الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَلَا يَمْشِي عَنْ يَمِينِهَا وَيَسَارِهَا (وَلَوْ مَشَى أَمَامَهَا جَازَ) وَفِيهِ فَضِيلَةٌ أَيْضًا (وَ) لَكِنْ (إنْ تَبَاعَدَ عَنْهَا أَوْ تَقَدَّمَ الْكُلُّ) أَوْ رَكِبَ أَمَامَهَا
(كُرِهَ) كَمَا كُرِهَ فِيهَا رَفْعُ صَوْتٍ بِذِكْرٍ أَوْ قِرَاءَةٍ فَتْحٌ
(وَحَفْرُ قَبْرِهِ)
ــ
[رد المحتار]
وَلَا يَرِدُ الْوَلِيمَةَ - حَيْثُ يَتْرُكُ حُضُورَهَا لِبِدْعَةٍ فِيهَا - لِلْفَارِقِ، بِأَنَّهُمْ لَوْ تَرَكُوا الْمَشْيَ مَعَ الْجِنَازَةِ لَزِمَ عَدَمُ انْتِظَامِهَا، وَلَا كَذَلِكَ الْوَلِيمَةُ لِوُجُودِ مَنْ يَأْكُلُ الطَّعَامَ ط عَنْ أَبِي السُّعُودِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِاتِّبَاعِهَا الْمَشْيُ مَعَهَا مُطْلَقًا لَا خُصُوصُ الْمَشْيِ خَلْفَهَا، بَلْ يُتْرَكُ الْمَشْيُ خَلْفَهَا إذَا كَانَتْ نَائِحَةً، لِمَا مَرَّ عَنْ الِاخْتِيَارِ، وَيَحْصُلُ التَّوْفِيقُ (قَوْلُهُ: وَلَا يَمْشِي عَنْ يَمِينِهَا وَيَسَارِهَا) كَذَا فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: لَا بَأْسَ بِهِ، فَأَفَادَ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى لِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ الْمَنْدُوبِ وَهُوَ اتِّبَاعُهَا (قَوْلُهُ جَازَ) أَيْ بِلَا كَرَاهَةٍ حِلْيَةٌ (قَوْلُهُ وَفِيهِ فَضِيلَةٌ أَيْضًا) أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّ الْمَشْيَ خَلْفَهَا أَفْضَلُ عِنْدَنَا (قَوْلُهُ: إنْ تَبَاعَدَ عَنْهَا) أَيْ بِحَيْثُ يُعَدُّ مَاشِيًا وَحْدَهُ (قَوْلُهُ: أَوْ تَقَدَّمَ الْكُلُّ) أَيْ وَتَرَكُوهَا خَلْفَهُمْ لَيْسَ مَعَهَا أَحَدٌ (قَوْلُهُ أَوْ رَكِبَ أَمَامَهَا) لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِمَنْ خَلْفَهُ بِإِثَارَةِ الْغُبَارِ، أَمَّا الرُّكُوبُ خَلْفَهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَالْمَشْيُ أَفْضَلُ كَمَا فِي الْبَحْرِ
(قَوْلُهُ كُرِهَ) الظَّاهِرُ أَنَّهَا تَنْزِيهِيَّةٌ رَمْلِيٌّ. أَقُولُ: لَكِنْ إنْ تَحَقَّقَ الضَّرَرُ بِالرُّكُوبِ أَمَامَهَا فَهِيَ تَحْرِيمِيَّةٌ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: كَمَا كُرِهَ إلَخْ) قِيلَ تَحْرِيمًا، وَقِيلَ تَنْزِيهًا كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْغَايَةِ. وَفِيهِ عَنْهَا: وَيَنْبَغِي لِمَنْ تَبِعَ الْجِنَازَةَ أَنْ يُطِيلَ الصَّمْتَ. وَفِيهِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ - تَعَالَى - يَذْكُرُهُ فِي نَفْسِهِ {إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55] أَيْ الْجَاهِرِينَ بِالدُّعَاءِ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَمْشِي مَعَهَا اسْتَغْفِرُوا لَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ. اهـ. قُلْت: وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فَمَا ظَنُّك بِالْغِنَاءِ الْحَادِثِ فِي هَذَا الزَّمَانِ.
[مطلب فِي دفن الْمَيِّت]
(قَوْلُهُ وَحَفْرُ قَبْرِهِ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي مَسَائِلِ الدَّفْنِ. وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ إنْ أَمْكَنَ إجْمَاعًا حِلْيَةٌ. وَاحْتَرَزَ بِالْإِمْكَانِ عَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْ كَمَا لَوْ مَاتَ فِي سَفِينَةٍ كَمَا يَأْتِي. وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ دَفْنُهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بِبِنَاءٍ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ، وَلَمْ أَرَهُ لِأَئِمَّتِنَا صَرِيحًا، وَأَشَارَ بِإِفْرَادِ الضَّمِيرِ إلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُدْفَنُ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَهَذَا فِي الِابْتِدَاءِ، وَكَذَا بَعْدَهُ. قَالَ فِي الْفَتْحِ، وَلَا يُحْفَرُ قَبْرٌ لِدَفْنِ آخَرَ إلَّا إنْ بَلِيَ الْأَوَّلُ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ عَظْمٌ إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ فَتُضَمُّ عِظَامُ الْأَوَّلِ وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ مِنْ تُرَابٍ. وَيُكْرَهُ الدَّفْنُ فِي الْفَسَاقِيِ اهـ وَهِيَ كَبَيْتٍ مَعْقُودٍ بِالْبِنَاءِ يَسَعُ جَمَاعَةً قِيَامًا لِمُخَالَفَتِهَا السُّنَّةَ إمْدَادٌ. وَالْكَرَاهَةُ فِيهَا مِنْ وُجُوهٍ: عَدَمِ اللَّحْدِ، وَدَفْنِ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَاخْتِلَاطِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ بِلَا حَاجِزٍ، وَتَجْصِيصِهَا، وَالْبِنَاءِ عَلَيْهَا بَحْرٌ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَخُصُوصًا إنْ كَانَ فِيهَا مَيِّتٌ لَمْ يَبْلُ؛ وَمَا يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ الْحَفَّارِينَ مِنْ نَبْشِ الْقُبُورِ الَّتِي لَمْ تَبْلُ أَرْبَابُهَا، وَإِدْخَالِ أَجَانِبَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ مِنْ الْمُنْكَرِ الظَّاهِرِ، وَلَيْسَ مِنْ الضَّرُورَةِ الْمُبِيحَةِ لِجَمْعِ مَيِّتَيْنِ فَأَكْثَرَ ابْتِدَاءً فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ قَصْدَ دَفْنِ الرَّجُلِ مَعَ قَرِيبِهِ أَوْ ضِيقِ الْمَحَلِّ فِي تِلْكَ الْمَقْبَرَةِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُتَبَرَّكُ بِالدَّفْنِ فِيهَا فَضْلًا عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ مُبِيحًا لِلنَّبْشِ، وَإِدْخَالِ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ قَبْلَ الْبِلَى مَعَ مَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ، وَتَفْرِيقِ أَجْزَائِهِ، فَالْحَذَرُ مِنْ ذَلِكَ اهـ: وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَلَوْ بَلِيَ الْمَيِّتُ وَصَارَ تُرَابًا جَازَ دَفْنُ غَيْرِهِ فِي قَبْرِهِ وَزَرْعُهُ وَالْبِنَاءُ عَلَيْهِ اهـ. قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: وَيُخَالِفُهُ مَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة إذَا صَارَ الْمَيِّتُ تُرَابًا فِي الْقَبْرِ يُكْرَهُ دَفْنُ غَيْرِهِ فِي قَبْرِهِ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ بَاقِيَةٌ، وَإِنْ جَمَعُوا عِظَامَهُ فِي نَاحِيَةٍ ثُمَّ دُفِنَ غَيْرُهُ فِيهِ تَبَرُّكًا بِالْجِيرَانِ الصَّالِحِينَ، وَيُوجَدُ مَوْضِعٌ فَارِغٌ يُكْرَهُ ذَلِكَ. اهـ.
فِي غَيْرِ دَارٍ (مِقْدَارَ نِصْفِ قَامَةٍ) فَإِنْ زَادَ فَحَسَنٌ (وَيُلْحَدُ وَلَا يُشَقُّ) إلَّا فِي أَرْضٍ رَخْوَةٍ (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يُوضَعَ فِيهِ مُضْرِبَةٌ) وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ فَغَيْرُ مَشْهُورٍ لَا يُؤْخَذُ بِهِ ظَهِيرِيَّةٌ (وَلَا بَأْسَ بِاِتِّخَاذِ تَابُوتٍ)
ــ
[رد المحتار]
قُلْت: لَكِنْ فِي هَذَا مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ، فَالْأَوْلَى إنَاطَةُ الْجَوَازِ بِالْبِلَى إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَدَّ لِكُلِّ مَيِّتٍ قَبْرٌ لَا يُدْفَنُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ صَارَ الْأَوَّلُ تُرَابًا لَا سِيَّمَا فِي الْأَمْصَارِ الْكَبِيرَةِ الْجَامِعَةِ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ تَعُمَّ الْقُبُورُ السَّهْلَ وَالْوَعْرَ، عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْحَفْرِ إلَى أَنْ يَبْقَى عَظْمٌ عَسِرٌ جِدًّا وَإِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ لِبَعْضِ النَّاسِ، لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي جَعْلِهِ حُكْمًا عَامًّا لِكُلِّ أَحَدٍ فَتَأَمَّلْ.
[تَتِمَّةٌ]
قَالَ فِي الْأَحْكَامِ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يُقْبَرَ الْمُسْلِمُ فِي مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ عَلَامَاتِهِمْ شَيْءٌ كَمَا فِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى، وَإِنْ بَقِيَ مِنْ عِظَامِهِمْ شَيْءٌ تُنْبَشُ وَتُرْفَعُ الْآثَارُ وَتُتَّخَذُ مَسْجِدًا، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ قَبْلُ مَقْبَرَةَ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ» كَذَا فِي الْوَاقِعَاتِ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي غَيْرِ دَارٍ) يُغْنِي عَنْهُ مَا يَأْتِي مَتْنًا (قَوْلُهُ مِقْدَارُ نِصْفِ قَامَةٍ إلَخْ) أَوْ إلَى حَدِّ الصَّدْرِ، وَإِنْ زَادَ إلَى مِقْدَارِ قَامَةٍ فَهُوَ أَحْسَنُ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْأَدْنَى نِصْفُ الْقَامَةِ وَالْأَعْلَى الْقَامَةُ، وَمَا بَيْنَهُمَا شَرْحُ الْمُنْيَةِ، وَهَذَا حَدُّ الْعُمْقِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمُبَالَغَةُ فِي مَنْعِ الرَّائِحَةِ وَنَبْشِ السِّبَاعِ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: وَطُولُهُ عَلَى قَدْرِ طُولِ الْمَيِّتِ، وَعَرْضُهُ عَلَى قَدْرِ نِصْفِ طُولِهِ (قَوْلُهُ: وَيُلْحَدُ) لِأَنَّهُ السُّنَّةُ وَصِفَتُهُ أَنْ يُحْفَرَ الْقَبْرُ ثُمَّ يُحْفَرَ فِي جَانِبِ الْقِبْلَةِ مِنْهُ حَفِيرَةٌ فَيُوضَعُ فِيهَا الْمَيِّتُ وَيُجْعَلُ ذَلِكَ كَالْبَيْتِ الْمُسْقَفِ حِلْيَةٌ (قَوْلُهُ وَلَا يُشَقُّ) وَصِفَتُهُ أَنْ يُحْفَرَ فِي وَسَطِ الْقَبْرِ حَفِيرَةٌ فَيُوضَعُ فِيهَا الْمَيِّتُ حِلْيَةٌ (قَوْلُهُ إلَّا فِي أَرْضٍ رَخْوَةٍ) فَيُخَيَّرُ بَيْنَ الشِّقِّ وَاِتِّخَاذِ تَابُوتٍ ط عَنْ الدُّرِّ الْمُنْتَقَى، وَمِثْلُهُ فِي النَّهْرِ.
وَمُقْتَضَى الْمُقَابَلَةِ أَنَّهُ يُلْحَدُ وَيُوضَعُ التَّابُوتُ فِي اللَّحْدِ لِأَنَّ الْعُدُولَ إلَى الشِّقِّ لِخَوْفِ انْهِيَارِ اللَّحْدِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ، فَإِذَا وُضِعَ التَّابُوتُ فِي اللَّحْدِ أُمِنَ انْهِيَارُهُ عَلَى الْمَيِّتِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَفْرُ اللَّحْدِ تَعَيَّنَ الشَّقُّ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى التَّابُوتِ، إلَّا إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ نَدِيَّةً يُسْرِعُ فِيهَا بِلَى الْمَيِّتِ قَالَ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ الْغَايَةِ: وَيَكُونُ التَّابُوتُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ رَخْوَةً أَوْ نَدِيَّةً مَعَ كَوْنِ التَّابُوتِ فِي غَيْرِهَا مَكْرُوهًا فِي قَوْلِ الْعُلَمَاءِ قَاطِبَةً. اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: يُوضَعُ التَّابُوتُ فِي الشِّقِّ إذَا لَمْ يَكُنْ فَوْقَهُ بِنَاءٌ لِئَلَّا يُرْمَسَ الْمَيِّتُ فِي التُّرَابِ، أَمَّا إذَا كَانَ لَهُ سَقْفٌ أَوْ بِنَاءٌ مَعْقُودٌ فَوْقَهُ كَقُبُورِ بِلَادِنَا وَلَمْ تَكُنْ الْأَرْضُ نَدِيَّةً وَلَمْ يُلْحَدْ فَيُكْرَهُ التَّابُوتُ (قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ إلَخْ) أَيْ يُكْرَهُ ذَلِكَ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُوضَعَ تَحْتَ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ مِضْرَبَةٌ أَوْ مِخَدَّةٌ أَوْ حَصِيرٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ اهـ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ إتْلَافُ مَالٍ بِلَا ضَرُورَةٍ، فَالْكَرَاهَةُ تَحْرِيمِيَّةٌ، وَلِذَا عَبَّرَ بِلَا يَجُوزُ (قَوْلُهُ وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ) يَعْنِي مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ نَهْرٌ.
ثُمَّ إنَّ الشَّارِحَ تَبِعَ فِي ذَلِكَ الْمُصَنِّفَ فِي مِنَحِهِ. وَاَلَّذِي وَجَدْته فِي الظَّهِيرِيَّةِ عَنْ عَائِشَةَ، وَكَذَا عَزَاهُ إلَى الظَّهِيرِيَّةِ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ جُعِلَ فِي قَبْرِهِ عليه الصلاة والسلام قَطِيفَةٌ» ، قِيلَ لِأَنَّ الْمَدِينَةَ سَبِخَةٌ، وَقِيلَ إنَّ الْعَبَّاسَ وَعَلِيًّا تَنَازَعَاهَا فَبَسَطَهَا شُقْرَانُ تَحْتَهُ لِقَطْعِ التَّنَازُعِ، وَقِيلَ «كَانَ عليه الصلاة والسلام يَلْبَسُهَا وَيَفْتَرِشُهَا، فَقَالَ شُقْرَانُ: وَاَللَّهِ لَا يَلْبَسُك أَحَدٌ بَعْدَهُ أَبَدًا فَأَلْقَاهَا فِي الْقَبْرِ» (قَوْلُهُ فَغَيْرُ مَشْهُورٍ) أَيْ غَيْرُ ثَابِتٍ عَنْهُ، أَوْ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ عَنْهُ فِعْلُهُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ لِيَكُونَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ، بَلْ ثَبَتَ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافُهُ. فَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَكَرِهَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ يُلْقَى تَحْتَ الْمَيِّتِ شَيْءٌ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ أَبِي مُوسَى «لَا تَجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَ الْأَرْضِ شَيْئًا» . اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِاِتِّخَاذِ تَابُوتٍ إلَخْ) أَيْ يُرَخَّصُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَإِلَّا كُرِهَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا.
قَالَ فِي الْحِلْيَةِ:
وَلَوْ مِنْ حَجَرٍ أَوْ حَدِيدٍ (لَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ) كَرَخَاوَةِ الْأَرْضِ
(وَ) يُسَنُّ أَنْ (يُفْرَشَ فِيهِ التُّرَابُ. مَاتَ فِي سَفِينَةٍ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَأُلْقِيَ فِي الْبَحْرِ إنْ لَمْ يَكُنْ قَرِيبًا مِنْ الْبَرِّ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُدْفَنَ) الْمَيِّتُ (فِي الدَّارِ وَلَوْ) كَانَ (صَغِيرًا) لِاخْتِصَاصِ هَذِهِ السُّنَّةِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَاقِعَاتٌ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يُدْخَلَ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ) بِأَنْ يُوضَعَ مِنْ جِهَتِهَا ثُمَّ يُحْمَلَ فَيُلْحَدَ (وَ) أَنْ (يَقُولَ وَاضِعُهُ: بِسْمِ اللَّهِ، وَبِاَللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَيُوَجَّهَ إلَيْهَا)
ــ
[رد المحتار]
نَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ الْإِمَامِ ابْنِ الْفَضْلِ أَنَّهُ جَوَّزَهُ فِي أَرَاضِيِهِمْ لِرَخَاوَتِهَا: وَقَالَ: لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُفْرَشَ فِيهِ التُّرَابُ، وَتُطَيَّنَ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا مِمَّا يَلِي الْمَيِّتَ، وَيُجْعَلُ اللَّبِنُ الْخَفِيفُ عَلَى يَمِينِ الْمَيِّتِ وَيَسَارِهِ لِيَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ اللَّحْدِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ يَنْبَغِي يُسَنُّ كَمَا أَفْصَحَ بِهِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ، بَلْ فِي الْيَنَابِيعِ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يُفْرَشَ فِي الْقَبْرِ التُّرَابُ، ثُمَّ لَمْ يَتَعَقَّبُوا الرُّخْصَةَ فِي اتِّخَاذِهِ مِنْ حَدِيدٍ بِشَيْءٍ، وَلَا شَكَّ فِي كَرَاهَتِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْوَجْهِ اهـ أَيْ لِأَنَّهُ لَا يُعْمَلُ إلَّا بِالنَّارِ فَيَكُونُ كَالْآجُرِّ الْمَطْبُوخِ بِهَا كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ لَهُ) أَيْ لِلْمَيِّتِ كَمَا فِي الْبَحْرِ أَوْ لِلرَّجُلِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْمَرْأَةِ مُطْلَقًا، وَبِهِ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ فَقَالَ: وَفِي الْمُحِيطِ: وَاسْتَحْسَنَ مَشَايِخُنَا اتِّخَاذَ التَّابُوتِ لِلنِّسَاءِ، يَعْنِي وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْأَرْضُ رَخْوَةً فَإِنَّهُ أَقْرَبُ إلَى السَّتْرِ وَالتَّحَرُّزِ عَنْ مَسِّهَا عِنْدَ الْوَضْعِ فِي الْقَبْرِ. اهـ. (قَوْلُهُ كَرَخَاوَةِ الْأَرْضِ) أَيْ وَكَوْنُهَا نَدِيَّةً، فَيُوضَعُ فِي اللَّحْدِ أَوْ فِي الشِّقِّ إنْ كَانَتْ نَدِيَّةً أَوْ لَمْ يَكُنْ لِلشِّقِّ سَقْفٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ
(قَوْلُهُ أَنْ يُفْرَشَ فِيهِ) أَيْ فِي الْقَبْرِ أَوْ فِي اللَّحْدِ كَمَا بَيَّنَّاهُ (قَوْلُهُ وَأُلْقِيَ فِي الْبَحْرِ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَعَنْ أَحْمَدَ يُثْقَلُ لِيَرْسُبَ. وَعَنْ الشَّافِعِيَّةِ كَذَلِكَ إنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَإِلَّا شُدَّ بَيْنَ لَوْحَيْنِ لِيَقْذِفَهُ الْبَحْرُ فَيُدْفَنَ. اهـ. (قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ قَرِيبًا مِنْ الْبَرِّ) الظَّاهِرُ تَقْدِيرُهُ، بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَرِّ مُدَّةٌ يَتَغَيَّرُ الْمَيِّتُ فِيهَا. ثُمَّ رَأَيْت فِي نُورِ الْإِيضَاحِ التَّعْبِيرَ بِخَوْفِ الضَّرَرِ بِهِ (قَوْلُهُ فِي الدَّارِ) كَذَا فِي الْحِلْيَةِ عَنْ مُنْيَةِ الْمُفْتِي وَغَيْرِهَا، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِ الْفَتْحِ وَلَا يُدْفَنُ صَغِيرٌ وَلَا كَبِيرٌ فِي الْبَيْتِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَإِنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْأَنْبِيَاءِ، بَلْ يُنْقَلُ إلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ اهـ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُدْفَنُ فِي مَدْفِنٍ خَاصٍّ كَمَا يَفْعَلُهُ مَنْ يَبْنِي مَدْرَسَةً وَنَحْوَهَا، وَيَبْنِي لَهُ بِقُرْبِهَا مَدْفِنًا تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ بِأَنْ يُوضَعَ مِنْ جِهَتِهَا ثُمَّ يُحْمَلَ) أَيْ فَيَكُونَ الْآخِذُ لَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَالَ الْأَخْذِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يُسْتَحَبُّ السَّلُّ، بِأَنْ يُوضَعَ الْمَيِّتُ عِنْدَ آخِرِ الْقَبْرِ ثُمَّ يُسَلُّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ مُنْحَدِرًا، وَبَيَانُ الْأَدِلَّةِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْفَتْحِ. وَلَا يَضُرُّ عِنْدَنَا كَوْنُ الدَّاخِلِ فِي الْقَبْرِ وِتْرًا أَوْ شَفْعًا وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ الْوِتْرَ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ فَيُلْحَدُ) وَكَذَا لَوْ كَانَ الْقَبْرُ شِقًّا غَيْرَ مُسْقَفٍ، أَمَّا الْمُسْقَفُ فَيَتَعَيَّنُ فِيهِ السَّلُّ (قَوْلُهُ وَبِاَللَّهِ) زَادَهُ عَلَى مَا فِي الْكَنْزِ وَالْهِدَايَةِ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي لَفْظٍ لِلتِّرْمِذِيِّ، وَالْأَوَّلُ فِي لَفْظٍ لِابْنِ مَاجَهْ وَفِي لَفْظٍ لَهُ بِزِيَادَةٍ «وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ» بَعْدَ قَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ، وَذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، قَالُوا: وَالْمَعْنَى بِسْمِ اللَّهِ وَضَعْنَاك، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ سَلَّمْنَاك، ثُمَّ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ: لَيْسَ هَذَا دُعَاءً لِلْمَيِّتِ لِأَنَّهُ إنْ مَاتَ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبَدَّلَ حَالُهُ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يُبَدَّلْ أَيْضًا، وَلَكِنْ الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، فَيَشْهَدُونَ بِوَفَاتِهِ عَلَى الْمِلَّةِ، وَعَلَى هَذَا جَرَتْ السُّنَّةُ اهـ حِلْيَةٌ. [تَنْبِيهٌ]
فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْوَارِدِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُسَنُّ الْأَذَانُ عِنْدَ إدْخَالِ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ الْآنَ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتَاوِيهِ بِأَنَّهُ بِدْعَةٌ. وَقَالَ: وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ سُنَّةٌ قِيَاسًا عَلَى نَدْبِهِمَا لِلْمَوْلُودِ إلْحَاقًا لِخَاتِمَةِ الْأَمْرِ بِابْتِدَائِهِ فَلَمْ يُصِبْ. اهـ. وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا وَغَيْرُهُمْ بِكَرَاهَةِ الْمُصَافَحَةِ الْمُعْتَادَةِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ مَعَ أَنَّ الْمُصَافَحَةَ سُنَّةٌ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِكَوْنِهَا لَمْ تُؤْثَرْ فِي خُصُوصِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَالْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا فِيهِ تُوهِمُ الْعَوَّامَ بِأَنَّهَا سُنَّةٌ فِيهِ، وَلِذَا مَنَعُوا عَنْ الِاجْتِمَاعِ لِصَلَاةِ الرَّغَائِبِ الَّتِي أَحْدَثَهَا بَعْضُ الْمُتَعَبِّدِينَ لِأَنَّهَا لَمْ تُؤْثَرْ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ فِي تِلْكَ
وُجُوبًا، وَيَنْبَغِي كَوْنُهُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ وَلَا يُنْبَشُ لِيُوَجَّهَ إلَيْهَا (وَتُحَلُّ الْعُقْدَةُ) لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا (وَيُسَوَّى اللَّبِنُ وَالْقَصَبُ لَا الْآجُرُّ) الْمَطْبُوخُ وَالْخَشَبُ لَوْ حَوْلَهُ، أَمَّا فَوْقَهُ فَلَا يُكْرَهُ ابْنُ مَالِكٍ.
[فَائِدَةٌ]
عَدَدُ لَبِنَاتِ لَحْدِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام تِسْعٌ بَهْنَسِيٌّ (وَجَازَ) ذَلِكَ حَوْلَهُ (بِأَرْضٍ رَخْوَةٍ) كَالتَّابُوتِ (وَيُسَجَّى) أَيْ يُغَطَّى (قَبْرُهَا) وَلَوْ خُنْثَى (لَا قَبْرُهُ) إلَّا لِعُذْرٍ كَمَطَرٍ (وَيُهَالُ التُّرَابُ عَلَيْهِ، وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ) مِنْ التُّرَابِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبِنَاءِ وَيُسْتَحَبُّ حَثْيُهُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا،
ــ
[رد المحتار]
اللَّيَالِي الْمَخْصُوصَةِ وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ خَيْرَ مَوْضُوعٍ (قَوْلُهُ: وُجُوبًا) أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الْهِدَايَةِ: بِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَكِنْ لَمْ يَجِدْهُ الْمُخْرِجُونَ. وَفِي الْفَتْحِ أَنَّهُ غَرِيبٌ، وَاسْتُؤْنِسَ لَهُ بِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: هِيَ تِسْعٌ، فَذَكَرَ مِنْهَا اسْتِحْلَالَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتَكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» . اهـ.
قُلْت: وَوَجْهُهُ أَنَّ ظَاهِرَهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ فِي وُجُوبِ اسْتِقْبَالِهِ، لَكِنْ صَرَّحَ فِي التُّحْفَةِ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ كَمَا يَأْتِي عَقِبَهُ (قَوْلُهُ: وَلَا يُنْبَشُ لِيُوَجَّهَ إلَيْهَا) أَيْ لَوْ دُفِنَ مُسْتَدْبِرًا لَهَا وَأَهَالُوا التُّرَابَ لَا يُنْبَشُ لِأَنَّ التَّوَجُّهَ إلَى الْقِبْلَةِ سُنَّةٌ وَالنَّبْشَ حَرَامٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بَعْدَ إقَامَةِ اللَّبِنِ قَبْلَ إهَالَةِ التُّرَابِ فَإِنَّهُ يُزَالُ وَيُوَجَّهُ إلَى الْقِبْلَةِ عَنْ يَمِينِهِ حِلْيَةٌ عَنْ التُّحْفَةِ، وَلَوْ بَقِيَ فِيهِ مَتَاعٌ لِإِنْسَانٍ فَلَا بَأْسَ بِالنَّبْشِ ظَهِيرِيَّةٌ (قَوْلُهُ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا) لِأَنَّهَا تُعْقَدُ لِخَوْفِ الِانْتِشَارِ عِنْدَ الْحَمْلِ (قَوْلُهُ: وَيُسَوَّى اللَّبِنُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى اللَّحْدِ بِأَنْ يُسَدَّ مِنْ جِهَةِ الْقَبْرِ وَيُقَامَ اللَّبِنُ فِيهِ حِلْيَةٌ عَنْ شَرْحِ الْمَجْمَعِ (قَوْلُهُ: وَالْقَصَبُ) قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَتُسَدُّ الْفُرَجُ الَّتِي بَيْنَ اللَّبِنِ بِالْمَدَرِ وَالْقَصَبِ كَيْ لَا يَنْزِلَ التُّرَابُ مِنْهَا عَلَى الْمَيِّتِ، وَنَصُّوا عَلَى اسْتِحْبَابِ الْقَصَبِ فِيهَا كَاللَّبِنِ. اهـ. (قَوْلُهُ لَا الْآجُرُّ) بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَالتَّشْدِيدِ أَشْهَرُ مِنْ التَّخْفِيفِ مِصْبَاحٌ. وَقَوْلُهُ الْمَطْبُوخُ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ. قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ لِلزِّينَةِ وَلَا حَاجَةَ لِلْمَيِّتِ إلَيْهَا وَلِأَنَّهُ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ، فَيُكْرَهُ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْمَيِّتِ تَفَاؤُلًا كَمَا يُكْرَهُ أَنْ يُتْبَعَ قَبْرُهُ بِنَارٍ تَفَاؤُلًا (قَوْلُهُ: لَوْ حَوْلَهُ إلَخْ) قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَكَرِهُوا الْآجُرَّ وَأَلْوَاحَ الْخَشَبِ. وَقَالَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ: هَذَا إذَا كَانَ حَوْلَ الْمَيِّتِ، فَلَوْ فَوْقَهُ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ يَكُونُ عِصْمَةً مِنْ السَّبُعِ. وَقَالَ مَشَايِخُ بُخَارَى: لَا يُكْرَهُ الْآجُرُّ فِي بَلْدَتِنَا لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ لِضَعْفِ الْأَرَاضِي (قَوْلُهُ: عَدَدُ لَبِنَاتِ إلَخْ) نَقَلَهُ أَيْضًا فِي الْأَحْكَامِ عَنْ الشُّمُنِّيِّ عَنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ يُقَالُ عَدَدُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَجَازَ ذَلِكَ) أَيْ الْآجُرُّ وَالْخَشَبُ (قَوْلُهُ: وَيُسَجَّى قَبْرُهَا) أَيْ بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ اسْتِحْبَابًا حَالَ إدْخَالِهَا الْقَبْرَ حَتَّى يُسَوَّى اللَّبِنُ عَلَى اللَّحْدِ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْإِمْدَادِ. وَنَقَلَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ أَنَّ الزَّيْلَعِيَّ صَرَّحَ فِي كِتَابِ الْخُنْثَى أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ.
قُلْت: وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِحَمْلِهِ عَلَى مَا إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ ظُهُورُ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ كَمَطَرٍ) أَيْ وَبَرْدٍ وَحَرٍّ وَثَلْجٍ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ: عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْقَبْرِ أَوْ عَلَى الْمَيِّتِ، وَهُوَ أَقْرَبُ لَفْظًا، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ مَعْنًى (قَوْلُهُ: وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ) لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» زَادَ أَبُو دَاوُد «أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ» حِلْيَةٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبِنَاءِ) كَذَا فِي الْبَدَائِعِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ، وَهُوَ مُقْتَضَى النَّهْيِ الْمَذْكُورِ، لَكِنْ نَظَرَ صَاحِبُ الْحِلْيَةِ فِي هَذَا التَّعْلِيلِ وَقَالَ: وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَشَّ عَلَى قَبْرِ ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ وَوَضَعَ عَلَيْهِ حَصْبَاءَ» وَهُوَ مُرْسَلٌ صَحِيحٌ، فَتُحْمَلُ الْكَرَاهَةُ عَلَى الزِّيَادَةِ الْفَاحِشَةِ، وَعَدَمُهَا عَلَى الْقَلِيلَةِ الْمُبَلِّغَةِ لَهُ مِقْدَارَ شِبْرٍ أَوْ مَا فَوْقَهُ قَلِيلًا (قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ حَثْيُهُ) أَيْ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا جَوْهَرَةٌ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: حَثَيْت التُّرَابَ حَثْيًا وَحَثَوْته حَثْوًا: إذَا قَبَضْته وَرَمَيْته. اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الْقَامُوسِ، فَهُوَ وَاوِيٌّ وَيَائِيٌّ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا) لِمَا فِي ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ ثُمَّ أَتَى الْقَبْرَ فَحَثَى
وَجُلُوسُ سَاعَةٍ بَعْدَ دَفْنِهِ لِدُعَاءٍ وَقِرَاءَةٍ بِقَدْرِ مَا يُنْحَرُ الْجَزُورُ وَيُفَرَّقُ لَحْمُهُ.
(وَلَا بَأْسَ بِرَشِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ) حِفْظًا لِتُرَابِهِ عَنْ الِانْدِرَاسِ (وَلَا يُرَبَّعُ) لِلنَّهْيِ (وَيُسَنَّمُ) نَدْبًا. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وُجُوبًا قَدْرَ شِبْرٍ (وَلَا يُجَصَّصُ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ (وَلَا يُطَيَّنُ، وَلَا يُرْفَعُ عَلَيْهِ بِنَاءٌ. وَقِيلَ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ) كَمَا فِي كَرَاهَةِ السِّرَاجِيَّةِ. وَفِي جَنَائِزِهَا: لَا بَأْسَ بِالْكِتَابَةِ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهَا حَتَّى لَا يَذْهَبَ الْأَثَرُ وَلَا يُمْتَهَنَ
(وَلَا يُخْرَجُ
ــ
[رد المحتار]
عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا» شَرْحُ الْمُنْيَةِ. قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ: وَيَقُولُ فِي الْحَثْيَةِ الْأُولَى - {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} [طه: 55]- وَفِي الثَّانِيَةِ - {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} [طه: 55]- وَفِي الثَّالِثَةِ - {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه: 55]- وَقِيلَ يَقُولُ فِي الْأُولَى: اللَّهُمَّ جَافِ الْأَرْضَ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ أَبْوَابَ السَّمَاءِ لِرُوحِهِ، وَفِي الثَّالِثَةِ: اللَّهُمَّ زَوِّجْهُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ. وَلِلْمَرْأَةِ: اللَّهُمَّ أَدْخِلْهَا الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِك اهـ (قَوْلُهُ: وَجُلُوسٌ إلَخْ) لِمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَى قَبْرِهِ وَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَاسْأَلُوا اللَّهَ لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ أَوَّلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتَهَا. وَرُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَالَ وَهُوَ فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ: إذَا أَنَا مِتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا يُنْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ رُسُلَ رَبِّي جَوْهَرَةٌ
(قَوْلُهُ وَلَا بَأْسَ بِرَشِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ) بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُنْدَبَ «لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم فَعَلَهُ بِقَبْرِ سَعْدٍ» كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ «وَبِقَبْرِ وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ» كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ «وَأَمَرَ بِهِ فِي قَبْرِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ» كَمَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ، فَانْتَفَى مَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ التَّطْيِينَ حِلْيَةٌ (قَوْلُهُ: لِلنَّهْيِ) هُوَ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْآثَارِ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْخٌ لَنَا يَرْفَعُهُ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَرْبِيعِ الْقُبُورِ وَتَجْصِيصِهَا» إمْدَادٌ (قَوْلُهُ وَيُسَنَّمُ) أَيْ يُجْعَلُ تُرَابُهُ مُرْتَفِعًا عَلَيْهِ كَسَنَامِ الْجَمَلِ، لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ سُفْيَانَ النِّمَارِ " أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُسَنَّمًا " وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، التَّسْطِيحُ: أَيْ التَّرْبِيعُ أَفْضَلُ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ: وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وُجُوبًا) هُوَ مُقْتَضَى النَّهْيِ الْمَذْكُورِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ التَّعْلِيلِ بِأَنَّهُ مِنْ صَنِيعِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالتَّشَبُّهُ بِهِمْ فِيمَا مِنْهُ بُدٌّ مَكْرُوهٌ اهـ لَكِنْ فِي النَّهْرِ أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى.
قُلْت: وَلَعَلَّ وَجْهَهُ شُبْهَةُ الِاخْتِلَافِ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ عَلَى التَّرْبِيعِ فَيَكُونُ النَّهْيُ مَصْرُوفًا عَنْ ظَاهِرِهِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: قَدْرَ شِبْرٍ) أَوْ أَكْثَرَ شَيْئًا قَلِيلًا بَدَائِعُ (قَوْلُهُ: وَلَا يُجَصَّصُ) أَيْ لَا يُطْلَى بِالْجَصِّ بِالْفَتْحِ وَيُكْسَرُ قَامُوسٌ (قَوْلُهُ وَلَا يُرْفَعُ عَلَيْهِ بِنَاءٌ) أَيْ يَحْرُمُ لَوْ لِلزِّينَةِ، وَيُكْرَهُ لَوْ لِلْإِحْكَامِ بَعْدَ الدَّفْنِ، وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلَيْسَ بِقَبْرٍ إمْدَادٌ. وَفِي الْأَحْكَامِ عَنْ جَامِعِ الْفَتَاوَى: وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ الْبِنَاءُ إذَا كَانَ الْمَيِّتُ مِنْ الْمَشَايِخِ وَالْعُلَمَاءِ وَالسَّادَاتِ اهـ
قُلْت: لَكِنْ هَذَا فِي غَيْرِ الْمَقَابِرِ الْمُسَبَّلَةِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: وَقِيلَ: لَا بَأْسَ بِهِ إلَخْ) الْمُنَاسِبُ ذِكْرُهُ عَقِبَ قَوْلِهِ: وَلَا يُطَيَّنُ لِأَنَّ عِبَارَةَ السِّرَاجِيَّةِ كَمَا نَقَلَهُ الرَّحْمَتِيُّ ذَكَرَ فِي تَجْرِيدِ أَبِي الْفَضْلِ أَنَّ تَطْيِينَ الْقُبُورِ مَكْرُوهٌ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ اهـ وَعَزَاهُ إلَيْهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْمِنَحِ أَيْضًا. وَأَمَّا الْبِنَاءُ عَلَيْهِ فَلَمْ أَرَ مَنْ اخْتَارَ جَوَازَهُ. وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ عَنْ مُنْيَةِ الْمُفْتِي: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ التَّطْيِينُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: يُكْرَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ بِنَاءً مِنْ بَيْتٍ أَوْ قُبَّةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ تَجْصِيصِ الْقُبُورِ، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ اهـ نَعَمْ فِي الْإِمْدَادِ عَنْ الْكُبْرَى: وَالْيَوْمَ اعْتَادُوا التَّسْنِيمَ بِاللَّبِنِ صِيَانَةً لِلْقَبْرِ عَنْ النَّبْشِ، وَرَأَوْا ذَلِكَ حَسَنًا. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» . اهـ. (قَوْلُهُ لَا بَأْسَ بِالْكِتَابَةِ إلَخْ) لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهَا وَإِنْ صَحَّ فَقَدْ وُجِدَ الْإِجْمَاعُ الْعَمَلِيُّ بِهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ النَّهْيَ عَنْهَا مِنْ طُرُقٍ، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ الْأَسَانِيدُ صَحِيحَةٌ
مِنْهُ) بَعْدَ إهَالَةِ التُّرَابِ (إلَّا) لِحَقِّ آدَمِيٍّ كَ (أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ مَغْصُوبَةً أَوْ أُخِذَتْ بِشُفْعَةٍ) وَيُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ إخْرَاجِهِ وَمُسَاوَاتِهِ بِالْأَرْضِ كَمَا جَازَ زَرْعُهُ وَالْبِنَاءُ عَلَيْهِ إذَا بَلِيَ وَصَارَ تُرَابًا زَيْلَعِيٌّ.
(حَامِلٌ مَاتَتْ وَوَلَدُهَا حَيٌّ) يَضْطَرِبُ (شُقَّ بَطْنُهَا) مِنْ الْأَيْسَرِ (وَيُخْرَجُ وَلَدُهَا) وَلَوْ بِالْعَكْسِ وَخِيفَ عَلَى الْأُمِّ قُطِعَ وَأُخْرِجَ وَلَوْ مَيِّتًا وَإِلَّا لَا كَمَا فِي كَرَاهَةِ الِاخْتِيَارِ. وَلَوْ بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ وَمَاتَ هَلْ يُشَقُّ قَوْلَانِ، وَالْأَوْلَى نَعَمْ فَتْحٌ.
ــ
[رد المحتار]
وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهَا، فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ مَكْتُوبٌ عَلَى قُبُورِهِمْ، وَهُوَ عَمَلٌ أَخَذَ بِهِ الْخَلَفُ عَنْ السَّلَفِ اهـ وَيَتَقَوَّى بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَمَلَ حَجَرًا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَقَالَ: أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي وَأَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ تَابَ مِنْ أَهْلِي» فَإِنَّ الْكِتَابَةَ طَرِيقٌ إلَى تَعَرُّفِ الْقَبْرِ بِهَا، نَعَمْ يَظْهَرُ أَنَّ مَحَلَّ هَذَا الْإِجْمَاعِ الْعَمَلِيِّ عَلَى الرُّخْصَةِ فِيهَا مَا إذَا كَانَتْ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْمُحِيطِ بِقَوْلِهِ وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى الْكِتَابَةِ، حَتَّى لَا يَذْهَبَ الْأَثَرُ وَلَا يُمْتَهَنَ فَلَا بَأْسَ بِهِ. فَأَمَّا الْكِتَابَةُ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَلَا اهـ حَتَّى إنَّهُ يُكْرَهُ كِتَابَةُ شَيْءٍ عَلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ الشِّعْرِ أَوْ إطْرَاءِ مَدْحٍ لَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ حِلْيَةٌ مُلَخَّصًا.
قُلْت: لَكِنْ نَازَعَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الشَّافِعِيَّة فِي هَذَا الْإِجْمَاعِ بِأَنَّهُ أَكْثَرِيٌّ، وَإِنْ سَلِمَ فَمَحَلُّ حُجِّيَّتِهِ عِنْدَ صَلَاحِ الْأَزْمِنَةِ بِحَيْثُ يَنْفُذُ فِيهَا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَقَدْ تَعَطَّلَ ذَلِكَ مُنْذُ أَزْمِنَةٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى قُبُورِهِمْ فِي الْمَقَابِرِ الْمُسَبَّلَةِ أَكْثَرُ مِنْ الْكِتَابَةِ عَلَيْهَا كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ، وَقَدْ عَلِمُوا بِالنَّهْيِ عَنْهُ فَكَذَا الْكِتَابَةُ اهـ فَالْأَحْسَنُ التَّمَسُّكُ بِمَا يُفِيدُ حَمْلَ النَّهْيِ عَلَى عَدَمِ الْحَاجَةِ كَمَا مَرَّ.
[تَتِمَّةٌ]
فِي الْأَحْكَامِ عَنْ الْحُجَّةِ: تُكْرَهُ السُّتُورُ عَلَى الْقُبُورِ. اهـ. (قَوْلُهُ إلَّا لِحَقِّ آدَمِيٍّ) احْتِرَازٌ عَنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا إذَا دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ وُضِعَ عَلَى غَيْرِ يَمِينِهِ أَوْ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ فَإِنَّهُ لَا يُنْبَشُ عَلَيْهِ بَعْدَ إهَالَةِ التُّرَابِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ كَأَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ مَغْصُوبَةً) وَكَمَا إذَا سَقَطَ فِي الْقَبْرِ مَتَاعٌ أَوْ كُفِّنَ بِثَوْبٍ مَغْصُوبٍ أَوْ دُفِنَ مَعَهُ مَالٌ قَالُوا: وَلَوْ كَانَ الْمَالُ دِرْهَمًا بَحْرٌ. قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ جَوَابُ حَادِثَةِ الْفَتْوَى: امْرَأَةٌ دَفَنَتْ مَعَ بِنْتِهَا مِنْ الْمَصَاغِ وَالْأَمْتِعَةِ الْمُشْتَرَكَةِ إرْثًا عَنْهَا بِغَيْبَةِ الزَّوْجِ أَنَّهُ يُنْبَشُ لِحَقِّهِ، وَإِذَا تَلِفَتْ بِهِ تَضْمَنُ الْمَرْأَةُ حِصَّتَهُ اهـ وَاحْتُرِزَ بِالْمَغْصُوبَةِ عَمَّا إذَا كَانَتْ وَقْفًا. قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة: أَنْفَقَ مَالًا فِي إصْلَاحِ قَبْرٍ فَجَاءَ رَجُلٌ وَدَفَنَ فِيهِ مَيِّتَهُ، وَكَانَتْ الْأَرْضُ مَوْقُوفَةً يَضْمَنُ مَا أَنْفَقَ فِيهِ، وَلَا يُحَوَّلُ مَيِّتُهُ مِنْ مَكَانِهِ لِأَنَّهُ دُفِنَ فِي وَقْفٍ اهـ. وَعَبَّرَ فِي الْفَتْحِ بِقَوْلِهِ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْحَفْرِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ أَوْ أُخِذَتْ بِشُفْعَةٍ) أَيْ بِأَنْ اشْتَرَى أَرْضًا فَدَفَنَ فِيهَا مَيِّتَهُ ثُمَّ عَلِمَ الشَّفِيعُ بِالشِّرَاءِ فَتَمَلَّكَهَا بِالشُّفْعَةِ (قَوْلُهُ وَمُسَاوَاتُهُ بِالْأَرْضِ) أَيْ لِيُزْرَعَ فَوْقَهُ مَثَلًا لِأَنَّ حَقَّهُ فِي بَاطِنِهَا وَظَاهِرِهَا، فَإِنْ شَاءَ تَرَكَ حَقَّهُ فِي بَاطِنِهَا وَإِنْ شَاءَ اسْتَوْفَاهُ فَتْحٌ (قَوْلُهُ: كَمَا جَازَ زَرْعُهُ) أَيْ الْقَبْرِ وَلَوْ غَيْرَ مَغْصُوبٍ وَكَذَا يَجُوزُ دَفْنُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ أَيْضًا، وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ مِنْ الْأَيْسَرِ) كَذَا قَيَّدَهُ فِي الدُّرَرِ، وَلْيُنْظَرْ وَجْهُهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِالْعَكْسِ) بِأَنْ مَاتَ الْوَلَدُ فِي بَطْنِهَا وَهِيَ حَيَّةٌ (قَوْلُهُ قُطِعَ) أَيْ بِأَنْ تُدْخِلَ الْقَابِلَةُ يَدَهَا فِي الْفَرْجِ وَتَقْطَعَهُ بِآلَةٍ فِي يَدِهَا بَعْدَ تَحَقُّقِ مَوْتِهِ (قَوْلُهُ: لَوْ مَيِّتًا) لَا وَجْهَ لَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ وَلَوْ بِالْعَكْسِ ط (قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَا) أَيْ وَلَوْ كَانَ حَيًّا لَا يَجُوزُ تَقْطِيعُهُ لِأَنَّ مَوْتَ الْأُمِّ بِهِ مَوْهُومٌ، فَلَا يَجُوزُ قَتْلُ آدَمِيٍّ حَيٍّ لِأَمْرٍ مَوْهُومٍ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ) أَيْ وَلَا مَالَ لَهُ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَشَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ مَالًا يَضْمَنُ مَا بَلَعَهُ لَا يُشَقُّ اتِّفَاقًا (قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى نَعَمْ) لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ حُرْمَةُ الْآدَمِيِّ أَعْلَى مِنْ صِيَانَةِ الْمَالِ لَكِنَّهُ أَزَالَ احْتِرَامَهُ بِتَعَدِّيهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ، وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَوْ سَقَطَ فِي جَوْفِهِ بِلَا تَعَدٍّ لَا يُشَقُّ اتِّفَاقًا