الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر الاكتفاء:
لما اكتفى خده القاني بحمرته
…
قال العواذل بغضا إنه لدمي1
الاكتفاء هو أن يأتي الشاعر ببيت من الشعر وقافيته متعلقة بمحذوف فلم يفتقر إلى ذكر المحذوف لدلالة باقي لفظ البيت عليه ويكتفي بما هو معلوم في الذهن فيما يقتضي تمام المعنى. وهو نوع ظريف ينقسم إلى قسمين: قسم يكون بجميع الكلمة، وقسم يكون ببعضها.
والاكتفاء بالبعض أصعب مسلكًا لكنه أحلى موقعًا ولم أره في كتب البديع ولا في شعر المتقدمين فشاهد الاكتفاء بجميع الكلمة كقول ابن مطروح:
لا أنتهي لا أنثني لا أرعوي
…
ما دمت في قيد الحياة ولا إذا
فمن المعلوم أن باقي الكلام ولا إذا مت، لما تقدم من قوله الحياة ومتى ذكر تمامه في البيت الثاني كان عيبًا من عيوب الشعر مع ما يفوته من حلاوة الاكتفاء ولطفه وحسن موقعه في الأذهان ومنه قول شيخ شيوخ حماة:
أهلا بطيفكم وسهلا
…
لو كنت للاغفاء أهلا
لكنه وافى وقد
…
حلف السهاد عليَّ أن لا2
ومنها قوله فيما نحن فيه:
راموا فطامي عن هوى
…
غذيته طفلًا وكهلًا
فوضعت في طوقي يدي
…
وقلت خلوني وإلا3
1 إنه لدمي: أي إنه لدميم أو من الدم فهو مدمي.
2 أن لا أغفو.
3 وإلا كسرته. أو: فأنا مطوق.
وما أظرف قول الصاحب بهاء الدين زهير:
يا حسن بعض الناس مهلا
…
صيرت كل الناس قتلى
لم تبق غير حشاشة
…
في مهجتي وأخاف أن لا1
وما أظرف ما قال بعده ولم يخرج عن المراد:
وكشفت فضل قناعه
…
بيدي عن قمر تجلى
ولثمته في خده
…
تسعين أو تسعين إلا2
وجمع الشيخ سراج الدين الوراق بين تضمينين واكتفاءين في بيت واحد وأجاد إلى الغاية:
يا لائمي في هواها
…
أفرطت في اللوم أهلا
ما يعلم الشوق إلا
…
ولا الصبابة إلا3
وجمع ابن نباتة بين الاكتفاء وتضمين المثل السائر:
اسقني صرفا من الرا
…
ح تَحُتُّ الهم حتًّا4
ودع العذال فيها
…
يضربون الماء حتى5
ومن لطائف شيخ شيوخ حماة في هذا النوع:
صِلي ودعي نفارك عن محب
…
بذكرك آنس والليل ساكن
ولا تستقبحي شيبا برأسي
…
فما إن شبت من كبر ولكن6
وقول ابن سنا الملك من قصيدة:
رأيت طرفك يوم البين حين همى
…
والدمع ثغر وتكحيل الجفون لما7
فاكفف ملامك عني حين ألثمه
…
فما شككت بأني قد لثمت فما
لو كان يعلم مع علمي بقسوته
…
تألم القلب من وخز الملام لما8
1 أن لا تبقي شيئًا. الحشاشة: بقية الروح.
2 إلا قليلًا.
3 إلا من يكابدها.
4 الصرف: من الخمر التي لم تمزج بالماء. حتَّ: أزال.
5 أي حتى يخثرا: أي يأسن ويفسد، ويضربون هنا بمعنى يشربون.
6 ولكن من الحب.
7 لما أو لمى: أسود.
8 لما لامني.
وله من قصيدة:
يا عاذلين جهلتم فضل الهوى
…
فعذلتمو فيه ولكني أنا
ويعجبني قول القائل هنا من قصيدة مطلعها:
هزوا القدود فأخجلوا سمر القنا
…
وتقلدوا عوض السيوف الأعينا
وتقدموا للعاشقين فكلهم
…
طلب الأمان لقلبه إلا أنا
وتلطف ابن سنا الملك في مطلع قصيدة بقوله:
دنوت وقد أبدى الكرى منه ما أبدى
…
وقبلته في الثغر تسعين أو إحدى
ومثله في اللطف قول الشيخ جمال الدين بن نباتة:
ولقد كملت فما يقال لقد
…
حزت الجمال جميعه إلا
ولبعضهم وأجاد:
فإن المنية من يخشها
…
فسوف تصادمه أينما
ومما يرشف الذوق حلاوته في هذا النوع قول الشيخ شرف الدين ابن الفارض من قصيدة:
ما للنوى ذنب ومن أهوى معي
…
إن غاب عن إنسان عيني فهو في
ومثله في اللطف مع الترشيح باكتفاء ثان قول الشيخ جمال الدين بن نباتة:
أفدي التي تاجها وقامتها
…
كأنه همزة على ألف
أذكر ثغرا لها فأسكر من
…
ورد خد لها فأرتع في
1 ولكني أنا الذي أهوى، أو أنا المعذول.
2 إلا أنا لم أطلب الأمان.
3 أو إحدى وتسعين.
4 إلا لك.
5 أينما تلاقيه.
6 فهو في قلبي.
7 فأرتع في بستانه.
ومثله قول الشيخ شمس الدين بن العفيف
رأى رضابًا عن تسليه
…
أولو العشق سلوًا
ما ذاقه وشاقه
…
هذا وما كيف ولو1
ومن لطائف الصاحب بهاء الدين زهير في هذا النوع قوله من أبيات:
فما كان أحسن من مجلسي
…
فحدث بما شئت عن ليلتي
بشمس الضحى وببدر الدجى
…
على يمنتي وعلى يسرتي
وبت وعن خبري لا تسل
…
بذاك الذي وبتلك التي2
ومن لطائفه أيضًا أنه كتب إلى بعض أصحابه وكان اسمه يحيى، وقد بلغه أنه شرب دواء أبياتًا أوَّلها
سلمت من كل ألم
…
ودمت موفور النعم
في صحة لا ينتهي
…
شبابها إلى الهرم
يحيا بك الجود كما
…
يموت يا يحيى العدم
وبعد ذا قل لي ما
…
كان من الأمر وكم
وأظرف منه ولم يخرج عما نحن فيه من بديع الاكتفاء وزيادة التورية ما وقع لشهاب الدين التلعفري، مع شمس الدين الشيرجي بين يدي الملك الناصر، وما ذاك إلا أنهما حضرا بين يديه في ليلة أنس، فاتفق أن شمس الدين الشيرجي ذهب إلى ضرورة وعاد، فأشار إليه الملك الناصر أن يصفع التلعفري، وكان شمس الدين رجلًا ألحى4 فلما صفع التلعفري نهض على الفور وقبض على لحية الشيرجي وأنشد ارتجالًا ويده فيها:
قد صفعنا في ذا المحل الشريف
…
وهو إن كنت ترتضي تشريفي
فارث للعبد من مصيف صفاع
…
يا ربيع الندى وإلا خريفي
وما أحلى قول الشيخ جمال الدين بن نباتة في هذا النوع مع زيادة اللف والنشر والاكتفاء في البيتين:
1 هكذا ورد؟ والأصح على ما نرى: "هذا وما وكيف لو" أي بتقديم الواو. وتقدير الكلام: هذا وما ذاقه، وكيف لو ذاقه.
2 بذاك الذي على يمنتي وبتلك التي على يسرتي.
3 وكم كان.
4 ألحى: ملتحيًا، أي صاحب لحية.
قالت إذا غمضت جفونك فارتقب
…
طيفي فقلت لها نعم ولكن إذا1
وسمعت عن سيف ورمح قبلها
…
حتى انثنت ورنت فقلت هما اللذا2
ومنه قول الشيخ صدر الدين بن عبد الحق، ولم أكثر من هذا النوع إلا لأنه قليل في أيدي الناس:
جهنم حمامكم نارها
…
تقطع أكبادنا بالظما
وفيها عصاة لهم ضجة
…
وإن يستغيثوا يغاثوا بما3
ومنه قول المقر الفخري ابن مكانس مع زيادة التورية:
من شرطنا إن أسكرتنا الطلا
…
صرفًا تداوينا برشف اللمى
نعاف مزج الماء من كأسها
…
لا آخذ الله السكارى بما4
ومنه قول المقر المرحومي الأميني، صاحب ديوان الإنشاء الشريف بدمشق المحروسة رحمه الله، وهو مما أنشدنيه مرارًا، وكان عند عوده من أذربيجان بصحبة المقر المرحومي سيفي تنم كافل المملكة الشريفة، بتاريخ كذا وقد ضل غالب العسكر في بعض الليالي عن الماء، وفيه الزيادة على الاكتفاء بالاقتباس والتورية وهو:
ضلوا عن الماء لما أن سروا سحرًا
…
قومي فظلوا حيارى يلهثون ظما
والله أكرمني بالماء دونهم
…
فقلت يا ليت قومي يعلمون بما5
ومثله قولي، وفيه أيضًا زيادة الاقتباس والتورية على الاكتفاء
قالوا وقد فرطت في تصبري
…
وما شفى بقربه سقاما
اصبر عسى تشفى بماء ريقه
…
قلت لهم يا حسرتي على ما6
وأنشدني من لفظه لنفسه القاضي عماد الدين بن القضامي أخو شيخي قاضي القضاة علاء الدين الحنفي، سقى الله من غيث الرحمة ثراه موشحًا امتدح به المقر المرحومي الأوحدي صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية كان تغمده الله
1 إذا لم تغمض جفوني أو إذا لم يأت طيفك.
2 هما اللذان، سمعت عنهما: أو اللذان انثنيا ونظرا.
3 يغاثوا بما يحرق الأمعاء.
4 بما ارتكبوا من آثام أو بما رشفوا.
5 بما أكرمني ربي.
6 على ما أصابني أو على ما فرطت.
برحمته ورضوانه. والموشح ما نسج ابن سنا الملك في دار الطراز على منواله منه في نوع الاكتفاء بالكل مع زيادة التضمين:
أرخت ذوائبها لنا في الأربع
…
لنضل فاستغنت بها عن برقع
وغدوت أسهر في ليالي شعرها
…
ويقول فجر الفرق هذا مطلعي
وتبسمت فعلاها
…
نور فزاد سناها
فلثمت فاها آخذًا مستغنمًا
…
ورشفته رشف النزيف لبرد ما1
ومنه وفيه حسن التخلص مع الاكتفاء:
حكم الزمان بينهم وتشتُّتي
…
وشماتة الأعداء أكبر محنتي
ولسيد الرؤساء رمت تخلصًا
…
من محنتي فشددت رحل مطيتي
فغدت تمد خطاها
…
وأقول عند عياها
الأوحدي الأوحدي لتغنما
…
يا ناقتي فزمامك بيدي وما
وظريف هنا قول الشيخ زين الدين بن الوردي
ماذا تقولون في محب
…
عن غير أبوابكم تخلى
وجاءكم زائرًا عفيفًا
…
عن مالكم هل يجوز أم لا
ومنه قوله مع زيادة التضمين:
مولاي إنك محسن
…
قسمًا وإنك ثم إنك2
فلأشكرنك ما حييت
…
وإن أمت فلتشكرنك3
ويعجبني قول الشيخ برهان الدين القيراطي، هنا مع زيادة التورية والاقتباس:
حسنات الخد منه
…
قد أطالت حسراتي
كلما ساء فعالًا
…
قلت إن الحسنات4
ومرَّ سيدنا ومولانا قاضي القضاة صدر الدين بن الآدمي الحنفي، نَور الله ضريحه، وجعل من الرحيق المختوم غبوقه وصبوحه، على حماة المحروسة، سنة سبع وثمانمائة
1 لبرد ما تلهفت عليه. أو لبرد ما يسيل منه من اللعاب.
2 إنك كريم، وإنك معطاء إلخ
…
3 فلتشكرنك ذريتي من بعدي.
4 إن الحسنات يذهبن السيئات.
وهو إذ ذاك صاحب ديوان الإنشاء الشريف بدمشق المحروسة ومولانا السلطان الملك المؤيد خلد الله ملكه كافلها في تلك الأيام، وركابه الشريف متوجه إلى حلب المحروسة، والأمير حكم في خدمته بحيث يوصله إلى محل كفالته بها، وكنت في تلك الأيام بحلب المحروسة أمام كافلها علان، تغمده الله برحمته ورضوانه، فهرب علان واختفيت بعده فلما حل ركاب قاضي القضاة صدر الدين المشار إليه بحلب المحروسة توصل بحنوه وصدق محبته وخبره إلى أن عرف أين كنت مختفيا فكتب إليَّ
قصدنا حماة فلم نلق من
…
أردنا فلم نر عهدًا وإلا1
وجئنا إلى حلب خلفه
…
فإن كان فيها اجتمعنا وإلا2
فكتبت إليه الجواب:
أمولاي والله حال الجريـ
…
ـض دون القريض الذي قد تولى3
وأرجو وقد عفت هذي البلاد
…
خلاصي بالصدر منها وإلا4
فقدر الله بالسلامة، وتوجهت في خدمته متنكرًا إلى دمشق المحروسة ومن نظمي، في هذا النوع مع زيادة إيهام التورية:
تطلبت منه قبلة وهو نافر
…
فقال وقتلى حبنا لن تقبلا
فقلت له بالوصل عدني إلى غد
…
فبعدك مات الصبر قال نعم إلى5
وقولي أيضًا مع زيادة التضمين:
صهباء ريقته رشفت سلافها
…
فتغلبت فعجزت أن أتكلما
وإذا سئلت أقل لمن هو سائل
…
إني لأعلم ما تقول وإنما6
القسم الثاني، الاكتفاء بالبعض، وقد تقدم أنه عزيز الوقوع جدًّا ولم يوجد في كتب البديع، فمن ذلك قول ابن سنا الملك، من قصيدة:
1 الإ: الذمة.
2 وإلا رجعنا وافترقنا كما يحتمل معان أخرى تفيد التهويل.
3 الجريض: الغُصة، القريض: المديح الشعري: وقوله: حال الجريض دون القريض هو من الأمثال السائرة ويضرب لأمر يعوق دونه عائق.
4 وإلا فموتي - أو عدم عودتي - أو خضوعي لأمركم.
5 إلى آخر الدهر.
6 وإنما لا أستطيع البوح. أو التخلص أو
…
أهوى الغزالة والغزال وإنما
…
نهنهت نفسي عفة وتدينا
ولقد كففت عنان عيني جاهدًا
…
حتى إذا أعييت أطلقت العنا1
ومنه قول شيخ شيوخ حماة:
إليكم هجرتي وقصدي
…
وأنتم الموت والحياة
أمنت أن توحشوا فؤادي
…
فآنسوا مقلتي ولاتو2
وقول ابن مكانس مع زيادة التورية:
لله ظبي زارني في الدجى
…
مستوطنًا ممتطيًا بالخفر3
فلم يقم إلا بمقدار أن
…
قلت له أهلا وسهلا ومر
ومنه قول العلامة بدر الدين بن الدماميني:
الدمع قاض بافتضاحي في هوى
…
ظبي يغار الغصن منه إذا مشى
وغدا بوجدي شاهدًا ووشى بما
…
أخفى فيا لله من قاض وشا4
ومثله قوله:
يقول مصاحبي والروض زاه
…
وقد بسط الريح بساط زهر
هلم نباكر الروض المفدى
…
وقم نسعى إلى ورد ونسر5
ومثله قوله:
ورب نهار فيه نادمت أغيدا
…
فما كان أحلاه حديثًا وأحسنا
منادمتي فيها مناي فحبذا
…
نهار تقضى بالحديث وبالمنا6
ومنه قول شهاب الدين ابن حجر:
أطيل الملام لمن لامني
…
وأملأ في الروض كأس الطلا
وأهوى الملاهي وطيب الملاذ
…
فها أنا منهمك في الملا7
1 العنا: العنان لها.
2 أي ولا توحشوا.
3 الخفر: الحياء.
4 وشا: أي وشاهد. ومن الوشاية، فهو واشٍ.
5 ونسر: أي ونسرين. أو من الطيور.
6 وبالمنا: أي وبالمنادمة. أو بما يتمناه الإنسان.
7 في الملا: أي في الملاذ والملاهي. أو في الملأ: الناس.
وأنشدني المقرّ المجدي بن مكانس لنفسه
نزل الطل بكرة
…
وسروري تجددا
والندامى تجمعوا
…
فأجل كأسي على الندا1
ومنه قول ابن حجر:
دع يا عذول رقى الملام فقد سرى
…
عني الحبيب فتبت دام لك البقا
والطرف من فقد الرقاد بكى بما
…
يحكي الغمام فليس يهدي بالرقا2
وأنشدني من لفظه لنفسه قاضي القضاة صدر الدين بن الآدمي الحنفي، وأنا بين يديه بدمشق المحروسة، ورياحين الشبيبة غضة، بيتين فيهما الاكتفاء بالبعض والتورية في القافيتين، مع عدم الخروج عن الوزن في البيتين إذا قصد شق التورية الثاني، وهذا الباب عزيز الوقوع جدًّا وسبكه في هذا القالب من غير تمويه ينطلي على الحاذق في صناعة الكلام، هذا مع الاتفاق البديعي وحسن المطابقة، ولم أذكر الاتفاق إلا أن الذي كتب إليه القاضي صدر الدين البيتين مشهور بالحسن والأدب، وصحبته المشار إليه وهو غرس الدين خليل بن بشارة وهما:
يا متهمي بالسقم كن منجدي
…
ولا تطل رفضي فإني علي3
أنت خليلي فبحق الهوى
…
كن لشجوني راحمًا يا خلي4
وتقاضاني، عند الإنشاد أن أنظم له شيئًا على هذا الطريق فأنشدته في المجلس قولي
يقولون صف أنفاسه وجبينه
…
عسى للقا يصبو فقلت لهم صبا
وغالطت إذ قالوا أباح وصاله
…
وإلا أبى قربًا فقلت لهم أبا
ونظم الشيخ جمال الدين بن نباتة هذا النوع وكساه ديباج التورية، ولم يسلم له الوزن إذ جمع بين طرفي الاكتفاء كما فعلنا حيث قال:
أقول وقد جاء الغلام بصحفة
…
عقيب طعام الفطر يا غاية المنا
بحقك قل لي جاء صحن قطايف
…
وبح باسم من أهوى ودعني من الكنا
1 على الندا: أي على الندامى. أو الندا بمعنى ما يتساقط من الرذاذ صباحًا.
2 بالرقا: أي بالرقاد أو بمعنى الرقية.
3 متهمي: أخذني نحو تهامة، أو متهمني من التهمة، ومنجدي: من نجد أو من نجدة وتطل: الطول أو من الطل، على أي عليل. أو من العلو.
4 يا خلي: أي يا خليلي أو من الخلو.
وكتب الشيخ برهان الدين القيراطي لنور الدين ابن حجر، والد قاضي القضاة شهاب الدين:
مولاي نور الدين ضيفك لم يزل
…
يروي مكارمك الصحيحة عن عطا1
صدقت قطايفك الكبار حلاوة
…
بفمي وليس بمنكر صدق القطا2
انتهى ما أوردته من هذا النوع الغريب.
وبيت صفي الدين:
قالوا ألم تدر أن الحب غايته
…
سلب الخواطر والألباب قلت لم3
بيت صفي الدين، هنا شاهد على الاكتفاء بجميع الكلمة، ولكن لم ترض التورية أن تكون له سكنًا لشدة برده.
وعجبت للشيخ صفي الدين كيف استحسن هذا البيت، ونظمه في سلك أبيات بديعيته، مع ما فيه من الركة والنظم السافل، وقرر موضع الاكتفاء بلفظة لم، هذا مع أنه غير مكلف بتسمية النوع ولا ملتفت إلى تورية.
والعميان لم ينظموا هذا النوع. وبيت الشيخ عز الدين شاهد على النوعين، مع التزامه بالتورية، في تسمية النوع البديعي، واستجلاب الرقة ولطف المعنى، وهو:
وما اكتفى الحب كسف الشمس منه إذًا
…
حتى انثنى يخجل الأغصان حين تمي4
فشاهد الكل قوله: إذا، المعروف أن بعده بدا، لما تقدم من ذكر كسف الشمس، وشاهد البعض قوله: حين تمي، فدل حرف الكلمة أنها تميل أو تميس.
وبيت بديعيتي شاهد على الاكتفاء بالبعض، بزيادة التورية التي تتوارى من حسنها بهجة الشموس، مع سلامة الوزن في طرق الاكتفاء على مذهب الجماعة، كما تقدم.
وأما التورية بتسمية النوع فهي محصول الحاصل، إذ لا بد منها، وبيتي:
لما اكتفى خده القاني بحمرته
…
قال العواذل بغضا إنه لدمي5
1 عن عطا أي عطاء. أو عن عطائك منه.
2 القطا: أي القطايف أو الحمام.
3 قلت لم: أي قلت لم أدر.
4 حين تمي: أي حين تميل أو تميس، أو من الإيماء.
5 لدمي: أي لدميم.
المعنى هنا أن الخد، لما تزايدت حمرته، قال العواذل: بغضًا في الظاهر إنه لدمي، ووروا بالاكتفاء، وقصدوا في الباطن أنه دميم، حسدًا له، وهذا الاكتفاء ينظر إلى قول القائل:
كضرائر الحسناء قلن لوجهها
…
حسدًا وبغضًا إنه لدميم1
وهو بالدال المهملة للحقارة، ومن تأمل هذ البيت تأمل أهل الأدب المنصفين علم أن الحيلة في تركيب توريته حيلة دقيقة، مع ما فيه من المعنى وجزالة الأسلوب، وهذا النوع على هذا النمط الغريب لا يجري في مضماره، من فحول الأدب، إلا كل ضامر مهزول.
1 هذا البيت فيه تورية دقيقة لا تظهر إلا بتأويله: والمقصود أن ضرائر الحسناء قلن لها عن فلان، لأنهن يردن أن يكون لهن، حسدًا وبغضًا، إنه لدميم. هذا الظاهر، أو المورى به، أما المورى فهو أن ضرائر الحسناء قلن لها لحسدهن وبغضهن إن وجهها دميم. والمعنى كما قيل، في قلب الشاعر ولا يعلم ما في القلوب إلا مقلبها.