنْ الْمَيِّتِ لَا بُدَّ مِنْهَا قُهُسْتَانِيٌّ عَنْ التُّحْفَةِ. وَيَظْهَرُ أَنَّ هَذَا فِي الْإِمَامِ وَفِيمَا إذَا لَمْ تَتَعَدَّدْ الْمَوْتَى وَإِلَّا وَقَفَ عِنْدَ صَدْرِ أَحَدِهِمْ فَقَطْ، وَلَا يَبْعُدُ عَنْ الْمَيِّتِ كَمَا فِي النَّهْرِ ط (قَوْلُهُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ) أَرَادَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى الشَّامِلَ لِلصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ ط عَنْ أَبِي السُّعُودِ: وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله يَقِفُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ وَعَجُزِ الْمَرْأَةِ (قَوْلُهُ: وَالشَّفَاعَةُ لِأَجْلِهِ) أَيْ أَنَّ الْمُصَلِّيَ شَافِعٌ لِلْمَيِّتِ لِأَجْلِ إيمَانِهِ فَنَاسَبَ أَنْ يَقُومَ بِحِذَاءِ مَحَلِّهِ

(قَوْلُهُ: وَالْمَسْبُوقُ) أَيْ الَّذِي لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا تَكْبِيرَ الْإِمَامِ السَّابِقِ ط (قَوْلُهُ بِبَعْضِ التَّكْبِيرَاتِ) صَادِقٌ بِالْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ ط. أَمَّا الْمَسْبُوقُ بِالْكُلِّ فَيَأْتِي حُكْمُهُ (قَوْلُهُ لَا يُكَبِّرُ فِي الْحَالِ) فَلَوْ كَبَّرَ كَمَا حَضَرَ، وَلَمْ يَنْتَظِرْ لَا تَفْسُدُ عِنْدَهُمَا، لَكِنْ مَا أَدَّاهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ بَحْرٌ، وَمِثْلُهُ فِي الْفَتْحِ. وَقَضِيَّةُ عَدَمِ اعْتِبَارِ مَا أَدَّاهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ شَارِعًا فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ، وَحِينَئِذٍ فَتَفْسُدُ التَّكْبِيرَةُ مَعَ أَنَّ الْمَسْطُورَ فِي الْقُنْيَةِ أَنَّهُ يَكُونُ شَارِعًا، وَعَلَيْهِ فَيُعْتَبَرُ مَا أَدَّاهُ، وَهَذَا لَمْ أَرَ مَنْ أَفْصَحَ عَنْهُ فَتَدَبَّرْهُ نَهْرٌ.

وَأَجَابَ الْحَمَوِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِهِ عَدَمُ شُرُوعِهِ، وَلَا مِنْ اعْتِبَارِ شُرُوعِهِ اعْتِبَارُ مَا أَدَّاهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي السُّجُودِ صَحَّ شُرُوعُهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ مَا أَدَّاهُ مِنْ السُّجُودِ مَعَ الْإِمَامِ بَلْ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ إذَا قَامَ إلَى قَضَاءِ مَا سَبَقَ بِهِ فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ مَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْقُنْيَةِ اهـ لَكِنْ فِيهِ أَنَّ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ هُنَا بِمَنْزِلَةِ رَكْعَةٍ، فَلَوْ صَحَّ شُرُوعُهُ بِهَا يَلْزَمُ اعْتِبَارُهَا، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ لَهَا شَبَهَيْنِ كَمَا مَرَّ فَنُصَحِّحُ شُرُوعَهُ بِهَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا شَرْطًا، وَلَا نَعْتَبِرُهَا فِي تَكْمِيلِ الْعَدَدِ مِنْ حَيْثُ شَبَهُهَا بِالرَّكْعَةِ، فَلِذَا قُلْنَا: يَصِحُّ شُرُوعُهُ بِهَا، وَيُعِيدُهَا بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: وَالْمَسْبُوقُ إلَخْ) هُوَ مِنْ تَتِمَّةِ التَّعْلِيلِ: أَيْ فَلَوْ كَبَّرَ وَلَمْ يَنْتَظِرْ لَكَانَ كَالْمَسْبُوقِ الَّذِي شَرَعَ فِي قَضَاءِ مَا سُبِقَ بِهِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الِاقْتِدَاءِ ط (قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إلَخْ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: تَفْسِيرُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ وَقَدْ كَبَّرَ الْإِمَامُ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ كَبَّرَ هَذَا الرَّجُلُ لِلِافْتِتَاحِ، فَإِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ تَابَعَهُ فِيهَا، وَلَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا.

وَعِنْدَهُمَا لَا يُكَبِّرُ لِلِافْتِتَاحِ حِينَ يَحْضُرُ بَلْ يَنْتَظِرُ حَتَّى يُكَبِّرَ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ، وَيَكُونُ هَذَا التَّكْبِيرُ تَكْبِيرَ الِافْتِتَاحِ فِي حَقِّ هَذَا الرَّجُلِ فَيَصِيرُ مَسْبُوقًا بِتَكْبِيرَةٍ يَأْتِي بِهَا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ اهـ (قَوْلُهُ كَمَا لَا يَنْتَظِرُ الْحَاضِرُ إلَخْ) أَفَادَ بِالتَّشْبِيهِ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْحَاضِرِ اتِّفَاقِيَّةٌ؛ وَلِذَا قَالَ: بَلْ يُكَبِّرُ أَيْ الْحَاضِرُ اتِّفَاقًا، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ كَانَ حَاضِرًا وَقْتَ تَحْرِيمَةِ الْإِمَامِ فِي مَحَلٍّ يُجْزِئُهُ فِيهِ الدُّخُولُ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ كَمَا يَأْتِي عَنْ الْمُجْتَبَى: أَيْ بِأَنْ كَانَ مُتَهَيِّئًا لِلصَّلَاةِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الْهِنْدِيَّةِ عَنْ شَرْحِ الْجَامِعِ لِقَاضِي خَانْ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ فَتَغَافَلَ وَلَمْ يُكَبِّرْ مَعَهُ، أَوْ كَانَ فِي النِّيَّةِ بَعْدُ فَأَخَّرَ التَّكْبِيرَ فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ، وَلَا يَنْتَظِرُ تَكْبِيرَ الْإِمَامِ الثَّانِيَةَ فِي قَوْلِهِمْ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُسْتَعِدًّا جُعِلَ بِمَنْزِلَةِ الْمُشَارِكِ. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي حَالِ التَّحْرِيمَةِ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ فَاتَتْهُ التَّحْرِيمَةُ، وَحَضَرَ فِي حَالَةِ التَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ مَثَلًا لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لَهَا بَلْ يَنْتَظِرُ الثَّالِثَةَ وَيَكُونُ مَسْبُوقًا بِتَكْبِيرَتَيْنِ لَا بِوَاحِدَةٍ

ص: 216

لِأَنَّهُ كَالْمُدْرِكِ ثُمَّ يُكَبِّرَانِ مَا فَاتَهُمَا بَعْدَ الْفَرَاغِ نَسَقًا بِلَا دُعَاءٍ إنْ خَشِيَا رَفْعَ الْمَيِّتِ عَلَى الْأَعْنَاقِ. وَمَا فِي الْمُجْتَبَى مِنْ أَنَّ الْمُدْرِكَ يُكَبِّرُ الْكُلَّ لِلْحَالِ شَاذٌّ نَهْرٌ (فَلَوْ جَاءَ) الْمَسْبُوقُ (بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِمَامِ لِرَابِعَةٍ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ) لِتَعَذُّرِ الدُّخُولِ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِمَامِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَدْخُلُ لِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ كَبَّرَ ثَلَاثًا كَمَا فِي الْحَاضِرِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ وَغَيْرُهُ.

ــ

[رد المحتار]

عِنْدَهُمَا، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ التَّحْرِيمَةَ غَيْرُ قَيْدٍ لِمَا سَيَأْتِي فِيمَا لَوْ كَبَّرَ الْأَرْبَعَ وَالرَّجُلُ الْحَاضِرُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُدْرِكًا لَهَا، وَيُؤَيِّدُهُ التَّعْلِيلُ الْمَارُّ عَنْ قَاضِي خَانْ وَالْآتِي عَقِبَهُ عَنْ الْفَتْحِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ كَالْمُدْرِكِ) قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: يُفِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُدْرِكٍ حَقِيقَةً بَلْ اُعْتُبِرَ مُدْرِكًا لِحُضُورِهِ التَّكْبِيرَ دَفْعًا لِلْحَرَجِ؛ إذْ حَقِيقَةُ إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ بِفِعْلِهَا مَعَ الْإِمَامِ، وَلَوْ شَرَطَ فِي التَّكْبِيرِ الْمَعِيَّةَ ضَاقَ الْأَمْرُ جِدًّا؛ إذْ الْغَالِبُ تَأَخُّرُ النِّيَّةِ قَلِيلًا عَنْ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ فَاعْتُبِرَ مُدْرِكًا لِحُضُورِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ ثُمَّ يُكَبِّرَانِ إلَخْ) أَيْ الْمَسْبُوقُ وَالْحَاضِرُ، وَقَوْلُهُ: مَا فَاتَهُمَا فِيهِ خَفَاءٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَاضِرِ فِي كَلَامِهِ الْحَاضِرُ فِي حَالِ التَّحْرِيمَةِ، فَإِذَا أَتَى بِهَا لَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يُرَادَ مَا إذَا حَضَرَ أَكْثَرَ مِنْ تَكْبِيرَةٍ فَكَبَّرَ وَاحِدَةً فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ بَعْدَ السَّلَامِ مَا فَاتَهُ عَلَى مَا سَيَأْتِي تَأَمَّلْ. وَاحْتُرِزَ عَنْ اللَّاحِقِ كَأَنْ كَبَّرَ مَعَ الْإِمَامِ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فَإِنَّهُ يُكَبِّرُهُمَا ثُمَّ يُكَبِّرُ مَعَ الْإِمَامِ الرَّابِعَةَ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ وَالنَّهْرِ.

هَذَا، وَفِي نُورِ الْإِيضَاحِ وَشَرْحِهِ أَنَّ الْمَسْبُوقَ يُوَافِقُ إمَامَهُ فِي دُعَائِهِ لَوْ عَلِمَهُ بِسَمَاعِهِ اهـ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ، وَظَاهِرُ تَقْيِيدِهِ الْمُوَافَقَةُ بِالْعِلْمِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ فِي التَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ مَثَلًا يَأْتِي بِهِ مُرَتَّبًا: أَيْ بِالثَّنَاءِ ثُمَّ الصَّلَاةِ ثُمَّ الدُّعَاءِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ نَسَقًا) بِالتَّحْرِيكِ: أَيْ مُتَتَابِعَةً. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ تَتْرَى، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ (قَوْلُهُ عَلَى الْأَعْنَاقِ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ رُفِعَتْ بِالْأَيْدِي وَلَمْ تُوضَعْ عَلَى الْأَعْنَاقِ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ التَّكْبِيرَ بَلْ يُكَبِّرُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَتْ إلَى الْأَرْضِ أَقْرَبَ يُكَبِّرُ، وَإِلَّا فَلَا مِعْرَاجٌ، وَمِثْلُهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالْفَتْحِ.

وَيُخَالِفُهُ مَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّهَا لَوْ رُفِعَتْ بِالْأَيْدِي وَلَمْ تُوضَعْ عَلَى الْأَكْتَافِ لَا يُكَبِّرُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، لَكِنْ قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَى مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَلَا يُخَالِفُهُ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إذَا كَانَ الْمَيِّتُ عَلَى أَيْدِي النَّاسِ لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الْبَقَاءِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَمَا فِي الْمُجْتَبَى مِنْ أَنَّ الْمُدْرِكَ) أَيْ الْحَاضِرَ، وَسَمَّاهُ مُدْرِكًا لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ كَمَا مَرَّ. وَعِبَارَةُ الْمُجْتَبَى: رَجُلٌ وَاقِفٌ حَيْثُ يَجْزِيهِ الدُّخُولُ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ فَكَبَّرَ الْإِمَامُ الْأُولَى وَلَمْ يُكَبِّرْ مَعَهُ فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ مَا لَمْ يُكَبِّرْ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ، فَإِنْ كَبَّرَ كَبَّرَ مَعَهُ وَقَضَى الْأُولَى فِي الْحَالِ وَكَذَا إنْ لَمْ يُكَبِّرْ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ يُكَبِّرُ وَيَقْضِي مَا فَاتَهُ فِي الْحَالِ. اهـ. (قَوْلُهُ شَاذٌّ) لِمُخَالَفَتِهِ مَا نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَنَّهُ يُكَبِّرُ مَا فَاتَهُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ أَفَادَهُ فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ فَلَوْ جَاءَ إلَخْ) هَذَا ثَمَرَةُ الْخِلَافِ بَيْنَهُمَا، وَبَيْنَ أَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ لِتَعَذُّرِ الدُّخُولِ إلَخْ) لِمَا مَرَّ أَنَّ الْمَسْبُوقَ يَنْتَظِرُ الْإِمَامَ لِيُكَبِّرَ مَعَهُ وَبَعْدَ الرَّابِعَةِ لَمْ يَبْقَ عَلَى الْإِمَامِ تَكْبِيرٌ حَتَّى يَنْتَظِرَهُ لِيُتَابِعَهُ فِيهِ. قَالَ فِي الدُّرَرِ: وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ عِنْدَهُمَا أَنَّ الْمُقْتَدِيَ يَدْخُلُ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِمَامِ فَإِذَا فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ الرَّابِعَةِ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الدُّخُولُ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَدْخُلُ إذَا بَقِيَتْ التَّحْرِيمَةُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ. اهـ. (قَوْلُهُ كَمَا فِي الْحَاضِرِ) أَيْ فِي وَقْتِ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ فَقَطْ أَوْ التَّكْبِيرَاتِ كُلِّهَا وَلَمْ يُكَبِّرْهَا مَعَ الْإِمَامِ، وَأَشَارَ بِالتَّشْبِيهِ تَبَعًا لِلْبَدَائِعِ إلَى أَنَّ مَسْأَلَةَ الْحَاضِرِ اتِّفَاقِيَّةٌ، وَفِيهِ كَلَامٌ يَأْتِي (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى) أَيْ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي مَسْأَلَةِ الْمَسْبُوقِ خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ فِي الْمَتْنِ (قَوْلُهُ ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ وَغَيْرُهُ) عِبَارَةُ الْحَلَبِيِّ

ص: 217

(وَإِذَا اجْتَمَعَتْ الْجَنَائِزُ فَإِفْرَادُ الصَّلَاةِ) عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ

ــ

[رد المحتار]

فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: إنْ جَاءَ بَعْدَ مَا كَبَّرَ الرَّابِعَةَ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عِنْدَهُمَا. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُكَبِّرُ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَضَى ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ. وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ عَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ.

قُلْت: وَذَكَرَ أَيْضًا فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ عَنْ الْمُضْمَرَاتِ أَنَّهُ الْأَصَحُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، لَكِنْ مَا مَشَى عَلَيْهِ فِي الْمَتْنِ صَرَّحَ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّهُ الصَّحِيحُ، وَمِثْلُهُ فِي الدُّرَرِ وَشَرْحِ الْمَقْدِسِيَّ وَنُورِ الْإِيضَاحِ، نَعَمْ نَقَلَ فِي الْإِمْدَادِ عَنْ التَّجْنِيسِ وَالْوَلْوَالِجِيَّة أَنَّ ذَلِكَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، قَالَ: فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ. [تَنْبِيهٌ]

هَذَا كُلُّهُ فِي الْمَسْبُوقِ، وَأَمَّا الْحَاضِرُ وَقْتَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ كَالْبَدَائِعِ إلَى أَنَّهُ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَبِهِ صَرَّحَ فِي النَّهْرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُجْتَبَى الَّتِي قَدَّمْنَاهَا. لَكِنْ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ لَوْ كَبَّرَ الْإِمَامُ أَرْبَعًا، وَالرَّجُلُ حَاضِرٌ، فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ مَا لَمْ يُسَلِّمْ الْإِمَامُ وَيَقْضِي الثَّلَاثَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَرَوَى الْحَسَنُ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ وَقَدْ فَاتَتْهُ اهـ.

أَقُولُ: لَكِنْ الْمَفْهُومُ مِنْ غَالِبِ عِبَارَاتِهِمْ أَنَّ عَدَمَ فَوَاتِ الصَّلَاةِ فِي الْحَاضِرِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَصَاحِبَيْهِ وَأَنَّ الْفَوَاتَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَنَّ الْمُفْتَى بِهِ عَدَمُ الْفَوَاتِ، وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ، لِمَا مَرَّ مِنْ تَقْرِيرِ أَقْوَالِهِمْ: أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمَسْبُوقَ عِنْدَهُ لَا تَفُوتُهُ الصَّلَاةُ فَالْحَاضِرُ بِالْأَوْلَى. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَلِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّ الْحَاضِرَ بِمَنْزِلَةِ الْمُدْرِكِ عِنْدَهُمَا، وَهَذَا حَاضِرٌ وَقْتَ الرَّابِعَةِ فَيُكَبِّرُهَا قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ ثُمَّ يَقْضِي الثَّلَاثَ لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا، وَحِينَئِذٍ فَمَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ قَوْلِهِ: وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمَا بِخِلَافِهِ، بَلْ قَوْلُهُمَا كَقَوْلِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَابَلَهُ بِرِوَايَةِ الْحَسَنِ فَقَطْ، وَإِلَّا كَانَ الْمُنَاسِبُ مُقَابَلَتَهُ بِقَوْلِهِمَا، وَلِذَا لَمْ يَعْزُهُ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْوَلْوَالِجِيَّة وَغَايَةِ الْبَيَانِ إلَى أَبِي يُوسُفَ، بَلْ أَطْلَقُوهُ وَقَابَلُوهُ بِرِوَايَةِ الْحَسَنِ بَلْ زَادَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَدْخُلُ مَعَهُ فَأَفَادَ أَنَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ كَقَوْلِهِمَا، وَأَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ فَقَطْ.

[تَنْبِيهٌ]

نَقَلَ فِي الْبَحْرِ عِبَارَةَ الْمُحِيطِ السَّابِقَةَ، ثُمَّ قَالَ: فَمَا فِي الْحَقَائِقِ مِنْ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إنَّمَا هُوَ فِي مَسْأَلَةِ الْحَاضِرِ لَا الْمَسْبُوقِ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ إذَا كَانَ حَاضِرًا، وَلَمْ يُكَبِّرْ حَتَّى كَبَّرَ الْإِمَامُ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَسْبُوقٌ وَحُضُورُهُ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ لَا يَجْعَلُهُ مُدْرِكًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَمَسْأَلَةِ الْمَسْبُوقِ، وَأَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَاضِرِ وَغَيْرِهِ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَقَطْ كَمَا لَا يَخْفَى. اهـ.

وَأَقُولُ: إنَّ مَا فِي الْحَقَائِقِ مَحْمُولٌ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمَسْبُوقِ، لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمُخَالِفَ فِيهَا أَبُو يُوسُفَ، وَأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْحَاضِرِ فَإِنَّهَا وِفَاقِيَّةٌ كَمَا عَلِمْته. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ إلَخْ فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا تَحَقُّقَ لِمَسْأَلَةِ الْحَاضِرِ إلَّا فِيمَنْ حَضَرَ وَقْتَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَكَبَّرَهَا قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ. أَمَّا لَوْ تَشَاغَلَ حَتَّى كَبَّرَ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ أَوْ أَكْثَرَ فَهُوَ مَسْبُوقٌ لَا حَاضِرٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ حَاضِرًا حَتَّى كَبَّرَ الْإِمَامُ تَكْبِيرَتَيْنِ مَثَلًا يَكُونُ مُدْرِكًا لِلثَّانِيَةِ فَلَهُ أَنْ يُكَبِّرَهَا قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ الثَّالِثَةَ وَيَكُونَ مَسْبُوقًا بِالْأُولَى فَيَأْتِيَ بِهَا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَسَبْقُهُ بِهَا لَا يُنَافِي كَوْنَهُ حَاضِرًا فِي غَيْرِهَا، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْوَاقِعَاتِ مِنْ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُكَبِّرْ الْحَاضِرُ حَتَّى كَبَّرَ الْإِمَامُ

ص: 218

(أَوْلَى) مِنْ الْجَمْعِ وَتَقْدِيمُ الْأَفْضَلِ أَفْضَلُ (وَإِنْ جَمَعَ) جَازَ، ثُمَّ إنْ شَاءَ جَعَلَ الْجَنَائِزَ صَفًّا وَاحِدًا وَقَامَ عِنْدَ أَفْضَلِهِمْ، وَإِنْ شَاءَ (جَعَلَهَا صَفًّا مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ) وَاحِدًا خَلْفَ وَاحِدٍ (بِحَيْثُ يَكُونُ صَدْرُ كُلِّ) جِنَازَةٍ (مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ) لِيَقُومَ بِحِذَاءِ صَدْرِ الْكُلِّ وَإِنْ جَعَلَهَا دَرَجًا فَحَسَنٌ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ (وَرَاعَى التَّرْتِيبَ) الْمَعْهُودَ خَلْفَهُ حَالَةَ الْحَيَاةِ، فَيَقْرُبُ مِنْهُ الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ الرَّجُلُ مِمَّا يَلِيهِ؛ فَالصَّبِيُّ فَالْخُنْثَى فَالْبَالِغَةُ فَالْمُرَاهِقَةُ؛ وَالصَّبِيُّ الْحُرُّ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَبْدِ، وَالْعَبْدُ عَلَى الْمَرْأَةِ؛ وَأَمَّا تَرْتِيبُهُمْ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ لِضَرُورَةٍ فَبِعَكْسِ هَذَا، فَيُجْعَلُ الْأَفْضَلُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ فَتْحٌ

(وَيُقَدَّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ) إنْ حَضَرَ (أَوْ نَائِبُهُ) وَهُوَ أَمِيرُ الْمِصْرِ (ثُمَّ الْقَاضِي) ثُمَّ صَاحِبُ الشَّرَطِ

ــ

[رد المحتار]

ثِنْتَيْنِ كَبَّرَ الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا، وَلَمْ يُكَبِّرْ الْأُولَى حَتَّى يُسَلِّمَ الْإِمَامُ لِأَنَّ الْأُولَى ذَهَبَ مَحَلُّهَا فَكَانَتْ قَضَاءً، وَالْمَسْبُوقُ لَا يَشْتَغِلُ بِالْقَضَاءِ قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ اهـ فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَهُ حَاضِرًا وَمَسْبُوقًا؛ إذْ لَوْ كَانَ مَسْبُوقًا فَقَطْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُكَبِّرَ الثَّانِيَةَ بَلْ يَنْتَظِرُ تَكْبِيرَ الْإِمَامِ الثَّالِثَةَ كَمَا مَرَّ، فَاغْتَنِمْ تَحْرِيرَ هَذَا الْمَقَامِ

(قَوْلُهُ أَوْلَى مِنْ الْجَمْعِ) لِأَنَّ الْجَمْعَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ قُنْيَةٌ (قَوْلُهُ: وَتَقْدِيمُ الْأَفْضَلِ أَفْضَلُ) أَيْ يُصَلِّي أَوَّلًا عَلَى أَفْضَلِهِمْ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى الَّذِي يَلِيهِ فِي الْفَضْلِ، وَقَيَّدَهُ فِي الْإِمْدَادِ بِقَوْلِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ سَبْقٌ أَيْ وَإِلَّا يُصَلِّي عَلَى الْأَسْبَقِ وَلَوْ مَفْضُولًا، وَسَيَأْتِي بَيَانُ التَّرْتِيبِ (قَوْلُهُ وَإِنْ جَمَعَ جَازَ) أَيْ بِأَنْ صَلَّى عَلَى الْكُلِّ صَلَاةً وَاحِدَةً (قَوْلُهُ صَفًّا وَاحِدًا) أَيْ كَمَا يَصْطَفُّونَ فِي حَالِ حَيَاتِهِمْ عِنْدَ الصَّلَاةِ بَدَائِعُ: أَيْ بِأَنْ يَكُونَ رَأْسُ كُلٍّ عِنْدَ رِجْلِ الْآخَرِ فَيَكُونُ الصَّفُّ عَلَى عَرْضِ الْقِبْلَةِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهَا صَفًّا إلَخْ) ذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ التَّخْيِيرَ بَيْنَ هَذَا، وَاَلَّذِي قَبْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّ الثَّانِيَ أَوْلَى لِأَنَّ السُّنَّةَ هِيَ قِيَامُ الْإِمَامِ بِحِذَاءِ الْمَيِّتِ، وَهُوَ يَحْصُلُ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ. اهـ. (قَوْلُهُ دَرَجًا) أَيْ شِبْهَ الدَّرَجِ بِأَنْ يَكُونَ رَأْسُ الثَّانِي عِنْدَ مَنْكِبِ الْأَوَّلِ بَدَائِعُ (قَوْلُهُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ) وَهُوَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ دُرَرٌ وَالْأَحْسَنُ مَا فِي الْمَبْسُوطِ لِأَنَّ الشَّرْطَ أَنْ تَكُونَ الْجَنَائِزُ أَمَامَ الْإِمَامِ وَقَدْ وُجِدَ إسْمَاعِيلُ (قَوْلُهُ: فَيَقْرُبُ مِنْهُ الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ) أَيْ فِي صُورَةِ مَا إذَا جَعَلَهُمْ صَفًّا وَاحِدًا مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ بِوَجْهَيْهَا، أَمَّا فِي صُورَةِ جَعْلِهِمْ صَفًّا عَرْضًا فَإِنَّهُ يَقُومُ عِنْدَ أَفْضَلِهِمْ كَمَا قَدَّمَهُ؛ إذْ لَيْسَ أَحَدُهُمْ أَقْرَبَ، وَهَذَا حَيْثُ اخْتَلَفُوا فِي الْفَصْلِ، وَإِنْ تَسَاوَوْا قُدِّمَ أَسَنُّهُمْ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ. وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْفَتْحِ وَفِي الرَّجُلَيْنِ يُقَدَّمُ أَكْبَرُهُمَا سِنًّا وَقُرْآنًا وَعِلْمًا كَمَا «فَعَلَهُ عليه الصلاة والسلام فِي قَتْلَى أُحُدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» (قَوْلُهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَبْدِ) أَيْ وَلَوْ بَالِغًا كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الْبَحْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ وَيُقَدَّمُ الْحُرُّ عَلَى الْعَبْدِ وَلَوْ كَانَ الْحُرُّ صَبِيًّا. اهـ. قَالَ ط: وَأَفَادَ أَنَّ الْحُرَّ الْبَالِغَ يُقَدَّمُ بِالْأَوْلَى، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا كَانَ أَصْلَحَ قُدِّمَ مِنَحٌ. اهـ. (قَوْلُهُ لِضَرُورَةٍ) إنَّمَا قَيَّدَ بِهَا لِأَنَّهُ لَا يُدْفَنُ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ مَا لَمْ يَصِرْ الْأَوَّلُ تُرَابًا فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ وَالزَّرْعُ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَيُوضَعُ بَيْنَهُمَا تُرَابٌ أَوْ لَبِنٌ لِيَصِيرَ كَقَبْرَيْنِ وَيَجْعَلُ الرَّجُلَ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ ثُمَّ الْغُلَامَ ثُمَّ الْخُنْثَى ثُمَّ الْمَرْأَةَ شَرْحُ الْمُلْتَقَى.

مَطْلَبٌ فِي بَيَانِ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ

(قَوْلُهُ نَائِبُهُ) الْأَوْلَى ثُمَّ نَائِبُهُ ح: أَيْ كَمَا عَبَّرَ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ ثُمَّ صَاحِبُ الشَّرَطِ) قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْكَمَالِ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرَطِ غَيْرُ أَمِيرِ الْبَلَدِ. وَفِي الْمِعْرَاجِ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ هُوَ حَيْثُ قَالَ الشَّرْطُ بِالسُّكُونِ وَالْحَرَكَةِ خِيَارُ الْجُنْدِ، وَالْمُرَادُ أَمِيرُ الْبَلْدَةِ كَأَمِيرِ بُخَارَى. اهـ. وَأَجَابَ ط بِحَمْلِ أَمِيرِ الْبَلَدِ عَلَى الْمَوْلَى مِنْ نَائِبِ السُّلْطَانِ لَا مِنْ السُّلْطَانِ.

هَذَا، وَتَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَةِ تَقْدِيمُ الشُّرَطِيِّ عَلَى الْقَاضِي، وَمَا هُنَا مُخَالِفٌ لَهُ، وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ فَلْيُتَأَمَّلْ

ص: 219

ثُمَّ خَلِيفَتُهُ ثُمَّ خَلِيفَةُ الْقَاضِي (ثُمَّ إمَامُ الْحَيِّ) فِيهِ إيهَامٌ، وَذَلِكَ أَنَّ تَقْدِيمَ الْوُلَاةِ وَاجِبٌ، وَتَقْدِيمُ إمَامِ الْحَيِّ مَنْدُوبٌ فَقَطْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ الْوَلِيِّ، وَإِلَّا فَالْوَلِيُّ أَوْلَى كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ لِلْمُصَنِّفِ. وَفِي الدِّرَايَةِ: إمَامُ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ أَوْلَى مِنْ إمَامِ الْحَيِّ: أَيْ مَسْجِدِ مَحَلَّتِهِ نَهْرٌ (ثُمَّ الْوَلِيُّ) بِتَرْتِيبِ عُصُوبَةِ الْإِنْكَاحِ إلَّا الْأَبَ

ــ

[رد المحتار]

قَوْلُهُ ثُمَّ خَلِيفَتُهُ) كَذَا فِي الْبَحْرِ: أَيْ خَلِيفَةُ صَاحِبِ الشَّرَطِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ، وَفِيهِ أَنَّهُ حَيْثُ قَدَّمَ الْقَاضِيَ عَلَى صَاحِبِ الشَّرَطِ كَانَ الْمُنَاسِبُ تَقْدِيمَ خَلِيفَتِهِ عَلَى خَلِيفَةِ صَاحِبِ الشَّرَطِ؛ فَالْمُنَاسِبُ قَوْلُ الْفَتْحِ، ثُمَّ خَلِيفَةُ الْوَالِي، ثُمَّ خَلِيفَةُ الْقَاضِي اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْإِمْدَادِ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ (قَوْلُهُ ثُمَّ إمَامُ الْحَيِّ) أَيْ الطَّائِفَةِ وَهُوَ إمَامُ الْمَسْجِدِ الْخَاصِّ بِالْمَحَلَّةِ، وَإِنَّمَا كَانَ أَوْلَى لِأَنَّ الْمَيِّتَ رَضِيَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: فَعَلَى هَذَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ غَيْرَ رَاضٍ بِهِ حَالَ حَيَاتِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُسْتَحَبَّ تَقْدِيمُهُ. اهـ. قُلْت: هَذَا مُسَلَّمٌ إنْ كَانَ عَدَمُ رِضَاهُ بِهِ لِوَجْهٍ صَحِيحٍ، وَإِلَّا فَلَا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ فِيهِ إيهَامٌ) أَيْ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إيهَامُ التَّسْوِيَةِ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ تَقْدِيمِ الْمَذْكُورِينَ، لَكِنَّ الْقَاعِدَةَ الْأُصُولِيَّةَ أَنَّ الْقُرْآنَ فِي الذِّكْرِ لَا يُوجِبُ الِاتِّحَادَ فِي الْحُكْمِ تَأَمَّلْ. مَطْلَبٌ تَعْظِيمُ أُولِي الْأَمْرِ وَاجِبٌ

(قَوْلُهُ: وَذَلِكَ أَنَّ تَقْدِيمَ الْوُلَاةِ وَاجِبٌ) لِأَنَّ فِي التَّقْدِيمِ عَلَيْهِمْ ازْدِرَاءً بِهِمْ، وَتَعْظِيمُ أُولِي الْأَمْرِ وَاجِبٌ، كَذَا فِي الْفَتْحِ. وَصَرَّحَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَالْإِيضَاحِ وَغَيْرِهِمَا بِوُجُوبِ تَقْدِيمِ السُّلْطَانِ، وَعَلَّلَهُ فِي الْمَنْبَعِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ نَائِبُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَيَكُونُ هُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ إسْمَاعِيلُ (قَوْلُهُ بِشَرْطِ إلَخْ) نَقَلَ هَذَا الشَّرْطَ فِي الْحِلْيَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ حَسَنٌ، وَتَبِعَهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ إمَامُ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ) عَبَّرَ عَنْهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ بِإِمَامِ الْجُمُعَةِ. [تَنْبِيهٌ]

وَأَمَّا إمَامُ مُصَلِّي الْجِنَازَةِ الَّذِي شَرَطَهُ الْوَاقِفُ وَجَعَلَ لَهُ مَعْلُومًا مِنْ وَقْفِهِ فَهَلْ يُقَدَّمُ عَلَى الْوَلِيِّ كَإِمَامِ الْحَيِّ أَمْ لَا لِلْقَطْعِ بِأَنَّ عِلَّةَ الرِّضَا بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ فِي حَيَاتِهِ خَاصَّةً بِإِمَامِ الْمَحَلَّةِ؟ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ إنْ كَانَ مُقَرَّرًا مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي فَهُوَ كَنَائِبِهِ، وَإِنْ مِنْ جِهَةِ النَّاظِرِ فَكَالْأَجْنَبِيِّ أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ. وَخَالَفَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ مَا مَرَّ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ مِنْ تَقْدِيمِ الرَّاتِبِ عَلَى إمَامِ الْحَيِّ يَقْتَضِي تَقْدِيمَهُ هُنَا عَلَيْهِ. وَاسْتَظْهَرَ الْمَقْدِسِيَّ أَنَّهُ كَالْأَجْنَبِيِّ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجْعَلُ لِلْغُرَبَاءِ، وَمَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ.

أَقُولُ: وَهَذَا أَوْلَى لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْحَقَّ لِلْوَلِيِّ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ عَلَيْهِ الْوُلَاةَ وَإِمَامَ الْحَيِّ لِمَا مَرَّ مِنْ التَّعْلِيلِ وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هُنَا، وَتَقْرِيرُ الْقَاضِي لَهُ لِاسْتِحْقَاقِ الْوَظِيفَةِ لَا لِجَعْلِهِ نَائِبًا عَنْهُ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنَّ كُلَّ مَنْ قَرَّرَهُ الْقَاضِي فِي وَظِيفَةِ إمَامَةٍ أَنْ يَكُونَ نَائِبًا عَنْهُ مُقَدَّمًا عَلَى إمَامِ الْحَيِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَهُ لِلصَّلَاةِ خَلْفَهُ فِي حَيَاتِهِ بِخِلَافِ الرَّاتِبِ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَتَأَمَّلْهُ (قَوْلُهُ ثُمَّ الْوَالِي) أَيْ وَلِيُّ الْمَيِّتِ الذَّكَرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فَلَا وِلَايَةَ لِامْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ وَمَعْتُوهٍ كَمَا فِي الْإِمْدَادِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: الْأَصْلُ أَنَّ الْحَقَّ فِي الصَّلَاةِ لِلْوَلِيِّ؛ وَلِذَا قُدِّمَ عَلَى الْجَمِيعِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْوِلَايَةِ كَالْإِنْكَاحِ إلَّا أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ تَقَدُّمُ السُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْحُسَيْنَ قَدَّمَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ لَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ وَقَالَ: لَوْلَا السُّنَّةُ لَمَا قَدَّمْتُكَ وَكَانَ سَعِيدٌ وَالِيًا بِالْمَدِينَةِ؛ وَلِمَا مَرَّ مِنْ الْوَجْهِ فِي تَقْدِيمِ الْوُلَاةِ وَإِمَامِ الْحَيِّ (قَوْلُهُ بِتَرْتِيبِ عُصُوبَةِ الْإِنْكَاحِ) فَلَا وِلَايَةَ لِلنِّسَاءِ وَلَا لِلزَّوْجِ إلَّا أَنَّهُ أَحَقُّ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ. وَفِي الْكَلَامِ رَمْزٌ إلَى أَنَّ الْأَبْعَدَ

ص: 220

فَيُقَدَّمُ عَلَى الِابْنِ اتِّفَاقًا إلَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا وَالْأَبُ جَاهِلًا فَالِابْنُ أَوْلَى. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ فَالزَّوْجُ ثُمَّ الْجِيرَانُ، وَمَوْلَى الْعَبْدِ أَوْلَى مِنْ ابْنِهِ الْحُرِّ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ، وَالْفَتْوَى عَلَى بُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ بِغُسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ

(وَلَهُ) أَيْ لِلْوَلِيِّ.

ــ

[رد المحتار]

أَحَقُّ مِنْ الْأَقْرَبِ الْغَائِبِ. وَحَدُّ الْغَيْبَةِ هُنَا أَنْ يَكُونَ بِمَكَانٍ تَفُوتُهُ الصَّلَاةُ إذَا حَضَرَ ط عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ. زَادَ فِي الْبَحْرِ وَأَنْ لَا يَنْتَظِرَ النَّاسُ قُدُومَهُ.

قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ دَاخِلُونَ فِي الْوِلَايَةِ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْعُصُوبَةِ لِإِخْرَاجِ النِّسَاءِ فَقَطْ. فَهُمْ أَوْلَى مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَيُؤَيِّدُهُ تَعْبِيرُ الْهِدَايَةِ بِوِلَايَةِ النِّكَاحِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: فَيُقَدَّمُ عَلَى الِابْنِ اتِّفَاقًا) هُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ لِلْأَبِ فَضِيلَةً عَلَيْهِ وَزِيَادَةَ سِنٍّ، وَالْفَضِيلَةُ وَالزِّيَادَةُ تُعْتَبَرُ تَرْجِيحًا فِي اسْتِحْقَاقِ الْإِمَامَةِ كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ بَحْرٌ عَنْ الْبَدَائِعِ، وَقِيلَ هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ. وَعِنْدَهُمَا الِابْنُ أَوْلَى. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا الْأَسَنَّ بِالسُّنَّةِ. قَالَ عليه الصلاة والسلام فِي حَدِيثِ الْقَسَامَةِ «لِيَتَكَلَّمْ أَكْبَرُهُمَا» وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْحَقَّ لِلِابْنِ عِنْدَهُمَا إلَّا أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُقَدِّمَ هُوَ أَبَاهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: سَائِرُ الْقَرَابَاتِ أَوْلَى مِنْ الزَّوْجِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا ابْنٌ، فَإِنْ كَانَ فَالزَّوْجُ أَوْلَى مِنْهُمْ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلِابْنِ، وَهُوَ يُقَدِّمُ أَبَاهُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّ تَقْدِيمَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَاجِبٌ بِالسُّنَّةِ. اهـ. وَفِي الْبَدَائِعِ وَلِلِابْنِ فِي حُكْمِ الْوِلَايَةِ أَنْ يُقَدِّمَ غَيْرَهُ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَهُ، وَإِنَّمَا مُنِعَ عَنْ التَّقَدُّمِ لِئَلَّا يَسْتَخِفَّ بِأَبِيهِ فَلَمْ تَسْقُطْ وِلَايَتُهُ بِالتَّقْدِيمِ (قَوْلُهُ: أَنْ لَا يَكُونَ إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَوْ كَانَ الْأَبُ جَاهِلًا وَالِابْنُ عَالِمًا يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ الِابْنَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ صِفَةَ الْعِلْمِ لَا تُوجِبُ التَّقْدِيمَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهَا لَهُ. وَاعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ بِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ إمَامَ الْحَيِّ إنَّمَا يُقَدَّمُ عَلَى الْوَلِيِّ إذَا كَانَ أَفْضَلَ، قَالَ: نَعَمْ، عَلَّلَ الْقُدُورِيُّ كَرَاهَةَ تَقَدُّمِ الِابْنِ عَلَى أَبِيهِ بِأَنَّ فِيهِ اسْتِخْفَافًا بِهِ، وَهَذَا يَقْضِي وُجُوبَ تَقْدِيمِهِ مُطْلَقًا. اهـ. قُلْت: وَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا مَرَّ آنِفًا عَنْ الْفَتْحِ (قَوْلُهُ فَالِابْنُ أَوْلَى) فِي نُسْخَةٍ: وَالْأَسَنُّ أَوْلَى وَعَلَيْهَا كَتَبَ الْمُحَشِّي فَقَالَ: أَيْ إذَا حَصَلَتْ الْمُسَاوَاةُ فِي الدَّرَجَةِ وَالْقُرْبِ وَالْقُوَّةِ كَابْنَيْنِ أَوْ أَخَوَيْنِ أَوْ عَمَّيْنِ فَالْأَسَنُّ أَوْلَى.

أَقُولُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْأَسَنِّ أَفْضَلَ اهـ أَيْ قِيَاسًا عَلَى تَقْدِيمِ الِابْنِ الْأَفْضَلِ عَلَى أَبِيهِ بَلْ هَذَا أَوْلَى، فَلَوْ كَانَ الْأَصْغَرُ شَقِيقًا وَالْأَكْبَرُ لِأَبٍ فَالْأَصْغَرُ أَوْلَى كَمَا فِي الْمِيرَاثِ؛ حَتَّى لَوْ قُدِّمَ أَحَدٌ فَلَيْسَ لِلْأَكْبَرِ مَنْعُهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَالزَّوْجُ ثُمَّ الْجِيرَانُ) كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي تَقْدِيمِ الزَّوْجِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ وَلَوْ جَارًا، وَهُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ مِنْ أَنَّ الزَّوْجَ أَحَقُّ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ. فَمَا هُنَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ النَّهْرِ وَالزَّوْجُ، وَالْجِيرَانُ أَوْلَى مِنْ الْأَجْنَبِيِّ اهـ وَشَمِلَ الْوَلِيُّ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ وَابْنَهُ وَمَوْلَى الْمُوَالَاةِ فَإِنَّهُمْ أَوْلَى مِنْ الزَّوْجِ لِانْقِطَاعِ الزَّوْجِيَّةِ بِالْمَوْتِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ: وَمَوْلَى الْعَبْدِ أَوْلَى مِنْ ابْنِهِ الْحُرِّ) وَكَذَا مِنْ أَبِيهِ وَغَيْرِهِ. قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَالسَّيِّدُ أَوْلَى مِنْ قَرِيبِ عَبْدِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْقَرِيبُ أَوْلَى مِنْ السَّيِّدِ الْمُعْتِقِ اهـ فَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ مِنْ أَنَّ ابْنَ الْعَبْدِ وَأَبَاهُ أَحَقُّ مِنْ الْمَوْلَى عَلَى خِلَافِ الصَّحِيحِ (قَوْلُهُ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ) اُعْتُرِضَ بِمَا فِي شَرْحِ الْهَامِلِيَّةِ مِنْ أَنَّ السَّيِّدَ لَا يُغَسِّلُ أَمَتَهُ، وَلَا أُمَّ وَلَدِهِ وَلَا مُدَبَّرَتَهُ لِانْقِطَاعِ مِلْكِهِ عَنْهُنَّ بِالْمَوْتِ. اهـ.

أَقُولُ: لِأَنَّ الْجُثَّةَ الْمَيِّتَةَ لَا تَقْبَلُ الْمِلْكَ، لَكِنَّ الْمُرَادَ بَقَاءُ الْمِلْكِ حُكْمًا كَمَا قَيَّدَهُ فِي الْبَحْرِ، وَلِذَا يَلْزَمُهُ تَكْفِينُ عَبْدِهِ كَالزَّوْجَةِ مَعَ أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ انْقَطَعَتْ بِالْمَوْتِ كَمَا مَرَّ آنِفًا، وَالتَّغْسِيلُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَسِّ وَالنَّظَرِ الْمَحْذُورَيْنِ لَا يُرَاعَى فِيهِ الْمِلْكُ الْحُكْمِيُّ لِضَعْفِهِ فَفَارَقَ التَّكْفِينَ وَوِلَايَةَ الصَّلَاةِ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي (قَوْلُهُ: وَالْفَتْوَى عَلَى بُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ) عَزَاهُ فِي الْهِنْدِيَّةِ إلَى الْمُضْمَرَاتِ: أَيْ لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ غَيْرُ مَنْ لَهُ حَقُّ التَّقَدُّمِ، أَوْ بِأَنْ يُغَسِّلَهُ فُلَانٌ لَا يَلْزَمُ تَنْفِيذُ وَصِيَّتِهِ، وَلَا يَبْطُلُ حَقُّ الْوَلِيِّ بِذَلِكَ. وَكَذَا تَبْطُلُ لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبِ كَذَا أَوْ يُدْفَنَ فِي مَوْضِعِ كَذَا كَمَا عَزَاهُ إلَى الْمُحِيطِ. وَذَكَرَ فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ أَنَّ تَعْلِيلَ تَقْدِيمِ إمَامِ الْحَيِّ بِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمَيِّتَ رَضِيَهُ فِي حَيَاتِهِ يُعْلِمُ أَنَّ الْمُوصَى

ص: 221

وَمِثْلُهُ كُلُّ مَنْ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى (الْإِذْنُ لِغَيْرِهِ فِيهَا) لِأَنَّهُ حَقُّهُ فَيَمْلِكُ إبْطَالَهُ (إلَّا) أَنَّهُ (إنْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُسَاوِيهِ فَلَهُ) أَيْ لِذَلِكَ الْمُسَاوِي وَلَوْ أَصْغَرَ سِنًّا (الْمَنْعُ) لِمُشَارَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، أَمَّا الْبَعِيدُ فَلَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ (فَإِنْ صَلَّى غَيْرُهُ) أَيْ الْوَلِيِّ (مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ التَّقْدِيمِ) عَلَى الْوَلِيِّ (وَلَمْ يُتَابِعْهُ) الْوَلِيُّ (أَعَادَ الْوَلِيُّ) وَلَوْ عَلَى قَبْرِهِ

ــ

[رد المحتار]

لَهُ يُقَدَّمُ عَلَى إمَامِ الْحَيِّ لِاخْتِيَارِهِ لَهُ صَرِيحًا إلَّا أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْمُنْتَقَى أَنَّ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ اهـ فَتَأَمَّلْ

(قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ كُلُّ مَنْ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى) ظَاهِرُهُ أَنَّ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْذَنَ بِالصَّلَاةِ لِأَجْنَبِيٍّ بِلَا إذْنِ الْوَلِيِّ وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْحِلْيَةِ بَحْثًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ لِلسُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ ابْتِدَاءً، وَاسْتَثْنَى إمَامَ الْحَيِّ فَلَيْسَ لَهُ الْإِذْنُ لِأَنَّ تَقْدِيمَهُ عَلَى الْوَلِيِّ مُسْتَحَبٌّ فَهُوَ كَأَكْبَرِ الْأَخَوَيْنِ إذَا قَدَّمَ أَجْنَبِيًّا فَلِلْأَصْغَرِ مَنْعُهُ فَكَذَا لِلْوَلِيِّ. اهـ.

أَقُولُ: وَفِي كَوْنِ الْحَقِّ ثَابِتًا لِلسُّلْطَانِ ابْتِدَاءً بَحْثٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ مِنْ أَنَّ الْحَقَّ فِي الْأَصْلِ لِلْوَلِيِّ وَإِنَّمَا قَدَّمَ السُّلْطَانَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِئَلَّا يَزْدَرِيَ بِهِ، وَتَعْظِيمُهُ وَاجِبٌ، وَقَدَّمَ إمَامَ الْحَيِّ لِأَنَّ الْمَيِّتَ رَضِيَهُ فِي حَيَاتِهِ وَمِثْلُهُ مَا فِي الْكَافِي حَيْثُ عَلَّلَ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ لِلْوَلِيِّ الْإِعَادَةَ إذَا صَلَّى غَيْرُهُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْأَوْلِيَاءِ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهِ وَأَوْلَاهُمْ بِهِ، غَيْرَ أَنَّ السُّلْطَانَ أَوْ الْإِمَامَ إنَّمَا يُقَدَّمُ بِعَارِضِ السَّلْطَنَةِ وَالْإِمَامَةِ اهـ وَبِهَذَا تَنْدَفِعُ الْأَوْلَوِيَّةُ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: فِيهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَفَسَّرَ الْإِذْنَ بِتَفْسِيرٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَأْذَنَ لِلنَّاسِ فِي الِانْصِرَافِ بَعْدَ الصَّلَاةِ قَبْلَ الدَّفْنِ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا إلَّا بِإِذْنِهِ. وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ مَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ الْإِعْلَامُ بِمَوْتِهِ لِيُصَلُّوا عَلَيْهِ بَحْرٌ، لَكِنْ يَتَعَيَّنُ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ لِلِاسْتِثْنَاءِ الْمَذْكُورِ، بِخِلَافِ عِبَارَةِ الْكَنْزِ وَالْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ: فَيَمْلِكُ إبْطَالَهُ) أَيْ بِتَقْدِيمِ غَيْرِهِ هِدَايَةٌ.

فَالْمُرَادُ بِالْإِبْطَالِ نَقْلُهُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَصْغَرَ سِنًّا) فَلَوْ كَانَا شَقِيقَيْنِ، فَالْأَسَنُّ أَوْلَى لَكِنَّهُ لَوْ قَدَّمَ أَحَدًا فَلِلْأَصْغَرِ مَنْعُهُ، وَلَوْ قَدَّمَ كُلٌّ مِنْهُمَا وَاحِدًا فَمَنْ قَدَّمَهُ الْأَسَنُّ أَوْلَى بَحْرٌ (قَوْلُهُ أَمَّا الْبَعِيدُ فَلَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ) فَلَوْ كَانَ الْأَصْغَرُ شَقِيقًا، وَالْأَكْبَرُ لِأَبٍ فَقَدَّمَ الْأَصْغَرُ أَحَدًا فَلَيْسَ لِلْأَكْبَرِ الْمَنْعُ بَحْرٌ، وَفِيهِ: فَإِنْ كَانَ الشَّقِيقُ غَائِبًا، وَكَتَبَ إلَى إنْسَانٍ لِيَتَقَدَّمَ فَلِلْأَخِ لِأَبٍ مَنْعُهُ، وَالْمَرِيضُ فِي الْمِصْرِ كَالصَّحِيحِ يُقَدِّمُ مَنْ شَاءَ، وَلَيْسَ لِلْأَبْعَدِ مَنْعُهُ (قَوْلُهُ فَإِنْ صَلَّى غَيْرُهُ) الْأَخْصَرُ أَنْ يَقُولَ: فَإِنْ صَلَّى مَنْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ التَّقَدُّمِ اهـ ح (قَوْلُهُ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ التَّقَدُّمِ إلَخْ) بَيَانٌ لِغَيْرِ الْمُضَافِ إلَى ضَمِيرِ الْوَلِيِّ أَخْرَجَ بِهِ السُّلْطَانَ وَنَحْوَهُ وَإِمَامَ الْحَيِّ، فَإِنْ صَلَّى أَحَدُهُمْ لَمْ يُعِدْ الْوَلِيُّ كَمَا يَأْتِي لِتَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ أَعَادَ الْوَلِيُّ) مَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ الْوَلِيِّ كَالسُّلْطَانِ لَا يُعِيدُ إذَا صَلَّى غَيْرُهُ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ التَّقَدُّمِ مَعَهُ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْوَلِيِّ مَنْ لَهُ حَقُّ الصَّلَاةِ، وَعَلَيْهِ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَعَادَ مَنْ لَهُ حَقُّ التَّقَدُّمِ لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِيمَا إذَا صَلَّى الْوَلِيُّ فَهَلْ لِمَنْ قَبْلَهُ كَالسُّلْطَانِ حَقُّ الْإِعَادَةِ؟ فَفِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ نَعَمْ لِأَنَّ الْوَلِيَّ إذَا كَانَ لَهُ الْإِعَادَةُ إذَا صَلَّى غَيْرُهُ مَعَ أَنَّهُ أَدْنَى فَالسُّلْطَانُ وَالْقَاضِي بِالْأَوْلَى.

وَفِي السِّرَاجِ وَالْمُسْتَصْفَى لَا. وَوَفَّقَ فِي الْبَحْرِ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا تَقَدَّمَ الْوَلِيُّ مَعَ وُجُودِ السُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ، وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا لَمْ يُوجَدْ. وَاعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ السُّلْطَانَ لَا حَقَّ لَهُ عِنْدَ عَدَمِ حُضُورِهِ، فَالْخِلَافُ عِنْدَ حُضُورِهِ اهـ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي مَا فِي السِّرَاجِ وَالْمُسْتَصْفَى لِمَا قَدَّمْنَاهُ

ص: 222

إنْ شَاءَ لِأَجْلِ حَقِّهِ لَا لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ؛ وَلِذَا قُلْنَا: لَيْسَ لِمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا أَنْ يُعِيدَ مَعَ الْوَلِيِّ لِأَنَّ تَكْرَارَهَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ صَلَّى مَنْ لَهُ حَقُّ التَّقَدُّمِ كَقَاضٍ أَوْ نَائِبِهِ أَوْ إمَامِ الْحَيِّ أَوْ مَنْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ التَّقَدُّمِ وَتَابَعَهُ الْوَلِيُّ (لَا) يُعِيدُ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالصَّلَاةِ مِنْهُ.

(وَإِنْ صَلَّى هُوَ) أَيْ الْوَلِيُّ (بِحَقٍّ) بِأَنْ لَمْ يَحْضُرْ مَنْ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ (لَا يُصَلِّي غَيْرُهُ بَعْدَهُ) وَإِنْ حَضَرَ مَنْ لَهُ التَّقَدُّمُ لِكَوْنِهَا بِحَقٍّ. أَمَّا لَوْ صَلَّى الْوَلِيُّ بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ مَثَلًا أَعَادَ السُّلْطَانُ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَغَيْرِهِ وَفِيهِ حُكْمُ صَلَاةِ مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ كَعَدَمِ الصَّلَاةِ أَصْلًا فَيُصَلِّي عَلَى قَبْرِهِ مَا لَمْ يَتَمَزَّقْ

ــ

[رد المحتار]

عَنْ الْكَافِي مِنْ أَنَّ الْحَقَّ لِلْأَوْلِيَاءِ، وَتَقْدِيمُ السُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ لِعَارِضٍ، وَأَنَّ دَعْوَى الْأَوْلَوِيَّةِ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ، وَنَظِيرُهُ الِابْنُ، فَإِنَّ الْحَقَّ لَهُ ابْتِدَاءً، وَلَكِنَّهُ يُقَدِّمُ أَبَاهُ لِحُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ. وَأَمَّا تَأْيِيدُ صَاحِبِ الْبَحْرِ مَا فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ بِمَا فِي الْفَتَاوَى كَالْخُلَاصَةِ وَالْوَلْوَالِجِيَّة وَغَيْرِهِمَا، مِنْ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى السُّلْطَانُ أَوْ الْقَاضِي أَوْ إمَامُ الْحَيِّ وَلَمْ يُتَابِعْهُ الْوَلِيُّ لَيْسَ لَهُ الْإِعَادَةُ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى مِنْهُ اهـ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمْ أَوْلَى مِنْهُ أَنْ تَثْبُتَ لَهُمْ الْإِعَادَةُ إذَا صَلَّى بِحَضْرَتِهِمْ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْحَقِّ، وَإِنْ تَرَكَ وَاجِبَ احْتِرَامِ السُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ.

وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْهِدَايَةِ فَإِنْ صَلَّى غَيْرُ الْوَلِيِّ أَوْ السُّلْطَانِ أَعَادَ الْوَلِيُّ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْأَوْلِيَاءِ، وَإِنْ صَلَّى الْوَلِيُّ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهُ اهـ وَنَحْوُهُ فِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ يَشْمَلُ السُّلْطَانَ. ثُمَّ رَأَيْت فِي غَايَةِ الْبَيَانِ قَالَ مَا نَصُّهُ: هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ حَتَّى لَا تَجُوزَ الْإِعَادَةُ لَا لِلسُّلْطَانِ وَلَا لِغَيْرِهِ. اهـ. وَمَا قِيلَ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْوَلِيِّ مَنْ لَهُ حَقُّ الْوِلَايَةِ يُبْعِدُهُ عَطْفُ السُّلْطَانِ قَبْلَهُ عَلَى الْوَلِيِّ. وَنَقَلَ فِي الْمِعْرَاجِ عَنْ الْمُجْتَبَى أَنَّ لِلسُّلْطَانِ الْإِعَادَةَ إذَا صَلَّى الْوَلِيُّ بِحَضْرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ فِي الْمَنَافِعِ لَيْسَ لِلسُّلْطَانِ الْإِعَادَةُ، ثُمَّ أَيَّدَ رِوَايَةَ الْمَنَافِعِ فَرَاجِعْهُ، وَهَذَا عَيْنُ مَا قُلْنَاهُ، فَاغْتَنِمْ تَحْرِيرَ هَذَا الْمَقَامِ وَالسَّلَامُ (قَوْلُهُ إنْ شَاءَ إلَخْ) وَأَمَّا مَا فِي التَّقْوِيمِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى غَيْرُ الْوَلِيِّ كَانَتْ الصَّلَاةُ بَاقِيَةً عَلَى الْوَلِيِّ فَضَعِيفٌ كَمَا فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ وَلِذَا إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ لَا لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ أَيْ فَإِنَّ الْفَرْضَ لَوْ لَمْ يَسْقُطْ بِالْأُولَى كَانَ لِمَنْ صَلَّى أَوَّلًا أَنْ يُعِيدَ مَعَ الْوَلِيِّ.

وَبِهَذَا رَدَّ فِي الْبَحْرِ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّ الْأُولَى مَوْقُوفَةٌ، فَإِنْ أَعَادَ الْوَلِيُّ تَبَيَّنَ أَنَّ الْفَرْضَ مَا صُلِّيَ وَإِلَّا سَقَطَ بِالْأُولَى، لَكِنْ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ: إنَّ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مُوَافِقٌ لِلْقَوَاعِدِ لِأَنَّ التَّنَفُّلَ بِهَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ عِنْدَنَا، وَلِذَلِكَ نَظِيرٌ وَهُوَ الْجُمُعَةُ مَعَ الظُّهْرِ لِمَنْ أَدَّاهُ قَبْلَهَا اهـ نَعَمْ يَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ عَمَّا قَالَهُ فِي الْبَحْرِ وَهُوَ صَعْبٌ فَالْأَحْسَنُ الْجَوَابُ عَمَّا قَالَهُ الْمَقْدِسِيَّ بِأَنَّ إعَادَةَ الْوَلِيِّ لَيْسَتْ نَفْلًا لِأَنَّ صَلَاةَ غَيْرِهِ، وَإِنْ تَأَدَّى بِهَا الْفَرْضُ، وَهُوَ حَقُّ الْمَيِّتِ لَكِنَّهَا نَاقِصَةٌ لِبَقَاءِ حَقِّ الْوَلِيِّ فِيهَا، فَإِذَا أَعَادَهَا وَقَعَتْ فَرْضًا مُكَمِّلًا لِلْفَرْضِ الْأَوَّلِ نَظِيرَ إعَادَةِ الصَّلَاةِ الْمُؤَدَّاةِ بِكَرَاهَةٍ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فَرْضٌ كَمَا حَقَّقْنَاهُ فِي مَحَلِّهِ؛ وَحَيْثُ كَانَتْ الْأُولَى فَرْضًا فَلَيْسَ لِمَنْ صَلَّى أَوَّلًا أَنْ يُعِيدَ مَعَ الْوَلِيِّ لِأَنَّ إعَادَتَهُ تَكُونُ نَفْلًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بِخِلَافِ الْوَلِيِّ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْحَقِّ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَتَأَمَّلْهُ (قَوْلُهُ: غَيْرُ مَشْرُوعٍ) أَيْ عِنْدَنَا. وَعِنْدَ مَالِكٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رحمه الله، وَالْأَدِلَّةُ فِي الْمُطَوَّلَاتِ (قَوْلُهُ: أَوْ إمَامِ الْحَيِّ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ.

وَكَذَا صَرَّحَ فِي الْمَجْمَعِ وَشَرْحِهِ بِأَنَّهُ كَالسُّلْطَانِ فِي عَدَمِ إعَادَةِ الْوَلِيِّ، وَبِهِ ظَهَرَ ضَعْفُ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّ لِلْوَلِيِّ الْإِعَادَةَ لَوْ صَلَّى إمَامُ الْحَيِّ لَا لَوْ صَلَّى السُّلْطَانُ لِئَلَّا يَزْدَرِيَ بِهِ أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمْ أَوْلَى إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَيْضًا وَلِأَنَّ مُتَابَعَتَهُ إذْنٌ بِالصَّلَاةِ لِيَكُونَ عِلَّةً لِقَوْلِهِ أَوْ مَنْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ التَّقَدُّمِ وَتَابَعَهُ الْوَلِيُّ ط (قَوْلُهُ بِأَنْ لَمْ يَحْضُرْ إلَخْ) لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْوَلِيِّ عِنْدَ حَضْرَةِ السُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ (قَوْلُهُ وَإِنْ حَضَرَ) يَعْنِي بَعْدَ صَلَاةِ الْوَلِيِّ وَإِنْ وَصْلِيَّةٌ (قَوْلُهُ أَمَّا لَوْ صَلَّى إلَخْ) تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ بِأَنْ لَمْ يَحْضُرْ مَنْ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَا وَفَّقَ بِهِ صَاحِبُ الْبَحْرِ بَيْنَ عِبَارَاتِهِمْ، قَدْ عَلِمْت تَحْرِيرَ الْمَقَامِ آنِفًا (قَوْلُهُ وَفِيهِ) أَيْ فِي الْمُجْتَبَى، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ عَزَاهَا إلَيْهِ فِي الْبَحْرِ. لَكِنِّي لَمْ أَجِدْهَا فِيهِ

ص: 223

(وَإِنْ دُفِنَ) وَأُهِيلَ عَلَيْهِ التُّرَابُ (بِغَيْرِ صَلَاةٍ) أَوْ بِهَا بِلَا غُسْلٍ أَوْ مِمَّنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ (صُلِّيَ عَلَى قَبْرِهِ) اسْتِحْسَانًا (مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ تَفَسُّخُهُ) مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ هُوَ الْأَصَحُّ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ شُكَّ فِي تَفَسُّخِهِ صُلِّيَ عَلَيْهِ، لَكِنْ فِي النَّهْرِ عَنْ مُحَمَّدٍ لَا كَأَنَّهُ تَقْدِيمًا لِلْمَانِعِ (وَلَمْ تَجُزْ) الصَّلَاةُ (عَلَيْهَا رَاكِبًا) وَلَا قَاعِدًا (بِغَيْرِ عُذْرٍ) اسْتِحْسَانًا.

(وَكُرِهَتْ تَحْرِيمًا) وَقِيلَ (تَنْزِيهًا

ــ

[رد المحتار]

وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي الْمُجْتَبَى هَكَذَا: ثُمَّ إذَا دُفِنَ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَصَلَّى عَلَيْهِ مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ مَا لَمْ يَتَمَزَّقْ. اهـ.

وَالْمُرَادُ يُصَلِّي عَلَيْهِ الْوَلِيُّ إنْ شَاءَ لِأَجْلِ حَقِّهِ لَا لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ، وَكَذَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ كَعَدَمِ الصَّلَاةِ كَمَا أَفَادَهُ ح بِأَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ كَالْعَدَمِ حَتَّى كَانَ لَهُ الْإِعَادَةُ.

(قَوْلُهُ وَأُهِيلَ عَلَيْهِ التُّرَابُ) فَإِنْ لَمْ يُهَلْ أُخْرِجَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ بَحْرٌ (قَوْلُهُ: أَوْ بِهَا بِلَا غُسْلٍ) هَذَا رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِأَنَّهَا بِلَا غُسْلٍ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، لَكِنْ فِي السِّرَاجِ وَغَيْرِهِ قِيلَ لَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ. وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: يُصَلَّى وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا لِتَرْكِ الشَّرْطِ مَعَ الْإِمْكَانِ وَالْآنَ زَالَ الْإِمْكَانُ فَسَقَطَتْ فَرْضِيَّةُ الْغُسْلِ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ الْأَوْلَى نَهْرٌ. [تَنْبِيهٌ]

يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمِ مَنْ دُفِنَ بِلَا صَلَاةٍ مَنْ تَرَدَّى فِي نَحْوِ بِئْرٍ أَوْ وَقَعَ عَلَيْهِ بُنْيَانٌ وَلَمْ يُمْكِنْ إخْرَاجُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ غَرِقَ فِي بَحْرٍ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ وُجُودِهِ أَمَامَ الْمُصَلِّي تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ أَوْ مِمَّنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ بِهَا الْعَائِدِ إلَى الصَّلَاةِ، وَهَذَا مُكَرَّرٌ بِمَا نَقَلَهُ عَنْ الْمُجْتَبَى (قَوْلُهُ صُلِّيَ عَلَى قَبْرِهِ) أَيْ افْتِرَاضًا فِي الْأُولَيَيْنِ وَجَوَازًا فِي الثَّالِثَةِ لِأَنَّهَا لِحَقِّ الْوَلِيِّ أَفَادَهُ ح.

أَقُولُ: وَلَيْسَ هَذَا مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ كَمَا وَهَمَ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي الْوَصْفِ وَهُوَ الْحُكْمُ، فَهُوَ كَإِطْلَاقِ الْإِنْسَانِ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْأَبْيَضَ وَالْأَسْوَدَ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ هُوَ الْأَصَحُّ) لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ حَرًّا وَبَرْدًا وَالْمَيِّتِ سِمَنًا وَهُزَالًا وَالْأَمْكِنَةِ بَحْرٌ، وَقِيلَ يُقَدَّرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقِيلَ عَشَرَةٍ، وَقِيلَ شَهْرٍ ط عَنْ الْحَمَوِيِّ (قَوْلُهُ وَظَاهِرُهُ إلَخْ) أَيْ ظَاهِرُ قَوْلِهِ مَا لَمْ يَغْلِبْ إلَخْ فَإِنَّهُ فِي الشَّكِّ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ تَفَسُّخُهُ ط (قَوْلُهُ: كَأَنَّهُ تَقْدِيمًا لِلْمَانِعِ) الْخَبَرُ مَحْذُوفٌ: أَيْ كَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ تَقْدِيمًا: أَيْ أَنَّهُ دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ التَّفَسُّخِ الْمُقْتَضِي عَدَمَ الصَّلَاةِ وَبَيْنَ عَدَمِهِ الْمُوجِبِ لَهَا، فَاعْتَبَرْنَا الْمَانِعَ، وَهُوَ التَّفَسُّخُ ط

أَقُولُ: وَفِي الْحِلْيَةِ، نَصَّ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ مَعَ الشَّكِّ فِي ذَلِكَ ذَكَرَهُ فِي الْمُفِيدِ وَالْمَزِيدِ وَجَوَامِعِ الْفِقْهِ وَعَامَّةِ الْكُتُبِ، وَعَلَّلَهُ فِي الْمُحِيطِ بِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي الْجَوَازِ اهـ وَتَمَامُهُ فِيهَا (قَوْلُهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ) رَاجِعٌ إلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ فَلَوْ صَلَّى رَاكِبًا لِتَعَذُّرِ النُّزُولِ لِطِينٍ أَوْ مَطَرٍ جَازَ. وَكَذَا لَوْ صَلَّى الْوَلِيُّ قَاعِدًا لِمَرَضٍ، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: تُجْزِيهِ دُونَ الْقَوْمِ بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي اقْتِدَاءِ الْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ بَحْرٌ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْوَلِيِّ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، فَلَوْ صَلَّى غَيْرُهُ مِمَّنْ لَا حَقَّ لَهُ إمَامًا قَاعِدًا لِعُذْرٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ، وَيَسْقُطُ الْفَرْضُ بِصَلَاتِهِ خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ السَّيِّدُ أَبُو السُّعُودِ أَفَادَهُ ط.

مَطْلَبٌ فِي كَرَاهَةِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ

(قَوْلُهُ: وَقِيلَ تَنْزِيهًا) رَجَّحَهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ وَأَطَالَ؛ وَوَافَقَهُ تِلْمِيذُهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ، وَخَالَفَهُ تِلْمِيذُهُ الثَّانِي الْحَافِظُ الزَّيْنِيُّ قَاسِمٌ فِي فَتْوَاهُ بِرِسَالَةٍ خَاصَّةٍ، فَرَجَّحَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لِإِطْلَاقِ الْمَنْعِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي مُوَطَّئِهِ: لَا يُصَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فِي مَسْجِدٍ. وَقَالَ الْإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ: النَّهْيُ عَنْهَا وَكَرَاهِيَتُهَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ قَوْلُ

ص: 224

فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ هُوَ) أَيْ الْمَيِّتُ (فِيهِ) وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْقَوْمِ.

(وَاخْتُلِفَ فِي الْخَارِجَةِ) عَنْ الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ بَعْضِ الْقَوْمِ (وَالْمُخْتَارُ الْكَرَاهَةُ) مُطْلَقًا خُلَاصَةٌ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا بُنِيَ لِلْمَكْتُوبَةِ، وَتَوَابِعُهَا كَنَافِلَةٍ وَذِكْرٍ وَتَدْرِيسِ عِلْمٍ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِإِطْلَاقِ

ــ

[رد المحتار]

أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا وَأَطَالَ، وَحَقَّقَ أَنَّ الْجَوَازَ كَانَ ثُمَّ نُسِخَ وَتَبِعَهُ فِي الْبَحْرِ، وَانْتَصَرَ لَهُ أَيْضًا سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ فِي رِسَالَةٍ سَمَّاهَا نُزْهَةَ الْوَاجِدِ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ فِي الْمَسَاجِدِ (قَوْلُهُ: فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ) أَيْ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَمَسْجِدِ الْمَحَلَّةِ قُهُسْتَانِيٌّ. وَتُكْرَهُ أَيْضًا فِي الشَّارِعِ وَأَرْضُ النَّاسِ كَمَا فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ عَنْ الْمُضْمَرَاتِ، وَكَمَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا فِي الْمَسْجِدِ يُكْرَهُ إدْخَالُهَا فِيهِ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ قَاسِمٌ (قَوْلُهُ: أَوْ مَعَ الْقَوْمِ) أَيْ كُلًّا أَوْ بَعْضًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَلْ فِي الْقَوْمِ جِنْسِيَّةٌ. اهـ. ح (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ عَنْ الْخُلَاصَةِ. وَفِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَيِّتُ فِيهِ أَوْ خَارِجَهُ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ الْمَيِّتُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ (قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ إلَخْ) أَمَّا إذَا عَلَّلْنَا بِخَوْفِ تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ فَلَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ الْمَيِّتُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ بَعْضِ الْقَوْمِ اهـ ح. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَإِلَيْهِ مَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْمُحِيطِ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. اهـ.

قُلْت: بَلْ ذَكَرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْعِنَايَةِ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهَا بِالِاتِّفَاقِ، لَكِنْ رَدَّهُ فِي الْبَحْرِ. وَأَجَابَ فِي النَّهْرِ بِحَمْلِ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَمَا مَرَّ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ دَاخِلَهُ.

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ التَّعْلِيلَ الْأَوَّلَ فِيهِ خَفَاءٌ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ دُعَاءٌ وَذِكْرٌ وَهُمَا مِمَّا بُنِيَ لَهُ الْمَسْجِدُ وَإِلَّا لَزِمَ الْمَنْعُ عَنْ الدُّعَاءِ فِيهِ لِنَحْوِ الِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ مَعَ أَنَّ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ «أَنَّ رَجُلًا نَشَدَ فِي الْمَسْجِدِ ضَالَّةً فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: لَا وَجَدْت، إنَّمَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ» فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ إلَخْ) كَذَا فِي الْفَتْحِ، لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمَسْجِدِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِصَلَّى أَوْ لِمَيِّتٍ أَوْ لَهُمَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يُكْرَهُ كَوْنُ الْمَيِّتِ فِيهِ وَالصَّلَاةِ خَارِجَهُ، وَعَلَى الثَّانِي لَا يُكْرَهُ الْعَكْسُ، وَعَلَى الثَّالِثِ لَا يُكْرَهُ إذَا فُقِدَ أَحَدُهُمَا، وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْمُخْتَارِ مِنْ إطْلَاقِ الْكَرَاهَةِ. وَأَجَابَ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ بِعَيْنِهِ قَالُوا بِالْكَرَاهَةِ بِوُجُودِ أَحَدِهَا أَيًّا كَانَ. اهـ.

أَقُولُ: يَلْزَمُ عَلَيْهِ إثْبَاتُ الْكَرَاهَةِ بِلَا دَلِيلٍ لِأَنَّهُ إذَا طَرَقَهُ الِاحْتِمَالُ سَقَطَ بِهِ الِاسْتِدْلَال، وَلَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَبَادِرَ لُغَةً وَعُرْفًا مِنْ نَحْوِ قَوْلِك ضَرَبْت زَيْدًا فِي الدَّارِ تَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِالْفِعْلِ، وَأَمَّا أَنَّهُ هَلْ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلٍّ مِنْ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ أَوْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ فِي الْمَكَانِ فَغَيْرُ لَازِمٍ. مَطْلَبٌ مُهِمٌّ

إذَا قَالَ: إنْ شَتَمْت فُلَانًا فِي الْمَسْجِدِ يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ الشَّاتِمِ فِيهِ، وَفِي إنْ قَتَلْته بِالْعَكْسِ نَعَمْ ذَكَرَ ضَابِطًا لِذَلِكَ فِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَشَرْحِهِ فِي بَابِ الْحِنْثِ فِي الشَّتْمِ، وَهُوَ أَنَّ الْفِعْلَ قَدْ لَا يَكُونُ لَهُ أَثَرٌ فِي الْمَفْعُولِ كَالْعِلْمِ وَالذِّكْرِ، وَقَدْ يَكُونُ كَالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ، فَإِذَا قَالَ: إنْ شَتَمْت زَيْدًا فِي الْمَسْجِدِ مَثَلًا فَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِكَوْنِ الشَّاتِمِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَشْتُومُ فِيهِ أَيْضًا أَوْ لَا لِأَنَّ الشَّتْمَ هُوَ ذِكْرُ الْمَشْتُومِ بِسُوءٍ وَالذَّاكِرُ

ص: 225

حَدِيثِ أَبِي دَاوُد «مَنْ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ» .

ــ

[رد المحتار]

يَقُومُ بِالذَّاكِرِ وَلَا أَثَرَ لَهُ فِي الْمَذْكُورِ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ شَتْمًا فِي حَقِّ الْمَيِّتِ وَالْغَائِبِ فَيُعْتَبَرُ مَكَانُ الْفَاعِلِ. وَأَمَّا الْقَتْلُ وَالضَّرْبُ وَنَحْوُهُمَا فِي مَكَان فَيَتَحَقَّقُ بِكَوْنِ الْمَفْعُولِ بِهِ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ الْفَاعِلُ فِيهِ أَيْضًا أَمْ لَا لِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ لَهَا آثَارٌ تَقُومُ بِالْمَحَلِّ، فَيُشْتَرَطُ وُجُودُ الْمَفْعُولِ بِهِ وَهُوَ الْمَحَلُّ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ دُونَ الْفَاعِلِ لِأَنَّ مَنْ ذَبَحَ شَاةً هِيَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ خَارِجُهُ يُسَمَّى ذَابِحًا فِي الْمَسْجِدِ بِخِلَافِ عَكْسِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّامِيَ إلَى صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ يَكُونُ قَاتِلًا لِلصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ وَإِنْ كَانَ حَالَ الرَّمْيِ فِي الْحِلِّ اهـ مُلَخَّصًا، وَتَمَامُ تَحْقِيقِهِ هُنَاكَ فَرَاجِعْهُ. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَلَا يَخْفَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ فِعْلٌ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْمَفْعُولِ، وَإِنَّمَا يَقُومُ بِالْمُصَلِّي، فَقَوْلُهُ مَنْ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ فِي مَسْجِدٍ يَقْتَضِي كَوْنَ الْمُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَيِّتُ فِيهِ أَوْ لَا، فَيُكْرَهُ ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ مَنْطُوقِ الْحَدِيثِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ فِي رِسَالَتِهِ مِنْ أَنَّهُ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا نَعَى النَّجَاشِيَّ إلَى أَصْحَابِهِ خَرَجَ فَصَلَّى عَلَيْهِ فِي الْمُصَلَّى» قَالَ: وَلَوْ جَازَتْ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يَكُنْ لِلْخُرُوجِ مَعْنًى اهـ مَعَ أَنَّ الْمَيِّتَ كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ.

وَبَقِيَ مَا إذَا كَانَ الْمُصَلِّي خَارِجَهُ وَالْمَيِّتُ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى عَدَمِ كَرَاهَتِهِ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ عِنْدَنَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ قَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ، لِأَنَّهُ إذَا كُرِهَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فِيهِ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ ذِكْرٌ وَدُعَاءٌ يُكْرَهُ إدْخَالُهُ فِيهِ بِالْأَوْلَى لِأَنَّهُ عَبَثٌ مَحْضٌ وَلَا سِيَّمَا عَلَى كَوْنِ عِلَّةِ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ خَشِيَتْ تَلْوِيثَ الْمَسْجِدِ.

وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ ظَهَرَ أَنَّ الْحَدِيثَ مُؤَيِّدٌ لِلْقَوْلِ الْمُخْتَارِ مِنْ إطْلَاقِ الْكَرَاهَةِ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ الْفَرِيدَ فَإِنَّهُ مِمَّا فَتَحَ بِهِ الْمَوْلَى عَلَى أَضْعَفِ خَلْقِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ «فَلَا صَلَاةَ لَهُ» ) هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَرِوَايَةُ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد «فَلَا شَيْءَ لَهُ» " وَابْنِ مَاجَهْ «فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ» وَرَوَى «فَلَا أَجْرَ لَهُ» وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هِيَ خَطَأٌ فَاحِشٌ، وَالصَّحِيحُ «فَلَا شَيْءَ لَهُ» وَتَمَامُهُ فِي حَاشِيَةِ نُوحٍ أَفَنْدِي وَالْمَدَنِيِّ، وَلَيْسَ الْحَدِيثُ نَهْيًا غَيْرَ مَصْرُوفٍ وَلَا مَقْرُونًا بِوَعِيدٍ لِأَنَّ سَلْبَ الْأَجْرِ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ اسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ لِجَوَازِ الْإِبَاحَةِ.

وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الصَّلَاةَ نَفْسَهَا سَبَبٌ مَوْضُوعٌ لِلثَّوَابِ فَسَلْبُهُ مَعَ فِعْلِهَا لَا يَكُونُ إلَّا بِاعْتِبَارِ مَا يَقْتَرِنُ بِهَا مِنْ إثْمٍ يُقَاوِمُ ذَلِكَ وَفِيهِ نَظَرٌ، كَذَا فِي الْفَتْحِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي رِوَايَةٍ " فَلَا صَلَاةَ لَهُ " لِأَنَّهُ عُلِمَ قَطْعًا أَنَّهَا صَحِيحَةٌ فَهِيَ مِثْلُ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» بَلْ تَأْوِيلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَقْرَبُ: أَيْ لَا صَلَاةَ كَامِلَةٌ، فَلَا تُنَافِي ثُبُوتَ أَصْلِ الثَّوَابِ. وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ تُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ. [تَتِمَّةٌ]

إنَّمَا تُكْرَهُ فِي الْمَسْجِدِ بِلَا عُذْرٍ، فَإِنْ كَانَ فَلَا، وَمِنْ الْأَعْذَارِ الْمَطَرُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالِاعْتِكَافُ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ، كَذَا فِي الْحِلْيَةِ وَغَيْرِهَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ اعْتِكَافُ الْوَلِيِّ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ لَهُ حَقُّ التَّقَدُّمِ، وَلِغَيْرِهِ الصَّلَاةُ مَعَهُ تَبَعًا لَهُ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ لَا يُصَلِّيَهَا غَيْرُهُ وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّ إثْمَ الْإِدْخَالِ وَالصَّلَاةِ ارْتَفَعَ بِالْعُذْرِ تَأَمَّلْ، وَانْظُرْ هَلْ يُقَالُ: إنَّ مِنْ الْعُذْرِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي بِلَادِنَا مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا فِي الْمَسْجِدِ لِتَعَذُّرِ غَيْرِهِ أَوْ تَعَسُّرِهِ بِسَبَبِ انْدِرَاسِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهَا فِيهَا، فَمَنْ حَضَرَهَا فِي الْمَسْجِدِ إنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهَا مَعَ النَّاسِ لَا يُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا فِي غَيْرِهِ، وَلَزِمَ أَنْ لَا يُصَلِّيَ فِي عُمُرِهِ عَلَى جِنَازَةٍ، نَعَمْ قَدْ تُوضَعُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فِي الشَّارِعِ فَيُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيَلْزَمُ مِنْهُ فَسَادُهَا مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْمُصَلِّينَ لِعُمُومِ النَّجَاسَةِ وَعَدَمِ خَلْعِهِمْ نِعَالَهُمْ الْمُتَنَجِّسَةَ مَعَ أَنَّا قَدَّمْنَا كَرَاهَتَهَا فِي الشَّارِعِ.

ص: 226

(وَمَنْ وُلِدَ فَمَاتَ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ) وَيَرِثُ وَيُورَثُ وَيُسَمَّى (إنْ اسْتَهَلَّ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ: أَيْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى حَيَاتِهِ بَعْدَ خُرُوجِ أَكْثَرِهِ، حَتَّى لَوْ خَرَجَ رَأْسُهُ فَقَطْ وَهُوَ يَصِيحُ فَذَبَحَهُ رَجُلٌ فَعَلَيْهِ الْغُرَّةُ، وَإِنْ قَطَعَ أُذُنَهُ فَخَرَجَ حَيًّا فَمَاتَ

ــ

[رد المحتار]

وَإِذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ، فَيَنْبَغِي الْإِفْتَاءُ بِالْقَوْلِ بِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى كَمَا اخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ، وَإِذَا كَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ عُذْرًا فَلَا كَرَاهَةَ أَصْلًا، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ

(قَوْلُهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ وَيُكَفَّنُ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِعِلْمِهِ مِمَّا ذَكَرَهُ لِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: إنْ اسْتَهَلَّ) لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ التَّسَامُحِ بِهِ لِأَنَّ تَرْتِيبَهُ الْمَوْتَ عَلَى الْوِلَادَةِ أَيْ فِي قَوْلِهِ قَبْلَهُ: فَمَاتَ مُفِيدٌ لِلْحَيَاةِ قَبْلَهُ فَلَا يَحْسُنُ التَّفْصِيلُ بَعْدَهُ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ كَالْكَنْزِ: وَمَنْ اسْتَهَلَّ صُلِّيَ عَلَيْهِ وَإِلَّا لَا شُرُنْبُلَالِيَّةٌ (قَوْلُهُ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ) لِأَنَّ أَصْلَ الْإِهْلَالِ وَالِاسْتِهْلَالِ: رَفْعُ الصَّوْتِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَعَلَى رَفْعِ الصَّوْتِ مُطْلَقًا، وَمِنْهُ أَهَلَّ الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ: أَيْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ، وَاسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ: إذَا رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْبُكَاءِ عِنْدَ وِلَادَتِهِ. وَأَمَّا الْمَبْنِيُّ لِلْمَجْهُولِ فَيُقَالُ اُسْتُهِلَّ الْهِلَالُ: أَيْ أُبْصِرَ، كَذَا يُفَادُ مِنْ الْمُغْرِبِ (قَوْلُهُ أَيْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى حَيَاتِهِ) أَيْ مِنْ بُكَاءٍ أَوْ تَحْرِيكِ عُضْوٍ أَوْ طَرَفٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ بَدَائِعُ، وَهَذَا مَعْنَاهُ فِي الشَّرْعِ كَمَا فِي الْبَحْرِ. وَقَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ: يَعْنِي الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ، وَلَا عِبْرَةَ لِانْقِبَاضِ وَبَسْطِ الْيَدِ وَقَبْضِهَا لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ حَرَكَةُ الْمَذْبُوحِ وَلَا عِبْرَةَ بِهَا، حَتَّى لَوْ ذُبِحَ رَجُلٌ فَمَاتَ أَبُوهُ، وَهُوَ يَتَحَرَّكُ لَمْ يَرِثْهُ الْمَذْبُوحُ لِأَنَّ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حُكْمَ الْمَيِّتِ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ. اهـ.

أَقُولُ: وَمَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْبَدَائِعِ مَشَى عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ وَالزَّيْلَعِيِّ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ تَأَمَّلْ. [تَنْبِيهٌ]

قَالَ فِي الْبَدَائِعِ مَا نَصُّهُ: وَلَوْ شَهِدَتْ الْقَابِلَةُ أَوْ الْأُمُّ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ تُقْبَلُ فِي حَقِّ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِي الدِّيَانَاتِ مَقْبُولٌ إذَا كَانَ عَدْلًا، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْمِيرَاثِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْأُمِّ لِكَوْنِهَا مُتَّهَمَةً بِجَرِّهَا الْمَغْنَمَ إلَى نَفْسِهَا وَكَذَا شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: تُقْبَلُ إذَا كَانَتْ عَدْلَةٌ. اهـ. وَظَاهِرُهُ اشْتِرَاطُ نِصَابِ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ فِي الْمِيرَاثِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُجْتَبَى بِلَفْظِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (قَوْلُهُ بَعْدَ خُرُوجِ أَكْثَرِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِوُجِدَ، فَلَوْ خَرَجَ رَأْسُهُ وَهُوَ يَصِيحُ ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَرِثْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ أَكْثَرُ بَدَنِهِ حَيًّا بَحْرٌ عَنْ الْمُبْتَغَى. وُجِدَ الْأَكْثَرُ مِنْ قِبَلِ الرَّجُلِ سُرَّتُهُ، وَمِنْ قِبَلِ الرَّأْسِ صَدْرُهُ نَهْرٌ عَنْ مُنْيَةِ الْمُفْتِي (قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ خَرَجَ إلَخْ) أَيْ فَلَوْ اعْتَبَرَ حَيَاتَهُ عِنْدَ خُرُوجِ الْأَقَلِّ مِنْ النِّصْفِ لَكَانَ الْوَاجِبُ الدِّيَةَ؛ فَإِيجَابُ الْغُرَّةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْخُرُوجَ كَعَدَمِهِ، فَإِنَّ الْغُرَّةَ إنَّمَا تَجِبُ فِيمَنْ ضَرَبَ بَطْنَ الْحَامِلِ حَتَّى أَسْقَطَتْهُ مَيِّتًا فَذَبْحُهُ قَبْلَ خُرُوجِ أَكْثَرِهِ فِي حُكْمِ ضَرْبِهِ، وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، بِخِلَافِ ذَبْحِهِ بَعْدَ خُرُوجِ أَكْثَرِهِ فَإِنَّهُ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ، وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ ظَهَرَ صِحَّةُ التَّفْرِيعِ، وَبَطَلَ التَّشْنِيعُ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ فَعَلَيْهِ الْغُرَّةُ) هِيَ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ الرَّجُلِ لَوْ الْجَنِينُ ذَكَرًا، وَعُشْرُ دِيَةِ الْمَرْأَةِ لَوْ أُنْثَى، وَكُلٌّ مِنْهُمَا خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَهِيَ خَمْسُونَ دِينَارًا كَمَا سَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ.

هَذَا، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُبْتَغَى بِالْمُعْجَمَةِ، لَكِنْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ فِي أَوَائِلِ فَصْلِ مَا يُوجِبُ الْقَوَدَ عَنْ الْمُجْتَبَى والتتارخانية أَنَّ عَلَيْهِ الدِّيَةَ، لَكِنْ مَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا يُؤَيِّدُ مَا هُنَا، أَوْ يُرَادُ بِالدِّيَةِ الْغُرَّةُ فَتَأَمَّلْ

ص: 227

فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ (وَإِلَّا) يَسْتَهِلُّ (غُسِّلَ وَسُمِّيَ) عِنْدَ الثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ فَيُفْتَى بِهِ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إكْرَامًا لِبَنِي آدَمَ كَمَا فِي مُلْتَقَى الْبِحَارِ. وَفِي النَّهْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ: وَإِذَا اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ غُسِّلَ وَحُشِرَ هُوَ الْمُخْتَارُ (وَأُدْرِجَ فِي خِرْقَةٍ وَدُفِنَ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) وَكَذَا لَا يَرِثُ إنْ انْفَصَلَ بِنَفْسِهِ (كَصَبِيٍّ سُبِيَ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ)

ــ

[رد المحتار]

قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ) ظَاهِرُ قَوْلِهِ فَمَاتَ أَنَّ الْمَوْتَ بِسَبَبِ الْقَطْعِ، وَعَلَيْهِ فَالْمُرَادُ دِيَةُ النَّفْسِ إنْ كَانَ الْقَطْعُ خَطَأً، وَإِلَّا وَجَبَ الْقَوَدُ، لَكِنْ عِبَارَةُ الْبَحْرِ عَنْ الْمُبْتَغَى ثُمَّ مَاتَ وَعَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ لَا بِسَبَبِ الْقَطْعِ فَالْوَاجِبُ دِيَةُ الْأُذُنِ، وَإِنْ كَانَ بِهِ فَالْوَاجِبُ دِيَةُ النَّفْسِ أَوْ الْقَوَدِ كَمَا قُلْنَا، لَكِنْ قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: إنَّمَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ لَا الْقِصَاصُ لِلشُّبْهَةِ حَيْثُ جَرَحَهُ قَبْلَ تَحَقُّقِ كَوْنِهِ وَلَدًا اهـ فَلْيُتَأَمَّلْ.

وَفِي الْأَحْكَامِ لِلشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ [التَّهْذِيبِ لِذِهْنِ اللَّبِيبِ] مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ قَطَعَ أُذُنَ إنْسَانٍ وَجَبَ عَلَيْهِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَوْ قَطَعَ رَأْسَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ خَمْسُونَ دِينَارًا. جَوَابُهَا قَطَعَ أُذُنَ صَبِيٍّ خَرَجَ رَأْسُهُ عِنْدَ الْوِلَادَةِ، فَإِنْ تَمَّتْ وِلَادَتُهُ وَعَاشَ وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَهِيَ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَوْ قَطَعَ رَأْسَهُ وَمَاتَ قَبْلَ خُرُوجِ الْبَاقِي وَجَبَتْ فِيهِ الْغُرَّةُ وَهِيَ خَمْسُونَ دِينَارًا اهـ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا يَسْتَهِلُّ غُسِّلَ وَسُمِّيَ) شَمِلَ مَا تَمَّ خَلْقُهُ، وَلَا خِلَافَ فِي غُسْلِهِ وَمَا لَمْ يَتِمَّ، وَفِيهِ خِلَافٌ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُلَفُّ فِي خِرْقَةٍ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ وَالْفَتْحِ وَالْخَانِيَّةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ. وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِمُصَنِّفِهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَوَّلِ، وَأَنَّ الثَّانِيَ لَا يُغَسَّلُ إجْمَاعًا. اهـ.

وَاغْتَرَّ فِي الْبَحْرِ بِنَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ فَحَكَمَ عَلَى مَا فِي الْفَتْحِ وَالْخُلَاصَةِ مِنْ أَنَّ الْمُخْتَارَ تَغْسِيلُهُ بِأَنَّهُ سَبَقَ نَظَرُهُمَا إلَى الَّذِي تَمَّ خَلْقُهُ أَوْ سَهْوٌ مِنْ الْكَاتِبِ. وَاعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ مَا فِي الْفَتْحِ وَالْخُلَاصَةِ عَزَاهُ فِي الْمِعْرَاجِ إلَى الْمَبْسُوطِ وَالْمُحِيطِ اهـ وَعَلِمْت نَقْلَهُ أَيْضًا عَنْ الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ. وَذَكَرَ فِي الْأَحْكَامِ أَنَّهُ جَزَمَ بِهِ فِي عُمْدَةِ الْمُفْتِي وَالْفَيْضِ وَالْمَجْمُوعِ وَالْمُبْتَغَى اهـ فَحَيْثُ كَانَ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ فَالْمُنَاسِبُ الْحُكْمُ بِالسَّهْوِ عَلَى مَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لَكِنْ قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ: يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِأَنَّ مَنْ نَفَى غُسْلَهُ أَرَادَ غُسْلَ الْمُرَاعَى فِيهِ وَجْهُ السُّنَّةِ، وَمَنْ أَثْبَتَهُ أَرَادَ الْغُسْلَ فِي الْجُمْلَةِ كَصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ وَتَرْتِيبٍ لِفِعْلِهِ كَغُسْلِهِ ابْتِدَاءً بِسِدْرٍ وَحُرْضٍ. اهـ. قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ وَيُلَفُّ فِي خِرْقَةٍ حَيْثُ لَمْ يُرَاعُوا فِي تَكْفِينِهِ السُّنَّةَ فَكَذَا غُسْلُهُ (قَوْلُهُ عِنْدَ الثَّانِي) الْمُنَاسِبُ ذِكْرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ الْآتِي وَإِذَا اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ غُسِّلَ لِأَنَّك عَلِمْت أَنَّ الْخِلَافَ فِيهِ خِلَافًا لِمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَالْبَحْرِ (قَوْلُهُ إكْرَامًا لِبَنِي آدَمَ) عِلَّةٌ لِلْمَتْنِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْبَحْرِ، وَيَصِحُّ جَعْلُهُ عِلَّةً لِقَوْلِهِ فَيُفْتَى بِهِ (قَوْلُهُ وَحُشِرَ) الْمُنَاسِبُ تَأْخِيرُهُ عَنْ قَوْلِهِ هُوَ الْمُخْتَارُ لِأَنَّ الَّذِي فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُغَسَّلُ. وَهَلْ يُحْشَرُ؟ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْكَبِيرِ أَنَّهُ إنْ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ حُشِرَ، وَإِلَّا لَا. وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ إنْ اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ فَإِنَّهُ يُحْشَرُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ. اهـ. وَوَجْهُهُ أَنَّ تَسْمِيَتَهُ تَقْتَضِي حَشْرَهُ؛ إذْ لَا فَائِدَةَ لَهَا إلَّا فِي نِدَائِهِ فِي الْمَحْشَرِ بِاسْمِهِ. وَذَكَرَ الْعَلْقَمِيُّ فِي حَدِيثِ «سَمُّوا أَسْقَاطَكُمْ فَإِنَّهُمْ فَرَطَكُمْ» الْحَدِيثَ

فَقَالَ: فَائِدَةٌ سَأَلَ بَعْضُهُمْ هَلْ يَكُونُ السِّقْطُ شَافِعًا، وَمَتَى يَكُونُ شَافِعًا، هَلْ هُوَ مِنْ مَصِيرِهِ عَلَقَةً أَمْ مِنْ ظُهُورِ الْحَمْلِ، أَمْ بَعْدَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، أَمْ مِنْ نَفْخِ الرُّوحِ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْعِبْرَةَ إنَّمَا هُوَ بِظُهُورِ خَلْقِهِ وَعَدَمِ ظُهُورِهِ كَمَا حَرَّرَهُ شَيْخُنَا زَكَرِيَّا (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ تَامَّ الْخَلْقِ أَمْ لَا ط (قَوْلُهُ إنْ انْفَصَلَ بِنَفْسِهِ) أَمَّا إذَا أُفْصِلَ كَمَا إذَا ضَرَبَ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَإِنَّهُ يَرِثُ وَيُورَثُ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمَّا أَوْجَبَ الْغُرَّةَ عَلَى الضَّارِبِ فَقَدْ حُكِمَ بِحَيَاتِهِ نَهْرٌ: أَيْ يَرِثُ إذَا مَاتَ أَبُوهُ مَثَلًا قَبْلَ انْفِصَالِهِ (قَوْلُهُ كَصَبِيٍّ سُبِيَ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ) وَبِالْأَوْلَى إذَا سُبِيَ

ص: 228

لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ أَيْ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا لَا الْعُقْبَى، لِمَا مَرَّ أَنَّهُمْ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ. (وَلَوْ سُبِيَ بِدُونِهِ) فَهُوَ مُسْلِمٌ تَبَعًا لِلدَّارِ أَوْ لِلسَّبْيِ

ــ

[رد المحتار]

مَعَهُمَا، وَالْمَجْنُونُ الْبَالِغُ كَالصَّبِيِّ كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الصَّبِيِّ مُمَيِّزًا أَوْ لَا، وَلَا بَيْنَ مَوْتِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ الْحَرْبِ، وَلَا بَيْنَ كَوْنِ السَّابِي مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا؛ لِأَنَّهُ مَعَ وُجُودِ الْأَبَوَيْنِ لَا عِبْرَةَ لِلدَّارِ وَلَا لِلسَّابِي، بَلْ هُوَ تَابِعٌ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ إلَى الْبُلُوغِ مَا لَمْ يُحْدِثْ إسْلَامًا وَهُوَ مُمَيِّزٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَحْرِ. اهـ. ح. وَقَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِهِ عَلَى التَّحْرِيرِ فِي فَصْلِ الْحَاكِمِ بَعْدَ ذِكْرِهِ التَّبَعِيَّةَ مَا نَصُّهُ: الَّذِي فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ: وَيَسْتَوِي فِيمَا قُلْنَا أَنْ يَعْقِلَ أَوْ لَا يَعْقِلَ إلَى هَذَا أَشَارَ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ، فَلَا جَرْمَ أَنْ قَالَ فِي شَرْحِهِ أَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ يُجْعَلُ مُسْلِمًا تَبَعًا سَوَاءٌ كَانَ الصَّغِيرُ عَاقِلًا أَوْ لَمْ يَكُنْ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا اهـ. وَذَكَرَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ أَنَّهُ لَوْ سُبِيَ مَعَ الْجَدِّ أَبِي الْأَبِ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ بَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ (قَوْلُهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) تَصْرِيحٌ بِالْمَقْصُودِ مِنْ التَّشْبِيهِ (قَوْلُهُ: لَا الْعُقْبَى) وَإِلَّا كَانُوا فِي النَّارِ مِثْلَهُمْ، وَهُوَ أَحَدُ مَا قِيلَ فِيهِمْ. وَنَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ ط وَقَدَّمْنَا تَمَامَهُ فِيمَا مَرَّ أَوَّلَ هَذَا الْبَابِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ سُبِيَ بِدُونِهِ) أَيْ بِدُونِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ، بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ح.

قُلْت: الْمُرَادُ بِالْمَعِيَّةِ مَا يَشْمَلُ الْحُكْمِيَّةَ، لِمَا فِي سِيَرِ أَحْكَامِ الصِّغَارِ: وَلَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَ الْإِسْلَامِ ذِمِّيًّا ثُمَّ سُبِيَ ابْنُهُ لَا يَصِيرُ الِابْنُ مُسْلِمًا بِالدَّارِ. اهـ. وَفِيهِ: وَإِذَا سَبَى الْمُسْلِمُونَ صِبْيَانَ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَهُمْ بَعْدُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَدَخَلَ آبَاؤُهُمْ دَارَ الْإِسْلَامِ وَأَسْلَمُوا فَأَبْنَاؤُهُمْ صَارُوا مُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِ آبَائِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ اهـ وَهَذَا يُفِيدُ تَقْيِيدُ الْمَسْأَلَةِ بِمَا إذَا لَمْ يُسْلِمْ أَبُوهُ (قَوْلُهُ: تَبَعًا لِلدَّارِ) أَيْ إنْ كَانَ السَّابِي ذِمِّيًّا، أَوْ لِلسَّابِي إنْ كَانَ مُسْلِمًا، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ. وَاقْتَصَرَ فِي الْبَحْرِ عَلَى تَبَعِيَّةِ الدَّارِ، قَالَ: لِأَنَّ فَائِدَةَ تَبَعِيَّةِ السَّابِي إنَّمَا تَظْهَرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، بِأَنْ وَقَعَ صَبِيٌّ فِي سَهْمِ رَجُلٍ وَمَاتَ الصَّبِيُّ يُصَلَّى عَلَيْهِ تَبَعًا لِلسَّابِي، وَالْكَلَامُ فِي السَّبْيِ، وَهُوَ لُغَةً الْأَسْرَى الْمَحْمُولُونَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْحَمْلِ حَتَّى يُسَمَّى سَبْيًا وَلَمْ يُوجَدْ. اهـ. أَقُولُ: لَكِنْ الَّذِي فِي الصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ أَنَّهُ يُقَالُ: سَبَيْت الْعَدُوَّ سَبْيًا إذَا أَسَرْته فَهُوَ سَبْيٌ وَهِيَ سَبْيٌ، وَيُقَالُ سَبَيْت الْخَمْرَ سَبْيًا إذَا حَمَلْتهَا مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ فَهِيَ سَبِيَّةٌ اهـ فَجَعَلَا الْحَمْلَ قَيْدًا فِي الْخَمْرَةِ دُونَ الْأَسِيرِ تَأَمَّلْ، نَعَمْ ذَكَرَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ فِي أَوَاخِرِ شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ شَرْطًا خَارِجًا عَنْ مَفْهُومِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ لَوْ سُبِيَ وَحْدَهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَيَصِيرُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِلدَّارِ أَوْ يَقْسِمُ الْإِمَامُ الْغَنَائِمَ، أَوْ يَبِيعُهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيَصِيرُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِلْمَالِكِ لِأَنَّ تَأْثِيرَ التَّبَعِيَّةِ لِلْمَالِكِ فَوْقَ تَأْثِيرِ التَّبَعِيَّةِ لِلدَّارِ، فَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ ذِمِّيًّا بِأَنْ مَلَكَهُ بِشِرَاءٍ أَوْ رَضَخَ فَكَذَلِكَ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، وَحَتَّى لَوْ مَاتَ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُجْبَرُ الذِّمِّيُّ عَلَى بَيْعِهِ لِأَنَّهُ صَارَ مُحْرَزًا بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ مَلَكَهُ بِإِحْرَازِهِمْ إيَّاهُ فَصَارَ تَمَامُ الْإِحْرَازِ بِالْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ كَتَمَامِهِ بِلَا خَرَاجٍ إلَى دَارِنَا؛ وَلَوْ دَخَلَ الذِّمِّيُّ دَارَ الْحَرْبِ مُتَلَصِّصًا وَأَخْرَجَ صَغِيرًا إلَى دَارِنَا فَهُوَ مُسْلِمٌ يُجْبَرُ الذِّمِّيُّ عَلَى بَيْعِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا مَلَكَهُ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِنَا فَصَارَ كَالْمُنَفَّلِ بِأَنْ قَالَ الْأَمِيرُ مَنْ أَصَابَ رَأْسًا فَهُوَ لَهُ فَأَصَابَ الذِّمِّيُّ صَغِيرًا لَيْسَ مَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ فَهُوَ مُسْلِمٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا مَلَكَهُ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَ الذِّمِّيُّ دَارَهُمْ بِأَمَانٍ فَاشْتَرَى صَغِيرًا مِنْ مَمَالِيكِهِمْ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِالْعَقْدِ لَا بِمَنْعَتِنَا، فَإِذَا أَخْرَجَهُ إلَيْنَا لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا، أَمَّا لَوْ كَانَ الشَّارِي مِنْهُمْ مُسْلِمًا فَإِنَّهُ إذَا أَخْرَجَهُ إلَى دَارِنَا وَحْدَهُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، وَتَبَعِيَّةُ الْمَالِكِ إنَّمَا تَظْهَرُ فِي هَذَا، فَإِذَا كَانَ الْمَالِكُ مُسْلِمًا فَالْمَمْلُوكُ مِثْلُهُ تَبَعًا لَهُ أَوْ ذِمِّيًّا فَهُوَ مِثْلُهُ اهـ مُلَخَّصًا.

ص: 229

(أَوْ بِهِ فَأَسْلَمَ هُوَ أَوْ) أَسْلَمَ (الصَّبِيُّ وَهُوَ عَاقِلٌ) أَيْ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ (صُلِّيَ عَلَيْهِ) لِصَيْرُورَتِهِ مُسْلِمًا. قَالُوا: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ الْعَامِّيَّ عَنْ الْإِسْلَامِ بَلْ يَذْكُرُ عِنْدَهُ حَقِيقَتَهُ، وَمَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: هَلْ أَنْتَ مُصَدِّقٌ بِهَذَا؟ فَإِذَا قَالَ نَعَمْ اُكْتُفِيَ بِهِ. وَلَا يَضُرُّ تَوَقُّفُهُ فِي جَوَابِ مَا الْإِيمَانُ مَا الْإِسْلَامُ فَتْحٌ.

(وَيُغَسِّلُ الْمُسْلِمُ وَيُكَفِّنُ وَيَدْفِنُ قَرِيبَهُ) كَخَالِهِ (الْكَافِرَ الْأَصْلِيَّ) أَمَّا الْمُرْتَدُّ فَيُلْقَى فِي حُفْرَةٍ كَالْكَلْبِ (عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ) فَلَوْ لَهُ قَرِيبٌ فَالْأَوْلَى تَرْكُهُ لَهُمْ (مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ السُّنَّةِ) فَيُغَسِّلُهُ غَسْلَ الثَّوْبِ النَّجَسِ وَيَلُفُّهُ فِي خِرْقَةٍ

ــ

[رد المحتار]

وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِالْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ السَّلَامِ تَبَعًا لِلدَّارِ أَوْ بِالْمِلْكِ بِقِسْمَةٍ أَوْ بَيْعٍ مِنْ الْإِمَامِ تَبَعًا لِلْمَالِكِ لَوْ مُسْلِمًا أَوْ لِلْغَانِمِينَ لَوْ ذِمِّيًّا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قُلْت: وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: إنَّ تَمَامَ الْإِحْرَازِ بِالْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ كَتَمَامِهِ بِلَا خَرَاجٍ أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا مَلَكَهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ، فَإِذَا مَاتَ فِي دَارِ الْحَرْبِ يُصَلَّى عَلَيْهِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: أَوْ بِهِ) أَيْ سُبِيَ بِأَحَدِ أَبَوَيْهِ أَيْ مَعَهُ ح (قَوْلُهُ: فَأَسْلَمَ هُوَ) أَيْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ ح أَيْ فَإِنَّ الصَّبِيَّ يَصِيرُ مُسْلِمًا لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْوَلَدِ مُمَيِّزًا أَوْ لَا كَمَا مَرَّ. وَنَقَلَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي بَابِ نِكَاحِ الْكَافِرِ قَوْلَيْنِ، وَأَنَّ الشَّلَبِيَّ أَفْتَى بِاشْتِرَاطِ عَدَمِ التَّمْيِيزِ، لَكِنْ صَرَّحَ السَّرَخْسِيُّ فِي شَرْحِ السِّيَرِ بِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ خَطَأٌ وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

أَقُولُ: وَبَقِيَ مَا لَوْ سُبِيَ مَعَهُ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَمَاتَا ثُمَّ أُخْرِجَ إلَى دَارِنَا وَحْدَهُ فَهُوَ مُسْلِمٌ لِأَنَّهُ بِمَوْتِهِمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ تَبَعًا لَهُمَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ مَاتَا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ أَوْ الْقِسْمَةِ أَوْ الْبَيْعِ، كَذَا فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ عَاقِلٌ) قَيْدٌ لِقَوْلِهِ أَوْ أَسْلَمَ الصَّبِيُّ لِأَنَّ كَلَامَ غَيْرِ الْعَاقِلِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لِعَدَمِ صُدُورِهِ عَنْ قَصْدٍ (قَوْلُهُ أَيْ ابْنِ سَبْعِ سِنِينَ) تَفْسِيرٌ لِلْعَاقِلِ الَّذِي يَصِحُّ إسْلَامُهُ بِنَفْسِهِ، وَعَزَاهُ فِي النَّهْرِ إلَى فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ، وَفَسَّرَهُ فِي الْعِنَايَةِ بِأَنْ يَعْقِلَ الْمَنَافِعَ وَالْمَضَارَّ. وَأَنَّ الْإِسْلَامَ هُدًى وَاتِّبَاعُهُ خَيْرٌ لَهُ، وَفَسَّرَهُ فِي الْفَتْحِ بِأَنْ يَعْقِلَ صِفَةَ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مَا فِي الْحَدِيثِ «أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» قَالَ: وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " لَا يُوجِبُ الْحُكْمُ بِالْإِسْلَامِ مَا لَمْ يُؤْمِنْ بِمَا ذَكَرْنَا، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ.

أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ أَنْ يُؤْمِنَ بِذَلِكَ إذَا فُصِّلَ لَهُ وَطُلِبَ مِنْهُ الْإِيمَانُ بِهِ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي، فَلَوْ أَنْكَرَهُ أَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِقْرَارِ بِهِ بَعْدَ الطَّلَبِ لَا يَكْفِيهِ قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَكْتَفِي مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِقَوْلِ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " وَبِالْإِقْرَارِ بِرِسَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ إلْزَامٍ بِتَفْصِيلِ الْمُؤْمَنِ بِهِ، نَعَمْ قَدْ يُشْتَرَطُ الْإِقْرَارُ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعًا أَوْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَقَدْ يُشْتَرَطُ التَّبَرُّؤُ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَدْيَانِ الْمُخَالِفَةِ أَيْضًا عَلَى مَا سَيَجِيءُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - تَفْصِيلُهُ فِي بَابِ الرِّدَّةِ عِنْدَ ذِكْرِ الشَّارِحِ هُنَاكَ أَنَّ الْكُفَّارَ خَمْسَةُ أَصْنَافٍ (قَوْلُهُ: وَلَا يَضُرُّ تَوَقُّفُهُ إلَخْ) فَإِنَّ الْعَوَّامَ قَدْ يَقُولُونَ: لَا نَعْرِفُهُ، وَهُمْ مِنْ التَّوْحِيدِ وَالْإِقْرَارِ وَالْخَوْفِ مِنْ النَّارِ وَطَلَبِ الْجَنَّةِ بِمَكَانٍ، وَكَأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ جَوَابَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إنَّمَا يَكُونُ بِكَلَامٍ خَاصٍّ مَنْظُومٍ فَيُحْجِمُونَ عَنْ الْجَوَابِ بَحْرٌ عَنْ الْفَتْحِ

(قَوْلُهُ: وَيُغَسِّلُ الْمُسْلِمُ) أَيْ جَوَازًا لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْغُسْلِ كَوْنَ الْمَيِّتِ مُسْلِمًا. قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: حَتَّى لَا يَجِبَ غُسْلُ الْكَافِرِ لِأَنَّ الْغُسْلَ وَجَبَ كَرَامَةً وَتَعْظِيمًا لِلْمَيِّتِ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ قَرِيبَهُ) مَفْعُولٌ تَنَازَعَ فِيهِ الْأَفْعَالُ الثَّلَاثَةُ قَبْلَهُ (قَوْلُهُ كَخَالِهِ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَرِيبِ مَا يَشْمَلُ ذَوِي الْأَرْحَامِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ الْكَافِرَ الْأَصْلِيَّ) قَيَّدَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ عَنْ الْجَلَّابِيِّ فِي بَابِ الشَّهِيدِ بِغَيْرِ الْحَرْبِيِّ ط (قَوْلُهُ فَيُلْقَى فِي حُفْرَةٍ) أَيْ وَلَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُكَفَّنُ؛ وَلَا يُدْفَعُ إلَى مَنْ انْتَقَلَ إلَى دِينِهِمْ بَحْرٌ عَنْ الْفَتْحِ (قَوْلُهُ فَلَوْ لَهُ قَرِيبٌ) أَيْ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِ (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ السُّنَّةِ) قَيْدٌ لِلْأَفْعَالِ الثَّلَاثَةِ

ص: 230

وَيُلْقِيهِ فِي حُفْرَةٍ وَلَيْسَ لِلْكَافِرِ غُسْلُ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ:

(وَإِذَا حَمَلَ الْجِنَازَةَ وَضَعَ) نَدْبًا (مُقَدِّمَهَا) بِكَسْرِ الدَّالِ وَتُفْتَحُ وَكَذَا الْمُؤَخَّرُ (عَلَى يَمِينِهِ) عَشْرَ خُطُوَاتٍ لِحَدِيثِ «مَنْ حَمَلَ جِنَازَةً أَرْبَعِينَ خُطْوَةً كَفَّرَتْ عَنْهُ أَرْبَعِينَ كَبِيرَةً» (ثُمَّ) وَضَعَ (مُؤَخِّرَهَا) عَلَى يَمِينِهِ كَذَلِكَ، ثُمَّ مُقَدِّمَهَا عَلَى يَسَارِهِ ثُمَّ مُؤَخِّرَهَا كَذَلِكَ، فَيَقَعُ الْفَرَاغُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ فَيَمْشِي خَلْفَهَا؛ وَصَحَّ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام حَمَلَ جِنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» وَيُكْرَهُ عِنْدَنَا حَمْلُهُ بَيْنَ عَمُودِيِّ السَّرِيرِ بَلْ يَرْفَعُ كُلُّ رَجُلٍ قَائِمَةً بِالْيَدِ لَا عَلَى الْعُنُقِ كَالْأَمْتِعَةِ، وَلِذَا كُرِهَ حَمْلُهُ عَلَى ظَهْرٍ وَدَابَّةٍ

(وَالصَّبِيُّ الرَّضِيعُ أَوْ الْفَطِيمُ أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ قَلِيلًا يَحْمِلُهُ وَاحِدٌ عَلَى يَدَيْهِ) وَلَوْ رَاكِبًا (وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا حُمِلَ عَلَى الْجِنَازَةِ وَيُسْرَعُ بِهَا بِلَا خَبَبٍ) أَيْ عَدْوٍ سَرِيعٍ

ــ

[رد المحتار]

كَمَا أَفَادَهُ بِالتَّفْرِيعِ بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لِلْكَافِرِ إلَخْ) أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِ قَرِيبٌ مُسْلِمٌ فَيَتَوَلَّى تَجْهِيزَهُ الْمُسْلِمُونَ. وَيُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْكَافِرُ فِي قَبْرِ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ لِيَدْفِنَهُ بَحْرٌ، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ لَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ بَيْنَ نِسَاءٍ مَعَهُنَّ كَافِرٌ يُعَلِّمْنَهُ الْغُسْلَ ثُمَّ يُصَلِّينَ عَلَيْهِ، فَتَغْسِيلُ الْكَافِرِ الْمُسْلِمَ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْ تَجْهِيزِ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ عِنْدَ عَدَمِهَا خِلَافًا لِلزَّيْلَعِيِّ، أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ.

مَطْلَبٌ فِي حَمْلِ الْمَيِّتِ

(قَوْلُهُ وَإِذَا حَمَلَ الْجِنَازَةَ) شُرُوعٌ فِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ حَمْلِهَا، وَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ عَلَى الصَّلَاةِ كَمَا فَعَلَ فِي الْبَدَائِعِ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهَا غَالِبًا (قَوْلُهُ نَدْبًا) لِأَنَّ فِيهِ إيثَارًا لِلْيَمِينِ وَالْمُقَدَّمِ عَلَى الْيَسَارِ وَالْمُؤَخَّرِ (قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الدَّالِ وَتُفْتَحُ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْكَسْرَ أَفْصَحُ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْغَايَةِ، لَكِنَّ الْكَسْرَ مَعَ التَّخْفِيفِ وَالْفَتْحَ مَعَ التَّشْدِيدِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، حَيْثُ قَالَ مُقَدَّمُ الرِّجْلِ كَمُحَسَّنٍ وَمُعَظَّمٍ (قَوْلُهُ لِحَدِيثِ مَنْ حَمَلَ إلَخْ) الْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ عَنْ قَوْلِهِ ثُمَّ مُقَدَّمُهَا ثُمَّ مُؤَخَّرُهَا ط وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَنَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ.

وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْمِلَهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ أَرْبَعِينَ خُطْوَةً لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ النَّجَّارُ (قَوْلُهُ كَفَّرَتْ عَنْهُ أَرْبَعِينَ كَبِيرَةً) بِبِنَاءِ كَفَّرَتْ لِلْفَاعِلِ، وَضَمِيرُهُ لِلْجِنَازَةِ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ: أَيْ حَمْلُهَا، وَالْكَبِيرَةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلَى الصَّغِيرَةِ لِأَنَّ كُلَّ ذَنْبٍ صَغِيرٌ بِالنَّظَرِ لِمَا فَوْقَهُ، كَبِيرٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا تَحْتَهُ، أَوْ الْمُرَادُ بِالْكَبِيرَةِ حَقِيقَتُهَا، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْكَبَائِرَ لَا تُكَفَّرُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ أَوْ بِمَحْضِ الْفَضْلِ أَوْ بِالْحَجِّ الْمَبْرُورِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَمْ يَرِدْ النَّصُّ فِيهِ ط وَسَيَأْتِي تَمَامُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى (قَوْلُهُ كَذَلِكَ) أَيْ عَشْرَ خُطُوَاتٍ، وَهِيَ مَعْنَى كَذَلِكَ الثَّانِيَةِ، وَيَمِينُ الْحَامِلِ يَمِينُ الْمَيِّتِ، وَيَسَارُ الْجِنَازَةِ، وَيَسَارُهُ يَسَارُهُ وَيَمِينُ الْجِنَازَةِ قُهُسْتَانِيٌّ ط (قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ عِنْدَنَا إلَخْ) لِأَنَّ السُّنَّةَ التَّرْبِيعُ بَحْرٌ، وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِنْ الْحَمْلِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ إنْ ثَبَتَ فَلِعَارِضٍ كَضِيقِ الْمَكَانِ أَوْ كَثْرَةِ النَّاسِ أَوْ قِلَّةِ الْحَامِلِينَ كَمَا بَسَطَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ قَائِمَةً) أَيْ مِنْ قَوَائِمِ السَّرِيرِ الْأَرْبَعِ (قَوْلُهُ بِالْيَدِ) أَيْ ثُمَّ يَضَعُ عَلَى الْعُنُقِ، وَقَوْلُهُ: لَا عَلَى الْعُنُقِ: أَيْ ابْتِدَاءً كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا. اهـ. ح. وَفِي الْحِلْيَةِ أَوْ يَرْفَعُونَهُ أَخْذًا بِالْيَدِ لَا وَضْعًا عَلَى الْعُنُقِ كَمَا تُحْمَلُ الْأَثْقَالُ، ذَكَرَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ اهـ وَالْمُرَادُ بِالْعُنُقِ الْكَتِفُ كَمَا قَالَ ط (قَالَ وَلِذَا إلَخْ) عِلَّةٌ لِمَا اُسْتُفِيدَ مِنْ أَنَّ حَمْلَهُ كَالْأَمْتِعَةِ مَكْرُوهٌ ط

(قَوْلُهُ: يَحْمِلُهُ وَاحِدٌ عَلَى يَدَيْهِ) أَيْ وَيَتَدَاوَلُهُ النَّاسُ بِالْحَمْلِ عَلَى أَيْدِيهِمْ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَيُسْرِعُ بِهَا) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَضَعَ مُقَدَّمَهَا (قَوْلُهُ بِلَا خَبَبٍ) بِمُعْجَمَةِ مَفْتُوحَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ.

ص: 231

وَلَوْ بِهِ كُرِهَ

(وَكُرِهَ تَأْخِيرُ صَلَاتِهِ وَدَفْنِهِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَمْعٌ عَظِيمٌ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ) إلَّا إذَا خِيفَ فَوْتُهَا بِسَبَبِ دَفْنِهِ قُنْيَةٌ (كَمَا كُرِهَ) لِمُتَّبِعِهَا (جُلُوسٌ قَبْلَ وَضْعِهَا) وَقِيَامٌ بَعْدَهُ (وَلَا يَقُومُ مَنْ فِي الْمُصَلَّى لَهَا إذَا رَآهَا) قَبْلَ وَضْعِهَا وَلَا مَنْ مَرَّتْ عَلَيْهِ هُوَ الْمُخْتَارُ، وَمَا وَرَدَ فِيهِ مَنْسُوخٌ زَيْلَعِيٌّ

(وَنُدِبَ الْمَشْيُ خَلْفَهَا) لِأَنَّهَا مَتْبُوعَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ خَلْفَهَا نِسَاءٌ فَالْمَشْيُ أَمَامَهَا أَحْسَنُ اخْتِيَارٌ. وَيُكْرَهُ خُرُوجُهُنَّ تَحْرِيمًا، وَتُزْجَرُ النَّائِحَةُ، وَلَا يُتْرَكُ اتِّبَاعُهَا لِأَجْلِهَا،

ــ

[رد المحتار]

وَحَدُّ التَّعْجِيلِ الْمَسْنُونِ أَنْ يُسْرِعَ بِهِ بِحَيْثُ لَا يَضْطَرِبُ الْمَيِّتُ عَلَى الْجِنَازَةِ لِلْحَدِيثِ «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَدَّمْتُمُوهَا إلَى الْخَيْرِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُعَجِّلَ بِتَجْهِيزِهِ كُلِّهِ مِنْ حِينِ يَمُوتُ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ بِهِ كُرِهَ) لِأَنَّهُ ازْدِرَاءٌ بِالْمَيِّتِ وَإِضْرَارٌ بِالْمُتَّبِعِينَ بَحْرٌ

(قَوْلُهُ إلَّا إذَا خِيفَ إلَخْ) فَيُؤَخَّرُ الدَّفْنُ وَتُقَدَّمُ صَلَاةُ الْعِيدِ عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَالْجِنَازَةِ عَلَى الْخُطْبَةِ وَالْقِيَاسُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْعِيدِ، لَكِنَّهُ قُدِّمَ مَخَافَةَ التَّشْوِيشِ، وَكَيْ لَا يَظُنَّهَا مَنْ فِي أُخْرَيَاتِ الصُّفُوفِ أَنَّهَا صَلَاةُ الْعِيدِ بَحْرٌ عَنْ الْقُنْيَةِ. وَمُفَادُهُ تَقْدِيمُ الْجُمُعَةِ عَلَى الْجِنَازَةِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَلِأَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ، بَلْ الْفَتْوَى عَلَى تَقْدِيمِ سُنَّتِهَا عَلَيْهَا، وَمَرَّ تَمَامُهُ فِي أَوَّلِ بَابِ صَلَاةِ الْعِيدِ (قَوْلُهُ: جُلُوسٌ قَبْلَ وَضْعِهَا) لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ كَمَا فِي السِّرَاجِ نَهْرٌ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ رَمْلِيٌّ (قَوْلُهُ وَقِيَامٌ بَعْدَهُ) أَيْ يُكْرَهُ الْقِيَامُ بَعْدَ وَضْعِهَا عَنْ الْأَعْنَاقِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالْعِنَايَةِ. وَفِي الْمُحِيطِ خِلَافُهُ حَيْثُ قَالَ: وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَجْلِسُوا حَتَّى يُسَوُّوا عَلَيْهِ التُّرَابَ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِمَا فِي الْبَدَائِعِ: لَا بَأْسَ بِالْجُلُوسِ بَعْدَ الْوَضْعِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَا يَجْلِسُ حَتَّى يُوضَعَ الْمَيِّتُ فِي اللَّحْدِ، فَكَانَ قَائِمًا مَعَ أَصْحَابِهِ عَلَى رَأْسِ قَبْرٍ فَقَالَ يَهُودِيٌّ: هَكَذَا نَصْنَعُ بِمَوْتَانَا، فَجَلَسَ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: خَالِفُوهُمْ» أَيْ فِي الْقِيَامِ، فَلِذَا كُرِهَ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ رَمْلِيٌّ (قَوْلُهُ وَمَا وَرَدَ فِيهِ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «إذَا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ» . اهـ. ح قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هُوَ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ: أَيْ تَصِيرُونَ وَرَاءَهَا غَائِبِينَ عَنْهَا. اهـ. مَدَنِيٌّ (قَوْلُهُ مَنْسُوخٌ) أَيْ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَعَدَ» وَلِمُسْلِمٍ بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ " قَدْ كَانَ ثُمَّ نُسِخَ " شَرْحُ الْمُنْيَةِ

(قَوْلُهُ لِأَنَّهَا مَتْبُوعَةٌ) يُشِيرُ إلَى مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ» قَالَ عَلِيٌّ: الْإِتْبَاعُ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى التَّالِي، وَلَا يُسَمَّى الْمُقَدَّمُ تَابِعًا بَلْ هُوَ مَتْبُوعٌ، وَالْأَمْرُ لِلنَّدْبِ لَا لِلْوُجُوبِ لِلْإِجْمَاعِ. وَعَنْ عَلِيٍّ: قَدِّمْهَا بَيْنَ يَدَيْك وَاجْعَلْهَا نُصْبَ عَيْنَيْك، فَإِنَّمَا هِيَ مَوْعِظَةٌ وَتَذْكِرَةٌ وَعِبْرَةٌ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ خَلْفَهَا نِسَاءٌ) الظَّاهِرُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا خَشِيَ الِاخْتِلَاطَ مَعَهُنَّ أَوْ كَانَ فِيهِنَّ نَائِحَةٌ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ خُرُوجُهُنَّ تَحْرِيمًا) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، لَكِنْ يُعَضِّدُهُ الْمَعْنَى الْحَادِثُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ الَّذِي أَشَارَتْ إلَيْهِ عَائِشَةُ بِقَوْلِهَا: لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ، وَهَذَا فِي نِسَاءِ زَمَانِهَا، فَمَا ظَنُّك بِنِسَاءِ زَمَانِنَا. وَأَمَّا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْنَا» أَيْ أَنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّ بِذَلِكَ الزَّمَنِ حَيْثُ كَانَ يُبَاحُ لَهُنَّ الْخُرُوجُ لِلْمَسَاجِدِ وَالْأَعْيَادِ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ وَتُزْجَرُ النَّائِحَةُ) وَكَذَا الصَّائِحَةُ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ (قَوْلُهُ: وَلَا يُتْرَكُ اتِّبَاعُهَا لِأَجْلِهَا) أَيْ لِأَجْلِ النَّائِحَةِ لِأَنَّ السُّنَّةَ لَا تُتْرَكُ بِمَا اقْتَرَنَ بِهَا مِنْ الْبِدْعَةِ.

ص: 232