المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

أَوَّلِهَا نَفْلًا لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ آخِرِهَا وَاجِبًا كَصَوْمِ مَرِيضٍ شُفِيَ - حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيب - جـ ١

[البجيرمي]

فهرس الكتاب

- ‌[مُقَدِّمَة الْكتاب]

- ‌[مَبْحَثٌ فِي تَعْرِيفِ الْحُجَّةِ وَالْحُكْمِ وَتَقْسِيمِهِ إلَى تَكْلِيفِيٍّ وَوَضْعِيٍّ]

- ‌[مَبْحَثٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَالطَّرِيقَةِ وَالْحَقِيقَةِ]

- ‌[مَبْحَثٌ فِيمَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ شَارِعِ تَصْنِيفٍ وَمَا يُسَنُّ صِنَاعَةً]

- ‌[مَبْحَثٌ فِي الْمُبَالَغَةِ النَّحْوِيَّةِ وَالْبَيَانِيَّةِ]

- ‌[مَبْحَثٌ فِي الْخُلَّةِ وَالْمَحَبَّةِ]

- ‌[مَبْحَثُ عَدَدِ أَوْلَادِهِ وَأَزْوَاجِهِ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[مَبْحَثُ تَقْدِيمِ الِاسْمِ عَلَى اللَّقَبِ وَعَكْسِهِ]

- ‌[مَبْحَثُ الْكَلَامِ عَلَى لَفْظِ ابْنِ]

- ‌[مَبْحَثُ دَرَجَاتِ الْإِخْلَاصِ]

- ‌[مَبْحَثُ تَعْرِيفِ الْجِنَاسِ اللَّاحِقِ]

- ‌[مَبْحَثُ الرَّجَاءِ وَالْأَمَلِ وَالتَّمَنِّي وَالطَّمَعِ]

- ‌[مَبْحَثُ الْحَسَدِ وَالْغِبْطَةِ وَالْقَنَاعَةِ]

- ‌[مَبْحَثُ الْجِنَاسِ الْمُضَارِعِ]

- ‌[مَبْحَثُ الْكَلَامِ عَلَى الْبَسْمَلَةِ]

- ‌[مَبْحَثُ الِاشْتِقَاقِ وَأَقْسَامُهُ]

- ‌[مَبْحَثُ الْغَلَبَةِ وَتَقْسِيمُهَا]

- ‌[مَبْحَثُ النَّحْتِ]

- ‌[مَبْحَثُ فِي قَوْلِهِ أَمَّا بَعْدُ]

- ‌ كِتَابُ بَيَانِ أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ

- ‌[فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يَطْهُرُ بِدِبَاغِهِ وَمَا يُسْتَعْمَلُ مِنْ الْآنِيَةِ وَمَا يَمْتَنِعُ]

- ‌فَصْلٌ: فِي السِّوَاكِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْوُضُوءِ

- ‌تَتِمَّةٌ: يُنْدَبُ إدَامَةُ الْوُضُوءِ

- ‌فَصْلٌ: فِي الِاسْتِنْجَاءِ

- ‌فَصْلٌ: فِي بَيَانِ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْوُضُوءُ

- ‌فَصْلٌ: فِي مُوجِبِ الْغُسْلِ

- ‌تَتِمَّةٌ: يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ مَا حَرُمَ بِالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ

- ‌فَصْلٌ: فِي أَحْكَامِ الْغُسْلِ

- ‌[فَرْعٌ اجْتَمَعَ عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْلُ حَيْضٍ وَجَنَابَةٍ]

- ‌[فَرْعٌ قُطِعَ عُضْوُ مُسْلِمٍ ثُمَّ ارْتَدَّ وَمَاتَ مُرْتَدًّ]

- ‌فَصْلٌ: فِي الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ

- ‌فَصْلٌ: فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ

- ‌فَصْلٌ: فِي التَّيَمُّمِ

- ‌شَرَائِطُ التَّيَمُّمِ)

- ‌[فَرَائِضُ التَّيَمُّمِ]

- ‌ مُبْطِلَاتِ التَّيَمُّمِ

- ‌[الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَة]

- ‌[تَتِمَّةٌ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ الْمَاءُ وَالتُّرَابُ]

- ‌فَصْلٌ: فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ

- ‌تَنْبِيهٌ: النَّجَاسَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ حُكْمِيَّةٍ وَعَيْنِيَّةٍ

- ‌ حُكْمِ النَّجَاسَةِ الْمُخَفَّفَةِ

- ‌فَصْلٌ: فِي الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالِاسْتِحَاضَةِ

- ‌(دَمُ الْحَيْضِ

- ‌[دَمُ النِّفَاسُ]

- ‌ أَحْكَامِ الْحَيْضِ

- ‌كِتَابُ الصَّلَاةِ

- ‌[وَقْتَ الظُّهْرِ]

- ‌ وَقْتُ الْعَصْرِ

- ‌[وَقْتُ الْمَغْرِب]

- ‌وَقْتُ الْعِشَاءِ

- ‌[وَقْتُ الْفَجْرِ]

- ‌فَصْلٌ: فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَفِي بَيَانِ النَّوَافِلِ

- ‌شَرَائِطُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ

- ‌الصَّلَاةُ الْمَسْنُونَةُ)

- ‌[فَصْلٌ فِي شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ]

الفصل: أَوَّلِهَا نَفْلًا لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ آخِرِهَا وَاجِبًا كَصَوْمِ مَرِيضٍ شُفِيَ

أَوَّلِهَا نَفْلًا لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ آخِرِهَا وَاجِبًا كَصَوْمِ مَرِيضٍ شُفِيَ فِي أَثْنَائِهِ، وَإِنْ بَلَغَ بَعْدَ فِعْلِهَا بِالسِّنِّ أَوْ بِغَيْرِهِ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا بِخِلَافِ الْحَجِّ إذَا بَلَغَ بَعْدَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ فَاشْتَرَطَ وُقُوعُهُ فِي حَالِ الْكَمَالِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَلَوْ حَاضَتْ أَوْ نَفِسَتْ أَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَجَبَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ إنْ أَدْرَكَ مَنْ ذُكِرَ قَدْرَ الْفَرْضِ أَخَفَّ مَا يُمْكِنُ، وَإِلَّا فَلَا وُجُوبَ فِي ذِمَّتِهِ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ فِعْلِهَا.

ثُمَّ شَرَعَ فِي النَّوْعِ الثَّانِي فَقَالَ: (وَ‌

‌الصَّلَاةُ الْمَسْنُونَةُ)

وَالْمَسْنُونُ وَالْمُسْتَحَبُّ وَالنَّفَلُ وَالْمُرَغَّبُ فِيهِ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ وَهُوَ الزَّائِدُ عَلَى الْفَرَائِضِ.

وَأَفْضَلُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ الصَّلَاةُ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: " أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ فَقَالَ الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا " وَقِيلَ:

ــ

[حاشية البجيرمي]

عَلَى طَرِيقَةِ شَيْخِنَا م ر. وَيَظْهَرُ أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْهَا قَبْلَ بُلُوغِهِ ثَوَابَ النَّفْلِ. اهـ. ق ل.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ) وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا قَوْلُهُ: (كَصَوْمِ مَرِيضٍ) أَيْ مِنْ حَيْثُ لُزُومُ الْإِتْمَامِ لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ صَوْمَ الْمَرِيضِ كُلَّهُ فَرْضٌ إذْ شَرَعَ فِيهِ وَهُوَ كَامِلٌ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّ أَوَّلَهَا نَفْلٌ إذْ شَرَعَ فِيهَا وَهُوَ غَيْرُ كَامِلٍ.

قَوْلُهُ: (وَلَوْ حَاضَتْ إلَخْ) هَذَا شُرُوعٌ فِي وَقْتٍ يُسَمَّى وَقْتَ الْإِدْرَاكِ وَهُوَ مَا إذَا طَرَأَتْ الْمَوَانِعُ فِي الْوَقْتِ بَعْدَ دُخُولِهِ فَإِنْ كَانَ طُرُوُّهَا بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَ قَدْرَ الصَّلَاةِ لَزِمَتْ وَإِلَّا فَلَا. وَالْمَوَانِعُ الَّتِي يُمْكِنُ طُرُوُّهَا خَمْسَةٌ مَا عَدَا الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ وَالصِّبَا. وَهَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ: وَلَوْ حَاضَتْ إلَخْ عَكْسُ مَا قَبْلَهُ وَلَا يَتَأَتَّى هُنَا طَرَيَانُ بَقِيَّةِ الْمَوَانِعِ كَالصِّبَا وَالْكُفْرِ كَمَا عَلِمْت.

وَاعْلَمْ أَنَّ مَوَانِعَ الْوُجُوبِ الْكُفْرُ الْأَصْلِيُّ وَالصِّبَا وَالْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ وَالسُّكْرُ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ، وَأَمَّا الرِّدَّةُ فَلَا تَمْنَعُ الْوُجُوبَ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ تَجِبُ عَلَيْهِ وُجُوبَ مُطَالَبَةٍ، وَهَذِهِ الْمَوَانِعُ كَمَا تَمْنَعُ الْوُجُوبَ تَمْنَعُ الصِّحَّةَ إلَّا الصِّبَا، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الْوُجُوبَ لَكِنْ لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ.

قَوْلُهُ: (أَوَّلَ الْوَقْتِ) أَيْ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ يَسَعُ الصَّلَاةَ وَالطُّهْرَ الَّذِي لَا يَصِحُّ تَقْدِيمُهُ لِأَجْلِ قَوْلِهِ إنْ أَدْرَكَ مَنْ ذُكِرَ قَدْرَ الْفَرْضِ إلَخْ. وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ لِيَشْمَلَ مَا ذَكَرَ.

قَوْلُهُ: (إنْ أَدْرَكَ مَنْ ذُكِرَ) أَيْ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (قَدْرَ الْفَرْضِ) أَيْ قَبْلَ عُرُوضِ الْمَوَانِعِ، وَلَا يُشْتَرَطُ إدْرَاكُ زَمَنِ طَهَارَةٍ يَصِحُّ تَقْدِيمُهَا كَوُضُوءِ السَّلِيمِ كَمَا قَالَهُ ق ل. وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: وَلَوْ طَرَأَ مَانِعٌ فِي الْوَقْتِ وَأَدْرَكَ قَدْرَ صَلَاةٍ وَطُهْرٍ لَا يُقَدَّمُ لَزِمَتْ مَعَ فَرْضٍ قَبْلَهَا إنْ صَلَحَ لِجَمْعِهِ مَعَهَا، وَأَدْرَكَ قَدْرَهُ. فَإِنْ قُلْت: إنَّ الْفَرْضَ طُرُوُّ الْمَانِعِ بَعْدَ الْعَصْرِ مَثَلًا فَيَكُونُ سَالِمًا مِنْ الْمَوَانِعِ وَقْتَ الظُّهْرِ فَلَا حَاجَةَ لِإِدْرَاكِ قَدْرِهِ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ. قُلْت: يُصَوَّرُ ذَلِكَ بِمَا إذَا وُجِدَ مَانِعٌ وَقْتَ الظُّهْرِ كَجُنُونٍ ثُمَّ زَالَ وَقْتَ الْعَصْرِ.

قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ مَا ذُكِرَ بِأَنْ اسْتَغْرَقَ الْمَانِعُ جَمِيعَ الْوَقْتِ اج.

[الصَّلَاةُ الْمَسْنُونَةُ]

قَوْلُهُ: (الْمَسْنُونَةُ) أَيْ الْمَسْنُونُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ لِإِخْبَارِهِ عَنْهَا بِقَوْلِهِ خَمْسٌ بِدَلِيلِ إفْرَادِ التَّابِعَةِ لِلْفَرَائِضِ بِقَوْلِهِ الْآتِي: وَالسُّنَنُ التَّابِعَةُ لِلْفَرَائِضِ سَبْعَةُ عَشَرَ، وَبِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي وَالنَّوَافِلُ الْمُؤَكَّدَةُ ثَلَاثَةٌ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالضُّحَى وَالتَّرَاوِيحُ. وَقَوْلُهُ: الْمَسْنُونُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الصَّلَوَاتُ الْمَسْنُونَةُ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسٍ. وَحَاصِلُ الْجَوَابِ: أَنَّ مُرَادَهُ الصَّلَاةُ الْمَسْنُونُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ، فَلِذَا صَحَّ الْإِخْبَارُ عَنْهَا بِخَمْسٍ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ مُطْلَقَ الصَّلَوَاتِ الْمَسْنُونَةِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ مَا تُطْلَبُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ وَالتَّابِعُ لِلْفَرَائِضِ وَصَلَاةُ اللَّيْلِ.

قَوْلُهُ: (وَالْمَسْنُونُ وَالْمُسْتَحَبُّ وَالنَّفَلُ إلَخْ) . وَقِيلَ إنَّ الْمَسْنُونَ مَا فَعَلَهُ صلى الله عليه وسلم وَوَاظَبَ عَلَيْهِ وَالْمُسْتَحَبُّ مَا فَعَلَهُ وَلَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ وَالنَّفَلُ مَا يُنْشِئُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَسَكَتَ عَنْ الْمُرَغَّبِ فِيهِ لِشُمُولِهِ لِكُلِّهَا هَذَا حَاصِلُ مَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.

قَوْلُهُ: (أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ) أَيْ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ وَهُوَ الزَّائِدُ عَلَى الْفَرَائِضِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ وَهُوَ رَاجِعًا لِهَذَا الْمُقَدَّرِ وَيُمْكِنُ أَنَّ الْمَعْنَى وَهُوَ أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ. قَوْلُهُ:(عِبَادَاتِ الْبَدَنِ) قَيَّدَ بِذَلِكَ لِيُخْرِجَ عِبَادَاتِ

ص: 412

الصَّوْمُ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» وَإِذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ أَفْضَلَ الْعِبَادَاتِ فَفَرْضُهَا أَفْضَلُ الْفُرُوضِ وَتَطَوُّعُهَا أَفْضَلُ التَّطَوُّعِ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ وَهُوَ: (خَمْسٌ الْعِيدَانِ وَالْكُسُوفَانِ وَالِاسْتِسْقَاءُ) وَرَتَّبْتهَا فِي الْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى حُكْمِ تَرْتِيبِهَا الْمَذْكُورِ وَلَهَا أَبْوَابٌ تُذْكَرُ فِيهَا وَقِسْمٌ لَا تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ.

(وَ) مِنْهُ (السُّنَنُ) الرَّوَاتِبُ وَهِيَ عَلَى الْمَشْهُورِ التَّابِعَةُ لِلْفَرَائِضِ وَقِيلَ هِيَ مَا لَهُ وَقْتٌ. وَالْحِكْمَةُ فِيهَا تَكْمِيلُ

ــ

[حاشية البجيرمي]

الْقَلْبِ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ. قَالَ سم: ظَاهِرُهُ وَإِنْ قَلَّ كَتَفَكُّرِ سَاعَةٍ مَعَ صَلَاةِ أَلْفِ رَكْعَةٍ وَعِبَادَاتُ الْقَلْبِ كَالْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالتَّوَكُّلِ وَالصَّبْرِ وَالرِّضَا وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَمَحَبَّةِ اللَّهِ وَمَحَبَّةِ رَسُولِهِ وَالتَّوْبَةِ وَأَفْضَلُهَا الْإِيمَانُ اهـ شَرَحَ م ر.

قَوْلُهُ: (بَعْدَ الْإِسْلَامِ إلَخْ) فِي نُسْخَةٍ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّهُ عَمَلُ قَلْبٍ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ الْبَدَنِ وَأَمَّا نُسْخَةُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَفِيهَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ جُمْلَةِ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ جَعَلَهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ فِي الْفَضْلِ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ كَوْنُ الشَّيْءِ بَعْدَ نَفْسِهِ وَقَبْلَهَا.

وَيُجَابُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْإِيمَانُ فَرَجَعَ لِلْأُولَى. وَيُجَابُ أَيْضًا: بِأَنْ يُرَادَ بِالْإِسْلَامِ خُصُوصُ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ لَا الْمُرَكَّبُ مِنْ الْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ، وَهَذَا الْجَوَابُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ النُّطْقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا بَعْدَهُ مَعَ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْهُ. وَيُجَابُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ النُّطْقُ بِهِمَا مِنْ الْكَافِرِ لَا مِنْ الْمُسْلِمِ وَذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ النَّجَاةُ مِنْ الْخُلُودِ فِي النَّارِ فَنَفْعُهُ مُحَقَّقٌ وَلَا كَذَلِكَ الصَّلَاةُ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ نَفْعِهَا لِاحْتِمَالِ عَدَمِ قَبُولِهَا. قَوْلُهُ: «إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي» ) فِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا لِلَّهِ. وَيُجَابُ بِأَنَّ غَيْرَ الصَّوْمِ يَتَمَكَّنُ فِيهِ الشَّخْصُ مِنْ الْإِخْلَاصِ وَعَدَمِهِ، فَنُسِبَ لِابْنِ آدَمَ بِخِلَافِ الصَّوْمِ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الرِّيَاءُ؛ لِأَنَّهُ خَفِيٌّ فَأُضِيفَ لِلَّهِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ تُمْكِنُ الْمُرَاءَاةُ بِالصَّوْمِ بِأَنْ يَقُولَ أَنَا صَائِمٌ وَيَقْصِدُ الشُّهْرَةَ مَثَلًا. وَيُجَابُ بِأَنَّ ذَلِكَ رِيَاءٌ بِالْقَوْلِ وَالْإِخْبَارُ لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ. قَوْلُهُ:«أَجْزِي» ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جَزَى يَجْزِي قَالَ تَعَالَى: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا} [الإنسان: 12] قَوْلُهُ: (وَتَطَوُّعُهَا أَفْضَلُ التَّطَوُّعِ) لَا يَرِدُ عَلَيْهِ طَلَبُ الْعِلْمِ وَحِفْظُ الْقُرْآنِ حَيْثُ قَالُوا: إنَّهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ. اهـ. سم. أَيْ: لِأَنَّهُمَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ. اهـ. ز ي. وَقَوْلُهُ: وَحِفْظُ الْقُرْآنِ الْمُرَادُ مَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ. وَأَفْتَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِحِفْظِهِ أَفْضَلُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ مِنْ سَائِرِ الْعُلُومِ دُونَ فَرْضِ الْعَيْنِ مِنْهَا، وَالْمُرَادُ بِحِفْظِ الْقُرْآنِ عَلَى ظَهْرِ قَلْبٍ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ تَعَلُّمُ وَاحِدٍ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ جَمْعٍ بِحَيْثُ يَظْهَرُ ذَلِكَ، أَوْ لَا بُدَّ فِي كُلِّ بَلَدٍ مِنْ ذَلِكَ؟ مَحَلُّ نَظَرٍ. قَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْقَاضِي وَالْمُفْتِي كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَرَفٍ عَلَى التَّحْرِيرِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (الْعِيدَانِ) أَيْ صَلَاتُهُمَا فَفِيهِ حَذْفٌ مُضَافٌ أَوْ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الْعِيدَ فِي صَلَاتِهِ كَمَا فِي ش قَوْلُهُ: (وَرُتْبَتُهَا إلَخْ) هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَرْتَبَةَ الْعِيدَيْنِ وَاحِدَةٌ وَكَذَا الْكُسُوفَانِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ صَلَاةُ الْأَضْحَى أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفِطْرِ وَصَلَاةُ كُسُوفِ الشَّمْسِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ خُسُوفِ الْقَمَرِ ق ل. وَيُجَابُ عَنْ الشَّارِحِ بِأَنَّ قَوْلَهُ وَرُتْبَتُهَا أَيْ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، وَهُوَ أَنَّ الْأَفْضَلَ الْعِيدَانِ ثُمَّ الْكُسُوفَانِ ثُمَّ الِاسْتِسْقَاءُ، أَمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ فَالْمَرَاتِبُ خَمْسٌ، فَالْأَفْضَلُ صَلَاةُ عِيدِ الْأَضْحَى لِثُبُوتِهَا بِالنَّصِّ خِلَافًا لِمَا يَقْتَضِيهِ صَنِيعُهُ أَنَّهُمَا فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ صَلَاةُ عِيدِ الْفِطْرِ، ثُمَّ صَلَاةُ كُسُوفِ الشَّمْسِ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ خُسُوفِ الْقَمَرِ، ثُمَّ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ كَمَا سَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ الشَّارِحُ فِيمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (لَا تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ) أَيْ بَلْ تُسَنُّ فُرَادَى فَلَوْ قَالَ: وَقِسْمٌ يُسَنُّ فُرَادَى لَكَانَ أَحْسَنَ لِمَا تُوهِمُهُ عِبَارَتُهُ مِنْ إبَاحَةِ صَلَاتِهَا فُرَادَى اهـ اج.

قَوْلُهُ: (التَّابِعَةُ لِلْفَرَائِضِ) أَيْ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ فَيَشْمَلُ الْقَبْلِيَّةَ وَالْبَعْدِيَّةَ وَهِيَ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِتَقْيِيدِ الشَّارِحِ السُّنَنَ بِالرَّوَاتِبِ وَبِالنَّظَرِ لِلْمَتْنِ وَحْدَهُ تَكُونُ صِفَةً مُخَصِّصَةً. قَالَ الرَّحْمَانِيُّ: وَمَشْرُوعِيَّةُ النَّفْلِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ الْفَرْضِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَعِبَارَةُ خ ض وَهَلْ شُرِعَتْ رَوَاتِبُ الْفَرَائِضِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ أَوْ تَرَاخَى ذَلِكَ عَنْهَا أَفَادَ شَيْخُنَا م ر الثَّانِي اهـ.

قَوْلُهُ: (وَالْحِكْمَةُ فِيهَا إلَخْ) أَيْ فِي حَقِّنَا أَمَّا فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ فَهِيَ لِكَثْرَةِ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهَا لَا تَقُومُ

ص: 413

مَا نَقَصَ مِنْ الْفَرَائِضِ بِنَقْصٍ نَحْوُ خُشُوعٍ كَتَرْكِ تَدَبُّرِ قِرَاءَةٍ. (وَهِيَ سَبْعَةُ عَشَرَ رَكْعَةٍ: رَكْعَتَا الْفَجْرِ) قَبْلَ الصُّبْحِ (وَأَرْبَعٌ) أَيْ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ (قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَثَلَاثٌ بَعْدَ سَنَةِ الْعِشَاءِ يُوتَرُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ) لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ الْمُؤَكَّدَ مِنْ غَيْرِهِ. وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُؤَكَّدَ مِنْ الرَّوَاتِبِ عَشَرُ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَكَذَا بَعْدَهَا وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ» . وَغَيْرُ الْمُؤَكَّدِ أَنْ يَزِيدَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ لِلِاتِّبَاعِ.

رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَيَزِيدُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا لِحَدِيثِ: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى

ــ

[حاشية البجيرمي]

مُقَامَ الْفَرْضِ. وَفِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ أَنَّ كُلَّ سَبْعِينَ رَكْعَةٍ مِنْ النَّفْلِ تَقُومُ مُقَامَ رَكْعَةٍ مِنْ الْفَرْضِ لِزِيَادَةِ فَضْلِهِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ، وَفِي حَاشِيَةِ الرَّحْمَانِيِّ شُرِعَ النَّفَلُ لِتَكْمِيلِ الْفَرْضِ اهـ بِحُرُوفِهِ وَجَمِيعُ نَوَافِلِهِ صلى الله عليه وسلم كَانَتْ فَرْضًا بِمَعْنَى أَنَّهَا تَقَعُ كَذَلِكَ فَيُثَابُ عَلَيْهَا ثَوَابَ الْفَرْضِ لَا أَنَّهَا فَرْضٌ أَصَالَةً؛ لِأَنَّ النَّفَلَ إنَّمَا هُوَ لِلْجَبْرِ وَلَا نَقَصَ فِي صَلَاتِهِ حَتَّى تُجْبَرَ بِالنَّوَافِلِ، فَذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ عَلَى الْأُمَّةِ لَا الْأَنْبِيَاءِ كَمَا فِي الْمُنَاوِيِّ عَلَى الْخَصَائِصِ.

قَوْلُهُ: (سَبْعَةَ عَشَرَ رَكْعَةً) وَفِي نُسْخَةٍ تِسْعَةَ عَشَرَ بِتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ وَهِيَ أَقْرَبُ إلَى جَعْلِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَ سُنَّةِ الْعِشَاءِ مِنْهَا، وَعَلَى كُلٍّ فَكَلَامُهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْمُؤَكَّدِ وَهُوَ عَشْرَةٌ، وَلَمْ يَسْتَوْفِ الْمُؤَكَّدَ وَغَيْرَهُ وَهُوَ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ رَكْعَةً غَيْرُ الْوِتْرِ ق ل. وَقَوْلُهُ: سَبْعَةَ عَشَرَ بِعَدِّ سُنَّةِ الْعِشَاءِ الْبَعْدِيَّةِ وَرَكْعَةِ وِتْرٍ وَعَلَى كَوْنِهَا تِسْعَةَ عَشَرَ بِعَدِّ ثَلَاثَةٍ وِتْرًا بَعْدَ سُنَّةِ الْعِشَاءِ، هَذَا وَكَانَ الْأَوْلَى سَبْعَ عَشْرَةَ لِإِجْرَاءِ السَّبْعَةِ عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ، وَالْعَشَرَةُ عَلَيْهِ. وَقَدْ تُؤَوَّلُ الرَّكْعَةُ بِالْأَمْرِ الْمَطْلُوبِ. قَوْلُهُ:(رَكْعَتَا الْفَجْرِ) وَلَهُ فِي نِيَّتِهَا عَشَرُ كَيْفِيَّاتٍ: سُنَّةُ الصُّبْحِ سُنَّةُ الْفَجْرِ سُنَّةُ الْبَرَدِ سَنَةُ الْوُسْطَى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا الْوُسْطَى سُنَّةُ الْغَدَاةِ وَلَهُ أَنْ يَحْذِفَ السُّنَّةَ وَيُضِيفَ فَيَقُولُ: رَكْعَتَيْ الصُّبْحِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ رَكْعَتَيْ الْبَرَدِ رَكْعَتَيْ الْوُسْطَى رَكْعَتَيْ الْغَدَاةِ اهـ خ ض. وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة: 136] إلَى آخِرِ آيَةِ الْبَقَرَةِ. وَ {أَلَمْ نَشْرَحْ} [الشرح: 1] وَ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ آيَةُ آلِ عِمْرَانَ {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ} [آل عمران: 84] إلَى آخِرِهَا و {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ} [الفيل: 1] وَ {الْإِخْلَاصِ} وَلَا يُنَافِي هَذَا طَلَبُ التَّخْفِيفِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَارِدٌ وَالتَّطْوِيلُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ بِغَيْرِ مَا وَرَدَ. اهـ. ع ش عَلَى م ر. وَسَنَّ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْفَرْضِ بِضَجْعَةٍ، وَالْأَفْضَلُ كَوْنُهُ عَلَى الْأَيْمَنِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَبِحَدِيثٍ غَيْرِ دُنْيَوِيٍّ، أَمَّا بِالدُّنْيَوِيِّ فَيُكْرَهُ أَوْ يَتَحَوَّلُ. قَالَ م ر: وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الْمَقْضِيَّةِ وَفِيمَا لَوْ أَخَّرَ سُنَّةَ الصُّبْحِ عَنْهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ اهـ.

قَوْلُهُ: (يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى إفْرَادِهَا بِالْإِحْرَامِ لَا أَنَّ مَا قَبْلَهُ لَيْسَ مِنْ الْوِتْرِ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ، وَعِبَارَةُ م د قَوْلُهُ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ أَيْ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَإِلَّا فَالثَّلَاثُ وِتْرٌ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إلَى وُجُوبِ تَأَخُّرِ الْوَاحِدَةِ إذَا فَصَلَ أَوْ إلَى فَصْلِهَا عَنْ الثِّنْتَيْنِ احْتِرَازًا عَنْ وَصْلِ الثَّلَاثِ لِبُطْلَانِهِ عِنْدَ الْقَفَّالِ وَمَفْضُولِيَّتِهِ عِنْدَ غَيْرِهِ سم. وَهُوَ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ قَوْلُهُ: وَثَلَاثٌ بَعْدَ سُنَّةِ الْعِشَاءِ يُوتِرُ إلَخْ. يَقْتَضِي أَنَّ الثِّنْتَيْنِ قَبْلَ الْوَاحِدَةِ لَيْسَتَا مِنْ الْوِتْرِ وَلَا سُنَّةَ الْعِشَاءِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَثَلَاثٌ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَعَلَيْهَا لَا إشْكَالَ اهـ.

قَوْلُهُ: (لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ) لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّأَكُّدِ الْمُدَّعَى وَلَوْ قَالَ لِمُوَاظَبَتِهِ صلى الله عليه وسلم لَكَانَ أَوْلَى. اهـ. ق ل.

قَوْلُهُ: (صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَكْعَتَيْنِ) أَيْ فَعَلْت مِثْلَ فِعْلِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُصَلِّ هَذِهِ الرَّوَاتِبَ جَمَاعَةً، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ اقْتِدَاءٌ بِهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ م د.

قَوْلُهُ: (رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ) وَانْظُرْ هَلْ الْقَبْلِيَّةُ أَفْضَلُ أَمْ الْبَعْدِيَّةُ؟ أَفْتَى م ر بِأَنَّ الْبَعْدِيَّةَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ الْقَبْلِيَّةَ كَالْمُقَدِّمَةِ وَتِلْكَ تَابِعَةٌ لِلْفُرَصِ حَقِيقَةً وَالتَّابِعُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ مَتْبُوعِهِ أَيْضًا، فَاعْتِنَاءُ الشَّارِعِ بِهَا أَكْثَرُ وَلَا يَصِحُّ فِعْلُهَا قَبْلَ فِعْلِ الْفَرْضِ، فَاعْتَبَرَ الشَّارِعُ لَهَا وَقْتًا شَرْعِيًّا يَخُصُّهَا، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْبَهْجَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَبِهِ صَرَّحَ سم عَلَى الْبَهْجَةِ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ:(وَيَزِيدُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا) فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُصَنِّفِ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَلَا يُشْتَرَطُ مُلَاحَظَةُ التَّأْكِيدِ فَتَنْصَرِفُ إلَيْهِ النِّيَّةُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي الْإِحْرَامِ بِرَكْعَتَيْنِ، وَتَجُوزُ الْأَرْبَعَةُ

ص: 414

النَّارِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.

وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ لِخَبَرِ عُمَرَ، أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا» . رَوَاهُ ابْنَا خُزَيْمَةَ وَحِبَّانَ وَصَحَّحَاهُ، وَمِنْ غَيْرِ الْمُؤَكَّدِ رَكْعَتَانِ خَفِيفَتَانِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ:" أَنَّ كِبَارَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ لَهُمَا أَيْ لِلرَّكْعَتَيْنِ إذَا أَذَّنَ الْمَغْرِبُ ". وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْعِشَاءِ لِخَبَرِ: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» وَالْمُرَادُ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ. وَالْجُمُعَةُ كَالظُّهْرِ فِيمَا مَرَّ فَيُصَلِّي قَبْلهَا أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلِيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا» ، وَخَبَرُ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَوْقِيفٌ.

وَقَوْلُ الْمُصَنِّفُ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا تُسَنُّ لَهُ جَمَاعَةٌ الْوِتْرُ وَأَنَّ أَقَلَّهُ رَكْعَةٌ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ: «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ» وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ» . وَلَا كَرَاهَةَ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهَا خِلَافًا لِمَا فِي الْكِفَايَةِ عَنْ أَبِي الطَّيِّبِ وَأَدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثٌ

ــ

[حاشية البجيرمي]

الْقَبْلِيَّةُ مَثَلًا بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ بَلْ لَوْ أَخَّرَ الْقَبْلِيَّةَ عَنْ الْفَرْضِ جَازَ أَنْ يُحْرِمَ بِالثَّمَانِيَةِ بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ اهـ ق ل. وَيَكْفِي فِي تَصْحِيحِ نِيَّةِ قَبْلِيَّةِ الْجُمُعَةِ غَلَبَةُ ظَنِّ وُقُوعِهَا وَمَعَ الشَّكِّ يَمْتَنِعُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَالُ، وَتَرَدَّدَ " سم " فِي أَنَّهَا هَلْ هِيَ كَالْجُمُعَةِ شَرْطُهَا الْوَقْتُ فَلَا تَصِحُّ بَعْدَ خُرُوجِهِ وَلَا تُقْضَى أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ. اهـ. رَحْمَانِيٌّ. الظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تُقْضَى كَالْجُمُعَةِ.

قَوْلُهُ: (مَنْ حَافَظَ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَدَارَ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى أَغْلَبِ الْأَحْوَالِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ. وَقَوْلُهُ: حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَيْ مَنَعَهُ مِنْ دُخُولِهَا ع ش.

قَوْلُهُ: (وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ) بِرَفْعِ أَرْبَعٌ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يَزِيدَ أَيْ: وَغَيْرُ الْمُؤَكَّدِ أَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ إلَخْ.

قَوْلُهُ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً» إلَخْ) هَذَا دُعَاءٌ لِلْمُصَلِّي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إخْبَارًا وَهُوَ لَا يَتَخَلَّفُ.

قَوْلُهُ: (قَبْلَ الْمَغْرِبِ) وَيُقَدِّمُ عَلَيْهِمَا إجَابَةَ الْمُؤَذِّنِ وَيُؤَخِّرُهُمَا إنْ أُقِيمَتْ الْمَغْرِبُ. اهـ. ق ل. أَيْ: إذَا أَسْرَعَ الْإِمَامُ بِالْفَرْضِ عَقِبَ الْأَذَانِ وَمِثْلُ رَاتِبَةِ الْمَغْرِبِ غَيْرُهَا، فَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا بَعْدَ إجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ مِنْ الْمُبَادَرَةِ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ عِنْدَ شُرُوعِ الْمُؤَذِّنِ فِي الْأَذَانِ الْمُفَوِّتِ لِإِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ وَلِفِعْلِ الرَّاتِبَةِ قَبْلَ الْفَرْضِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي، بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ كَمَا قَالَهُ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ:(أَنَّ كِبَارَ الصَّحَابَةِ) أَيْ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْهُمْ وَالْمُكْثِرِينَ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما.

قَوْلُهُ: (يَبْتَدِرُونَ) أَيْ يُسْرِعُونَ إلَى السَّوَارِي أَيْ الْأَعْمِدَةِ لِيَجْعَلُوهَا سُتْرَةً.

قَوْلُهُ: (إذَا أَذَّنَ الْمَغْرِبُ) أَيْ مُؤَذِّنُ الْمَغْرِبِ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ.

قَوْلُهُ: (وَالْجُمُعَةُ كَالظُّهْرِ) فَيُصَلِّي قَبْلَهَا أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا أَيْ: إذَا كَانَتْ تُغْنِي عَنْ الظُّهْرِ، وَإِلَّا فَيَنْوِي سُنَّةَ الظُّهْرِ الْبَعْدِيَّةِ بَعْدَ فِعْلِ الظُّهْرِ وَلَا بَعْدِيَّةَ لِلْجُمُعَةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ م ر. أَيْ: وَيُصَلِّي حِينَئِذٍ سُنَّةَ الظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ) أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الصَّلَاةِ قَبْلَهَا أَرْبَعًا وَأَمَّا مَا بَعْدَهَا فَقَدْ أَمَرَ بِهَا صلى الله عليه وسلم فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ خِلَافًا لِمَا يَقْتَضِيهِ عِبَارَةُ الشَّارِحِ مِنْ رُجُوعِ الضَّمِيرِ لِلْأَمْرَيْنِ.

قَوْلُهُ: (الَّذِي لَا تُسَنُّ لَهُ جَمَاعَةٌ الْوِتْرُ) أَيْ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ.

قَوْلُهُ: (وَأَنَّ أَقَلَّهُ رَكْعَةٌ) أَيْ حَيْثُ قَالَ وَثَلَاثٌ بَعْدَ الْعِشَاءِ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَجَعَلَ اثْنَيْنِ سُنَّةَ الْعِشَاءِ وَوَاحِدَةً لِلْوِتْرِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ، وَأَمَّا نُسْخَةُ وَثَلَاثٌ بَعْدَ سُنَّةِ الْعِشَاءِ فَلَا يَظْهَرُ وَيَكُونُ مَعْنَى يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عَلَيْهَا يُفْرِدُ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، فَيَكُونُ الْوِتْرُ بِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ وَهُوَ الْإِفْرَادُ كَحَدِيثِ؛ «إنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» أَيْ وَإِلَّا فَالثَّلَاثَةُ وِتْرٌ، فَإِنْ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ أَوْ أَكْثَرَ وَوَصَلَ نَوَى الْوِتْرَ وَيَتَخَيَّرُ فِي غَيْرِهَا بَيْنَ نِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَمُقَدَّمَةِ الْوِتْرِ وَسُنَّتِهِ هِيَ أَوْلَى أَوْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الْوِتْرِ عَلَى الْأَصَحِّ، فَفِي الْفَصْلِ أَرْبَعُ نِيَّاتٍ، وَعِبَارَةُ الرَّحْمَانِيِّ يَنْوِي لِكُلِّ اثْنَتَيْنِ صَلَاةَ اللَّيْلِ أَوْ مُقَدِّمَةَ الْوِتْرِ أَوْ سُنَّتَهُ وَهُوَ أَوْلَى أَوْ رَكْعَتَيْنِ مِنْهُ وَيَقُولُ فِي نِيَّةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ الْوِتْرِ؛ لِأَنَّهَا بَعْضُهُ حَقِيقَةً وَإِضَافَةُ سُنَّةِ لِلْوِتْرِ بَيَانِيَّةٌ اهـ. وَلَوْ صَلَّى مَا عَدَا الْأَخِيرَةِ وَتَرَكَ الْأَخِيرَةَ مِنْ الْوِتْرِ أُثِيبَ عَلَى مَا أَتَى بِهِ ثَوَابَ كَوْنِهِ مِنْ الْوِتْرِ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى مَجْمُوعِ الْأَحَدِ عَشَرَ، وَمِثْلُهُ مَنْ أَتَى بِبَعْضِ التَّرَاوِيحِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ م د عَلَى التَّحْرِيرِ. قَوْلُهُ:(وَلَا كَرَاهَةَ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهَا) بَلْ هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَلَوْ نَوَى وَأَطْلَقَ تَخَيَّرَ عِنْدَ الشَّارِحِ بَيْنَ ثَلَاثٍ أَوْ خَمْسٍ، وَهَكَذَا. وَاعْتَمَدَ م ر الِاقْتِصَارَ عَلَى ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى الْكَمَالِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ مَا هُنَا وَالْكُسُوفِ بِأَنَّ مَا هُنَا اخْتِلَافٌ فِي الذَّاتِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَدْنَى الْكَمَالِ، وَمَا فِي الْكُسُوفِ اخْتِلَافٌ فِي الصِّفَةِ فَسُومِحَ فِيهِ حَتَّى يَتَخَيَّرَ بَيْنَ أَقَلِّهِ وَأَدْنَى

ص: 415

وَأَكْمَلُ مِنْهُ خَمْسٌ ثُمَّ سَبْعٌ ثُمَّ تِسْعٌ ثُمَّ إحْدَى عَشْرَةَ، وَهِيَ أَكْثَرُهُ لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ مِنْهَا خَبَرُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةٍ» .

فَلَا تَصِحُّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا كَسَائِرِ الرَّوَاتِبِ، وَلِمَنْ زَادَ عَلَى رَكْعَةٍ الْفَصْلُ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ بِالسَّلَامِ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْوَصْلِ بِتَشَهُّدٍ فِي الْأَخِيرَةِ أَوْ بِتَشَهُّدَيْنِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْوَصْلِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَوَقْتُهُ بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ وَهِيَ الْوِتْرُ فَجَعَلَهَا لَكُمْ مِنْ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ

ــ

[حاشية البجيرمي]

الْكَمَالِ وَهُوَ كَوْنُهُ بِرُكُوعَيْنِ قَصِيرَيْنِ وَبَيْنَ أَعْلَى الْكَمَالِ، وَلَوْ صَلَّى ثَلَاثًا ثُمَّ أَرَادَ تَكْمِيلَ الْإِحْدَى عَشْرَةَ أَوْ جَعْلَهُ خَمْسًا مَثَلًا فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ أَوْ لَا؟ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَلَّى رَكْعَةَ الْوِتْرِ، فَالْوَاقِعُ بَعْدَهَا لَيْسَ مِنْ الْوِتْرِ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ، وَتَعْلِيلُ الثَّانِي مَمْنُوعٌ. اهـ. حَجّ. وَقَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ الَّذِي اعْتَمَدَهُ م ر خِلَافُهُ وَعَلَّلَهُ بِالْحَدِيثِ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» ح ف.

قَوْلُهُ: (خِلَافًا لِمَا فِي الْكِفَايَةِ) حَمَلَ م ر مَا فِي الْكِفَايَةِ عَلَى خِلَافِ الْأَوْلَى فَلَا تَضْعِيفٌ.

قَوْلُهُ: (فَلَا تَصِحُّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا) فَيَبْطُلُ الْإِحْرَامُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى تِلْكَ الزِّيَادَةِ، فَإِذَا أَحْرَمَ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ وَكَانَ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَ الْجَمِيعُ وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا وَقَعَ نَفْلًا مُطْلَقًا، وَإِنْ أَحْرَمَ بِرَكْعَتَيْنِ زِيَادَةً عَلَى الْأَحَدَ عَشَرَ بَطَلَا إنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا وَإِلَّا وَقَعَا نَفْلًا مُطْلَقًا.

قَوْلُهُ: (أَفْضَلُ مِنْ الْوَصْلِ بِتَشَهُّدٍ) أَيْ لِزِيَادَةِ الْأَفْعَالِ فِيهِ وَعِبَارَةُ م ر. وَالْوَصْلُ بِتَشَهُّدٍ أَفْضَلُ مِنْهُ بِتَشَهُّدَيْنِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ، وَلِلنَّهْيِ عَنْ تَشِبِّيهِ الْوِتْرِ بِالْمَغْرِبِ اهـ.

فَإِنْ قُلْت: هَذَا ظَاهِرٌ إذَا صَلَّى ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، فَإِذَا صَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ مَثَلًا انْتَفَى التَّشْبِيهُ الْمَذْكُورُ. قُلْت: الْمُرَادُ التَّشْبِيهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِ تَشَهُّدَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُصَلِّيهِ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا مَثَلًا اهـ م د عَلَى التَّحْرِيرِ. ثُمَّ مَحَلُّ أَفَصْلِيَّةِ الْفَصْلِ عَلَى الْوَصْلِ إنْ سَاوَاهُ عَدَدًا بِخِلَافِ مَا إذَا زَادَ الْوَصْلُ عَلَى الْفَصْلِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ اهـ قَالَ فِي الْإِيعَابِ وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسَعْ الْوَقْتُ إلَّا ثَلَاثَةً مَوْصُولَةً كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ثَلَاثَةٍ مَفْصُولَةٍ؛ لِأَنَّ فِي قَضَاءِ النَّوَافِلِ خِلَافًا وَبِأَنَّ ثَوَابَ الْأَدَاءِ أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ الْقَضَاءِ اهـ قَالَ سم وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْجَمِيعِ وَأَدْرَكَ رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ يَنْبَغِي أَنْ يَصِيرَ أَدَاءً؛ لِأَنَّهُ صَارَ صَلَاةً وَاحِدَةً. اهـ. م ر. وَلَا يُقَالُ: بَلْ الْوَصْلُ أَفْضَلُ مُرَاعَاةً لِخِلَافِ أَبِي حَنِيفَة؛ لِأَنَّا نَقُولُ لِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ شُرُوطٌ مِنْهَا أَنْ لَا تَقَعَ مُرَاعَاتُهُ فِي خِلَافٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الْإِمَامُ مَالِكٌ رضي الله عنه مِنْ لَا يُجِيزُ الْوَصْلَ. اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ. وَقَوْلُهُ: مُرَاعَاةً لِخِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْ حَيْثُ أَوْجَبَ الْوَصْلَ.

قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ لَهُ فِي الْوَصْلِ غَيْرُ ذَلِكَ) أَيْ إذَا أَحْرَمَ بِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، أَمَّا لَوْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدَ عَشَرَ مَثَلًا وَأَرَادَ تَأْخِيرَ ثَلَاثَةٍ يُحْرِمُ بِهِنَّ دَفْعَةً وَأَحْرَمَ بِالثَّمَانِيَةِ قَبْلَهَا بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ جَازَ لَهُ التَّشَهُّدُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَقَدْ زَادَ فِي الْوَصْلِ عَلَى تَشَهُّدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ بِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً اهـ ز ي. قَوْلُهُ:«أَمَدَّكُمْ» ) أَيْ زَادَكُمْ عَلَى مَا اسْتَعْمَلَكُمْ بِهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ أَوْ أَتْحَفَكُمْ قَوْلُهُ: ( «مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» ) بِسُكُونِ الْمِيمِ جَمْعِ أَحْمَرَ أَيْ الْإِبِلِ الْحُمْرِ فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ وَخَصَّهَا لِأَنَّهَا أَشْرَفُ أَمْوَالِ الْعَرَبِ عِنْدَهُمْ وَالْمُرَادُ التَّصَدُّقُ بِهَا وَأَمَّا بِضَمِّ الْمِيمِ فَهُوَ جَمْعُ حِمَارٍ ق ل. وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ تَشْبِيهَ أُمُورِ الْآخِرَةِ إنَّمَا هُوَ لِلتَّقْرِيبِ إلَى الْأَفْهَامِ، وَإِلَّا فَذَرَّةٌ مِنْ الْآخِرَةِ خَيْرٌ مِنْ الْأَرْضِ بِأَسْرِهَا وَأَمْثَالِهَا مَعَهَا لَوْ تُصُوِّرَتْ ح ف.

قَوْلُهُ: (فَجَعَلَهَا لَكُمْ مِنْ الْعِشَاءِ) أَيْ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَفِي عِبَارَةِ بَعْضِهِمْ وَكَمَا يُعْتَبَرُ دُخُولُ الْعِشَاءِ يُعْتَبَرُ صَلَاتُهَا أَيْضًا فَحَمَلَ الْعِشَاءَ عَلَى الْوَقْتِ حَتَّى لَوْ خَرَجَ وَقْتُهَا، وَأَرَادَ فِعْلَهُ قَضَاءً قَبْلَ فِعْلِهَا كَانَ مُمْتَنِعًا كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ اهـ ر. وَعِبَارَةُ م د قَوْلُهُ: مِنْ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ أَيْ بَيْنَهُمَا وَلَوْ جَمَعَهَا أَعْنِي الْعِشَاءَ مَعَ الْمَغْرِبِ تَقْدِيمًا جَازَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ سُنَّتَهَا، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ تَأْخِيرُهُ عَنْ سُنَّةِ الْعِشَاءِ اهـ سم. وَقَوْلُهُ أَيْ م د وَلَوْ جَمَعَهَا إلَخْ. فَلَوْ صَارَ مُقِيمًا بَعْدَ فِعْلِ الْعِشَاءِ وَقَبْلَ فِعْلِ الْوِتْرِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ حِينَئِذٍ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ تَأْخِيرِهِ إلَى وَقْتِهِ

ص: 416

الْفَجْرِ» ، وَيُسَنُّ جَعْلُهُ آخِرَ صَلَاةِ اللَّيْلِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ:«اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ مِنْ اللَّيْلِ وِتْرًا» فَإِنْ كَانَ لَهُ تَهَجُّدٌ أَخَّرَ الْوِتْرَ إلَى أَنْ يَتَهَجَّدَ وَإِلَّا أَوْتَرَ بَعْدَ فَرِيضَةِ الْعِشَاءِ وَرَاتِبَتِهَا هَذَا مَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا، وَقَيَّدَهُ فِي الْمَجْمُوعِ بِمَا إذَا لَمْ يَثِقْ بِيَقِظَتِهِ آخِرَ اللَّيْلِ وَإِلَّا فَتَأْخِيرُهُ أَفْضَلُ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ:«مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ آخِرَ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ وَذَلِكَ أَفْضَلُ» وَعَلَيْهِ حُمِلَ خَبَرُهُ أَيْضًا: «بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوِتْرِ» فَإِنْ أَوْتَرَ ثُمَّ تَهَجَّدَ لَمْ تُنْدَبْ لَهُ إعَادَتُهُ لِخَبَرِ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» وَيُنْدَبُ الْقُنُوتُ آخِرَ وِتْرِهِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ كَقُنُوتِ الصُّبْحِ فِي لَفْظِهِ، وَمَحَلِّهِ وَالْجَهْرِ بِهِ وَيُسَنُّ جَمَاعَةً فِي وِتْرِ رَمَضَانَ.

(وَالنَّوَافِلُ الْمُؤَكَّدَةُ) بَعْدَ الرَّوَاتِبِ (ثَلَاثَةٌ) الْأُولَى: (صَلَاةُ اللَّيْلِ) وَهُوَ التَّهَجُّدُ وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ لَكَانَ أَوْلَى لِمُوَاظَبَتِهِ صلى الله عليه وسلم وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79] وقَوْله تَعَالَى {كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17] وَهُوَ لُغَةً رَفْعُ

ــ

[حاشية البجيرمي]

الْحَقِيقِيِّ؟ الَّذِي فِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَأْخِيرِهِ إلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّوْبَرِيُّ عَلَى الْمَنْهَجِ، وَإِنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَأَوْتَرَ فَبَانَ بُطْلَانُ عِشَائِهِ بِأَنْ تَذَكَّرَ تَرْكَ رُكْنٍ مِنْهَا بَعْدَ فِعْلِهِ لَمْ يَصِحَّ وِتْرُهُ وَكَانَ نَافِلَةً. اهـ. رَوْضٌ.

قَوْلُهُ: (لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: اجْعَلُوا آخِرِ صَلَاتِكُمْ مِنْ اللَّيْلِ وِتْرًا) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مَا يَفْعَلُهُ آخِرَ اللَّيْلِ أَقَلَّ مِمَّا يَفْعَلُهُ أَوَّلَهُ، أَوْ كَانَ يَفْعَلُهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فِي جَمَاعَةٍ دُونَ آخِرِ اللَّيْلِ وَعَلَى ذَلِكَ مَشَى الشَّيْخُ سُلْطَانُ وَنَازَعَ فِي ذَلِكَ ع ش، لَكِنْ ظَاهِرُ السُّنَّةِ مَعَ الشَّيْخِ سُلْطَانَ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ.

قَوْلُهُ: (اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ إلَخْ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ وَأَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا فِيهِ؛ لِأَنَّ جَعَلَ يَتَعَدَّى إلَى مَفْعُولٍ أَيْ: عَلَى تَأْوِيلِ اجْعَلُوا بِافْعَلُوا وَإِلَى مَفْعُولَيْنِ بِتَأْوِيلِهِ بِصَيِّرُوا قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ، وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى كَوْنِهِ مَفْعُولًا فِيهِ ظَرْفِيَّةُ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْوِتْرَ هُوَ آخِرُ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى.

قَوْله: (مَشْهُودَةٌ) أَيْ تَشْهَدُهَا الْمَلَائِكَةُ أَيْ تَحْضُرُهَا أَيْ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَلَا يَرِدُ أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ تَشْهَدُهَا الْمَلَائِكَةُ.

قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ أَفْضَلُ) أَيْ تَأْخِيرُهُ أَفْضَلُ أَيْ جَمِيعُهُ، فَالْأَفْضَلُ تَأْخِيرُهُ كُلُّهُ، وَإِنْ صَلَّى بَعْضَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فِي جَمَاعَةٍ وَكَانَ لَا يُدْرِكُهَا آخِرَ اللَّيْلِ، وَلِهَذَا أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَنْ يُصَلِّي بَعْدَ وِتْرِ رَمَضَانَ جَمَاعَةً وَيُكْمِلُهُ بَعْدَ تَهَجُّدِهِ بِأَنَّ الْأَفْضَلَ تَأْخِيرُ كُلِّهِ، فَقَدْ قَالُوا: إنَّ مَنْ لَهُ تَهَجُّدٌ لَمْ يُوتِرْ مَعَ الْجَمَاعَةِ بَلْ يُؤَخِّرُهُ إلَى اللَّيْلِ، فَإِنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ صَلَّى نَافِلَةً مُطْلَقَةً وَأَوْتَرَ آخِرَ اللَّيْلِ شَرْحُ م ر. وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ: وَذَلِكَ أَيْ الْمَشْهُودُ أَفْضَلُ وَهُوَ مِنْ تَمَامِ الْحَدِيثِ كَمَا فِي مُسْلِمٍ قَالَهُ شَيْخُنَا.

قَوْلُهُ: (لَمْ تُنْدَبْ لَهُ إعَادَتُهُ) أَيْ لَمْ تُشْرَعْ الْإِعَادَةُ فَلَا تَجُوزُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا. وَقَالَ اج: قَضِيَّتُهُ جَوَازُ الْإِعَادَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَكَانَ مِنْ حَقِّ الشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ لَمْ تُطْلَبْ إعَادَتُهُ، وَالْأَصْلُ فِي الْعِبَادَةِ أَنَّهَا إذَا لَمْ تُطْلَبْ لَمْ تَصِحَّ قَالَ م ر: فَإِنَّ أَعَادَهُ بِنِيَّةِ الْوِتْرِ عَامِدًا عَالِمًا حُرِّمَ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْعَقِدْ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِخَبَرِ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَحَقِيقَةُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ؛ وَلِأَنَّ مُطْلَقَ النَّهْيِ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ إنْ رَجَعَ إلَى عَيْنِهِ أَوْ جُزْئِهِ أَوْ لَازِمِهِ وَالنَّهْيُ هُنَا رَاجِعٌ إلَى كَوْنِهِ وِتْرًا، وَلِلْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوْ زَادَ فِي الْوِتْرِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ، نَعَمْ إنْ أَعَادَهُ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا وَقَعَ نَفْلًا مُطْلَقًا، وَلَا يُكْرَهُ التَّهَجُّدُ بَعْدَ الْوِتْرِ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُؤَخِّرَهُ عَنْهُ قَلِيلًا اهـ. وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَسُنَّ تَأْخِيرُهُ عَنْ صَلَاةِ لَيْلٍ وَلَا يُعَادُ وَلَوْ وِتْرَ رَمَضَانَ وَلَوْ فِي جَمَاعَةٍ، وَإِنْ كَانَ صَلَّاهُ أَوَّلًا فُرَادَى فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ أَنَّ النَّفَلَ الَّذِي تُشْرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ تُسَنُّ إعَادَتُهُ جَمَاعَةً كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.

قَوْلُهُ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» ) أَيْ أَدَاءً أَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَدَاءً وَالْآخَرُ قَضَاءً فَلَا يُمْتَنَعُ بَلْ يُنْدَبُ، وَالْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ لَا وِتْرَيْنِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ عَلَى لُغَةِ مَنْ يُلْزِمُ الْمَثْنَى الْأَلِفَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، فَيَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى فَتْحَةٍ مُقَدَّرَةٍ عَلَى الْأَلِفِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ كَالْمَقْصُورِ وَمَا الْمَانِعُ مِنْ جَعْلِهَا عَامِلَةً عَمَلَ لَيْسَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مَانِعَ؛ لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ لَا الْعَامِلَةِ عَمَلَ إنْ وَالْعَامِلَةِ عَمَلَ لَيْسَ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُفْرَدِ لَا فِي الْمَثْنَى وَالْجَمْعِ.

ص: 417

النَّوْمِ بِالتَّكَلُّفِ وَاصْطِلَاحًا صَلَاةُ التَّطَوُّعِ فِي اللَّيْلِ بَعْدَ النَّوْمِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ النَّوْمِ، وَيُسَنُّ لِلْمُتَهَجِّدِ الْقَيْلُولَةُ، وَهِيَ النَّوْمُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ السَّحُورِ لِلصَّائِمِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«اسْتَعِينُوا بِالْقَيْلُولَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. فَائِدَةٌ: ذَكَرَ أَبُو الْوَلِيدِ النَّيْسَابُورِيُّ أَنَّ الْمُتَهَجِّدَ يَشْفَعُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ، وَرُوِيَ أَنْ الْجُنَيْدَ رُئِيَ فِي النَّوْمِ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك؟ فَقَالَ: طَاحَتْ تِلْكَ الْإِشَارَاتُ، وَغَابَتْ تِلْكَ الْعِبَارَاتُ، وَفَنِيَتْ تِلْكَ الْعُلُومُ وَنَفِدَتْ تِلْكَ الرُّسُومُ، وَمَا

ــ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (وَالنَّوَافِلُ الْمُؤَكَّدَةُ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَثَلَاثُ نَوَافِلِ مُؤَكَّدَاتٍ. قَوْلُهُ: (بَعْدَ الرَّوَاتِبِ) أَيْ غَيْرِ الرَّوَاتِبِ.

قَوْلُهُ: (صَلَاةُ اللَّيْلِ) الْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى فِي أَيْ صَلَاةٌ فِي اللَّيْلِ.

قَوْلُهُ: (لَكَانَ أَوْلَى) وَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ صَلَاةً اللَّيْلِ شَامِلَةٌ لِلتَّهَجُّدِ وَغَيْرِهِ مَعَ أَنْ الْمُؤَكَّدَ إنَّمَا هُوَ التَّهَجُّدُ اهـ اج.

قَوْلُهُ: (وَلِقَوْلِهِ إلَخْ) لَا يَظْهَرُ دَلِيلًا عَلَى التَّأَكُّدِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مُطْلَقِ الطَّلَبِ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ} [الإسراء: 79] قَالَ بَعْضُهُمْ: الْبَاءُ لِلظَّرْفِيَّةِ أَيْ فَتَهَجَّدْ فِيهِ، وَفِي التَّفْسِيرِ فَتَهَجَّدْ أَيْ صَلِّ بِهِ أَيْ بِالْقُرْآنِ أَيْ اقْرَأْهُ فِي صَلَاتِك فَرِيضَةً نَافِلَةً لَك أَيْ: زَائِدَةً عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَمَا فِي الْجَلَالِ، فَنَافِلَةً صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ وَاقِعٌ مَفْعُولًا لَتَهَجَّدَ، وَهُوَ فَرِيضَةٌ؛ لِأَنَّ التَّهَجُّدَ كَانَ وَاجِبًا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ. قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْخَصَائِصِ: وَاخْتُصَّ بِوُجُوبِ التَّهَجُّدِ أَيْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَإِنْ قُلْت؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُ بِقِيَامِ أَكْثَرِ اللَّيْلِ بِقَوْلِهِ:{قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا} [المزمل: 2] وَلِخَبَرِ الطَّبَرَانِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ: «ثَلَاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرَائِضُ وَلَكُمْ سُنَّةٌ الْوِتْرُ وَالسِّوَاكُ وَقِيَامُ اللَّيْلِ» هَذَا مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ، ثُمَّ قَالَ وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رضي الله عنه نَصَّ عَلَى أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ كَانَ وَاجِبًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ، ثُمَّ نُسِخَ عَنْهُ بِمَا فِي آخِرِ سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ وَعَنْ أُمَّتِهِ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَوْ الصَّحِيحُ، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ النَّوَوِيِّ. وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْرِي فِي قِيَامِ اللَّيْلِ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ هَذَا، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79] أَيْ عِبَادَةً زَائِدَةً عَلَى فَرَائِضِك؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ وَفِي مَعْنَاهُ زِيَادَةٌ خَالِصَةٌ لَك؛ لِأَنَّ تَطَوُّعَ غَيْرِهِ يُكَفِّرُ ذَنْبَهُ وَتَطَوُّعَهُ خَالِصٌ لَهُ لِكَوْنِهِ لَا ذَنْبَ لَهُ، فَجَمِيعُ تَطَوُّعِهِ لِمَحْضِ زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ وَالْقُرْبِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ:«اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ» فَتَعْلِيمٌ لِأُمَّتِهِ اهـ.

قَوْلُهُ: {كَانُوا قَلِيلا} [الذاريات: 17] أَيْ فِي زَمَنٍ قَلِيلٍ وَمَا زَائِدَةٌ، وَيَهْجَعُونَ: يَنَامُونَ وَهُوَ خَبَرُ كَانَ أَيْ كَانُوا يَنَامُونَ فِي زَمَنٍ قَلِيلٍ مِنْ اللَّيْلِ أَيْ وَيُصَلُّونَ أَكْثَرَهُ كَمَا فِي الْجَلَالِ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ لُغَةً رَفْعُ النَّوْمِ) أَيْ إزَالَتُهُ. وَقَوْلُهُ: بِالتَّكَلُّفِ أَيْ بِالْمَشَقَّةِ.

قَوْلُهُ: (صَلَاةُ التَّطَوُّعِ) هَذَا بَيَانُ أَصْلِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ يَحْصُلُ بِفَرْضٍ وَلَوْ قَضَاءً أَوْ نَذْرًا وَنَفْلٍ مُؤَقَّتٍ كَذَلِكَ وَلَوْ سُنَّةَ الْعِشَاءِ أَوْ الْوِتْرِ، حَيْثُ كَانَ بَعْدَ فِعْلِ الْعِشَاءِ وَبَعْدَ نَوْمٍ، وَلَوْ كَانَ النَّوْمُ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ فَالتَّطَوُّعُ لَيْسَ بِقَيْدٍ ق ل. وَيَتَلَخَّصُ أَنَّ بَيْنَ الْوِتْرِ وَالتَّهَجُّدِ عُمُومًا وَخُصُوصًا وَجْهَيْنِ: يَجْتَمِعَانِ فِيمَا لَوْ فَعَلَ الْوِتْرَ بَعْدَ فِعْلِ الْعِشَاءِ وَالنَّوْمِ، وَيَنْفَرِدُ الْوِتْرُ فِيمَا لَوْ فَعَلَهُ قَبْلَ النَّوْمِ وَيَنْفَرِدُ التَّهَجُّدُ فِيمَا لَوْ صَلَّى نَفْلًا غَيْرَ الْوِتْرِ بَعْدَ نَوْمٍ اهـ اج.

قَوْلُهُ: (بِمَنْزِلَةِ السَّحُورِ) أَيْ فَكَمَا أَنَّ السَّحُورَ يُقَوِّي عَلَى الصَّوْمِ كَذَلِكَ نَوْمُ الْقَيْلُولَةِ يُعِينُ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ. قَوْلُهُ (اسْتَعِينُوا بِالْقَيْلُولَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ) تَتِمَّتُهُ: «وَبِالسَّحُورِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ وَبِالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ عَلَى بَرْدِ الشِّتَاءِ» اهـ. وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ: «يَقُولُ اللَّهُ عز وجل يَا عَبْدِي جَعَلْتُ النَّهَارَ لِمَعَاشِك وَجَعَلْتُ اللَّيْلَ لِلسَّمَرِ مَعِي فَاشْتَغَلْتَ عَنِّي بِالنَّهَارِ وَنِمْتَ عَنِّي بِاللَّيْلِ فَمَاذَا حَصَّلْتَ» اهـ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ الْجُنَيْدَ) هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ الْجُنَيْدُ شَيْخُ أَهْلِ الْحَقِيقَةِ وَالطَّرِيقَةِ، وَكَانَ شَيْخُهُ وَأُسْتَاذُهُ فِيهَا خَالَهُ السَّرِيَّ السَّقَطِيَّ. تُوُفِّيَ الْجُنَيْدُ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَتُوُفِّيَ خَالُهُ السَّرِيُّ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَالسَّرِيُّ لُغَةُ الْخِيَارِ وَكَانَ السَّرِيُّ تِلْمِيذًا لِمَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ نَفَّعْنَا اللَّهُ بِهِمْ أَجْمَعِينَ.

قَوْلُهُ: (طَاحَتْ إلَخْ) طَاحَتْ وَغَابَتْ وَفَنِيَتْ وَنَفِدَتْ الْمُرَادُ

ص: 418

نَفَعَنَا إلَّا رَكَعَاتٍ كُنَّا نَرْكَعُهَا عِنْدَ السَّحَرِ. وَيُكْرَهُ تَرْكُ التَّهَجُّدِ لِمُعْتَادِهِ بِلَا عُذْرٍ، وَيُكْرَهُ قِيَامٌ بِلَيْلٍ يَضُرُّ. قَالَ صلى الله عليه وسلم لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرَو بْنِ الْعَاصِ:«أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّك تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ فَقُلْت: بَلَى. قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ صُمْ وَأُفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ فَإِنَّ لِجَسَدِك عَلَيْك حَقًّا» إلَى آخِرِهِ. أَمَّا قِيَامٌ لَا يَضُرُّ وَلَوْ فِي لَيَالٍ كَامِلَةٍ فَلَا يُكْرَهُ، فَقَدْ «كَانَ صلى الله عليه وسلم إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ أَحْيَا اللَّيْلَ كُلَّهُ» ، وَيُكْرَهُ تَخْصِيصُ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ بِصَلَاةٍ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ:«لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِيِ» أَمَّا إحْيَاؤُهَا بِغَيْرِ صَلَاةٍ فَلَا يُكْرَهُ خُصُوصًا بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَإِنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ فِيهَا.

(وَ) الثَّانِيَةُ: (صَلَاةُ الضُّحَى) وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ وَأَكْثَرُهَا ثَمَانٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَصَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ

ــ

[حاشية البجيرمي]

بِهَا ذَهَبَتْ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ النَّفْعِ بِهَا. قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: نَفِدَ يَنْفَدُ مِنْ بَابِ تَعِبَ يَتْعَبُ نَفَادًا فَنِيَ، وَانْقَطَعَ. وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْإِشَارَاتِ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْعِبَارَةُ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ مِنْ الْمَعَانِي الْخَفِيَّةِ الَّتِي كَانَ يُشِيرُ بِهَا فِي الْجَوَابِ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ قَائِلٌ: يَا سَيِّدِي مَا شِفَاءُ النَّفْسِ؟ فَيَقُولُ: هُوَ أَنْ يَصِيرَ دَاؤُهَا دَوَاءَهَا وَيُشِيرُ بِقَوْلِهِ دَوَاءَهَا إلَى الصَّبْرِ.

قَوْلُهُ: (الْعِبَارَاتُ) الْمُرَادُ بِهَا الْأَلْفَاظُ الَّتِي كَانَ يَعِظُ بِهَا النَّاسَ اهـ اج.

قَوْلُهُ: (الْعُلُومُ) أَيْ عُلُومُ التَّصَوُّفِ الدَّالَّةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَيْ: الَّتِي كَانَ يُفِيدُهَا لِأَتْبَاعِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ نَظْمًا بَعْدً كَلَامٍ:

بَلْ التَّصَوُّفُ أَنْ تَصْفُوَ بِلَا كَدَرٍ

وَتَتَّبِعَ الْحَقَّ وَالْقُرْآنَ وَالدِّينَا

وَأَنْ تُرَى خَاشِعًا لِلَّهِ مُكْتَئِبًا

عَلَى ذُنُوبِك طُولَ الدَّهْرِ مَحْزُونَا

قَوْلُهُ: (وَنَفِدَتْ) أَيْ ذَهَبَتْ قَوْلُهُ: (تِلْكَ الرُّسُومُ) الْمُرَادُ بِهَا الْكُتُبُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى تِلْكَ الْعُلُومِ قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ قِيَامٌ بِلَيْلٍ يَضُرُّ) أَيْ سَهَرٌ شَوْبَرِيٌّ وَلَوْ بِعِبَادَةٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كُلِّ اللَّيْلِ أَوْ بَعْضِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَبِهِ صَرَّحَ م ر وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ يَضُرُّ أَيْ شَأْنُهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْفِعْلِ كَمَا قَالَهُ ح ف أَيْ إنْ كَانَ كُلُّ اللَّيْلِ، وَبِالْفِعْلِ إنْ كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ فَفَرَّقَ بَيْنَ قِيَامِ الْكُلِّ فَيُكْرَهُ مُطْلَقًا أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ؛ لِأَنَّ شَأْنَهُ الضَّرَرُ فَرُبَّمَا يَفُوتُ بِهِ مَصَالِحُ النَّهَارِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْرَاكٍ، وَبِهَذَا فَارَقَ عَدَمَ كَرَاهَةِ صَوْمِ الدَّهْرِ إنْ كَانَ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَدْرِكُ بِاللَّيْلِ مَا فَاتَهُ بِالنَّهَارِ وَقِيَامُ الْبَعْضِ، فَيُكْرَهُ إنْ ضَرَّ بِالْفِعْلِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ ح ل وَغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (أَلَمْ أُخْبَرْ) اسْتِفْهَامٌ تَقْرِيرِيٌّ بِمَا بَعْدَ النَّفْيِ، وَقَوْلُهُ: وَأَفْطِرْ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ.

قَوْلُهُ: (إلَى آخِرِهِ) تَتِمَّتُهُ: «وَلِزَوْجِك عَلَيْك حَقًّا وَلِزُوَّارِك عَلَيْك حَقًّا» . وَالْمُرَادُ بِالزُّوَّارِ الزَّائِرُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الضَّيْفِ مَطْلُوبٌ.

قَوْلُهُ: (فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إلَخْ) فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ.

قَوْلُهُ: (أَحْيَا اللَّيْلَ) أَيْ بِصَلَاةٍ، وَالْمُرَادُ أَحْيَاهُ كُلَّهُ كَمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ. قَوْلُهُ:(وَيُكْرَهُ تَخْصِيصُ إلَخْ) أَفْهَمَ لَفْظُ تَخْصِيصِ عَدَمَ كَرَاهَةِ إحْيَائِهَا مَضْمُومَةً لِمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا نَظِيرُ مَا ذَكَرُوهُ فِي صَوْمِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِيهِ وَقْفَةٌ ق ل. وَالنَّهْيُ عَنْهَا تَعَبُّدِيٌّ، وَقِيلَ لَهُ حِكْمَةٌ هِيَ أَنَّ فِي نَهَارَهَا وَظَائِفُ كَالتَّبْكِيرِ وَالْغُسْلِ وَقِرَاءَةِ الْكَهْفِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ فَبِالسَّهَرِ رُبَّمَا يَضْعُفُ عَنْهَا، لَكِنَّ هَذِهِ لَا تُنَاسِبُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا ضَمَّ فِيهَا لَيْلَةَ السَّبْتِ انْتَفَتْ الْكَرَاهَةُ. قَوْلُهُ:(بِقِيَامٍ بِصَلَاةٍ) أَيْ لَا بِذِكْرٍ وَمِنْهُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَمَا يَأْتِي.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَيُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ لَهَا لِمَا وَرَدَ: أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم يَسْمَعُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ بِأُذُنِهِ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ وَيَوْمِهَا وَيُبَلِّغُهُ الْمَلَكُ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ سَمَاعَ الْعِبَادِ ق ل وَهَذَا لَمْ يَثْبُتْ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ الْجَوْزِيُّ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ بِأُذُنِهِ إلَّا إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ قَرِيبًا لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا اهـ طُوخِيٌّ.

قَوْلُهُ: (وَالثَّانِيَةُ صَلَاةُ الضُّحَى) بِضَمِّ الضَّادِ وَالْمَدِّ وَالْقَصْر أَيْ الصَّلَاةُ الْمَفْعُولَةُ فِي وَقْتِ الضُّحَى وَهُوَ أَوَّلُ النَّهَارِ، وَالضُّحَى اسْمٌ لِأَوَّلِ النَّهَارِ، فَأُضِيفَتْ هَذِهِ الصَّلَاةُ لِذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهَا وَقْتُهَا فَوَقْتُ صَلَاةِ الضُّحَى النِّصْفُ الْأَوَّلُ مِنْ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ

ص: 419

وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَفِي الْمِنْهَاجِ أَنَّ أَكْثَرَهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً. وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: أَفْضَلُهَا ثَمَانٍ وَأَكْثَرُهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ، وَيُسَنُّ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَوَقْتُهَا مِنْ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ إلَى الزَّوَالِ وَالِاخْتِيَارُ فِعْلُهَا عِنْدَ مُضِيِّ رُبْعِ النَّهَارِ.

(وَ) الثَّالِثَةُ (صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ) وَهِيَ عِشْرُونَ رَكْعَةً وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى سُنِّيَّتِهَا وَعَلَى أَنَّهَا الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «مِنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَوْلُهُ: إيمَانًا أَيْ تَصْدِيقًا بِأَنَّهُ حَقٌّ مُعْتَقِدًا أَفْضَلِيَّتَهُ،

ــ

[حاشية البجيرمي]

وَقْتَهَا يَخْرُجُ بِالزَّوَالِ. قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ إضَافَةَ الصَّلَاةِ إلَى الضُّحَى بِمَعْنًى فِي كَصَلَاةِ اللَّيْلِ وَصَلَاةِ النَّهَارِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُنَاوِيُّ عَلَى الشَّمَائِلِ. قَالَ م ر: سُمِّيَتْ بِاسْمِ وَقْتِ فِعْلِهَا وَهِيَ صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقِيلَ غَيْرُهَا. وَعَلَى هَذَا تَحْصُلُ صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ بِرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ، وَمِمَّا يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّنَا إذَا قُلْنَا إنَّهَا غَيْرُهَا تَحْصُلُ بِرَكْعَتَيْنِ فَقَطْ وَلَا تَتَقَيَّدُ بِالْعَدَدِ الَّذِي لِصَلَاةِ الضُّحَى، وَأَيْضًا تَفُوتُ بِمُضِيِّ وَقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ وَارْتِفَاعِهَا وَلَا تَمْتَدُّ لِلزَّوَالِ، وَذَكَرَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي مُقَدِّمَةٍ لَهُ بِخُصُوصِ صَلَاةِ الضُّحَى أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَقْرَأَ الْإِنْسَانُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْهَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةَ وَالشَّمْسِ بِتَمَامِهَا، وَفِي الثَّانِيَةِ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةَ وَالضُّحَى لِلْمُنَاسَبَةِ، وَلِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ لَكِنَّ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ م ر، وَاعْتَمَدَهُ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى الْكَافِرُونَ وَالثَّانِيَةِ الْإِخْلَاصَ وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا قَالَ: لِفَضْلِ ذَلِكَ فَإِنَّ السُّورَةَ الْأُولَى تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ وَالثَّانِيَةَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ اهـ. وَعَلَى هَذَا فَالْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَوْلَى بِأَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى سُورَةَ وَالشَّمْسِ وَالْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّانِيَةِ وَالضُّحَى وَالْإِخْلَاصَ، ثُمَّ فِي بَاقِي الرَّكَعَاتِ يَقْتَصِرُ عَلَى الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصِ اهـ.

قَوْلُهُ: (هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ) فَلَوْ زَادَ عَلَى الثَّمَانِيَةِ لَمْ يَنْعَقِدْ الْإِحْرَامُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى زِيَادَةٍ إنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا وَإِلَّا وَقَعَ نَفْلًا مُطْلَقًا ح ل.

قَوْلُهُ: (أَفْضَلُهَا ثَمَانٍ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الثَّمَانِيَ أَفْضَلُ مِنْ اثْنَتَيْ عَشْرَة لَا يُنَافِي قَاعِدَةَ أَنَّ الْعَمَلَ كُلَّمَا كَثُرَ وَشَقَّ كَانَ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّهَا أَغْلَبِيَّةٌ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الْعَمَلَ الْقَلِيلَ يَفْضُلُ الْكَثِيرَ فِي صُوَرٍ كَالْقَصْرِ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ إنْ بَلَغَ سَفَرُهُ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي قَصْرِهِ، وَمَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ الْجِنَّ يُؤْذُونَ أَوْلَادَ مُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى لَا أَصْلَ لَهُ بَلْ هِيَ تُحَرِّقُ أَوْلَادَ الشَّيَاطِينِ، وَصَلَاةُ الضُّحَى وَاجِبَةٌ فِي حَقِّهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ فِي الْخَصَائِصِ وَشَرْحِهَا: اُخْتُصَّ الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم بِوُجُوبِ صَلَاةِ الضُّحَى عَلَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ.

قَوْلُهُ: (عِنْدَ مُضِيِّ رُبْعِ النَّهَارِ) لِيَصِيرَ فِي كُلِّ رُبْعٍ مِنْهُ صَلَاةً وَلِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ: «صَلَاةُ الضُّحَى حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ» جَمْعُ فَصِيلٍ وَهُوَ وَلَدُ النَّاقَةِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يَسْتَكْمِلْ سَنَةً بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ تَبْرُكُ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي خِفَافِهَا، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنْ الطُّلُوعِ، وَيُسَنُّ أَنْ تُؤَخَّرَ إلَى الِارْتِفَاعِ كَالْعِيدِ وَهَذَا زَعْمٌ ضَعِيفٌ بَلْ بَاطِلٌ. اهـ. م د. وَقَوْلُهُ: وَهَذَا أَيْ أَنَّ وَقْتَهَا مِنْ الطُّلُوعِ وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا إلَى الِارْتِفَاعِ.

قَوْلُهُ: (صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ) سُمِّيَتْ بِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الرَّاحَةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ ق ل. قَوْلُهُ: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ) أَيْ مَنْ صَلَّى تَرَاوِيحَهُ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ عُمَرَ) هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا لَمْ تُقَمْ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ق ل قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلِذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ فِي حَقِّ عُمَرَ: نَوَّرَ اللَّهُ قَبْرَهُ كَمَا نَوَّرَ مَسَاجِدَنَا. وَوَرَدَ: «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام خَرَجَ لَيَالِيَ مِنْ رَمَضَانَ فَصَلَّاهَا وَصَلَّوْهَا مَعَهُ ثُمَّ تَأَخَّرَ وَصَلَّى فِي بَيْتِهِ بَاقِي الشَّهْرِ وَقَالَ: خَشِيت أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ فَتَعْجَزُوا عَنْهَا» . شَرْحُ الْمَنْهَجِ وَقَوْلُهُ: لَيَالِيَ أَيْ لَيْلَةَ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ وَالْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ وَالسَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ، وَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ تَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ اهـ اج. وَقَوْلُهُ: خَشِيت أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ لَا يُنَافِيهِ مَا فِي قِصَّةِ فَرْضِ الصَّلَاةِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفْرَضُ عَلَيْهِمْ مِنْ الصَّلَوَاتِ غَيْرُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُفْرَضُ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ غَيْرُ الْخَمْسِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ الْقِصَّةِ. وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّهُ يُفْرَضُ عَلَيْهِمْ فِي السُّنَّةِ غَيْرُ الْخَمْسِ. وَقَالَ ق ل: خَشِيت أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ جَمَاعَتُهَا كَمَا ذَكَرَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا: وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مَعَ تَقَرُّرِ أَنَّهُ لَمْ يُفْرَضْ عَلَيْهِمْ غَيْرُ الْخَمْسِ؛ لِأَنَّهُ فِي زَمَنِ التَّشْرِيعِ وَرُبَّمَا يَحْدُثُ فَرْضٌ آخَرُ أَوْ جَمَاعَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا إيرَادَ وَلَا إشْكَالَ اهـ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَوْضِعًا حَوْلَ الْعَرْشِ يُسَمَّى حَظِيرَةَ

ص: 420

وَاحْتِسَابًا أَيْ إخْلَاصًا، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْغُفْرَانَ مُخْتَصٌّ بِالصَّغَائِرِ، وَتُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهَا؛ لِأَنَّ عُمَرَ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ: الرِّجَالَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَالنِّسَاءَ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَسُمِّيَتْ كُلُّ أَرْبَعٍ مِنْهَا تَرْوِيحَةً؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَرَوَّحُونَ عَقِبَهَا أَيْ يَسْتَرِيحُونَ، قَالَ الْحَلِيمِيُّ: وَالسِّرُّ فِي كَوْنِهَا عِشْرِينَ؛ لِأَنَّ الرَّوَاتِبَ أَيْ: الْمُؤَكَّدَاتِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ عَشَرُ رَكَعَاتٍ فَضُوعِفَتْ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ جِدٍّ وَتَشْمِيرٍ اهـ.

وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ فِعْلُهَا سِتًّا وَثَلَاثِينَ؛ لِأَنَّ الْعِشْرِينَ خَمْسُ تَرْوِيحَاتٍ، فَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَطُوفُونَ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، فَجَعَلَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ بَدَلَ كُلِّ أُسْبُوعٍ تَرْوِيحَةً لِيُسَاوُوهُمْ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ كَمَا قَالَهُ

ــ

[حاشية البجيرمي]

الْقُدْسِ وَهُوَ مِنْ النُّورِ وَفِيهِ مَلَائِكَةٌ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعَالَى عِبَادَةً لَا يَفْتَرُونَ سَاعَةً، فَإِذَا كَانَ لَيَالِيَ رَمَضَان اسْتَأْذَنُوا رَبَّهُمْ عز وجل أَنْ يَنْزِلُوا إلَى الْأَرْضِ وَيَحْضُرُوا مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ، فَكُلُّ مَنْ مَسَّهُمْ أَوْ مَسُّوهُ سَعِدَ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا، فَلَمَّا سَمِعَ عُمَرُ رضي الله عنه هَذَا قَالَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِهَذَا الْفَضْلِ وَالْأَجْرِ، فَجَمَعَ النَّاسَ عَلَى صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنْ الْهِجْرَةِ وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَقُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ حِينِ شُرِعَتْ إلَّا مَرَّةً وَشُرِعَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ لِمُضِيِّ إحْدَى وَعِشْرِينَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، «فَخَرَجَ النَّبِيُّ وَصَلَّى بِهِمْ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ. ثُمَّ خَرَجَ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَصَلَّى بِهِمْ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجَ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ فَصَلَّى بِهِمْ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ إلَى قُرْبِ الْفَجْرِ، ثُمَّ انْتَظَرُوا لَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ فَلَمْ يَخْرُجْ لَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ صَبِيحَتُهَا: خَشِيت أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجَزُوا» ، وَإِنَّمَا لَمْ يَخْرُجْ لَهُمْ مُتَوَالِيًا شَفَقَةً عَلَيْهِمْ.

فَإِنْ قُلْت: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ التَّرَاوِيحَ عِشْرُونَ رَكْعَةً وَالْوَارِدُ مِنْ فِعْله صلى الله عليه وسلم ثَمَانِ رَكَعَاتٍ. قُلْت: أُجِيبُ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يُتَمَّمُونَ الْعِشْرِينَ فِي بُيُوتِهِمْ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحَابَةَ إذَا انْطَلَقُوا إلَى مَنَازِلِهِمْ يُسْمَعُ لَهُمْ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الدَّبَابِيرِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ صلى الله عليه وسلم عَلَى الثَّمَانِ فِي صَلَاتِهِ بِهِمْ وَلَمْ يُصَلِّ بِهِمْ الْعِشْرِينَ تَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ اهـ اج.

قَوْلُهُ: (الرِّجَالَ) بَدَلٌ مِنْ النَّاسِ قَوْلُهُ: (ابْنِ أَبِي حَثْمَهْ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُثَلَّثَةٍ سَاكِنَةٍ وَمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ وَهَاءٍ سَاكِنَةٍ كَذَا ضَبَطَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فَهُوَ مِثْلُ مَنْدَهْ وَمَاجَهْ وَسِيدَهْ وَبَرْدَزَيْهْ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرُوهُ. قَوْلُهُ: (أَيْ يَسْتَرِيحُونَ) أَيْ مِنْ الصَّلَاةِ وَأَهْلُ مَكَّةَ يَطُوفُونَ كَمَا يَأْتِي.

قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الرَّوَاتِبَ إلَخْ) أَيْ وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهَا كَالرَّوَاتِبِ مِنْ حَيْثُ تَوَقُّفُهَا أَيْ التَّرَاوِيحُ، وَقَوْلُهُ: عَلَى فِعْلِ الْعِشَاءِ وَالرَّوَاتِبُ الْبَعْدِيَّةِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى فِعْلِ الْفَرْضِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: صَوَابُهُ حَذْفُ اللَّامِ مِنْ لِأَنَّ كَمَا فِي عِبَارَةِ غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (فَضُوعِفَتْ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ التَّضْعِيفَ أَنْ يُزَادَ عَلَى الشَّيْءِ مِثْلُهُ فَيَقْتَضِي أَنَّ التَّرَاوِيحَ عَشَرُ رَكَعَاتٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا زِيدَ عَلَى الْعَشْرِ رَكَعَاتٍ الْمُؤَكَّدَاتِ مِثْلُهَا صَارَتْ عِشْرِينَ عَشَرَةً مِنْهَا هِيَ الْمُؤَكَّدَةُ مِنْ الرَّوَاتِبِ، وَالْعَشَرَةُ الْأُخْرَى هِيَ التَّرَاوِيحُ. وَأُجِيبُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّضْعِيفِ هُنَا أَنْ يُزَادَ عَلَى الشَّيْءِ مِثْلَاهُ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. فَقَوْلُهُ: فَضُوعِفَتْ أَيْ زِيدَ عَلَيْهَا مِثْلَاهَا اهـ.

قَوْلُهُ: (وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ) أَيْ بِاجْتِهَادٍ مِمَّنْ كَانَ فِيهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ كِبَارِهَا وَعُلَمَائِهَا وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ صَلَّوْهَا سِتًّا وَثَلَاثِينَ فِي آخِرِ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ لَا فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ كَمَا قَالَهُ حَجّ اهـ.

قَوْلُهُ: (فِعْلُهَا سِتًّا وَثَلَاثِينَ) وَمَعَ ذَلِكَ، فَالْأَفْضَلُ الِاقْتِصَارُ عَلَى عِشْرِينَ وَفِي م د عَلَى التَّحْرِيرِ: وَإِذَا فَعَلُوهَا كَذَلِكَ فَهَلْ يُثَابُونَ عَلَيْهَا ثَوَابَ الْعِشْرِينَ كَغَيْرِهِمْ أَوْ يُثَابُونَ عَلَى الْعِشْرِينَ ثَوَابَ التَّرَاوِيحِ، وَعَلَى السِّتَّةَ عَشْرَ ثَوَابَ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ؟ فِيهِ نَظَرٌ. وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُمْ يُثَابُونَ عَلَى الْعِشْرِينَ ثَوَابَ التَّرَاوِيحِ، وَعَلَى السِّتَّةِ عَشَرَ أَكْثَرَ مِنْ ثَوَابِ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّهَا أَرْقَى مِنْهُ اهـ. قَوْلُهُ (يَطُوفُونَ) وَإِنَّمَا لَمْ تَطُفْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِالْقَبْرِ الشَّرِيفِ؛ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ.

قَوْلُهُ: (سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ) الْأُولَى أَنْ يَقُولَ سَبْعًا؛ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ تَسْمِيَةُ الطَّوَافِ شَوْطًا، وَالْمُرَادُ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ مَنْ بِهَا حِينَ فِعْلِ التَّرَاوِيحِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَوَطِّنًا وَلَا مُقِيمًا وَمَنْ فَعَلَهَا خَارِجَهَا بِحَيْثُ

ص: 421

الشَّيْخَانِ؛ لِأَنَّ لِأَهْلِهَا شَرَفًا بِهِجْرَتِهِ وَدَفْنِهِ صلى الله عليه وسلم وَفِعْلُهَا بِالْقُرْآنِ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ أَفْضَلُ مِنْ تَكْرِيرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، وَوَقْتُهَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَلَوْ تَقْدِيمًا، وَطُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي. قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَلَا تَصِحُّ بِنِيَّةٍ مُطَلَّقَةٍ، بَلْ يَنْوِي رَكْعَتَيْنِ مِنْ التَّرَاوِيحِ أَوْ مِنْ قِيَامِ رَمَضَانَ، وَلَوْ صَلَّى أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَشْرُوعِ بِخِلَافِ سُنَّةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّرَاوِيحَ بِمَشْرُوعِيَّةِ الْجَمَاعَةِ فِيهَا أَشْبَهَتْ الْفَرَائِضَ فَلَا تُغَيَّرُ عَمَّا وَرَدَتْ.

تَنْبِيهٌ: يَدْخُلُ وَقْتُ الرَّوَاتِبِ الَّتِي قَبْلَ الْفَرْضِ بِدُخُولِ وَقْتِ الْفَرْضِ، وَاَلَّتِي بَعْدَهُ بِفِعْلِهِ، وَيَخْرُجُ وَقْتُ النَّوْعَيْنِ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُمَا تَابِعَانِ لَهُ، وَلَوْ فَاتَ النَّفَلُ الْمُؤَقَّتُ نُدِبَ قَضَاؤُهُ.

وَمِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا تُنْدَبُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ.

ــ

[حاشية البجيرمي]

يَجُوزُ لَهُ قَصْرُ الصَّلَاةِ لَمْ يَبْعُدْ أَنْ تَكُونَ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْعِشْرِينَ إنْ كَانَ مِنْ مُتَوَطِّنِيهَا أَوْ الْمُقِيمِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، هَذَا مَا انْحَطَّ عَلَيْهِ كَلَامُ سم يَعْنِي: أَنَّ الْمُتَوَطِّنَ أَوْ الْمُقِيمَ بِالْمَدِينَةِ إذَا خَرَجَ فِي مَحَلٍّ لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ التَّرَاوِيحَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ، وَالْعِبْرَةُ فِي ذَلِكَ بِمَحَلِّ الْأَدَاءِ فَلَوْ فَاتَتْهُ فِي الْمَدِينَةِ قَضَاهَا وَلَوْ فِي غَيْرِهَا سِتًّا وَثَلَاثِينَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ فَاتَتْهُ فِي غَيْرِهَا فَإِنَّهُ يَقْضِيهَا عِشْرِينَ وَلَوْ بِالْمَدِينَةِ هَذَا مَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِ شُيُوخِنَا النُّورِ الزِّيَادِيِّ وَأَقَرَّهُ مَشَايِخُنَا اهـ اج.

قَوْلُهُ: (أُسْبُوعٍ) أَيْ طَوَافٍ وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ أُسْبُوعٌ؛ لِأَنَّهُ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ يُكَرِّرُ سَبْعَ مَرَّاتٍ.

قَوْلُهُ: (بِالْقُرْآنِ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ) بِأَنْ يَقْرَأَ كُلَّ لَيْلَةٍ حِزْبَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عُشْرُ حِزْبٍ ق ل.

قَوْلُهُ: (مِنْ تَكْرِيرِ إلَخْ) وَمِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى قِرَاءَةِ سُورَةِ الرَّحْمَنِ أَوْ نَحْوِهَا. قَوْلُهُ: (بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ) أَيْ فَتَتَوَقَّفُ عَلَى فِعْلِ الْعِشَاءِ كَمَا أَنَّ الْوِتْرَ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَلَوْ تَقْدِيمًا) عِبَارَةُ غَيْرِهِ م ر كَذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْجَمْعُ لِلسَّفَرِ وَحَصَلَتْ إقَامَةٌ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ، لَكِنْ نَقَلَ السُّيُوطِيّ عَنْ الزَّرْكَشِيّ أَنَّهُ قَالَ: يَنْبَغِي تَخْصِيصُ الْجَوَازِ بِمَا إذَا لَمْ تَحْصُلْ إقَامَةٌ فَإِنْ حَصَلَتْ إقَامَةٌ بَعْدَ فِعْلِ الْعِشَاءِ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ وَجَبَ تَأْخِيرُ التَّرَاوِيحِ إلَى وَقْتِ الْعِشَاءِ لِزَوَالِ الْوَقْتِ، وَيَحْتَمِلُ خِلَافَهُ اهـ قَالَ شَيْخُنَا: وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الرَّاتِبَةُ وَالْوِتْرُ كَذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَلَهُ فِعْلُهَا عَقِبَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مُضِيِّ قَدْرِ زَمَنِ فِعْلِ الْعِشَاءِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ اهـ اج. وَلَوْ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ الْعِشَاءِ وَقَعَ مَا صَلَّاهُ نَفْلًا مُطْلَقًا.

قَوْلُهُ: (بَلْ يَنْوِي رَكْعَتَيْنِ مِنْ التَّرَاوِيحِ) أَوْ يَنْوِي سُنَّةَ التَّرَاوِيحِ بِإِضَافَةِ الْأَعَمِّ لِلْأَخَصِّ أَوْ بَيَانِيَّةٌ.

قَوْلُهُ: (لَمْ تَصِحَّ) وَتَقَعُ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا إذَا نَسِيَ أَوْ جَهِلَ كَمَا لَوْ زَادَ عَلَى الْعِشْرِينَ الْمَذْكُورَةِ

قَوْلُهُ: (الَّتِي قَبْلَ الْفَرْضِ) الصَّوَابُ إسْقَاطُ هَذَا الْقَيْدِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْمُتَأَخِّرَةِ يَدْخُلُ كَذَلِكَ، وَفِعْلُ الْفَرْضِ شَرْطٌ فِي جَوَازِ فِعْلِهَا، وَإِنَّمَا اُمْتُنِعَ فِعْلُهَا قَبْلَ الْفَرْضِ لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِهَا وَهُوَ فِعْلُ الْفَرْضِ، وَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ وَيَخْرُجُ وَقْتُ النَّوْعَيْنِ، وَلَوْ أُرِيدَ فِي كَلَامِهِ بِالْوَقْتِ الْأَوَّلِ وَقْتُ الْفِعْلِ، وَبِالثَّانِي الْوَقْتُ الزَّمَّانِيُّ لَكَانَ صَحِيحًا، لَكِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ السُّكُوتُ عَنْ الْوَقْتِ الزَّمَانِيِّ فِي الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ ق ل. فَلَوْ لَمْ يُصَلِّ الْفَرْضَ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهُ فَإِنَّ سُنَّتَهُ الْبَعْدِيَّةَ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ أَيْ عَلَى كَلَامِ الشَّارِحِ. وَلِهَذَا يُلْغَزُ فَيُقَالُ لَنَا صَلَاةٌ فَيَخْرُجُ وَقْتُهَا وَلَمْ يَدْخُلْ اج. أَيْ خَرَجَ وَقْتُ أَدَائِهَا وَلَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ فِعْلِهَا.

قَوْلُهُ: (الْمُؤَقَّتُ) أَيْ سَوَاءٌ طُلِبَتْ فِيهِ الْجَمَاعَةُ أَمْ لَا، قَالَ شَيْخُنَا: وَيُلْحَقُ بِهِ التَّهَجُّدُ لِمَنْ اعْتَادَهُ ق ل.

قَوْلُهُ: (تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ) قَالَ الزَّرْكَشِيّ كَابْنِ الْعِمَادِ: وَهَذِهِ الْإِضَافَةُ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ، إذْ الْمُرَادُ تَحِيَّةٌ لِرَبِّ الْمَسْجِدِ تَعَظُّمًا لَهُ لَا لِلْبُقْعَةِ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ تَحِيَّةُ رَبِّ الْمَسْجِدِ، فَلَوْ قَصَدَ سُنَّةَ الْبُقْعَةِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْبُقْعَةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ بُقْعَةٌ لَا تُقْصَدُ بِالْعِبَادَةِ شَرْعًا، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ إيقَاعُ الْعِبَادَةِ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى اهـ. إيعَابٌ. بَلْ لَوْ قَصَدَ اسْتِحْقَاقَهَا لِذَلِكَ لِذَاتِهَا كَفَرَ وَشَمِلَ ذَلِكَ الْمَسَاجِدَ الْمُتَلَاصِقَةَ فَتُطْلَبُ التَّحِيَّةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا لَا لِأَجْزَاءِ الْمَسْجِدِ، وَشَمِلَ الْمُشَاعَ أَيْ مَا بَعْضُهُ مَسْجِدٌ وَبَعْضُهُ غَيْرُهُ، وَإِنْ قَلَّ الْبَعْضُ الَّذِي جُعِلَ مَسْجِدًا بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ فِيهِ فَلَا يَصِحُّ، وَالْفَرْقُ أَنَّ جِنْسَ الصَّلَاةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَسْجِدٍ بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ.

ص: 422

وَهِيَ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الْجُلُوسِ لِكُلِّ دَاخِلٍ وَتَحْصُلُ لِفَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ آخَرَ، وَتَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ عَلَى قُرْبٍ وَتَفُوتُ

ــ

[حاشية البجيرمي]

قَالَ الرَّحْمَانِيُّ قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي طَلَبِ التَّحِيَّةِ تَحَقُّقُ الْمَسْجِدِيَّةِ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ فَتُطْلَبُ لِمَا هُوَ كَصُورَتِهِ كَالزَّوَايَا فِي الْقُرَى اهـ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر. وَخَرَجَ بِالْمَسْجِدِ الرِّبَاطُ وَمُصَلَّى الْعِيدِ وَمَا بُنِيَ فِي أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ عَلَى صُورَةِ الْمَسْجِدِ وَأَذِنَ بَانِيهِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ. وَعِبَارَةُ ق ل: وَشَمِلَ الْمَسْجِدُ الْمُتَيَقَّنَ وَالْمَظْنُونَ وَلَوْ بِالِاجْتِهَادِ وَلَيْسَ مِنْ عَلَامَاتِهِ الْمَنَارَةُ وَلَا الشُّرُفَاتُ وَلَا الْمِنْبَرُ وَلَا نَحْوَ ذَلِكَ، وَخَرَجَ بِهِ الْمَدَارِسُ وَالرِّبَاطَاتُ وَمَا فِي الْأَرَاضِيِ الْمُحْتَكَرَةِ وَمَا فِي سَوَاحِلِ الْأَنْهَارِ وَمَا فِي الْأَرَاضِيِ الْمَوْقُوفَةِ أَوْ الْمُسَبَّلَةِ كَمَسَاجِدِ الْقَرَافَةِ لِدَفْنِ الْمَوْتَى مَثَلًا. نَعَمْ إنْ فَرَشَ نَحْوَ بَلَاطٍ وَآجُرٍّ فِي أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ لَهُ وَوَقَفَهُ مَسْجِدًا صَحَّ وَقْفُهُ وَطُلِبَتْ فِيهِ التَّحِيَّةُ، والسُّنَانِيَّةُ الْمَعْلُومَةُ مَسْجِدٌ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا ارْتِيَابٍ وَتُعْطَى أَحْكَامَ الْمَسَاجِدِ مِنْ صِحَّةِ التَّحِيَّةِ فِيهَا وَغَيْرِهَا لِمَا هُوَ مَعْلُومٌ لِكَثِيرٍ مِنْ الْأَنَامِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِصِحَّةِ الْوَقْتِ وَلُزُومِهِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ الْوَاقِعَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ وَحِينَئِذٍ فَاسْتِثْنَاءُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا لَهَا كَغَيْرِهَا مِمَّا شَابَهَهَا مَبْنِيٌّ عَلَى حُدُوثِهَا وَأَنَّهَا وُضِعَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهَا لَمْ تُوضَعْ إلَّا بِحَقٍّ وَأَنَّ مَسْجِدِيَّتَهَا صَارَتْ مُحَقَّقَةً لَا نِزَاعَ فِيهَا وَقَدْ رَجَعْتُ عَمَّا كُنْتُ أُقَرِّرُهُ فِيهَا مِنْ كَوْنِهَا لَا تُعْطَى حُكْمَ الْمَسَاجِدِ تَبَعًا لِبَعْضِ مَشَايِخِي وَهُوَ الشَّيْخُ مَنْصُورٌ الطُّوخِيُّ

وَأَظُنُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ اطَّلَعَ عَلَى صُورَةِ وَقُفْيَةِ الْوَاقِفِ الْمَذْكُورِ لَرَجَعَ عَمَّا قَالَهُ وَوَافَقَ عَلَى مَا قُلْنَا اهـ. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الدَّيْرَبِيُّ فِي رِسَالَتِهِ تُحْفَةِ الْمُرِيدِ، وَأَطَالَ الْكَلَامَ وَذَكَرَ فِيهَا صُورَةَ الْوَقْفِيَّةِ فَانْظُرْهَا إنْ شِئْت وَشَمِلَ دَاخِلَهُ مَنْ هُوَ فِي هَوَائِهِ مِمَّنْ تَحْتَهُ أَوْ فَوْقَهُ وَلَوْ مَحْمُولًا أَوْ رَاكِبًا اهـ بِالْحَرْفِ. وَانْظُرْ هَلْ يُشْتَرَطُ مُلَاحَظَةُ كَوْنِهَا لِرَبِّ الْمَسْجِدِ أَوْ يَكْفِي الْإِطْلَاقُ؟ وَاَلَّذِي يَسْتَقِرُّ بِهِ شَيْخُنَا الثَّانِي فَلْيُحَرَّرْ. وَلَا بُدَّ أَنْ تَقَعَ فِيهِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا، فَلَوْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَنَوَى التَّحِيَّةَ ثُمَّ خَرَجَتْ مِنْهُ بِاخْتِيَارِهِ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّهَا فَلَا تَصِحُّ، أَوْ كَانَتْ خَارِجَهُ ثُمَّ نَوَى رَكْعَتَيْنِ مَثَلًا ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَا يَصِحُّ. اهـ. م ر عَلَى التَّحْرِيرِ. قَالَ الْحَلَبِيُّ: وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ غَيْرُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، أَمَّا هُوَ فَيُبْتَدَأُ فِيهِ بِالطَّوَافِ الَّذِي هُوَ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ وَحِينَئِذٍ يُقَالُ لَنَا مَسْجِدٌ يُسْتَحَبُّ لِدَاخِلِهِ تَرْكُ تَحِيَّتِهِ، وَكَتَبَ أَيْضًا أَمَّا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، فَإِنْ كَانَ دَاخِلُهُ يُرِيدُ الطَّوَافَ فَالسُّنَّةُ لَهُ الطَّوَافُ وَهُوَ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ، فَإِنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الطَّوَافِ حَصَلَتْ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ، وَإِنْ صَلَّاهُمَا دَاخِلَ الْبَيْتِ فَتُوُقِّفَ فِيهِ بِأَنَّ الْبَيْتَ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَسْجِدِ لِكَوْنِ وَقْفِيَّتِهِ لَمْ تَشْمَلْهُ لِتَقَدُّمِ بِنَائِهِ عَلَى وَقْفِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَعَدَمِ مِلْكِ أَحَدٍ لَهُ فَتَحِيَّةُ الْبَيْتِ الطَّوَافُ، فَلَوْ صَلَّى مَرِيدُ الطَّوَافِ التَّحِيَّةَ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ دَاخِلَهُ الطَّوَافَ صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ اهـ. وَقَوْلُهُ: لِكَوْنِ وَقْفِيَّتِهِ لَمْ تَشْمَلْهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْجَوَابُ عَمَّا تَقَدَّمَ مِنْ وُقُوعِ السُّؤَالِ عَنْ الْبَيْتِ الْحَرَامِ هَلْ وَقَفَ بِصِيغَةٍ أَوْ هُوَ وَقْفٌ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وَقْفِيَّةِ أَحَدٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِبِنَائِهِ الْمَلَائِكَةَ فَالْأَنْبِيَاءَ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ فَافْهَمْ.

قَوْلُهُ: (وَهِيَ رَكْعَتَانِ) أَيْ أَقَلُّهَا ذَلِكَ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ ق ل. وَاقْتِصَارُهُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ الْأَفْضَلُ فَإِنْ سَلَّمَ ثُمَّ أَتَى بِرَكْعَتَيْنِ لَمْ تَنْعَقِدْ إلَّا مِنْ جَاهِلٍ فَتَنْعَقِدُ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا.

قَوْلُهُ: (لِكُلِّ دَاخِلٍ) أَيْ وَلَوْ مُعْتَكِفًا بِأَنْ خَرَجَ مِنْهُ ثُمَّ عَادَ، سَوَاءٌ قُلْنَا اعْتِكَافُهُ بَاقٍ أَمْ لَا لِوُجُودِ الدُّخُولِ مِنْهُ فَقَدْ شَمِلَهُ كَلَامُهُمْ خِلَافًا لِابْنِ الْعِمَادِ شَوْبَرِيٌّ، وَلَوْ كَانَ خُرُوجُهُ لَا يَقْطَعُ اعْتِكَافَهُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ. فَرْعٌ: لَوْ صَلَّى ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ الْإِمَامَ يُصَلِّي بَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ كَرَاهَةَ التَّحِيَّةِ إنْ كَانَ قَدْ صَلَّى مُنْفَرِدًا وَإِلَّا فَلَا. اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ.

قَوْلُهُ: (وَتَحْصُلُ بِفَرْضٍ) أَيْ يَحْصُلُ فَضْلُهَا سَوَاءٌ نُوِيَتْ مَعَ ذَلِكَ أَمْ لَا. نَعَمْ إنْ نَفَاهَا فَاتَ فَضْلُهَا، وَإِنْ سَقَطَ الطَّلَبُ ق ل. وَعَلَى حُصُولِ فَضْلِهَا، وَإِنْ لَمْ تَنْوِ يُشْكِلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:«إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» إلَّا أَنْ يُقَالَ هَذِهِ مِنْ جُمْلَةِ عَمَلِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تَابِعَةٌ وَدَاخِلَةٌ فِيهِ فَكَأَنَّهَا نُوِيَتْ حُكْمًا ز ي بِإِيضَاحٍ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ إذَا نَوَاهَا حَصَلَ الثَّوَابُ اتِّفَاقًا، وَإِذَا نَفَاهَا فَلَا يَحْصُلُ اتِّفَاقًا وَإِنْ أَطْلَقَ حَصَلَ الثَّوَابُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.

قَوْلُهُ: (عَلَى قُرْبٍ) عِبَارَةُ التَّحْرِيرِ

ص: 423

بِجُلُوسِهِ قَبْلَ فِعْلِهَا، وَإِنْ قَصُرَ الْفَصْلُ إلَّا إنْ جَلَسَ سَهْوًا وَقَصُرَ الْفَصْلُ، وَتَفُوتُ بِطُولِ الْوُقُوفِ كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ. فَائِدَةٌ: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: التَّحِيَّاتُ أَرْبَعٌ: تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ بِالصَّلَاةِ وَالْبَيْتِ بِالطَّوَافِ وَالْحَرَمِ بِالْإِحْرَامِ وَمِنًى بِالرَّمْيِ، وَزِيدَ عَلَيْهِ تَحِيَّةُ عَرَفَةَ بِالْوُقُوفِ

وَتَحِيَّةُ لِقَاءِ الْمُسْلِمِ بِالسَّلَامِ.

ــ

[حاشية البجيرمي]

وَلَوْ عَلَى قُرْبٍ فَهِيَ غَايَةٌ لِلرَّدِّ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ الْقَائِلِ بِأَنَّهَا لَا تُسَنُّ لِلدُّخُولِ عَنْ قُرْبٍ لِلْمَشَقَّةِ. قَوْلُهُ: (وَتَفُوتُ بِجُلُوسِهِ) أَيْ وَلَوْ لِلشُّرْبِ عَمْدًا كَذَا فِي شَرْحِ م ر. وَلَكِنْ قَيَّدَ الْفَوَاتَ فِي الْفَتَاوَى لَهُ بِمَا إذَا أَلْصَقَ مِقْعَدَتَهُ بِالْأَرْضِ أَوْ طَالَ الْفَصْلُ، أَمَّا إذَا جَلَسَ لِلشُّرْبِ عَلَى سَاقَيْهِ وَلَمْ يُلْصِقْ مِقْعَدَتَهُ بِالْأَرْضِ وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ فَلَهُ فِعْلُهَا. تَنْبِيهٌ: إذَا نَذَرَ سُنَّةَ الْوُضُوءِ وَتَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ هَلْ يَكْفِيهِ رَكْعَتَانِ يَنْوِي بِهِمَا النَّذْرَيْنِ؟ وَالظَّاهِرُ لَا يَكْفِيهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ صَارَتْ نَذْرًا وَحْدَهُ. فَرْعٌ: إذَا اغْتَسَلَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَدَثَانِ مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ، وَقُلْنَا بِالِانْدِرَاجِ هَلْ لَهُ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ غَيْرَ سُنَّةِ الْغُسْلِ عَنْ الْوُضُوءِ أَوَّلًا لِعَدَمِ فِعْلِهِ وَهَلْ يُثَابُ عَلَى الْوُضُوءِ مَا لَمْ يَنْفِهِ كَالتَّحِيَّةِ. اهـ. رَحْمَانِيٌّ. وَقَوْلُهُ بِجُلُوسِهِ أَيْ مُتَمَكِّنًا لَا مُسْتَوْفِزًا اهـ ح ل.

قَوْلُهُ: (إلَّا إنْ جَلَسَ) سَهْوًا أَوْ جَهْلًا.

قَوْلُهُ: (وَتَفُوتُ بِطُولِ الْوُقُوفِ) وَلَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا، بِخِلَافِ مَا إذَا قَصُرَ الْوُقُوفُ فَإِنَّهَا لَا تَفُوتُ ظَاهِرُهُ وَلَوْ عَمْدًا، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُلُوسِ، فَإِنَّهَا تَفُوتُ بِهِ عَمْدًا وَلَوْ قَصُرَ، وَالْمُرَادُ بِالطُّولِ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى رَكْعَتَيْنِ ع ش عَلَى م ر. وَيُكْرَهُ لَهُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ بِلَا طَهَارَةٍ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْإِحْيَاءِ، وَيُنْدَبُ لِمَنْ لَمْ يَأْتِ بِالتَّحِيَّةِ لِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ كَأَنْ لَمْ يُرْدِهَا وَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا أَوْ اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ آخَرَ أَنْ يَقُولَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدِ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ. زَادَ بَعْضُهُمْ: وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، فَإِنَّهَا تَعْدِلُ رَكْعَتَيْنِ فِي الْفَضْلِ فَتَنْدَفِعُ الْكَرَاهَةُ بِذَلِكَ اهـ. قَالَ ع ش: وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ الْوُضُوءُ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ، وَإِلَّا فَلَا تَحْصُلُ لِتَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ الْوُضُوءِ مَعَ تَيَسُّرِهِ اهـ. قَالَ الشَّيْخُ خ ض: وَفِي فَوَاتِهَا لِلْمُقْعَدِ وَالْمُضْطَجِعِ وَالْمُسْتَلْقِي كَلَامٌ حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ قَصَدَ الْإِعْرَاضَ فَاتَتْ، وَإِلَّا فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ فَاتَتْ، وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ الْإِعْرَاضَ وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ بِذَلِكَ فَلَا تَفُوتُ بِذَلِكَ ز ي.

قَوْلُهُ: (كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ) هُوَ الشِّهَابُ م ر خِلَافًا لِلشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: لَا تَفُوتُ بِطُولِ الْوُقُوفِ وَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا قَائِمًا ثُمَّ أَرَادَ الْقُعُودَ لِإِتْمَامِهَا، فَالْأَوْجَهُ الْجَوَازُ وَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا جَالِسًا، فَالْأَوْجَهُ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ الْجَوَازُ حَيْثُ جَلَسَ لِيَأْتِيَ بِهَا، إذْ لَيْسَ لَنَا نَافِلَةٌ يَجِبُ التَّحَرُّمُ بِهَا قَائِمًا وَحَدِيثُهَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَلَا تَفُوتُ بِجُلُوسٍ قَصِيرٍ نَسِيَانَا أَوْ جَهْلًا، وَإِنْ جَرَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى خِلَافِهِ شَرْحُ م ر. وَلَا تَفُوتُ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ، وَإِذَا تَعَارَضَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالتَّحِيَّةِ قُدِّمَ السُّجُودُ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا تَفُوتُ بِالْجُلُوسِ الطَّوِيلِ وَبِالْوُقُوفِ كَذَلِكَ مُطْلَقًا فِيهِمَا وَبِالْجُلُوسِ الْقَصِيرِ عَمْدًا.

قَوْلُهُ: (أَرْبَعُ) الْمُرَادُ بِتَحِيَّةِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ تَعْظِيمُهَا.

قَوْلُهُ: (وَتَحِيَّةُ لِقَاءِ الْمُسْلِمِ بِالسَّلَامِ) وَيَحْرُمُ بَدْءُ ذِمِّيٍّ بِالسَّلَامِ، فَإِنْ بَانَ ذِمِّيًّا اُسْتُحِبَّ لَهُ اسْتِرْدَادُ سَلَامِهِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: اسْتَرْجَعْتُ سَلَامِي أَوْ رُدَّ عَلَيَّ سَلَامِي، وَظَاهِرُ عِبَارَةِ ابْنِ الْمُقْرِي وُجُوبُ ذَلِكَ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ الِاسْتِحْبَابِ، وَإِنْ تَبِعَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ، فَإِنْ سَلَّمَ الذِّمِّيُّ عَلَى مُسْلِمٍ قَالَ لَهُ وُجُوبًا: وَعَلَيْكَ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مُجَرَّدُ الرَّدِّ عَلَيْهِ فَقَطْ لَا السَّلَامُ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ» وَرَوَى الْبُخَارِيُّ خَبَرَ: «إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ الْيَهُودُ فَإِنَّمَا يَقُولُونَ السَّامُ عَلَيْكُمْ وَالسَّامُ الْمَوْتُ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ» قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَكَانَ سُفْيَانُ يَرْوِي عَلَيْكُمْ بِحَذْفِ الْوَاوِ وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَذَفَهَا صَارَ قَوْلُهُمْ

ص: 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[حاشية البجيرمي]

مَرْدُودًا عَلَيْهِمْ، وَإِذَا ذَكَرَهَا وَقَعَ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ وَالدُّخُولُ فِيمَا قَالُوهُ. قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الْمَعْنَى وَنَحْنُ نَدْعُو عَلَيْكُمْ بِمَا دَعَوْتُمْ بِهِ عَلَيْنَا عَلَى أَنَّهُ إذَا فَسَّرْنَا السَّامَّ بِالْمَوْتِ فَلَا إشْكَالَ لَاشْتَرَاك الْخَلْقِ فِيهِ، وَيَجِبُ اسْتِثْنَاؤُهُ وَلَوْ بِقَلْبِهِ لَوْ كَانَ مَعَ مُسْلِمٍ وَيَحْرُمُ بَدْؤُهُ بِتَحِيَّةٍ غَيْرِ السَّلَامِ بَلْ يَحْرُمُ بِكُلِّ كَلَامٍ أَشْعَرَ بِتَعْظِيمِهِ لِآيَةِ:{لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22] الْآيَةَ، وَمِنْ التَّعْظِيمِ خِطَابُهُ بِلَفْظِ يَا مُعَلِّمٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ سَيِّدِي عَلِيٌّ الَأُجْهُورِيُّ، وَلَوْ قَامَ عَنْ جَلِيسٍ لَهُ فَسَلَّمَ وَجَبَ الرَّدُّ وَمَنْ دَخَلَ دَارِهِ سَلَّمَ نَدْبًا عَلَى أَهْلِهِ أَوْ مَوْضِعًا خَالِيًا فَلِيَقُلْ نَدْبًا السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَيُسَمِّي اللَّهَ قَبْلَ دُخُولِهِ وَشَرْطُ السَّلَامِ ابْتِدَاءً وَرَدًّا سَمَاعُهُ لَهُ، وَاتِّصَالُ الرَّدِّ كَاتِّصَالِ الْإِيجَابِ بِالْقَبُولِ، فَإِنْ شَكَّ فِي سَمَاعِهِ زَادَ فِي الرَّفْعِ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ نِيَامٌ خَفَضَ صَوْتَهُ بِحَيْثُ لَا يُوقِظُهُمْ، وَالْقَارِئُ كَغَيْرِهِ فِي اسْتِحْبَابِ السَّلَامِ وَوُجُوبِ الرَّدِّ بِاللَّفْظِ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، وَيَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْإِشَارَةِ عَلَى مَنْ رَدَّ عَلَى أَصَمَّ وَتُجْزِئُ إشَارَةُ الْأَخْرَسِ مِنْ ابْتِدَاءٍ وَرَدٍّ وَلَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ وَرَاءِ حَائِطٍ أَوْ سَتْرٍ أَوْ فِي كِتَابٍ أَوْ مَعَ رَسُولٍ، وَبَلَغَهُ لَزِمَهُ الرَّدُّ. وَالْإِشَارَةُ بِالسَّلَامِ مِنْ النَّاطِقِ بِلَا لَفْظٍ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَلَا يَجِبُ لَهَا رَدٌّ وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّفْظِ أَوْلَى، وَصِيغَتُهُ رَدًّا عَلَيْكُمْ السَّلَامُ أَوْ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ لِلْوَاحِدِ أَيْضًا كَالْجَمْعِ، فَإِنْ عَكَسَ جَازَ وَإِنَّ سَلَّمَ كُلٌّ عَلَى الْآخَرِ مَعًا لَزِمَ كُلًّا مِنْهُمَا الرَّدُّ أَوْ مُرَتَّبًا كَفَى الثَّانِي سَلَامُهُ رَدًّا، وَيُنْدَبُ أَنْ يُسَلِّمَ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي وَالْمَاشِي عَلَى الْوَاقِفِ وَالصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ فِي حَالِ التَّلَاقِي فَلَوْ عَكَسَ لَمْ يُكْرَهْ، وَيُسَلِّمْ الْوَارِدُ مُطْلَقًا عَلَى مَنْ وَرَدَ عَلَيْهِ كَمَا فِي شَرْحِ الزُّبْدِ لِلرَّمْلِيِّ، وَإِذَا لَقِيَ شَخْصٌ رَجُلَيْنِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا فَقَالَ: عَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَقَصَدَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ سَلَّمَ وَالِابْتِدَاءَ عَلَى مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ كَفَى، وَلَوْ رَدَّتْ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَجْزَأَ إنْ شُرِعَ السَّلَامُ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَتْ عَجُوزًا أَوْ مَحْرَمًا لِلْمُسْلِمِ، وَإِلَّا فَلَا. أَوْ رَدَّ صَبِيٌّ أَوْ مَنْ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُمْ لَمْ يَسْقُطْ بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ الدُّعَاءَ وَهُوَ مِنْهُ أَقْرَبُ لِلْإِجَابَةِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ السَّلَامِ الْأَمَانُ، وَلَا أَمَانَ مِنْ الصَّبِيِّ، وَلَوْ سَلَّمَ جَمَاعَةٌ مُتَفَرِّقُونَ عَلَى وَاحِدٍ فَقَالَ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَقَصَدَ الرَّدَّ عَلَى جَمِيعِهِمْ أَجْزَأَهُ وَسَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الْجَمِيعِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا فَإِنَّهُ يَأْثَمُ فَلَوْ أَطْلَقَ هَلْ يَكْفِي أَوْ لَا؟ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَكْفِيهِ ذَلِكَ وَيُتَصَوَّرُ وُجُوبُ رَدِّ ابْتِدَاءِ السَّلَامِ مَعَ طُولِ الْفَصْلِ، وَهُوَ مَا لَوْ أَرْسَلَ إلَى غَائِبٍ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ إنْ أَتَى الْمُسَلِّمُ أَوْ الرَّسُولُ بِصِيغَةِ سَلَامٍ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: فُلَانٌ يَقُولُ لَك السَّلَامُ عَلَيْك أَيْ: وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ بِأَنْ نَسِيَ ذَلِكَ ثُمَّ تَذَكَّرَهُ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا، وَيَجِبُ عَلَى الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ الرَّدُّ حِينَئِذٍ، وَلَا يُكْرَهُ عَلَى جَمْعِ نِسْوَةٍ وَلَا عَلَى عَجُوزٍ لِانْتِفَاءِ الْفِتْنَةِ، بَلْ يُنْدَبُ الِابْتِدَاءُ مِنْهُنَّ عَلَى غَيْرِهِنَّ وَعَكْسُهُ، وَيَجِبُ الرَّدُّ كَذَلِكَ وَيَحْرُمُ مِنْ الشَّابَّةِ ابْتِدَاءً وَيُكْرَهَانِ عَلَيْهَا مِنْ الْأَجْنَبِيِّ ابْتِدَاءً وَرَدًّا وَالْخُنْثَى مَعَ الْخُنْثَى يَحْرُمُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا ابْتِدَاءً وَرَدًّا احْتِيَاطًا وَلَوْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي، فَاَلَّذِي قَالَهُ الْجَوْجَرِيُّ وُجُوبُ الرَّدِّ، وَاَلَّذِي قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَدَمُ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ صِيغَةً شَرْعِيَّةً، وَلَوْ قَالَ السَّلَامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى لَمْ يَجِبْ الرَّدُّ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الصِّيَغِ الشَّرْعِيَّةِ أَيْضًا، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى:{وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} [طه: 47] فَهُوَ خَاصٌّ بِالْمُرَاسِلَاتِ إلَى الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ. فَرْعٌ: لَوْ أَرْسَلَ السَّلَامَ مَعَ غَيْرِهِ إلَى آخَرَ فَإِنْ قَالَ لَهُ سَلِّمْ لِي عَلَى فُلَانٍ فَقَالَ الرَّسُولُ لِفُلَانٍ فُلَانٌ يَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَوْ السَّلَامُ عَلَيْك مِنْ فُلَانٍ وَجَبَ الرَّدُّ، وَكَذَا لَوْ قَالَ السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ فَبَلِّغْهُ عَنِّي فَقَالَ الرَّسُولُ زَيْدٌ يُسَلِّمُ عَلَيْك وَجَبَ الرَّدُّ.

وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الِاعْتِدَادِ بِهِ وَوُجُوبُ الرَّدِّ مِنْ صِيغَةٍ مِنْ الْمُرْسِلِ أَوْ الرَّسُولِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تُوجَدْ مِنْ وَاحِدٍ، كَأَنْ قَالَ الْمُرْسِلُ سَلِّمْ لِي عَلَى فُلَانٍ فَقَالَ لِفُلَانٍ زَيْدٌ يُسَلِّمُ عَلَيْك فَلَا اعْتِدَادَ بِهِ وَلَا يَجِبُ الرَّدُّ كَذَا نَقَلَهُ م ر عَنْ وَالِدِهِ وَاعْتَمَدَهُ. اهـ. سم عَلَى الْمَنْهَجِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: وَإِذَا مَرَّ عَلَى وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إذَا سَلَّمَ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ إمَّا لِتَكَبُّرِ

ص: 425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[حاشية البجيرمي]

الْمَمْرُورِ عَلَيْهِ، وَإِمَّا لِإِهْمَالِهِ الْمَارَّ أَوْ السَّلَامَ، وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُسَلِّمَ وَلَا يَتْرُكَهُ لِهَذَا الظَّنِّ، فَإِنَّ السَّلَامَ مَأْمُورٌ بِهِ، وَاَلَّذِي أُمِرَ بِهِ الْمَارُّ أَنْ يُسَلِّمَ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِأَنْ يُحَصِّلَ الرَّدَّ مَعَ أَنَّ الْمَمْرُورَ عَلَيْهِ قَدْ يُخْطِئُ الظَّنَّ فِيهِ وَيَرُدُّ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ لَا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ إنَّ سَلَامَ الْمَارِّ سَبَبٌ لِحُصُولِ الْإِثْمِ فِي حَقِّ الْمَمْرُورِ عَلَيْهِ فَهُوَ جَهَالَةٌ ظَاهِرَةٌ وَغَبَاوَةٌ بَيِّنَةٌ، فَإِنَّ الْمَأْمُورَاتِ الشَّرْعِيَّةَ لَا تَسْقُطُ عَنْ الْمَأْمُورِ بِهَا بِمِثْلِ هَذِهِ الْخَبَالَاتِ، وَلَوْ نَظَرْنَا إلَى هَذَا الْخَبَالِ الْفَاسِدِ لَتَرَكْنَا إنْكَارَ الْمُنْكَرِ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ جَاهِلًا كَوْنَهُ مُنْكَرًا أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّنَا أَنَّهُ لَا يَنْزَجِرُ بِقَوْلِنَا، فَإِنَّ إنْكَارَنَا عَلَيْهِ وَتَعْرِيفَنَا لَهُ قُبْحَهُ يَكُونُ سَبَبًا لِإِثْمِهِ إذَا لَمْ يُقْلِعْ عَنْهُ وَلَا شَكَّ فِي أَنَّا لَا نَتْرُكُ الْإِنْكَارَ بِمِثْلِ هَذَا وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ وَمَعْرُوفَةٌ. وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَلَّمَ عَلَى إنْسَانٍ وَأَسْمَعَهُ سَلَامَهُ وَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ الرَّدُّ بِشُرُوطِهِ فَلَمْ يُرِدْ أَنْ يُحَلِّلَهُ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ: أَبْرَأْتُهُ مِنْ حَقِّي فِي رَدِّ السَّلَامِ أَوْ جَعَلْته فِي حِلٍّ مِنْهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَيَتَلَفَّظُ بِهَذَا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ هَذَا الْآدَمِيِّ. وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَلَّمَ عَلَى إنْسَانٍ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ لَهُ بِعِبَارَةٍ لَطِيفَةٍ: رَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ، فَيَنْبَغِي لَك أَنْ تَرُدَّ عَلَيَّ لِيَسْقُطَ عَنْك الْفَرْضُ. وَقَدْ أَطَالَ النَّوَوِيُّ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْأَذْكَارِ بِمَا يَنْبَغِي الْوُقُوفُ عَلَيْهِ فَانْظُرْهُ إنْ شِئْت. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَوَاضِعَ الَّتِي لَا يَجِبُ رَدُّ السَّلَامِ فِيهَا عِشْرُونَ كَمَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ نَظْمًا حَيْثُ قَالَ:

رَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ

إلَّا عَلَى مَنْ فِي صَلَاةٍ أَوْ بِأَكْلٍ شُغِلَا

أَوْ فِي قِرَاءَةٍ كَذَاك الْأَدْعِيَهْ

أَوْ ذِكْرٍ أَوْ فِي خُطْبَةٍ أَوْ تَلْبِيَهْ

أَوْ فِي قَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ

أَوْ فِي إقَامَةٍ أَوْ الْأَذَانِ

أَوْ حَاجِمٍ أَوْ نَاعِسٍ أَوْ نَائِمٍ

وَحَالَةِ الْجِمَاعِ وَالتَّحَاكُمِ

أَوْ سَلَّمَ الطِّفْلُ أَوْ السَّكْرَانُ

أَوْ شَابَّةٌ يُخْشَى بِهَا افْتِتَانُ

أَوْ كَانَ فِي الْحَمَّامِ أَوْ مَجْنُونًا

فَهَذِهِ مَجْمُوعُهَا عِشْرُونَا

فَائِدَةٌ: الْأَذْكَارُ الْمَطْلُوبَةُ عَقِبَ الصَّلَاةِ قَبْل التَّكَلُّمِ هَلْ يُسَنُّ لَهَا السَّلَامُ وَيَجِبُ الرَّدُّ عَلَى الْمُشْتَغِلِ بِهَا أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالثَّانِي غَيْرُ بَعِيدٍ إذْ يَشُقُّ عَلَيْهِ الرَّدُّ مَشَقَّةً شَدِيدَةً لِتَفْوِيتِهِ الثَّوَابَ الْمُرَتَّبَ عَلَيْهَا، وَاحْتِمَالُ أَنْ لَا يَفُوتَ لِعُذْرِهِ بِالرَّدِّ يُعَارِضُهُ الِاحْتِيَاطُ فِي تَحْصِيلِ ذَلِكَ الثَّوَابِ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ مَعْذُورًا بِالرَّدِّ فِي الْوَاقِعِ. اهـ. سم عَلَى حَجّ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَتُسَنُّ الْمُصَافَحَةُ عِنْدَ التَّلَاقِي سَوَاءٌ فِيهِ الْحَاضِرُ وَالْقَادِمُ مِنْ سَفَرٍ لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي فَضْلِهَا وَالْحَثِّ عَلَيْهَا، وَأَمَّا مَا اعْتَادَهُ النَّاس مِنْ الْمُصَافَحَةِ بَعْدَ صَلَاتَيْ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، فَلَا أَصْلَ لِتَخْصِيصِهِ، لَكِنْ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْيَنَابِيعِ. وَذَكَرَ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ فِي كِتَابِ التَّحِيَّاتِ: أَنَّ سَلَامَ الْيَهُودِ كَانَ بِالْأَكُفِّ وَالْأَصَابِعِ وَالْأَكَاسِرَةِ بِالسُّجُودِ لِلْمَلَكِ وَتَقْبِيلِ الْأَرْضِ، وَالْفُرْسِ طَرْحُ الْيَدِ عَلَى الْأَرْضِ أَمَامَ الْمَلِكِ، وَالْحَبَشَةِ عَقْدُ الْيَدَيْنِ عَلَى الصَّدْرِ مَعَ السَّكِينَةِ، وَالرُّومِ بِكَشْفِ الرَّأْسِ وَتَنْكِيسِهَا وَالنُّوبَةِ الْإِيمَاءُ بِفَمِهِ مَعَ جَعْلِ يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ، وَحِمْيَرَ بِالْإِيمَاءِ بِالدُّعَاءِ بِالْأَصَابِعِ، وَتَحِيَّةُ مَلِكِ الْيَمَامَةِ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَى كَتِفِ الْمُحَيَّا فَإِنْ بَالَغَ رَفْعَهَا وَوَضَعَهَا مِرَارًا، وَتَحِيَّةُ الْعَرَبِ بِالسَّلَامِ وَهُوَ أَفْضَلُ التَّحِيَّاتِ وَهُوَ تَحِيَّةُ الْمَلَائِكَةِ بَيْنَهُمْ، وَتَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ قَالَ تَعَالَى:{وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ} [يونس: 10] أَيْ يُحَيِّي بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إذَا قُلْت: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَوْ سَلَّمْت عَلَى أَحَدٍ فِي الطَّرِيقِ فَقُلْت: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَأَحْضِرْ فِي قَلْبِك كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ لِلَّهِ مِنْ عِبَادِهِ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَمَيِّتٍ وَحَيٍّ، فَإِنَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَقَامِ يَرُدُّ عَلَيْك فَلَا يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ يَبْلُغُهُ سَلَامُك إلَّا وَيَرُدُّ عَلَيْك

ص: 426

تَتِمَّةٌ: مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ صَلَاةُ التَّسْبِيحِ وَهِيَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ يَقُولُ فِيهَا ثَلَاثمِائَةِ مَرَّةٍ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ بَعْدَ التَّحَرُّمِ، وَقَبْلَ الْقِرَاءَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ مَرَّةً، وَبَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ عَشْرًا، وَفِي الرُّكُوعِ عَشْرًا، وَكَذَلِكَ فِي الرَّفْعِ مِنْهُ وَفِي السُّجُودِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ وَالسُّجُودِ الثَّانِي، فَهَذِهِ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ فِي أَرْبَعٍ بِثَلَاثِمِائَةٍ.

وَصَلَاةُ الْأَوَّابِينَ وَتُسَمَّى صَلَاةُ الْغَفْلَةِ لِغَفْلَةِ النَّاسِ عَنْهَا بِسَبَبِ عَشَاءٍ أَوْ نَوْمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَهِيَ عِشْرُونَ رَكْعَةً بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ كَتَبَ اللَّهُ

ــ

[حاشية البجيرمي]

وَهُوَ دُعَاءٌ، فَيُسْتَجَابُ فِيك فَتُفْلِحُ وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ سَلَامُك مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الْمُهَيْمِنِ فِي جَلَالِهِ الْمُشْتَغَلِ بِهِ، فَإِنَّك قَدْ سَلَّمْت عَلَيْهِ بِهَذَا الشُّمُولِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَنُوبُ عَنْهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْك وَكَفَى بِهَذَا شَرَفًا.

قَوْلُهُ: (تَتِمَّةٌ) هَذِهِ التَّتِمَّةُ تَشْتَمِلُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ نَوْعًا مِنْ النَّوَافِلِ.

قَوْلُهُ: (صَلَاةُ التَّسْبِيحِ) أُضِيفَتْ إلَيْهِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ كَثِيرًا؛ وَلِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْهَا. قَالَ السُّيُوطِيّ: وَلَا شَكَّ فِي اشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ ذَاتَ وَقْتٍ وَلَا سَبَبٍ اَ هـ. وَتُسَنُّ مَرَّةً كُلَّ يَوْمٍ فَأَكْثَرَ وَإِلَّا فَجُمُعَةً وَإِلَّا فَشَهْرًا وَإِلَّا فَسَنَةً وَإِلَّا فَمَرَّةً فِي الْعُمْرِ وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ سُنِّيَّتِهَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَحَدِيثُهَا حَسَنٌ، وَكَذَا النَّوَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ اج.

قَوْلُهُ: (وَهِيَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ) بِنِيَّةِ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ وَلَوْ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ فِيمَا يَظْهَرُ حَجّ شَوْبَرِيٌّ وخ ض. قَالَ الرَّحْمَانِيُّ: وَهُوَ مُشْكِلٌ إذْ لَيْسَتْ ذَاتَ وَقْتٍ وَلَا سَبَبٍ وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ قَوْلُهُ: وَصَلَاةُ تَسَابِيحَ أَيْ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ اهـ. وَتَكُونُ بِتَسْلِيمَةٍ وَهُوَ الْأَحْسَنُ نَهَارًا، وَبِتَسْلِيمَتَيْنِ وَهُوَ الْأَحْسَنُ لَيْلًا كَمَا فِي الْإِحْيَاءِ لِحَدِيثِ «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» وَرَاوِيَةُ النَّهَارِ لَمْ تَصِحَّ. قَوْلُهُ:(سُبْحَانَ اللَّهِ إلَخْ) زَادَ فِي الْإِحْيَاءِ: وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. قَوْلُهُ: (بَعْدَ التَّحَرُّمِ وَقَبْلَ الْقِرَاءَةِ) هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ مَشَايِخُنَا أَنَّهُ لَا يُسَبِّحُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَأَنَّ الْخَمْسَةَ عَشَرَ الْمَذْكُورَةَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ، وَأَنَّ الْعَشَرَةَ الْمَذْكُورَةَ بَعْدَ السُّجُودِ الثَّانِي قَبْلَ الْقِيَامِ فِي جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ أَوْ قَبْلَ التَّشَهُّدِ قَالَهُ ق ل. وَهَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَقَوْلُهُ بَعْدَ السُّجُودِ خَبَرُ أَنَّ قَالَ حَجّ فَلَوْ تَرَكَ تَسْبِيحَ الرُّكُوعِ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ بَعْدَ اعْتِدَالِهِ، وَلَا يَقُولُهُ فِي الِاعْتِدَالِ؛ لِأَنَّهُ يَطُولُ وَهُوَ رُكْنٌ قَصِيرٌ وَإِنَّمَا يَقُولُهُ فِي السُّجُودِ.

قَوْلُهُ: (وَبَعْدَ الْقِرَاءَةِ) أَيْ لِلْفَاتِحَةِ وَكَذَا لِلسُّورَةِ إنْ قَرَأَهَا، وَالْأَوْلَى فِيهَا أَوَائِلُ سُوَرِ التَّسْبِيحِ لِلْمُنَاسَبَةِ فَيَقْرَأُ: الْحَدِيدَ وَالْحَشْرَ وَالصَّفَّ وَالْجُمُعَةَ أَوْ التَّغَابُنَ لِلْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَهَا فِي الِاسْمِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَسُورَةُ الزَّلْزَلَةِ وَالْعَادِيَاتِ وَأَلْهَاكُمْ وَالْإِخْلَاصِ ق ل وم د. عَلَى التَّحْرِيرِ.

قَوْلُهُ: (فَهَذِهِ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ) . تَنْبِيهٌ: لَوْ سَهَا بِمَا يُجْبَرُ بِالسُّجُودِ وَسَجَدَ وَلَمْ يُسَبِّحْ فِي السُّجُودِ أَوْ فَاتَهُ التَّسْبِيحُ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَتَدَارَكْهُ وَلَا يُجْبَرُ بِالسُّجُودِ، وَفَاتَ كَوْنُهَا صَلَاةَ التَّسْبِيحِ، وَإِذَا شَكَّ فِي عَدَدِ مَرَّاتِ التَّسْبِيحِ أَخَذَ بِالْيَقِينِ، وَيُقَدِّمُ ذِكْرَ كُلِّ رُكْنٍ عَلَى تَسْبِيحِهِ ق ل. وَقَوْلُهُ لَمْ يُسَبِّحْ فِي السُّجُودِ أَيْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ أَيْ تَسْبِيحَ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ. وَقَوْلُهُ: لَمْ يَتَدَارَكْهُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ تَدَارُكُهُ فِيمَا بَعْدَهُ رَحْمَانِيٌّ، وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ هُوَ قَوْلُهُ وَلَوْ تَرَكَ عَشْرَةَ الرُّكُوعِ امْتَنَعَ الْعَوْدُ لَهَا وَفَعَلَهَا فِي الِاعْتِدَالِ، بَلْ فِي السُّجُودِ ثُمَّ قَالَ أَيْضًا وَمَنْ نَسِيَ تَسْبِيحَ رُكْنٍ امْتَنَعَ الْعَوْدُ لَهُ وَتَدَارَكَهُ فِيمَا بَعْدَهُ فَتَسْبِيحُ الرُّكُوعِ يَتَدَارَكُ بَعْضَهُ فِي الِاعْتِدَالِ وَبَعْضَهُ فِي السُّجُودِ. وَعِبَارَةُ خ ض: وَلَوْ تَذَكَّرَ فِي الِاعْتِدَالِ تَرَكَ تَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ حَرُمَ عَلَيْهِ عَوْدُهُ لَهَا وَقَضَاؤُهَا فِي الِاعْتِدَالِ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ قَصِيرٌ فَلَا يَطُولُ عَلَى مَا وَرَدَ وَيَقْضِيهَا فِي السُّجُودِ لِاسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِهِ انْتَهَتْ. قَالَ حَجّ: وَيُكَبِّرُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ دُونَ الْقِيَامِ مِنْهَا. اهـ. رَحْمَانِيٌّ م د عَلَى التَّحْرِيرِ.

قَوْلُهُ: (وَصَلَاةُ الْأَوَّابِينَ) أَيْ التَّوَّابِينَ مِنْ آبَ بِالْمَدِّ إذَا رَجَعَ عَنْ الذَّنْبِ بِالتَّوْبَةِ أَوْ إلَى التَّوْبَةِ مِنْ الذَّنْبِ ق ل. فَالْمَعْنَى شَدِيدُ الْحِرْصِ عَلَى التَّوْبَةِ إذَا أَذْنَبَ اهـ.

قَوْلُهُ: (عِشْرُونَ رَكْعَةً) أَيْ غَايَتُهَا ذَلِكَ وَقِيلَ: سِتُّ رَكَعَاتٍ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الْآتِي فَهُوَ دَلِيلٌ لَهَا عَلَى بَعْضِ التَّفَاسِيرِ.

قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِعْلُهَا قَبْلَ فِعْلِ الْمَغْرِبِ وَلَوْ جَمَعَهَا تَأْخِيرًا، وَيَظْهَرُ أَنْ تَكُونَ بَعْدَ فِعْلِ الْعِشَاءِ إذَا جَمَعَهَا مَعَ الْمَغْرِبِ تَقْدِيمًا. اهـ. شَوْبَرِيٌّ. وَتَفُوتُ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ فَتُقْضَى حِينَئِذٍ نَدْبًا اج.

قَوْلُهُ: (لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ) هَذَا لَا يُنْتِجُ

ص: 427

لَهُ عِبَادَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً» .

وَرَكْعَتَا الْإِحْرَامِ.

وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ.

وَرَكْعَتَا الْوُضُوءِ.

وَرَكْعَتَا الِاسْتِخَارَةِ.

وَرَكْعَتَا الْحَاجَةِ

وَرَكْعَتَا التَّوْبَةِ.

وَرَكْعَتَانِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَنْزِلِ وَعِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَ مُرُورِهِ

ــ

[حاشية البجيرمي]

الْمُدَّعَى.

قَوْلُهُ: (مَنْ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ) هَذَا لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى مَا قَبْلَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ الشَّارِحُ دَلِيلًا عَلَى كَوْنِهَا عِشْرِينَ رَكْعَةً وَعِبَارَةُ م ر: وَصَلَاةُ الْأَوَّابِينَ وَهِيَ عِشْرُونَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَرُوِيَتْ سِتًّا وَأَرْبَعًا وَرَكْعَتَيْنِ، فَهُمَا أَقَلُّهَا انْتَهَتْ، وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ هُنَا لِتَصْرِيحِهَا بِأَنَّ كُلًّا مِنْ أَقَلِّهَا وَأَكْثَرِهَا وَأَوْسَطِهَا ثَابِتٌ بِالدَّلِيلِ وَالرِّوَايَةِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَأْتِيَ بِرِوَايَةِ الرَّكْعَتَيْنِ كَمَا فَعَلَ غَيْرُهُ.

قَوْلُهُ (وَرَكْعَتَا الْإِحْرَامِ) أَيْ الْأَفْضَلُ ذَلِكَ فَلَوْ صَلَّى أَكْثَرَ جَازَ، لَكِنْ بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ فَلَا يَجُوزُ بِأَكْثَرَ مِنْ إحْرَامٍ مَعَ الْعَمْدِ وَالْعِلْمِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي كُلِّ مَا بَعْدَهُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ سُنَّةُ الْوُضُوءِ وَالتَّحِيَّةُ وَالِاسْتِخَارَةُ. وَقَوْلُهُ:(الْإِحْرَامِ) أَيْ قَبْلَهُ بِحَيْثُ تُنْسَبُ إلَيْهِ عُرْفًا وَتَكُونُ رَكْعَتَا الْإِحْرَامِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ كَمَا فِي م د عَلَى التَّحْرِيرِ.

وَقَوْلُهُ: (الطَّوَافِ) أَيْ بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (وَرَكْعَتَا الْوُضُوءِ) أَيْ عَقِبِ فَرَاغِهِ وَقَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ أَوْ الْإِعْرَاضِ وَهَذَا أَقَلُّهَا، وَإِلَّا فَتَحْصُلُ بِمَا تَحْصُلُ بِهِ التَّحِيَّةُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَأَكْثَرَ وَمَعَ فَرْضٍ وَنَفْلٍ، سَوَاءٌ نُوِيَتْ أَمْ لَا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ:«دَخَلْت الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ بِلَالًا فِيهَا فَقُلْت لَهُ بِمَ سَبَقَتْنِي إلَى الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ لَا أَعْرِفُ شَيْئًا إلَّا أَنِّي مَا أَحْدَثْتُ وُضُوءًا إلَّا صَلَّيْتُ عَقِبَهُ رَكْعَتَيْنِ» اهـ خ ض م د عَلَى التَّحْرِيرِ. وَفِيهِ أَيْضًا: وَسُنَّةُ وُضُوءٍ أَيْ وَغُسْلٍ وَتَيَمُّمٍ وَلَوْ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، وَلَوْ تَوَضَّأَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ دَخَلَهُ فِي الْحَالِ فَهَلْ يُطْلَبُ مِنْهُ إفْرَادُ كُلٍّ مِنْ التَّحِيَّةِ وَسُنَّةِ الْوُضُوءِ عَنْ الْأُخْرَى وَلَا تَفُوتُ الْمُؤَخَّرَةُ بِالْمُتَقَدِّمَةِ مُطْلَقًا أَوْ بِشَرْطِ قِصَرِ الْفَصْلِ أَوْ لَا يُطْلَبُ الْإِفْرَادُ، بَلْ الْمَطْلُوبُ رَكْعَتَانِ يَنْوِي بِهِمَا كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ نَظَرٌ فَلْيُرَاجَعْ سم وَالْأَخِيرُ أَوْجَهُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى اشْتَغَلَ بِأَحَدِهِمَا كَانَ مُعْرِضًا عَنْ الْآخَرِ فَيَفُوتُ تَأَمَّلْ شَوْبَرِيٌّ

قَوْلُهُ: (وَرَكْعَتَا الِاسْتِخَارَةِ) سُمِّيَتْ بِمَا يُطْلَبُ بَعْدَهَا مِنْ خَيْرِ الْأَمْرَيْنِ مَثَلًا فَيُحْرِمُ بِهَا بِنِيَّةِ صَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ؛ لِأَنَّهَا لِسَبَبٍ. اهـ. ق ل وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ وَرَكْعَتَا الِاسْتِخَارَةِ أَنَّهَا لَا تَحْصُلُ بِرَكْعَةٍ وَلَا سَجْدَةِ تِلَاوَةٍ وَلَا صَلَاةِ جِنَازَةٍ وَمَحَلُّ اسْتِحْبَابِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا مُتَأَخِّرٌ وَفِي التِّرْمِذِيِّ خَبَرُ: «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ كَثْرَةُ اسْتِخَارَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرِضَاهُ بِمَا رَضِيَ اللَّهُ لَهُ، وَمِنْ شَقَاوَتِهِ تَرْكُ اسْتِخَارَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُخْطِهِ بِمَا قَضَى اللَّهُ» وَالِاسْتِخَارَةُ تَكُونُ فِي غَيْرِ الْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبِّ فَلَا يُسْتَخَارُ فِي فِعْلِهِمَا، وَالْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ فَلَا يُسْتَخَارُ فِي تَرْكِهِمَا فَانْحَصَرَتْ فِي الْمُبَاحِ أَوْ الْمُسْتَحَبِّ إذَا تَعَارَضَ فِيهِ أَمْرَانِ أَيُّهُمَا يَبْدَأُ بِهِ أَوْ يَقْصُرُ عَلَيْهِ؟ وَأَلْحَقَ بِهِ الْوَاجِبَ الْمُخَيَّرَ وَفِيمَا كَانَ مُوَسَّعًا كَالْحَجِّ فِي هَذَا الْعَامِ وَتَكُونُ فِي الْعَظِيمِ وَالْحَقِيرِ. وَتَحْرُمُ فِي الْمَكْرُوهِ وَالْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعِبَادَةِ إذَا لَمْ تَطْلُبْ بُطْلَانَهَا كَمَا قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ.

قَوْلُهُ: (وَرَكْعَتَا الْحَاجَةِ) أَيْ عِنْدَ اللَّهِ أَوْ عِنْدَ مَخْلُوقٍ وَهِيَ قَبْلَهَا وَتَحْصُلُ بِالْفَرْضِ وَالنَّفَلِ.

قَوْلُهُ: (وَرَكْعَتَا التَّوْبَةِ) أَيْ مِنْ الذَّنْبِ وَلَوْ صَغِيرِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَقِبَهَا، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَرَكْعَتَا التَّوْبَةِ أَيْ مَنْ يُرِيدُهَا فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ كَمَا قَالَهُ ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الصَّلَاةَ هَذِهِ تَكُونُ قَبْلَ التَّوْبَةِ؟ وَيُسَنُّ أَيْضًا رَكْعَتَانِ بَعْدَهَا، لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهُ يُسَنُّ لِمَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا وَتَابَ مِنْهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَقِبَ تَوْبَتِهِ رَكْعَتَيْنِ شُكْرًا عَلَى حُصُولِهَا وَطَلَبًا لِقَبُولِهَا وَدَوَامِهَا نَقَلَهُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ. وَعِبَارَةُ الْعَنَانِيِّ: الصَّلَاةُ قَبْلَ التَّوْبَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّلَاةَ وَسِيلَةٌ لِقَبُولِ التَّوْبَةِ وَالْوَسِيلَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَقْصِدِ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ الْمُبَادَرَةَ إلَى التَّوْبَةِ وَاجِبَةٌ فَكَيْفَ يُقَدِّمُ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا.

وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الصَّلَاةَ لَمَّا كَانَتْ وَسِيلَةً كَانَ الْمُصَلِّي شَارِعًا فِيهَا اهـ. قُلْت: فَالْحَاصِلُ أَنَّ صَلَاةَ التَّوْبَةِ رَكْعَتَانِ قَبْلَهَا أَمَّا الرَّكْعَتَانِ اللَّتَانِ بَعْدَهَا وَإِنْ سُنَّتْ، فَلَا يُقَالُ لَهَا صَلَاةُ التَّوْبَةِ. وَفَائِدَةُ التَّوْبَةِ: أَنَّهَا حَيْثُ صَحَّتْ كَفَّرَتْ الذَّنْبَ قَطْعًا فِي الْكُفْرِ وَظَنًّا فِي غَيْرِهِ وَلَوْ كَبِيرَةً، نَعَمْ الصَّغِيرَةُ يُكَفِّرُهَا غَيْرُ التَّوْبَةِ مِنْ فِعْلٍ نَحْوَ وُضُوءٍ وَهِيَ وَاجِبَةٌ وَلَوْ مِنْ صَغِيرَةٍ وَمِنْ

ص: 428

بِأَرْضٍ لَمْ يَمُرَّ بِهَا قَطُّ.

وَرَكْعَتَانِ عَقِبَ الْخُرُوجِ مِنْ الْحَمَّامِ.

وَرَكْعَتَانِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ.

وَرَكْعَتَانِ عِنْدَ الْقَتْلِ إنْ أَمْكَنَهُ.

وَرَكْعَتَانِ إذَا عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ وَزُفَّتْ إلَيْهِ، إذْ يُسَنُّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قَبْلَ الْوِقَاعِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَأَدِلَّةُ هَذِهِ السُّنَنِ مَشْهُورَةٌ لَا يَحْتَمِلُهَا شَرْحُ هَذَا الْكِتَابِ

قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَمِنْ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ صَلَاةُ الرَّغَائِبِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لَيْلَةَ أَوَّلِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَصَلَاةُ لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ مِائَة رَكْعَةٍ وَلَا يُغْتَرُّ بِمَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ.

وَأَفْضَلُ الْقِسْمِ الَّذِي لَا تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ الْوِتْرُ ثُمَّ رَكْعَتَا الْفَجْرِ، وَهُمَا أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ بَاقِي رَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ ثُمَّ الضُّحَى ثُمَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ غَيْرِ سُنَّةِ الْوُضُوءِ كَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَالْإِحْرَامِ وَالتَّحِيَّةِ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ سَوَاءٌ؛ وَالْقِسْمُ الَّذِي تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ، نَعَمْ تَفْضُلُ رَاتِبَةُ الْفَرَائِضِ عَلَى التَّرَاوِيحِ، وَأَفْضَلُ الْقِسْمِ الَّذِي تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ تُسَاوِي الْعِيدَيْنِ فِي الْفَضِيلَةِ قَالَ فِي

ــ

[حاشية البجيرمي]

تَأْخِيرِهَا أَيْ التَّوْبَةِ فَتَأْخِيرُ التَّوْبَةِ يَجِبُ فِيهِ التَّوْبَةُ، وَهِيَ مِنْ أَفْضَلِ الطَّاعَاتِ وَلَا يَجِبُ تَجْدِيدُهَا عِنْدَ تَذَكُّرِ الذَّنْبِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا قَبْلَ الْغَرْغَرَةِ وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَوُجُودُ أَرْكَانِهَا مِنْ النَّدَمِ وَالتَّرْكِ وَالْعَزْمِ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ، وَإِنْ لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْهُ كَمَنْ قُطِعَ ذَكَرُهُ أَوْ لِسَانُهُ وَيُزَادُ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ الْخُرُوجُ مِنْهُ وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ:

بَادِرْ إلَى التَّوْبَةِ فِي وَقْتِهَا

فَالْمَرْءُ مَرْهُونٌ بِمَا قَدْ جَنَاهُ

وَانْتَهِزْ الْفُرْصَةَ إنْ أَمْكَنَتْ

مَا فَازَ بِالْكَرْمِ سِوَى مَنْ جَنَاهُ

اهـ.

قَوْلُهُ: (وَعِنْدَ مُرُورِهِ بِأَرْضٍ) عِبَارَةُ م ر وَلِمَنْ دَخَلَ أَرْضًا لَمْ يَعْبُدْ اللَّهَ فِيهَا. وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ تَشْمَلُهَا اهـ.

قَوْلُهُ: (عَقِبَ الْخُرُوجِ مِنْ الْحَمَّامِ) أَيْ يُصَلِّيهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي أَيْ مَكَان كَانَ لِكَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي الْحَمَّامِ

قَوْلُهُ: (فِي الْمَسْجِدِ) لَعَلَّ التَّقْيِيدَ بِالْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ الْأَفْضَلُ لَا لِلتَّخْصِيصِ، وَيَكْتَفِي بِهِمَا عَنْ رَكْعَتَيْ دُخُولِهِ اهـ شَرْحُ م ر.

قَوْلُهُ: (مِنْ سَفَرِهِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ قَصِيرًا فَرَاجِعْهُ ق ل.

قَوْلُهُ: (عِنْدَ الْقَتْلِ) بِحَقٍّ أَوْ غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (إذْ يُسَنُّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا) هَذَا أَعَمُّ مِنْ الْمُدَّعَى وَهُوَ جَائِزٌ.

قَوْلُهُ: (وَمِنْ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ) أَيْ بِأَنْ قَصَدَ خُصُوصَ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِلَّا فَهِيَ مِنْ أَفْرَادِ الصَّلَوَاتِ الْمَطْلُوبَةِ مُطْلَقًا ق ل. وَهِيَ تَنْعَقِدُ إذَا لَا مَانِعَ مِنْ انْعِقَادِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ.

قَوْلُهُ: (صَلَاةُ الرَّغَائِبِ) جَمْعُ رَغِيبَةٍ كَصَحَائِفَ جَمْعُ صَحِيفَةٍ أَيْ مَرْغُوبٌ فِيهَا أَيْ مَحْبُوبَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَأَفْضَلُ الْقِسْمِ الَّذِي لَا تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ الْوِتْرُ) أَيْ لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهِ.

وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ رَكْعَةَ وِتْرٍ خَيْرٌ مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَهُوَ كَذَلِكَ، إذْ لَا مَانِعَ مِنْ جَعْلِ الْقَلِيلِ أَفْضَلَ مِنْ الْكَثِيرِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر.

وَقَوْلُهُ: (لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهِ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْحَنَفِيَّةَ ذَهَبُوا إلَى وُجُوبِ الْوِتْرِ لِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ عَنْ بُرَيْدَةَ مَرْفُوعًا «الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» فَحَمَلُوا قَوْلَهُ حَقٌّ عَلَى الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ يَجِيءُ بِمَعْنَى الثُّبُوتِ وَالْوُجُوبِ وَحَمَلَهُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الثُّبُوتِ أَيْ هُوَ ثَابِتٌ فِي السُّنَّةِ وَالشَّرْعِ. قَوْلُهُ: (وَهُمَا أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ) أَيْ: وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى النَّفْلِ الْمُطْلَقِ أَيْ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ بِاللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْهُ بِالنَّهَارِ. قَالَ م ر: وَالْمُرَادُ بِالْأَفْضَلِيَّةِ تَفْضِيلُ جِنْسٍ عَلَى جِنْسٍ، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُفَضِّلُ عَدَدًا قَلِيلًا عَلَى عَدَدٍ كَثِيرٍ، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ سُنَّةُ الظُّهْرِ أَفْضَلَ مِنْ الصَّلَاةِ الْكَثِيرَةِ فِي اللَّيْلِ، وَهُوَ كَذَلِكَ.

وَحَاصِلُ التَّفْضِيلِ أَنْ تَقُولَ أَفْضَلُ النَّفْلِ صَلَاةُ عِيدِ الْأَضْحَى، ثُمَّ الْفِطْرُ، ثُمَّ كُسُوفُ الشَّمْسِ، ثُمَّ خُسُوفُ الْقَمَرِ، ثُمَّ الِاسْتِسْقَاءُ، ثُمَّ الْوِتْرُ، ثُمَّ بَقِيَّةُ الرَّوَاتِبِ الْمُؤَكَّدَةِ، ثُمَّ الرَّوَاتِبُ غَيْرُ الْمُؤَكَّدَةِ، ثُمَّ التَّرَاوِيحُ، ثُمَّ الضُّحَى، ثُمَّ رَكْعَتَا الطَّوَافِ، ثُمَّ التَّحِيَّةُ، ثُمَّ الْإِحْرَامُ، وَقِيلَ: الثَّلَاثَةُ سَوَاءٌ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، ثُمَّ سُنَّةُ الْوُضُوءِ، ثُمَّ النَّفَلُ الْمُطْلَقُ فِي اللَّيْلِ ثُمَّ فِي النَّهَارِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَاقِي رَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ) ظَاهِرُهُ اسْتِوَاءُ سُنَّةِ الظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةِ وَالْبَعْدِيَّةِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ سم لَكِنْ فِي فَتَاوَى م ر يَظْهَرُ تَفْضِيلُ الْبَعْدِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْقَبْلِيَّةَ كَالْمُقَدِّمَةِ وَتِلْكَ تَابِعَةٌ لِلْفَرْضِ حَقِيقَةً وَالتَّابِعُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ مَتْبُوعِهِ اهـ اج. قَوْلُهُ: (نَعَمْ تَفْضُلُ رَاتِبَةَ الْفَرَائِضِ) أَيْ وَلَوْ غَيْرِ مُؤَكَّدَةٍ؛ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام وَاظَبَ عَلَيْهَا أَيْ: عَلَى جِنْسِهَا الصَّادِقِ بِالْمُؤَكَّدِ مِنْهَا

ص: 429

الْخَادِمِ: لَكِنَّ الْأَرْجَحَ فِي النَّظَرِ تَرْجِيحُ عِيدِ الْأَضْحَى، فَصَلَاتُهُ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفِطْرِ، وَتَكْبِيرُ الْفِطْرِ أَفْضَلُ مِنْ تَكْبِيرِهِ ثُمَّ بَعْدَ الْعِيدِ فِي الْفَضِيلَةِ كُسُوفُ الشَّمْسِ ثُمَّ خُسُوفُ الْقَمَرِ ثُمَّ الِاسْتِسْقَاءُ ثُمَّ التَّرَاوِيحُ، وَلَا حَصَرَ لِلنَّفْلِ الْمُطْلَقِ وَهُوَ مَا لَا يَتَقَيَّدُ بِوَقْتٍ وَلَا سَبَبٍ. قَالَ صلى الله عليه وسلم لِأَبِي ذَرٍّ:«الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ اسْتَكْثِرْ أَوْ أَقِلَّ» فَإِنْ نَوَى فَوْقَ رَكْعَةٍ تَشَهَّدَ آخِرًا فَقَطْ أَوْ آخِرَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَأَكْثَرَ فَلَا يَتَشَهَّدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَإِذَا نَوَى قَدْرًا فَلَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ وَالنَّقْصُ عَنْهُ إنْ نُوِيَا وَإِلَّا بَطَلَتْ

ــ

[حاشية البجيرمي]

دُونَ التَّرَاوِيحِ، فَإِنَّهُ صَلَّاهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ. اهـ. م د. فِيهِ أَنَّهُ صَلَّى بَعْضَهَا، وَهُوَ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ جَمَاعَةً وَصَلَّى بَاقِيهَا فِي بَيْتِهِ.

قَوْلُهُ: (وَتَكْبِيرُ الْفِطْرِ) أَيْ الْمُرْسَلِ إذْ لَيْسَ لِعِيدِ الْفِطْرِ تَكْبِيرٌ مُقَيَّدٌ أَمَّا تَكْبِيرُ الْأَضْحَى الْمُقَيَّدِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ التَّابِعَ يَشْرُفُ بِشَرَفِ مَتْبُوعِهِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ التَّرَاوِيحُ) فَإِنْ قُلْت: قَالَ جَمْعٌ إنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَالِاخْتِلَافُ فِي الْوُجُوبِ يَدُلُّ عَلَى التَّأْكِيدِ وَالْأَفْضَلِيَّةِ أَيْضًا. قُلْت: إنَّمَا ذَكَرُوا ذَلِكَ فِي الِاخْتِلَافِ فِي الْوُجُوبِ الْمَذْهَبِيِّ كَالِاخْتِلَافِ فِي كَوْنِ الْعِيدَيْنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَوُجُوبِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَالتَّرَاوِيحُ لَمْ يُحْفَظْ فِيهَا ذَلِكَ فِي مَذْهَبِنَا، عَلَى أَنَّ مُوجِبَهَا مُدْرَكُهُ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى تَأَكُّدٍ وَلَا أَفْضَلِيَّةٍ وَتَفْضِيلُ الْوِتْرِ لَيْسَ لِرِعَايَةِ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَطْ بَلْ لِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» وَصَرَفَهُ عَنْ الْوُجُوبِ عِنْدَنَا عِدَّةُ أَخْبَارٍ مِنْهَا «قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم لِمَنْ قَالَ لَهُ: هَلْ عَلِيَّ غَيْرُهَا؟ : لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» وَإِلَّا لَقَيَّدَ أَيْ الْوُجُوبَ بِثَلَاثٍ، إذْ هُوَ لَا يُجِيزُ أَيْ أَبُو حَنِيفَةَ أَكْثَرَ مِنْهَا اهـ إيعَابٌ مَعَ زِيَادَةٍ.

قَوْلُهُ: (خَيْرُ مَوْضُوعٍ) أَيْ خَيْرُ شَيْءٍ وَضَعَهُ الشَّارِعُ لِلتَّعَبُّدِ بِهِ وَهَذَا عَلَى إضَافَةِ خَيْرٍ لِمَا بَعْدَهُ وَهِيَ أَوْلَى مِنْ تَنْوِينِهِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تُعَيِّنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: خَيْرُ أَفْعَلَ تَفْضِيلٍ فَيَكُونَ فِيهِ تَفْضِيلُ الصَّلَاةِ عَلَى مَا عَدَاهَا بِخِلَافِ الْوَصْفِيَّةِ، فَلَا تُعَيِّنُ ذَلِكَ وَفِيهِ أَنَّ أَفْضَلِيَّةَ الصَّلَاةِ عَلَى مَا عَدَاهَا لَمْ تُدَّعَ هُنَا، وَإِنْ كَانَتْ حَاصِلَةً وَيَلْزَمُ عَلَى التَّنْوِينِ فَوَاتُ التَّرْغِيبِ فِيهَا الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ اسْتَكْثِرْ أَوْ أَقِلَّ، وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ قَوْلُهُ الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ هُوَ بِالْإِضَافَةِ لَا الْوَصْفِيَّةِ لِإِفَادَةِ التَّرْغِيبِ فِيهِ أَيْ خَيْرُ شَيْءٍ طُلِبَ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْمَطْلُوبَةِ عَلَى سَبِيلِ السُّنِّيَّةِ، فَلَا يُعَارِضُ قَوْلَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه: طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ اهـ.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ نَوَى فَوْقَ رَكْعَةٍ) فَوْقَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ عَدَدًا أَوْ قَدْرًا فَوْقَ أَيْ نَوَى الزِّيَادَةَ عَلَى رَكْعَةٍ سَوَاءٌ عَيَّنَ قَدْرًا أَوْ لَا. وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ سَيَقُولُ وَإِذَا نَوَى قَدْرًا فَلَهُ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.

قَوْلُهُ: (أَوْ آخِرَ كُلِّ إلَخْ) نُسْخَةٌ أَوْ آخِرًا وَكُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَهِيَ الصَّوَابُ وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ تَشَهَّدَ آخِرًا أَوْ كُلَّ رَكْعَتَيْنِ اهـ. وَقَوْلُهُ: تَشَهَّدَ آخِرًا وَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّا بَعْدَهُ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر. فَإِنْ أَحْرَمَ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَةٍ فَلَهُ التَّشَهُّدُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَكُلِّ ثَلَاثٍ وَكُلِّ أَرْبَعٍ، وَهَكَذَا فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَأَكْثَرَ أَيْ فَكُلِّ أَكْثَرَ سَوَاءٌ الْأَوْتَارُ وَالْأَشْفَاعُ، وَلَا يُشْتَرَطُ تُسَاوِي الْأَعْدَادِ قَبْلَ كُلِّ تَشَهُّدٍ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ كُلَّ رَكْعَتَيْنِ وَيَتَشَهَّدَ ثُمَّ ثَلَاثًا وَيَتَشَهَّدَ ثُمَّ أَرْبَعًا وَهَكَذَا اهـ. قَوْلُهُ:(فَلَا يَتَشَهَّدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُوقِعُ رَكْعَةً غَيْرَ الْأَخِيرَةِ بَيْنَ تَشَهُّدَيْنِ. قَالَ شَيْخُنَا م ر: وَهَذَا مُبْطِلٌ فِي النَّفْلِ وَالْفَرْضِ، وَخَالَفَهُ حَجّ فِي الْفَرْضِ ق ل أَيْ: إذَا لَمْ يُطِلْ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ بِأَنَّ كَيْفِيَّةَ الْفَرْضِ اسْتَقَرَّتْ فَلَمْ يُنْظَرْ لِإِحْدَاثِ مَا لَمْ يَعْهَدْ فِيهَا بِخِلَافِ النَّفْلِ اهـ. وَقَدْ عَلِمْت أَنْ الْمُعْتَمَدَ الْمَنْعُ مُطْلَقًا حَتَّى فِي الْفَرْضِ اج. وَقَوْلُهُ: فَلَا يَتَشَهَّدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَيْ ابْتِدَاءً وَقَصْدًا، فَلَوْ نَوَى رَكْعَةً وَتَشَهَّدَ، ثُمَّ عَنَّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ ثَانِيَةٍ فَأَتَى بِهَا وَتَشَهَّدَ ثُمَّ عَنَّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ ثَالِثَةٍ فَأَتَى بِهَا وَتَشَهَّدَ، ثُمَّ عَنَّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ رَابِعَةٍ وَهَكَذَا فَلَهُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَإِذَا نَوَى قَدْرًا) أَيْ رَكْعَتَيْنِ فَأَكْثَرَ وَلَا يُتَصَوَّرُ النَّقْصُ فِي الرَّكْعَةِ وَلَا يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا ق ل.

قَوْلُهُ: (فَلَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ) أَيْ وَالْإِتْيَانُ بِمَنْوِيِّهِ أَفْضَلُ شَوْبَرِيٌّ.

قَوْلُهُ: (وَالنَّقْصُ عَنْهُ) وَيُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ حِينَئِذٍ عِنْدَ السَّلَامِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَلَيْسَ لَنَا صُورَةُ يَجِبُ فِيهَا نِيَّةُ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ إلَّا هَذِهِ. قَوْلُهُ:(إنْ نُوِيَا) أَيْ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ، وَهَذَا مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ مُتَيَمِّمٍ لِفَقْدِ الْمَاءِ، وَقَدْ وَجَدَهُ فِي أَثْنَاءِ عَدَدٍ نَوَاهُ أَمَّا هُوَ فَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا نَوَاهُ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ كَافْتِتَاحِ صَلَاةٍ أُخْرَى ح ل. قَوْلُهُ:(وَإِلَّا) بِأَنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ بِلَا نِيَّةٍ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ صَارَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَى الْقُعُودِ فِي مَسْأَلَةِ الزِّيَادَةِ أَوْ جَلَسَ وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ فِي مَسْأَلَةِ النَّقْصِ. وَقَوْلُهُ: سَهْوًا فَتَذَكَّرَ أَوْ جَهْلًا فَعَلِمَ ح ل. وَقَوْلُهُ: إنْ صَارَ إلَى الْقِيَامِ

ص: 430

صَلَاتُهُ، فَإِنْ قَامَ لِزَائِدٍ سَهْوًا فَتَذَكَّرَ قَعَدَ ثُمَّ قَامَ لِلزَّائِدِ إنْ شَاءَ، وَالنَّفَلُ الْمُطْلَقُ بِلَيْلٍ أَفْضَلُ مِنْهُ بِالنَّهَارِ، وَبِأَوْسَطِهِ أَفْضَلُ مِنْ طَرَفَيْهِ إنْ قَسَّمَهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ ثُمَّ آخِرُهُ أَفْضَلُ مِنْ أَوَّلِهِ إنْ قَسَّمَهُ قِسْمَيْنِ، وَأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ السُّدُسُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ، وَيُسَنُّ السَّلَامُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ نَوَاهَا أَوْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ.

وَيُسَنُّ أَنْ يَفْعَلَ بَيْنَ سُنَّةِ الْفَجْرِ وَالْفَرِيضَةِ بِاضْطِجَاعٍ عَلَى يَمِينِهِ لِلِاتِّبَاعِ وَأَنْ يَقْرَأَ فِي أَوَّلِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالِاسْتِخَارَةِ وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وَفِي الثَّانِيَةِ:

ــ

[حاشية البجيرمي]

أَقْرَبَ. وَقَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: تَبْطُلُ بِشُرُوعِهِ فِي الْقِيَامِ.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ قَامَ لِزَائِدٍ) أَوْ صَارَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ أَوْ مُسَاوِيًا. قَوْلُهُ: (قَعَدَ) أَيْ وُجُوبًا وَلَا تَكْفِيهِ نِيَّةُ الزِّيَادَةِ حَالَةَ قِيَامِهِ أَيْ: وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ آخِرَ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّ تَعَمُّدَ قِيَامِهِ مُبْطِلٌ وَإِنْ لَمْ يَشَأْ الزِّيَادَةَ قَعَدَ وَتَشَهَّدَ ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَيُسَلِّمُ شَرْحُ م ر.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَامَ) أَيْ أَوْ فَعَلَهُ مِنْ قُعُودِ بِرْمَاوِيٍّ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ آخِرِهِ) أَيْ ثُمَّ مَا هُوَ بِآخِرِهِ فَهُوَ بِالْجَرِّ أَيْ: نِصْفُهُ الْآخِرُ أَفْضَلُ مِنْ نِصْفِهِ الْأَوَّلِ.

قَوْلُهُ: (إنْ قَسَمَهُ قِسْمَيْنِ) أَيْ نِصْفَيْنِ وَكَذَا لَوْ قَسَّمَهُ أَثْلَاثًا أَوْ أَرْبَاعًا عَلَى نِيَّةِ أَنَّهُ يَقُومُ ثُلُثًا وَاحِدًا أَوْ رُبْعًا وَاحِدًا وَيَنَامُ الْبَاقِيَ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَجْعَلَ مَا يَقُومُهُ آخِرًا.

قَوْلُهُ: (وَأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ النِّصْفِ الثَّانِي السُّدُسُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ إذَا قَسَّمَهُ أَسْدَاسًا كَمَا فِي ح ل. وَقَالَ الشَّوْبَرِيُّ: أَيْ مِنْ الْوَسَطِ وَالْآخِرِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَعِبَارَةُ م د: قَوْلُهُ مِنْ ذَلِكَ الْإِشَارَةُ لِجَوْفِهِ وَآخِرِهِ لِاشْتِمَالِ السُّدُسَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى بَعْضِ الْجَوْفِ وَبَعْضِ الْآخِرِ. وَقَوْلُهُ: (السُّدُسُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ) لِيَنَامَ السُّدُسَ السَّادِسَ فَيَكُونُ أَنْشَطَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى صَلَاةُ دَاوُد كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ اهـ.

قَوْلُهُ: (بَيْنَ سُنَّةِ الْفَجْرِ) وَلَوْ قَضَاءً، وَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ ابْتِدَاءً ثُمَّ صَلَّى سُنَّةَ الْفَجْرِ بَعْدَهُ لَا يَضْطَجِعُ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا يَضْطَجِعُ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اهـ اج، فَإِنْ لَمْ يَضْطَجِعْ فَصَلَ بِكَلَامٍ غَيْرِ دُنْيَوِيٍّ فَإِنْ لَمْ يَفْصِلْ بِكَلَامٍ انْتَقَلَ مِنْ مَحَلِّ السُّنَّةِ اهـ.

قَوْلُهُ: (بِاضْطِجَاعٍ عَلَى يَمِينِهِ) أَيْ أَوْ يَسَارِهِ وَالْيَمِينُ أَفْضَلُ، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ تَذَكُّرِ ضَجْعَةِ الْقَبْرِ أَوَّلَ النَّهَارِ لِيَكُونَ بَاعِثًا لَهُ عَلَى أَعْمَالِ الْآخِرَةِ أَوْ لِإِظْهَارِ الْعَجْزِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ق ل. وَيَقُولُ فِي حَالِ اضْطِجَاعِهِ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَعِزْرَائِيلَ وَرَبَّ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أَجَرَنِي مِنْ النَّارِ ثَلَاثًا.

قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَقْرَأَ فِي أَوَّلِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ إلَخْ) وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: يُنْدَبُ فِي أَوَّلِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ أَلَمْ نَشْرَحْ، وَفِي الثَّانِيَةِ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَلِذَلِكَ قِيلَ مَنْ صَلَّاهُمَا بِأَلَمْ وَأَلَمْ لَمْ يُصِبْهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَلَمٌ رَحْمَانِيٌّ. قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ وَسَائِلِ الْحَاجَاتِ: بَلَغَنَا مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّالِحِينَ وَمِنْ أَرْبَابِ الْقُلُوبِ أَنَّ مَنْ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ أَلَمْ نَشْرَحْ لَك، وَأَلَمْ تَرَ كَيْفَ قُصِرَتْ عَنْهُ يَدُ كُلِّ عَدُوٍّ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ عَلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ مُجَرَّبٌ بِلَا شَكٍّ اهـ. فَائِدَةٌ: عَنْ التِّرْمِذِيِّ الْحَكِيمِ قَالَ: رَأَيْت اللَّهَ فِي الْمَنَامِ مِرَارًا فَقُلْت لَهُ: يَا رَبُّ إنِّي أَخَافُ زَوَالَ الْإِيمَانِ فَأَمَرَنِي بِهَذَا الدُّعَاءِ بَيْنَ سُنَّةِ الصُّبْحِ وَالْفَرِيضَةِ أَحَدًا وَأَرْبَعِينَ مَرَّةً، وَهُوَ هَذَا " يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا بَدِيعَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَسْأَلُك أَنْ تُحْيِيَ قَلْبِي بِنُورِ مَعْرِفَتِك يَا اللَّهُ يَا اللَّهُ يَا اللَّهُ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ".

وَذَكَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الشَّعْرَانِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالدَّلَالَةِ عَلَى اللَّهِ عز وجل عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي الْعَبَّاسِ الْخَضِرِ عَنْ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «سَأَلْتُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ نَبِيٍّ عَنْ اسْتِعْمَالِ شَيْءٍ يَأْمَنُ الْعَبْدُ بِهِ مِنْ سَلْبِ الْإِيمَانِ فَلَمْ يُجِبْنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ، حَتَّى اجْتَمَعْت بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ جِبْرِيلَ عليه السلام، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ حَتَّى أَسْأَلَ رَبَّ الْعِزَّةِ عَنْ ذَلِكَ، فَسَأَلَ رَبَّ الْعِزَّةِ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ اللَّهُ عز وجل: مَنْ وَاظَبَ عَلَى قِرَاءَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَآمَنَ الرَّسُولُ إلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَشَهِدَ اللَّهُ إلَى قَوْلِهِ الْإِسْلَامُ، وَقُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ إلَى قَوْلِهِ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَسُورَةَ الْإِخْلَاصِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَالْفَاتِحَةَ عَقِبَ كُلِّ صَلَاةٍ أَمِنَ سَلْبَ الْإِيمَانِ» اهـ.

وَنُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْت رَبَّ الْعِزَّةِ فِي الْمَنَامِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ مَرَّةً فَقُلْت فِي

ص: 431

الْإِخْلَاصَ، وَيَتَأَكَّدُ إكْثَارُ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارُ فِي جَمِيعِ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَفِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ آكَدُ. وَعِنْدَ السَّحَرِ أَفْضَلُ.

تَنْبِيهٌ: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَنَذْكُرُهُ مُخْتَصَرًا لِتَتِمَّ بِهِ الْفَائِدَةُ لِحَافِظِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ.

تُسَنُّ سَجَدَاتُ تِلَاوَةٍ لِقَارِئٍ وَسَامِعٍ قَصَدَ السَّمَاعَ أَمْ لَا؟ قِرَاءَةً لِجَمِيعِ آيَةِ السَّجْدَةِ مَشْرُوعَةً وَتَتَأَكَّدُ لِلسَّامِعِ بِسُجُودِ

ــ

[حاشية البجيرمي]

نَفْسِي: إنْ رَأَيْته تَمَامَ الْمِائَةِ لَأَسْأَلَنَّهُ بِمَ يَنْجُو الْخَلَائِقُ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: فَرَأَيْته فَقُلْت يَا رَبُّ عَزَّ جَارُك وَجَلَّ ثَنَاؤُك وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُك بِمَ يَنْجُو عِبَادُك يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَذَابِك؟ فَقَالَ سبحانه وتعالى: مَنْ قَالَ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ: " سُبْحَانَ الْأَبَدِيِّ الْأَبَدْ، سُبْحَانَ الْوَاحِدِ الْأَحَدْ، سُبْحَانَ الْفَرْدِ الصَّمَدْ، سُبْحَانَ مَنْ رَفَعَ السَّمَاءَ بِغَيْرِ عَمَدْ، سُبْحَانَ مَنْ بَسَطَ الْأَرْضَ عَلَى مَاءٍ جَمَدْ، سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ الْخَلْقَ وَأَحْصَاهُمْ عَدَدْ، سُبْحَانَ مَنْ قَسَمَ الرِّزْقَ وَلَمْ يَنْسَ أَحَدْ، سُبْحَانَ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدْ، سُبْحَانَ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدْ نَجَا مِنْ عَذَابِي ". ذَكَرَهُ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْأَحْبَابِ اهـ. وَاَلَّذِي فِيهِ إضَافَةُ سُبْحَانَ لِلَّفْظِ الْجَلَالَةِ فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى وَفِي الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ. وَنَصُّهَا فِيهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ رَافِعِ السَّمَاءِ إلَخْ وَفِي التَّاسِعَةِ وَنَصُّهَا فِيهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ إلَخْ اهـ وَفِيهِ أَيْضًا قَالَ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِهِ لِحِزْبِ الْبَحْرِ: قَدْ ذَكَرَ النَّاسُ وُجُوهًا وَأَذْكَارًا لِطَلَبِ الْغِنَى وَفِي الْحَدِيثِ: " مَنْ قَالَ بَيْنَ الْفَجْرِ وَالصُّبْحِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، وَسُبْحَانَ مَنْ يَمُنُّ وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِ، سُبْحَانَ مِنْ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ، سُبْحَانَ مَنْ لَا يُبْرَأُ مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إلَّا إلَيْهِ، سُبْحَانَ مَنْ التَّسْبِيح مِنَّةٌ مِنْهُ عَلَى مَنْ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ، سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ كُلُّ شَيْءِ بِحَمْدِهِ، سُبْحَانَك لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ يَا مَنْ يُسَبِّحُ لَهُ الْجَمِيعُ تَدَارَكْنِي بِعَفْوِك فَإِنِّي جَزُوعٌ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِائَةَ مَرَّةٍ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا إلَّا وَقَدْ أَتَتْهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا ". هُوَ مُجَرَّبُ الْإِفَادَةِ بِشَرْطِ التَّقْوَى كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا الْحِفْنِيُّ اهـ.

قَوْلُهُ: (وَعِنْدَ السَّحَرِ) هُوَ سُدُسُ اللَّيْلِ الْأَخِيرُ ق ل عَلَى الْمُحَلَّى. وَقَالَ الشَّوْبَرِيُّ: هُوَ مَا بَيْنَ الْفَجْرَيْنِ.

قَوْلُهُ: (لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ بِصَدَدِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَوَاتِ وَالسَّجَدَاتِ لَيْسَتْ صَلَاةً وَذِكْرُهُمَا هُنَا أَنْسَبُ مِنْ ذِكْرِهِمَا مَعَ سُجُودِ السَّهْوِ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْهُمَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِقْلَالِ كَمَا يَأْتِي. اهـ. ق ل. وَالْإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِ لِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ مِنْ إضَافَةِ الْمُسَبَّبِ لِلسَّبَبِ وَيَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي نِيَّتُهَا بِالْقَلْبِ إذَا كَانَ إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا لَا إذَا كَانَ مَأْمُومًا شَوْبَرِيٌّ.

قَوْلُهُ: (وَنَذْكُرُهُ) أَيْ مَا لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لَهُ.

قَوْلُهُ: (تُسَنُّ سَجَدَاتُ تِلَاوَةٍ) أَيْ عِنْدَنَا مَعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ وَوَاجِبَةٌ عِنْدَ التِّلَاوَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا تَفُوتُ عِنْدَهُ بِمُضِيِّ الزَّمَنِ وَدَلِيلُ نَدْبِهِ خَبَرُ مُسْلِمٍ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ: يَا وَيْلَتِي أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرَتْ بِالسُّجُودِ فَعَصَيْتُ فَلِيَ النَّارُ» وَخَبَرُ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ شَرْحُ م ر. وَدَلِيلُنَا عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ «أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رضي الله عنه قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سُورَةَ وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ» . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه التَّصْرِيحُ بِعَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهَذَا مِنْهُ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ الْعَظِيمِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَأَمَّا ذَمُّهُ تَعَالَى مَنْ لَمْ يَسْجُدْ بِقَوْلِهِ:{وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ} [الانشقاق: 21] فَوَارِدٌ فِي الْكُفَّارِ بِدَلِيلِ مَا قَبْلَ ذَلِكَ وَمَا بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا قَالُوا سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَلَمْ يَقُولُوا سُجُودُ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ التِّلَاوَةَ أَخَصُّ مِنْ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ التِّلَاوَةَ لَا تَكُونُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَالْقِرَاءَةُ تَكُونُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا تَقُولُ فُلَانٌ قَرَأَ اسْمَهُ وَلَا تَقُولُ تَلَا اسْمَهُ؛ لِأَنَّ أَصْلَ التِّلَاوَةِ مِنْ قَوْلِك: تَلَا الشَّيْءَ يَتْلُوهُ إذَا تَبِعَهُ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ الْكَلِمَةُ تَتْبَعُ أُخْتَهَا لَمْ تُسْتَعْمَلْ فِيهَا التِّلَاوَةُ وَتُسْتَعْمَلُ فِيهَا الْقِرَاءَةُ،؛ لِأَنَّ

ص: 432

الْقَارِئِ، وَهِيَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةٍ: سَجْدَتَا الْحَجِّ، وَثَلَاثٌ فِي الْمُفَصَّلِ فِي النَّجْمِ وَالِانْشِقَاقِ وَاقْرَأْ، وَالْبَقِيَّةُ فِي

ــ

[حاشية البجيرمي]

الْقِرَاءَةَ اسْمٌ لِجِنْسِ هَذَا الْفِعْلِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ عَدَمُ كُفْرِ مَنْ أَنْكَرَ مَشْرُوعِيَّةَ سُجُودِ التِّلَاوَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعْلُومًا مِنْ الدِّين بِالضَّرُورَةِ أَيْ يَعْرِفُهُ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ، وَإِنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْخَرَشِيُّ عَلَى الشَّيْخِ خَلِيلِ اهـ.

قَوْلُهُ: (لِقَارِئٍ وَسَامِعٍ) وَلَا فَرْقَ فِي الْقَارِئِ أَيْ الَّذِي يَسْجُدُ السَّامِعُ لِقِرَاءَتِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا وَلَوْ جُنُبًا مُعَانِدًا؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِالْفُرُوعِ وَلَا يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ ذَلِكَ م ر سم. أَوْ مَلِكًا أَوْ جُنُبًا أَوْ قَرَأَ آيَةً بَيْنَ يَدَيْ مُدَرِّسٍ لِيُفَسِّرهَا لَهُ، وَلَا يُقَالُ إنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ التِّلَاوَةَ فَلَا سُجُودَ لَهَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: بَلْ قَصَدَ تِلَاوَتَهَا لِتَقْرِيرِ مَعْنَاهَا لَا لِقِرَاءَةِ جُنُبٍ مُسْلِمٍ بَالِغٍ وَسَكْرَانَ وَسَاهٍ وَنَائِمٍ وَلَا لِقِرَاءَةٍ فِي جِنَازَةٍ أَوْ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ. وَلَا فِي نَحْوِ رُكُوعٍ لِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّتِهَا شَرْحُ م ر. وَالْمُرَادُ بِالْمَشْرُوعَةِ أَنْ لَا تَكُونَ مُحَرَّمَةً وَلَا مَكْرُوهَةً لِذَاتِهَا، وَأَنْ تَكُونَ مَقْصُودَةً وَيَخْرُجُ بِقَوْلِهِ مَشْرُوعَةٌ الْقِرَاءَةُ الْمُحَرَّمَةُ وَالْمَكْرُوهَةُ، فَالْأُولَى كَقِرَاءَةِ الْمُسْلِمِ الْجُنُبِ كَمَا قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ، وَقَدْ يُقَالُ تَحْرِيمُهَا لِعَارِضٍ وَهُوَ الْجَنَابَةُ لَا لِذَاتِهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَتْ الْجَنَابَةُ قَائِمَةً بِالْقَارِئِ كَانَ تَحْرِيمُهَا لِذَاتِهَا، وَالثَّانِيَةُ كَقِرَاءَةِ الْمُصَلِّي فِي غَيْرِ الْقِيَامِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مَقْصُودَةُ قِرَاءَةِ السَّكْرَانِ وَالسَّاهِي، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا تَكُونَ آيَتُهَا بَدَلًا عَنْ الْفَاتِحَةِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر.

قَوْلُهُ: (قَصَدَ السَّمَاعَ) وَيُقَالُ لَهُ مُسْتَمِعٌ. قَوْلُهُ: (قِرَاءَةً) تَنَازَعَهُ قَارِئٌ وَسَامِعٌ.

قَوْلُهُ: (لِجَمِيعِ آيَةِ السَّجْدَةِ) أَيْ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ، فَجُمْلَةُ الشُّرُوطِ سِتَّةٌ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ مَشْرُوعَةً مَقْصُودَةً مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِجَمِيعِ الْآيَةِ. وَأَنْ لَا تَكُونَ بَدَلًا عَنْ الْفَاتِحَةِ هَذِهِ عَامَّةٌ فَإِنْ كَانَ مُصَلِّيًا لَا بُدَّ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِقِرَاءَتِهِ السُّجُودَ فِي غَيْرِ صُبْحِ الْجُمُعَةِ بِ الم تَنْزِيلُ، فَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا شَرَطَ أَنْ لَا يَسْجُدَ إلَّا لِسُجُودِ إمَامِهِ. وَفِي م د عَلَى التَّحْرِيرِ: وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَقْصِدَ الْمُصَلِّي بِقِرَاءَتِهِ السُّجُودَ، وَإِلَّا حَرُمَ وَبَطَلَتْ بِهِ الصَّلَاةُ أَيْ غَيْرِ صُبْحِ الْجُمُعَةِ، أَمَّا هُوَ فَلَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ آيَةِ السَّجْدَةِ عِنْدَ حَجّ وَخَصَّ م ر. عَدَمَ الْبُطْلَانِ بِآيَةِ السَّجْدَةِ. قَوْلُهُ:(مَشْرُوعَةً) أَيْ وَلَوْ مِنْ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ، وَإِنْ كَانَ جُنُبًا أَوْ امْرَأَةٍ وَلَوْ بِحَضْرَةِ أَجْنَبِيٍّ؛ لِأَنَّ قِرَاءَتَهَا مَشْرُوعَةٌ فِي الْجُمْلَةِ أَوْ كَانَ خَطِيبًا أَمْكَنَتْهُ عَلَى مِنْبَرِهِ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ أَوْ أَسْفَلِهِ وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ، وَلَا يَجُوزُ سُجُودُ سَامِعِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعْرَاضِ عَنْ الْخُطْبَةِ أَيْ شَأْنُهُ ذَلِكَ، فَلَا يَرِدُ أَنْ يُقَالَ مَا الْمَانِعُ مِنْ أَنَّهُمْ يَسْجُدُونَ مَعَ سُجُودِهِ، أَوْ كَانَ مُصَلِّيًا بِأَنْ قَرَأَ فِي قِيَامٍ وَسَجَدَ لِلْقِرَاءَةِ فِي السُّوقِ وَالْحَمَّامِ وَالْخَلَاءِ وَإِنْ كَانَتْ مَكْرُوهَةً؛ لِأَنَّهَا أَيْ الْكَرَاهَةَ لِخَارِجٍ كَمَا قَالَهُ سم وَلَا تَرِدُ قِرَاءَةُ الرُّكُوعِ وَنَحْوِهِ حَيْثُ لَا يُطْلَبُ لَهَا سُجُودٌ مَعَ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ؛ لِأَنَّ نَحْوَ الرُّكُوعِ لَمَّا طُلِبَ فِيهِ ذِكْرٌ مَخْصُوصٌ صَارَتْ الْقِرَاءَةُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ غَيْرَ مَشْرُوعَةٍ. وَانْظُرْ لَوْ قَرَأَ غَيْرُ الْمَيِّتِ هَلْ هُوَ كَقِرَاءَةِ النَّائِمِ لَا يَسْجُدُ لَهَا أَوْ لَا فَلْيُحَرَّرْ اج. وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر: وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ قَرَأَ الْمَيِّتُ آيَةَ سَجْدَةٍ كَرَامَةً فَهَلْ يَسْجُدُ السَّامِعُ لَهُ أَمْ لَا. قَالَ: وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ لَا تَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِمْ فَلَا مَانِعَ أَنْ يَقْرَأَ الْمَيِّتُ قِرَاءَةً حَسَنَةً يَلْتَذُّ بِهَا، فَحِينَئِذٍ يُشْرَعُ لِسَامِعِهِ السُّجُودُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ مُكَلَّفًا إذْ هِيَ مِنْ الْمُمَيِّزِ كَذَلِكَ، فَلَيْسَ الْمَيِّتُ كَالسَّاهِي وَالْجَمَادِ وَنَحْوِهِمَا، وَأَمَّا لَوْ مُسِخَ وَقَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ الْمَسْخُ الْحَاصِلُ تَبَدُّلِ صِفَةٍ سَجَدَ السَّامِعُ لِقِرَاءَتِهِ آيَتَهَا؛ لِأَنَّ الْمَمْسُوخَ كَمَا ذُكِرَ آدَمِيٌّ حَقِيقَةً، وَإِنْ كَانَ تَبَدُّلُ ذَاتٍ فَلَا؛ لِأَنَّهُ إمَّا حَيَوَانٌ كَالدُّرَّةِ الْمَعْلُومَةِ فَهُوَ فَاقِدٌ لِلتَّمْيِيزِ، وَإِمَّا جَمَادٌ وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَسْجُدُ لِقِرَاءَتِهِ اهـ. وَتَأَكُّدِهَا لِلْمُسْتَمِعِ أَقْوَى مِنْ تَأَكُّدِهَا لِلسَّامِعِ وَالْمُسْتَمِعِ هُوَ مَنْ قَصَدَ السَّمَاعَ وَالسَّامِعُ هُوَ مِنْ يَسْمَعُ سَوَاءٌ قَصَدَ السَّمَاعَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ فَكُلُّ مُسْتَمِعٍ سَامِعٌ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ. قَالَ م ر: وَالْأَوْجَهُ فِي قَارِئٍ وَسَامِعٍ وَمُسْتَمِعٍ لَهَا قَبْلَ صَلَاةِ التَّحِيَّةِ أَنَّهُ يَسْجُدُ ثُمَّ يُصَلِّيهَا؛ لِأَنَّهُ جُلُوسٌ قَصِيرٌ لِعُذْرٍ فَلَا تَفُوتُ بِهِ فَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَالسُّجُودُ أَفْضَلُ لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهِ. قُلْت وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَأْتِي هُنَا مَا مَرَّ فِي التَّحِيَّةِ مِنْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ أَرْبَعُ مَرَّاتٍ، إذَا كَانَ الْقَارِئُ غَيْرَ مُتَطَهِّرٍ. اهـ. رَحْمَانِيٌّ.

قَوْلُهُ: (وَهِيَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً) وَقَدْ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:

فَائِدَةٌ فِي سُوَرِ السُّجُودِ

نَظَمْتهَا كَالدُّرِّ فِي الْعُقُودِ

فِي الِانْشِقَاقِ سَجْدَةٌ وَالْإِسْرَا

وَسَجْدَةُ التَّنْزِيلِ ثُمَّ اقْرَا

ص: 433

الْأَعْرَافِ وَالرَّعْدِ وَالنَّحْلِ وَالْإِسْرَاءِ وَمَرْيَمَ وَالْفُرْقَانِ وَالنَّمْلِ والم تَنْزِيلُ وحم السَّجْدَةِ، وَمَحَالُّهَا مَعْرُوفَةٌ لَيْسَ مِنْهَا سَجْدَةُ (ص) بَلْ هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ.

ــ

[حاشية البجيرمي]

وَالرَّعْدِ ثُمَّ النَّجْمِ ثُمَّ النَّحْلِ

وَمَرْيَمَ فُرْقَانِ ثُمَّ النَّمْلِ

فِي الْحَجِّ ثِنْتَانِ وَفِي الْأَعْرَافِ

وَسَجْدَةٌ فِي فُصِّلَتْ تُوَافِي

أَيْ تُكْمِلُ الْعَدَدَ. وَاعْلَمْ أَنَّ ثُمَّ فِي النَّظْمِ لِلتَّرْتِيبِ الْإِخْبَارِيِّ فَقَطْ. تَنْبِيهٌ: إنْ قِيلَ لِمَا اُخْتُصَّتْ هَذِهِ الْأَرْبَعُ عَشْرَةَ بِالسُّجُودِ عِنْدَهَا مَعَ ذِكْرِ السُّجُودِ. وَالْأَمْرُ بِهِ لَهُ صلى الله عليه وسلم فِي آيَاتٍ أُخَرَ كَآخِرِ الْحِجْرِ وَهَلْ أَتَى. قُلْنَا: لِأَنَّ تِلْكَ فِيهَا مَدْحُ السَّاجِدِينَ صَرِيحًا وَذَمُّ غَيْرِهِمْ تَلْوِيحًا أَوْ عَكْسُهُ، فَشُرِعَ لَنَا السُّجُودُ حِينَئِذٍ لِغُنْمِ الْمَدْحِ تَارَةً وَالسَّلَامَةِ مِنْ الذَّمِّ أُخْرَى، وَأَمَّا مَا عَدَاهَا فَلَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ، بَلْ نَحْوُ أَمْرِهِ صلى الله عليه وسلم مُجَرَّدًا مِنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا لَا دَخْلَ لَنَا فِيهِ فَلَمْ يُطْلَبْ مِنَّا سُجُودٌ عِنْدَهُ فَتَأَمَّلْهُ سَبْرًا وَفَهْمًا يَتَّضِحُ لَك ذَلِكَ، وَأَمَّا:{يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113] فَهُوَ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ ذِكْرِ فَضِيلَةٍ لِمَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ حَجّ. أَيْ: فَهُوَ مَدْحٌ لِطَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَكَلَامُنَا فِي مَدْحٍ عَامٍّ لَكِنْ يَرِدُ عَلَى الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ {كَلا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19] فَإِنَّهُ يَسْجُدُ لَهَا مَعَ أَنَّ فِيهَا أَمْرَهُ صلى الله عليه وسلم فَتَأَمَّلْ.

قَوْلُهُ: (سَجْدَتَا الْحَجِّ) الْأُولَى عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18] وَالثَّانِيَةُ عِنْدَ قَوْلِهِ: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77] وَفِي الْأَعْرَافِ آخِرَهَا وَالرَّعْدِ بَعْدَ قَوْلِهِ: {بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [الرعد: 15] وَالنَّحْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50] وَقِيلَ: " يَسْتَكْبِرُونَ " وَالْإِسْرَاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: {وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 109] وَمَرْيَمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: {خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58] وَالْفُرْقَانِ عِنْدَ قَوْلِهِ: {وَزَادَهُمْ نُفُورًا} [الفرقان: 60] وَالنَّمْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل: 26] والم تَنْزِيلُ {وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة: 15] وَفُصِّلَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ: {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [فصلت: 37] وَالنَّجْمِ آخِرَهَا، وَالِانْشِقَاقِ {لا يَسْجُدُونَ} [الانشقاق: 21] . وَقِيلَ آخِرَهَا. وَفِي صَ (وَأَنَابَ) وَقِيلَ (مَآبَ) اهـ. عَنَانِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ وَعِبَارَةُ م د عَلَيْهِ. وَمَحَالُّ السَّجَدَاتِ مَعْرُوفَةٌ، نَعَمْ الْأَصَحُّ أَنَّ أَخِرَ آيَاتِهَا فِي النَّحْلِ يُؤْمَرُونَ وَفِي النَّمْلِ الْعَظِيمِ، وَفِي فُصِّلَتْ يَسْأَمُونَ وَفِي الِانْشِقَاقِ لَا يَسْجُدُونَ اهـ. وَالْبَقِيَّةُ لَا خِلَافَ فِيهَا، وَإِنَّمَا نَصَّ أَوَّلًا عَلَى سَجْدَتَيْ الْحَجِّ لِخِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الثَّانِيَةِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْمُفَصَّلَ عَلَى مَا بَعْدَهُ مَعَ أَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ لِلرَّدِّ عَلَى الْإِمَامِ مَالِكٍ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْمُفَصَّلَ لَا سَجْدَةَ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (لَيْسَ مِنْهَا سَجْدَةُ صَ) قِرَاءَةُ صَ بِالْإِسْكَانِ وَبِالْفَتْحِ وَبِالْكَسْرِ بِلَا تَنْوِينٍ وَبِهِ مَعَ التَّنْوِينِ، وَإِذَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ تُكْتَبْ حَرْفًا وَاحِدًا، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَمِنْهُمْ مِنْ يَكْتُبُهَا كَذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مِنْ يَكْتُبُهَا بِاعْتِبَارِ رَسْمِهَا ثَلَاثَةَ أَحْرُفٍ شَرْحُ الرَّوْضِ.

قَوْلُهُ: (بَلْ هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ) أَيْ فَيُنْوَى بِهَا سُجُودُ الشُّكْرِ عَلَى تَوْبَةِ دَاوُد عليه السلام؛ لِأَنَّ دَاوُد عليه السلام سَجَدَهَا شُكْرًا عَلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِ أَيْ: مِنْ خِلَافِ الْأُولَى الَّذِي ارْتَكَبَهُ وَهُوَ إضْمَارُهُ أَنَّ وَزِيرَهُ إنْ مَاتَ تَزَوَّجَ بِزَوْجَتِهِ، لَكِنَّ قَبُولَ تَوْبَةِ دَاوُد مِنْ النِّعَمِ الْمُسْتَمِرَّةِ، فَلَعَلَّ السُّجُودَ لَهَا مُسْتَثْنًى مِنْ تَجَدُّدِ النِّعْمَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ وُجِدَ بَعْدَ إنْ لَمْ يَكُنْ تَأَمَّلْ بِلُطْفٍ سم وَلَا تَصِحُّ بِنِيَّةِ التِّلَاوَةِ وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِهَا لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ:" صَ لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ ". أَيْ: لَيْسَتْ مِنْ مُؤَكَّدَاتِهِ اهـ خ ض. وَلَوْ قَرَأَهَا نَحْوَ حَنَفِيٍّ وَسَجَدَهَا فِي الصَّلَاةِ تَخَيَّرَ الشَّافِعِيُّ الْمُقْتَدِيَ بِهِ بَيْنَ الْمُفَارَقَةِ وَالِانْتِظَارِ، فَإِنْ تَابَعَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لَكِنَّ سُجُودَ الْإِمَامِ لَهَا وَلَوْ اعْتِقَادًا يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ السَّهْوِ فَيُسَنُّ وَلَا يُنَافِي أَنَّ الْعِبْرَةَ بِاعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ فِيمَا لَا يَرَى الْمَأْمُومُ جِنْسَهُ فِي الصَّلَاةِ كَمَا فِي م ر وَعِبَارَةُ الْبَيْضَاوِيِّ فِي سُورَةِ صَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى:{وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} [ص: 24] ابْتَلَيْنَاهُ بِالذَّنْبِ أَوْ امْتَحَنَّاهُ بِالْحُكُومَةِ هَلْ تَنَبَّهَ بِهَا {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ} [ص: 24] لِذَنْبِهِ {وَخَرَّ رَاكِعًا} [ص: 24] أَيْ سَاجِدًا عَلَى

ص: 434

تُسَنُّ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَيَسْجُدُ مُصَلٍّ لِقِرَاءَتِهِ إلَّا مَأْمُومًا، فَلِسَجْدَةِ إمَامِهِ فَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْ إمَامِهِ أَوْ سَجَدَ هُوَ دُونَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَيُكَبِّرُ الْمُصَلِّي كَغَيْرِهِ نَدْبًا لِهَوِيٍّ وَلِرَفْعٍ مِنْ السَّجْدَةِ بِلَا رَفْعِ يَدٍ فِي الرَّفْعِ. مِنْ السَّجْدَةِ كَغَيْرِ الْمُصَلِّي، وَأَرْكَانُ السَّجْدَةِ لِغَيْرِ مُصَلٍّ تَحَرُّمٌ وَسُجُودٌ وَسَلَامٌ وَشُرُوطُهَا كَصَلَاةٍ، وَأَنْ لَا يَطُولَ فَصْلٌ عُرْفًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ قِرَاءَةِ الْآيَةِ،

ــ

[حاشية البجيرمي]

تَسْمِيَةِ السُّجُودِ رُكُوعًا؛ لِأَنَّهُ مَبْدَؤُهُ أَوْ خَرَّ لِلسُّجُودِ رَاكِعًا كَأَنَّهُ أَحْرَمَ بِرَكْعَتَيْ الِاسْتِغْفَارِ، وَأَنَابَ أَيْ رَجَعَ إلَى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ قَوْلُهُ: وَأَقْصَى مَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الْإِشْعَارُ بِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام رَدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا لِغَيْرِهِ وَكَانَ لَهُ أَمْثَالُهُ، فَنَبَّهَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ فَاسْتَغْفَرَ وَأَنَابَ عَنْهُ؛ وَمَا رُوِيَ أَنْ بَصَرَهُ وَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ فَعِشْقَهَا وَسَعَى حَتَّى تَزَوَّجَهَا وَوَلَدَتْ مِنْهُ سُلَيْمَانَ إنْ صَحَّ فَلَعَلَّهُ خَطَبَ مَخْطُوبَتَهُ أَوْ اسْتَنْزَلَهُ عَنْ زَوْجَتِهِ وَكَانَ ذَلِكَ مُعْتَادًا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَقَدْ وَاسَى الْأَنْصَارُ الْمُهَاجِرِينَ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَمَا قِيلَ إنَّهُ أَرْسَلَ أُورْيَا إلَى الْجِهَادِ مِرَارًا وَأَمَرَ أَنْ يُقَدَّمَ لِلْقِتَالِ حَتَّى قُتِلَ فَتَزَوَّجَهَا فَهُوَ افْتِرَاءٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: مَنْ حَدَّثَ بِحَدِيثِ دَاوُد عليه السلام مَا يَرْوِيهِ الْقُصَّاصُ جَلَدْته مِائَةً وَسِتِّينَ جَلْدَةً قَالَ م ر وَإِنَّمَا خَصَّ دَاوُد بِذَلِكَ مَعَ وُقُوعِ نَظِيرِهِ لِآدَمَ وَأَيُّوبَ وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْكِ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَقِيَ مِمَّا ارْتَكَبَهُ مِنْ الْحُزْنِ وَالْبُكَاءِ حَتَّى نَبَتَ مِنْ دُمُوعِهِ الْعُشْبُ وَالْقَلَقُ الْمُزْعِجُ مَا لَقِيَهُ، فَجُوزِيَ بِأَمْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِمَعْرِفَةِ قَدْرِهِ وَعُلُوِّ قُرْبِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ سَجَدَ لِتَوْبَتِهِ اهـ.

قَوْلُهُ: (تُسَنُّ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ) أَيْ وَتَحْرُمُ فِيهَا وَتَبْطُلُ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ انْضَمَّ لِقَصْدِ الشُّكْرِ قَصْدُ التِّلَاوَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ الْمُبْطِلُ وَغَيْرُهُ غَلَبَ الْمُبْطِلُ كَمَا قَالَهُ الرَّحْمَانِيُّ وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ التِّلَاوَةَ وَحْدَهَا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَلَيْسَ مُرَادًا فَإِنَّ قَصْدَ التِّلَاوَةِ إنَّمَا يَكُونُ مَانِعًا لَلْبُطْلَانِ حَيْثُ كَانَ مِنْ السَّجَدَاتِ الْمَشْرُوعَةِ وَهُوَ هُنَا لَيْسَ مَشْرُوعًا وَكُلٌّ مِنْ قَصْدِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ مُبْطِلٌ قَالَهُ ع ش. وَشَمِلَ إطْلَاقُهُ أَيْ فِي قَوْلِهِ تُسَنُّ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ الطَّوَافُ وَإِلْحَاقُهُ بِالصَّلَاةِ إنَّمَا هُوَ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهَا، وَمَحَلُّ الْحُرْمَةِ وَالْبُطْلَانِ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْعَالِمِ الْعَامِدِ فَإِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا فَلَا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ:(فَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْ إمَامِهِ) أَيْ قَاصِدًا عَدَمَ السُّجُودِ بَطَلَتْ بِهَوِيِّ الْإِمَامِ وَإِلَّا فَبِرَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ. اهـ. شَوْبَرِيٌّ.

قَوْلُهُ: (بَطَلَتْ) أَيْ إنْ لَمْ يَنْوِ الْمُفَارَقَةَ قَوْلُهُ: (وَيُكَبِّرُ الْمُصَلِّي إلَخْ) أَيْ وَيَنْوِي سُجُودَ التِّلَاوَةِ حَتْمًا مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ وَلَا تَكْبِيرٍ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ لَمْ تَشْمَلْهَا وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ إذَا قَرَأَ لَا يَقْصِدُ السُّجُودَ. أَمَّا لَوْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ آيَةَ سَجْدَةٍ أَوْ سُورَتَهَا بِقَصْدِ السُّجُودِ فِي غَيْرِ الم تَنْزِيلُ فِي صُبْحِ الْجُمُعَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ إنْ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ. أَمَّا صُبْحُ الْجُمُعَةِ فَلَا يَضُرُّ قَصْدُ الم لِلسُّجُودِ.

قَوْلُهُ: (تَحَرُّمٌ) أَيْ تَكْبِيرُهُ التَّحَرُّمَ مَعَ النِّيَّةِ، فَالْأَرْكَانُ أَرْبَعَةٌ، فَإِنْ عُدَّتْ الطُّمَأْنِينَةُ فِي السُّجُودِ رُكْنًا فَخَمْسَةٌ وَإِنْ عُدَّ الْقُعُودُ لِلسَّلَامِ رُكْنًا فَهِيَ سِتَّةٌ، وَمِثْلُ الْقُعُودِ الِاضْطِجَاعُ إنْ سَجَدَهَا مِنْ اضْطِجَاعٍ كَمَا فِي م ر. وَسَكَتَ الشَّارِحُ عَنْ النِّيَّةِ لِدُخُولِهَا فِي التَّحَرُّمِ؛ لِأَنَّهَا رُكْنٌ مَعَهُ.

قَوْلُهُ: (وَسُجُودٌ) وَيُنْدَبُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى الذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ الَّذِي فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ اُكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَك أَجْرًا وَضَعْ بِهَا عَنِّي وِزْرًا وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَك ذُخْرًا وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتهَا مِنْ عَبْدِك دَاوُد قَالَهُ ق ل. وَظَاهِرُهُ، أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ مِنْ سَجَدَاتِ التِّلَاوَةِ، وَاَلَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ الرَّحْمَانِيِّ أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ خَاصٌّ بِسَجْدَةِ صَ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ الظَّاهِرُ، وَعِبَارَتُهُ قَوْلُهُ: سَجْدَةُ صَ بَعْدَ وَأَنَابَ يُسَنُّ فِيهَا مَعَ ذِكْرِهَا الْمَشْرُوعِ فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ اُكْتُبْ إلَى آخِرِهِ وَأَمَّا غَيْرُهَا فَيَقُولُ فِيهَا فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلْقَهُ إلَى آخِرِهِ، وَلَوْ سَجَدَ بِقَصْدِ الشُّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ لَا يَضُرُّ فَقَدْ قَالَ م ر: إنَّهَا مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ سَجْدَةِ مَحْضِ التِّلَاوَةِ وَسَجْدَةِ الشُّكْرِ اهـ.

قَوْلُهُ: (وَسَلَامٌ) أَيْ بَعْدَ جُلُوسِهِ كَمَا قَالَهُ م ر. قَالَ قَالَ: وَسَكَتَ عَنْ الْجُلُوسِ قَبْلَ السَّلَامِ. وَلَعَلَّهُ لَا يَقُولُ بِوُجُوبِهِ كَابْنِ حَجَرٍ، وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا م ر وُجُوبَ أَحَدِ أَمْرَيْنِ الْجُلُوسِ أَوْ الِاضْطِجَاعِ. قَوْلُهُ:(وَشَرْطُهَا كَصَلَاةٍ) فَيُعْتَبَرُ لِصِحَّتِهَا مَا يُعْتَبَرُ فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ كَالطَّهَارَةِ وَالسَّتْرِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَتَرْكٍ نَحْوَ كَلَامٍ، وَوَضْعِ الْجَبْهَةِ مَكْشُوفَةً بِتَحَامُلٍ عَلَى غَيْرِ مَا يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ وَوَضْعِ جُزْءٍ مِنْ بَاطِنِ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَمِنْ الرُّكْبَتَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَكَذَا دُخُولُ وَقْتِهَا. وَهُوَ فِي حَقِّ الْقَارِئِ وَسَامِعِهِ إتْمَامُ آيَتِهَا، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَ إتْمَامِ حُرُوفِهَا أَوْ سَمَاعِ ذَلِكَ اتِّفَاقًا اهـ. خ ض.

قَوْلُهُ: (وَأَنْ لَا يَطُولَ فَصْلٌ عُرْفًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ قِرَاءَةِ الْآيَةِ) فَإِنْ طَالَ لَمْ يَسْجُدْ وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا بِالتَّأْخِيرِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ تَوَابِعِ

ص: 435

وَتَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْآيَةِ

، وَسَجْدَةُ الشُّكْرِ لَا تَدْخُلُ صَلَاةً وَتُسَنُّ لِهُجُومِ نِعْمَةٍ أَوْ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ، أَوْ رُؤْيَةِ مُبْتَلَى أَوْ فَاسِقٍ مُعْلِنٍ، وَيُظْهِرُهَا لِلْفَاسِقِ إنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرَهُ لَا لِمُبْتَلًى لِئَلَّا يَتَأَذَّى وَهِيَ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ، وَلِمُسَافِرٍ فِعْلُهُمَا كَنَافِلَةٍ، وَيُسَنُّ مَعَ

ــ

[حاشية البجيرمي]

الْقِرَاءَةِ وَلَا مَدْخَلَ لِلْقَضَاءِ فِيهَا لِتَعَلُّقِهَا بِسَبَبٍ عَارِضٍ كَالْكُسُوفِ، فَإِنْ لَمْ يُطِلْ أَتَى بِهَا وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا وَتَطَهَّرَ عَنْ قُرْبٍ شَرْحُ م ر وَمَحَلُّ عَدَمِ دُخُولِ الْقَضَاءُ مَا لَمْ يَكُنْ السُّجُودُ وَاجِبًا بِأَنْ نَذْرَهُ فَقَدْ قَالَ سم: لَوْ نَذَرَ سُجُودَ التِّلَاوَةِ وَطَالَ الْفَصْلُ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالسُّجُودِ هَلْ تَفُوتُ وَيَأْثَمُ أَوْ يَجِبُ قَضَاؤُهُ عَلَى الْفَوْرِ؟ ، وَوَافَقَ م ر عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ، وَنَظِيرُهُ مَا لَوْ نَذَرَ صَلَاةَ الْكُسُوفِ يَجِبُ قَضَاؤُهَا اهـ اج. وَعِبَارَةُ ق ل أَيْ: فَتَفُوتُ بِطُولِ الْفَصْلِ عُرْفًا وَلَوْ سَهْوًا وَجَهْلًا وَبِالْإِعْرَاضِ وَلَا تُقْضَى. قَوْلُهُ: (وَتَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْآيَةِ) سَوَاءٌ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا، وَسَوَاءٌ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ أَوْ الرَّكْعَةُ أَوْ لَا. وَلَهُ أَنْ يَسْجُدَ فِي كُلِّ مَرَّة عَقِبَهَا أَوْ يُؤَخِّرَ السُّجُودَ. وَحِينَئِذٍ إذَا سَجَدَ وَقَصَدَ السُّجُودَ عَنْ الْكُلِّ أَجْزَأَهُ، وَكَذَا إنْ أَطْلَقَ فَإِنْ قَصَدَ بِكُلِّ سَجْدَةٍ مَرَّةً جَازَ سَوَاءٌ رَتَّبَ أَوْ لَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَطُولَ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمَقْصُودِ وَسُجُودِهَا ق ل. وَعِبَارَتُهُ عَلَى التَّحْرِيرِ: فَلَوْ كَرَّرَ الْآيَةَ سَجَدَ لِكُلِّ مَرَّةٍ عَقِبَهَا فَإِنْ أَخَّرَ السُّجُودَ فَاتَ لِمَا طَالَ فِيهِ الْفَصْلُ وَيَسْجُدُ لِغَيْرِهِ بِعَدَدِهِ إنْ شَاءَ وَيَكْفِيهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ عَنْهُ إنْ قَصَدَهُ أَوْ أَطْلَقَ فَإِنْ قَصَدَ بَعْضَهُ فَاتَ بَعْضُهُ.

قَوْلُهُ: (لِهُجُومِ نِعْمَةٍ) ظَاهِرَةٍ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ فَخَرَجَ بِالْهُجُومِ النِّعْمَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ كَالْعَافِيَةِ وَالْإِسْلَامِ وَالْغِنَى عَنْ النَّاسِ فَلَا سُجُودَ لَهَا، وَبِالظَّاهِرَةِ وَهِيَ مَا لَهَا وَقْعٌ مَا لَا وَقْعَ لَهُ كَدِرْهَمٍ وَبِمَا بَعْدَهُ مَا لَوْ تَسَبَّبَ فِيهَا كَرِبْحٍ بَعْدَ التِّجَارَةِ، فَالْمُرَادُ بِهُجُومِ النِّعْمَةِ وُجُودُهَا فِي وَقْتٍ لَمْ يَتَيَقَّنْ وُجُودَهَا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَقِّعًا لَهَا سَوَاءٌ كَانَتْ النِّعْمَةُ لَهُ أَوْ لِوَالِدَيْهِ أَوْ لِأَهْلِهِ أَوْ لِصَدِيقِهِ أَوْ لِمَنْ يَعُمُّ النَّفْعُ بِهِ كَعَالِمٍ أَوْ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ كَالْمَطَرِ عِنْدَ الْقَحْطِ؛ لِأَنَّ حَذْفَ الْمَعْمُولِ يُؤْذِنُ بِالْعُمُومِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ خَاصَّةً بِمُسْلِمٍ أَجْنَبِيٍّ عَنْهُ فَلَا يَسْجُدُ لَهَا، وَتَفْسِيرُنَا الظَّاهِرَةَ بِمَا لَهَا وَقْعٌ أَوْلَى مِمَّا قَالَهُ خ ض حَيْثُ قَالَ: وَقَيَّدَ فِي الْمَجْمُوعِ نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ بِكَوْنِهِمَا ظَاهِرَتَيْنِ لِيُخْرِجَ الْبَاطِنَتَيْنِ كَالْمَعْرِفَةِ وَسَتْرِ الْمَسَاوِئِ، فَلَا يَسْجُدُ لَهُمَا وَهُوَ ضَعِيفٌ تَابِعٌ فِيهِ لِشَرْحِ الْمَنْهَجِ، وَاعْتَمَدَ الْحَلَبِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ السُّجُودَ لَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ، وَذَكَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالظَّاهِرَتَيْنِ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا وَقْعٌ لَا مُقَابِلَ الْبَاطِنَتَيْنِ فَافْهَمْ.

قَوْلُهُ: (أَوْ انْدِفَاعُ نِقْمَةٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى مَدْخُولِ هُجُومٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْهُجُومِ فِيهَا أَيْضًا كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ التُّحْفَةِ، وَشَرْحِ الْبَهْجَةِ، وَعِبَارَةُ عَبْدِ الْبَرِّ قَوْلُهُ: أَوْ انْدِفَاعُ نِقْمَةٍ عَنْهُ أَوْ عَنْ عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ، سَوَاءٌ كَانَ يَتَوَقَّعُهَا أَمْ لَا لِأَنَّ حَذْفَ الْمُتَعَلِّقِ يُؤْذِنُ بِالْعُمُومِ، وَانْظُرْ لَوْ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْمُقْتَضَيَاتُ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ، فَهَلْ يَكْفِيهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِهَا؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ الِاكْتِفَاءُ بِسَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ لِحُصُولِ أَصْلِ السُّنَّةِ، وَأَمَّا كَمَالُهَا فَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِالتَّعَدُّدِ فَلْيُرَاجَعْ بَابِلِيٌّ. اهـ. إطْفِيحِيٌّ.

قَوْلُهُ: (أَوْ رُؤْيَةُ مُبْتَلًى) أَوْ عَاصٍ أَيْ: وَإِنْ كَانَ الرَّائِي كَذَلِكَ، نَعَمْ إنْ اتَّحَدَا نَوْعًا وَصِفَةً وَمَحَلًّا لَمْ يَسْجُدْ أَحَدُهُمَا لِرُؤْيَةِ الْآخَرِ، وَالْمُرَادُ بِالرُّؤْيَةِ وَلَوْ مِنْ بُعْدٍ وَإِنْ لَمْ يُعَدَّ مُجْتَمِعًا مَعَهُ عُرْفًا كَمَا شَمِلَهُ إطْلَاقُهُمْ، وَالْمُرَادُ بِالرُّؤْيَةِ أَيْضًا مَا يَشْمَلُ الْعِلْمَ بِهِ لِيَدْخُلَ الْأَعْمَى إذَا سَمِعَ صَوْتَهُ وَمَنْ فِي ظُلْمَةٍ مَثَلًا وَشَمِلَ الْمُبْتَلَى وَلَوْ غَيْرَ آدَمِيٍّ. قَالَ الرَّحْمَانِيُّ: وَإِنَّمَا يَسْجُدُ لِلْعِلْمِ بِمُبْتَلًى بِغَيْرِ بَلَائِهِ أَوْ بِمِثْلِهِ، لَكِنَّهُ أَعْظَمُ إنْ كَانَ لِلْمُعَافَاةِ مِنْ بَلَائِهِ، فَإِنْ كَانَ لِزَجْرِهِ بِأَنْ حَصَلَ مِنْ حَدٍّ سَجَدَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَ بَلَائِهِ. وَقَيَّدَ سم نَدْبَ سُجُودِ الْفَاسِقِ لِمِثْلِهِ بِمَا إذَا أَرَادَ زَجْرَهُ لَا الْمُعَافَاةَ مِنْ بَلَائِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. قَالَ عَمِيرَةُ: وَلَوْ هَجَمَتْ النِّعْمَةُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمُبْتَلَى وَالْعَاصِي كَفَاهُ سُجُودُ وَاحِدٍ كَنَظِيرِهِ مِنْ سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ قَالَ م د فِي حَاشِيَةِ التَّحْرِيرِ. وَالْمُعْتَمَدُ، أَنَّهُ يَكْفِي سُجُودٌ وَاحِدٌ إذَا تَعَدَّدَتْ الْأَسْبَابُ.

قَوْلُهُ: (أَوْ فَاسِقٍ) وَمِنْهُ الْكَافِرُ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَعْصِيَةِ أَنْ تَكُونَ كَبِيرَةً، فَالْفَاسِقُ لَيْسَ بِقَيْدٍ، بَلْ مِثْلُهُ الْعَاصِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَاسِقًا كَمُرْتَكِبِ الصَّغِيرَةِ مِنْ غَيْرِ إصْرَارٍ، فَالْمُعْتَمَدُ اسْتِحْبَابُ السُّجُودِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَعْلَنَ بِفِسْقِهِ أَمْ لَا. فَسَقَ أَمْ لَمْ يَفْسُقْ. كَمَا قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.

قَوْلُهُ: (وَيُظْهِرُهَا) أَيْ السَّجْدَةَ إنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرَهُ أَيْ إنْ أَمِنَ نَفْسًا وَمَالًا وَعِرْضًا، وَإِلَّا أَخْفَاهَا وَيَقْصِدُ بِهَا التَّعْيِيرَ لَهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ، فَإِنْ لَمْ يَتَجَاهَرْ بِمَعْصِيَتِهِ فَلَا سُجُودَ لِرُؤْيَتِهِ.

قَوْلُهُ: (لَا لِمُبْتَلًى لِئَلَّا يَتَأَذَّى) بِالْإِظْهَارِ، نَعَمْ إنْ كَانَ غَيْرَ مَعْذُورٍ كَمَقْطُوعٍ فِي سَرِقَةٍ أَوْ مَجْلُودٍ فِي زِنًا وَلَمْ يَعْلَمْ بِتَوْبَتِهِ أَظْهَرَهَا لَهُ وَإِلَّا فَيُسِرُّ بِهَا.

قَوْلُهُ: (وَهِيَ كَسَجْدَةِ

ص: 436