المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌ذكر التوجيه: وأسود الخال في نعمان وجنته … لي منذر منه - خزانة الأدب وغاية الأرب لابن حجة الحموي - جـ ١

[الحموي، ابن حجة]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمات:

- ‌تمهيد وتقديم:

- ‌التعريف بالكاتب:

- ‌مقدمة الكاتب:

- ‌الجناس:

- ‌ذكر الجناس المركب والمطلق:

- ‌ذكر الجناس الملفق:

- ‌الجناس المذيل واللاحق:

- ‌الجناس التام والمطرف:

- ‌الجناس المصحف والمحرف

- ‌الجناس اللفظي والمقلوب:

- ‌ذكر الجناس المعنوي:

- ‌ذكر الاستطراد:

- ‌ذكر الاستعارة:

- ‌ذكر الاستخدام:

- ‌ذكر الهزل الذي يراد به الجد:

- ‌ذكر المقابلة:

- ‌ذكر الالتفات:

- ‌ذكر الافتنان:

- ‌ذكر الاستدراك:

- ‌ذكر الطي والنشر:

- ‌ذكر الطباق:

- ‌ذكر النزاهة:

- ‌ذكر التخيير:

- ‌ذكر الإبهام:

- ‌ذكر إرسال المثل:

- ‌ذكر التهكم:

- ‌ذكر المراجعة:

- ‌ذكر التوشيح:

- ‌ذكر تشابه الأطراف:

- ‌ذكر التغاير:

- ‌ذكر التذييل:

- ‌ذكر التفويف:

- ‌ذكر المواربة:

- ‌ذكر الكلام الجامع:

- ‌ذكر المناقضة:

- ‌ذكر التصدير أو رد العجز على الصدر:

- ‌ذكر القول بالموجب أو أسلوب الحكيم:

- ‌ذكر الهجو في معرض المدح:

- ‌ذكر الاستثناء:

- ‌ذكر التشريع:

- ‌ذكر التتميم:

- ‌ذكر تجاهل العارف:

- ‌ذكر الاكتفاء:

- ‌ذكر مراعاة النظير:

- ‌ذكر التمثيل:

- ‌ذكر التوجيه:

- ‌ذكر عتاب المرء نفسه:

- ‌ذكر القسم:

- ‌ذكر حسن التخلص:

- ‌ذكر الاطراد:

- ‌ذكر العكس:

- ‌ذكر الترديد:

- ‌ذكر التكرار:

- ‌ذكر المذهب الكلامي:

- ‌ذكر المناسبة:

- ‌ذكر التوشيع:

- ‌ذكر التكميل:

- ‌ذكر التفريق:

- ‌ذكر التشطير:

- ‌ذكر التشبيه

- ‌مدخل

- ‌التشبيه بالتلميح:

- ‌ذكر تشبيه شيئين بشيئين:

- ‌ذكر الانسجام

- ‌الانسجام في النثر

- ‌الانسجام في الشعر:

- ‌ذكر التفصيل:

- ‌فهرس الموضوعات:

الفصل: ‌ ‌ذكر التوجيه: وأسود الخال في نعمان وجنته … لي منذر منه

‌ذكر التوجيه:

وأسود الخال في نعمان وجنته

لي منذر منه بالتوجيه للعدم

التوجيه، مصدر توجه إلى ناحية كذا، إذا استقبلها وسعى نحوها، وفي الاصطلاح أن يحتمل الكلام وجهين من المعنى احتمالًا مطلقًا، من غير تقييد بمدح أو غيره، والتوجيه هو إبهام المتقدمين، لأن الاصطلاح فيهما واحد، غير أن الشواهد التي استشهدوا بها على التوجيه، الإبهام أحق بها لطلوع أهلتها زاهرة في أفقه، ولمطابقة التسمية، فإنهم يستشهدون على التوجيه، يقول الشاعر في الحسن ابن سهل، عندما زوج ابنته بوران بالخليفة:

بارك الله للحسن

ولبوران في الختن

يا إمام الهدى ظفر

ت ولكن ببنت من

فلم يعلم ما أراد بقوله ببنت من، في الرفعة أو في الحقارة، وقد تقدم قولي في شرح نوع الإبهام، لما استشهدت بهذين البيتين، على ما نقل ابن أبي الأصبع: أن الحسن بن سهل قال له: أسمعت هذا المعنى أم ابتكرته، فقال: لا والله نقلته من شعر شاعر مطبوع، كان كثير الولوع بهذا النوع، واتفق أنه فصل قباء عند خياط أعور اسمه زيد، كذا نقله ابن أبي الأصبع، فقال له الخياط، على سبيل العبث سآتيك به لا تدري، أقباء هو أم دوّاج، فقال له الشاعر إن فعلت ذلك نظمت فيك بيتًا لا يعلم من سمعه، أدعوت لك أم دعوت عليك، ففعل الخياط فقال الشاعر:

خاط لي زيد قباء

ليت عينيه سواء

فإن قيل قصد التساوي في عينيه بالعمى صح، وإن قيل إنه قصد التساوي في

ص: 302

الإبصار صح. فتسمية النوع هنا بالإبهام أليق من تسميته بالتوجيه، ومطابقة التسمية فيه لا تخفى على أهل الذوق الصحيح، وهذا مذهب ابن أبي الأصبع، فإنه هو الذي تخير الإبهام، ونزل عليه هذه الشواهد واختصر التوجيه من كتابه، وقال في ديباجته: وربما أبقيت اسم الباب وغيرت مسماه إذا رأيت اسمه لا يدل على معناه. وقد أجمع الناس على أن كتابه المسمى "بتحبير التحرير" أصح كتاب أُلِّف في هذا الفن، لأنه لم يتكل فيه على النقل دون النقد، وغالب الجماعة غيروا بعض القواعد، وبدلوا أكثر الأسماء والشواهد، ووضعها في غير محلها، وإذا وصلت إلى بديع ابن منقذ وصلت إلى الخبط والفساد، والجمع بين أسباب الخطاء وأنواعه، من التداخل والتبديل.

والسكاكي ومن تبعه سموا هذ النوع: التوجيه، ونسج الناس على منوالهم، إلى أن تخير ابن أبي الأصبع نوع الإبهام، وقرر له الشواهد التي هي أليق به من التوجيه. ولم أسمع، من شواهد الإبهام، غير البيت المنظوم في الخياط والبيتين المنظومين في الحسن بن سهل، وهذا النوع صعب المسلك في نظمه، لأن المراد من الناظم أن يبهم المعنيين، بحيث لا يكاد أحدهما يترجح على الآخر. ومن أظرف ما وقع في هذا الباب، وقد أوردته في باب الإبهام، أن القاضي زيد الدين بن القرناص الحلبي، غفر الله له، ألف تاريخًا قريبًا من قباء الخياط، وهاجر إلى حماة المحروسة، بسبب الكتابة عليه، ورسم لي بعد وقوفي عليه بالكتابة عليه، فكتبت على التاريخ المذكور هذين البيتين:

تاريخ زين الدين فيه عجائب

وبدائع وغرائب وفنون

فأذاب تاه مناظر في جمعه

خبره عني إنه مجنون1

ومن أغرب ما نقل من شواهد الإبهام، التي ما تليق بغيره، أن أبا مسلم الخراساني قال يومًا لسليمان بن كثير: بلغني أنك كنت في مجلس وقد جرى ذكري، فقلت: اللهم سود وجهه واقطع رأسه واسقني من دمه. قال: نعم، قلت ذلك ونحن جلوس بكرم حصرم، فاستحسن أبو مسلم إبهامه وعفا عنه لسداد جوابه.

رجع إلى ما كنا فيه من تقرير نوع التوجيه. قد تقدم أن المتقدمين نزلوه منزلة الإبهام، وسموه توجيهًا واستشهدوا عليه بالشواهد التي تقدم ذكرها. وأما التوجيه عند المتأخرين. فقد قرروا أن يوجه المتكلم بعض كلامه أو جملته إلى أسماء متلائمة اصطلاحًا، من أسماء الأعلام أو قواعد علوم وغير ذلك مما يتشعب له من الفنون،

1 هذا البيت هكذا ورد في الأصل ولم أستطع له تفسيرًا، وإن كنت أرجح أن يكون: فإذا أتاه مناظر في جمعه. ويكون معناه ظاهرًا.

ص: 303

توجيهًا مطابقًا لمعنى اللفظ الثاني، من غير اشتراك حقيقي بخلاف التورية، وهذا هو مذهب الشيخ صفي الدين، وعلى هذا المنوال نسج بديعيته، وقد تقدم أن بديعيته نتيجة سبعين كتاب في هذا الفن، وعلى منواله نسجت بديعيتي، لأجل المعارضة.

قد أدخل جماعة نوع التوجيه في التورية وليس منها. والفرق بينهما من وجهين: أحدهما أن التورية تكون باللفظة المشتركة والتوجيه باللفظ المصطلح عليه. والثاني أن التورية تكون باللفظة الواحدة، والتوجيه لا يصح إلا بعدة ألفاظ متلائمة، كقول علاء الدين الوداعي:

من أم بابك لم تبرح جوارحه

تروي أحاديث ما أوليت من منن

فالعين عن قرة والكف عن صلة

والقلب عن جابر والأذن عن حسن

أقول: لو بلغت ما عسى أبلغه، لما وجدت للمتقدمين شاهدًا أحسن من هذين البيتين، على هذا النوع، ولذلك قدمتهما. سبحان المانح، لقد أظهر الشيخ علاء الدين الوادعي من محاسن الأدب في التوجيه وجوهًا تخجل الأقمار، ويتمسك الناس بعده بطيب هذه الآثار. أما قرَّة فهو قرَّة بن خالد السدودسي وهو ثقة يروي عن الحسن وابن سيرين وليس بتابعي. وأما صلة فهو صلة بن أشيم العدوي، كان من كبار التابعين، وهو زوج معاذة العدوية، وهي تروي عن عائشة. وأما جابر فهو جابر بن عبد الله، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس بجابر الجعفي لأن جابر الجعفي ضعيف وهو تابعي، وإنما ضعفوه لأنه كان يؤمن بالرجعة. وأما الحسن فهو الحسن البصري، كان تابعيًّا كبيرًا، رأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحوًا من ثلثمائة رجل. فللَّه در الوداعي لقد أودع في بيته نفائس الذخائر، وقال فلم يترك مقالًا لشاعر، وكان من المتقدمين عصرًا وعلمًا في اقتناص شوارد النكت الأدبية، والأنواع البديعية، وإبراز التورية في القوالب التي لم يسبق إليها، وعلى موائد معانيه ونكته تطفل الشيخ جمال الدين بن نباتة في مواضع كثيرة. وقد عن لي، وإن طال الشرح، أن أذكر نبذة من ذلك ليتأيد قولي، ويعرف رتبة الشيخ علاء الدين من كان بها جاهلًا.

قال الشيخ علاء الدين، من قصيدة مطولة:

أثخنت عينها الجراح ولا

إثم عليها لأنها نعساء1

زاد في عشقها جنوني فقالوا

ما بهذا فقلت بي سوداء2

1 أثخن. في الجراح، زاد فيها إيلامًا، نعساء: من النعاس.

2 السوداء: مرض يصيب الإنسان من جراء طغيان السوداء، أحد العناصر الأربعة المكونة للطبيعة الإنسانية وهي: الأخلاط الأربعة الصفراء: والدم، والبلغم، والسوداء.

ص: 304

وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة:

قام يرنو بمقلة كحلاء

علمتني الجنون بالسوداء

قال الشيخ علاء الدين الوداعي:

إذا رأيت عارضًا مسلسلا

في وجنة يا عاذلي

فاعلم يقينًا أنني من أمة

تقاد للجنة بالسلاسل

قال الشيخ جمال الدين، ولم يخرج عن الوزن والقافية:

أفدي الذي ساق إليها مهجتي

فرع طويل تحت حسن طائل

قلبي بصدغيها إلى طلعتها

يقاد للجنة بالسلاسل

قال الشيخ علاء الدين، وقد اجتمع جماعة من أصحابه لم يخرج اسم واحد منهم عن علي:

لقد سمح الزمان لنا بيوم

غدا فيه السمي مع السمي

تجمعنا كأنا ضراب خيط

عليٌّ في عليٍّ في عليّ

قال الشيخ جمال الدين:

علوت اسمًا ومدقارًا ومعنى

فيا لله من حسن جليٍّ

كأنكم الثلاثة ضرب خيط

عليٌّ في علي في علي

قال الشيخ علاء الدين:

من آخذ من خده

بدم الشهيد المغرم

فالريح ريح المسك

منه ولونه لون الدم

قال الشيخ جمال الدين:

لا ينكرن الكاس من جفنه

دم الشهيد الصابر المغرم

فالريح ريح المسك من خده

كما يرى واللون لون الدم

قال الشيخ علاء الدين من قصيدة:

يفتن بالفاتر من طرفه

وريقه البارد يا حار1

1 يا حار: أي يا حارث، وتوهم بمعنى الحرارة لما سبقها من قوله: وريقه البارد.

ص: 305

قال الشيخ جمال الدين:

لو ذقت برد رضاب من مقبله

يا حار ما لمت أعضائي التي ثملت

مع أن الشيخ جمال الدين فتر عن الفاتر، قال الشيخ علاء الدين:

قيل إن شئت أن تكون غنيًّا

فتزوج تكن من المحصنينا1

قلت ما يقطع الإله بحرٍّ

لم يضع بين أظهر المسلمينا

قال ابن نباتة:

قل لي خلي تزوج تسترح

من أذى الفقر وتستغني يقينا

قلت دع نصحك واعلم أنني

لم أضع بين ظهور المسلمينا

قال الوادعي:

يا عاذلي في النكاريش اطرح عذلي

واعذر فعذري فيهم واضح حسن2

فالمرد إن حاولوا حربي بهجرهم

إذًا لقام بنصري معشر خشن

قال ابن نباتة:

لو آذنتني عذالي بحربهم

إذ بالنكاريش قد أصبحت حيرانا

إذًا لقام بنصري معشر خشن

عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا3

قال الشيخ علاء الدين الوادعي من قصيدة:

عذب مقبله وحلو لحظه

أو ما تراه بالنعاس معسلا4

قال الشيخ جمال الدين:

معسل بنعاس في لواحظه

أما تراها إلى كل القلوب حلت

قال الوادعي، من القصيدة المذكورة:

ألحاظه وهي السيوف كليلة

ويكون تعذيب الكليلة أطولا5

1 المحصنين: المتزوجين والمتزوجات.

2 النكاريش: لم نعثر على هذه اللظفة في ما بين أيدينا ولعلها تعني: اللواطي الكبير السن. لما يتبعها من قوله: فالمرد: وهي جمع مفرده أمرد وهو الغلام لم تنبت لحيته بعد.

3 اللوثة: اختلاط العقل أو الجنون.

4 المعسل: الذي ينام نومًا خفيفًا.

5 الكليلة: من السوف التي لا تقطع.

ص: 306

قال ابن نباتة:

بليت به ساجي اللحاظ كليلها

وما زال تعذيب الكليلة أطولا1

قال الوداعي من قصيدة:

والنهر كالمبرد يجلو الصدا

ببرده عن قلب ظمآن

قال ابن نباتة:

والنهر فيه كمبرد

فلأجل ذا يجلو الصدا

لكن نقص نهره وكل مبرده عن نكتة برده في بيت الوداعي، فإن الشيخ جمال الدين حط مكانها في بيته: فلأجل ذا، وشتان.

قال الوداعي:

ما كنت أول مغرم محروم

من باخل بادي النفار كريم

قال ابن نباتة مبخل يشبه ريم الفلا

يا طول شجوي من بخيل كريم

قال الوداعي، في مليح أعمى:

بروحي غزالًا راح في الحسن جنة

تعشقته فهمت من الوجد

إذا ما تبدى قائدًا بيمينه

تيقنت حقًّا أنه جنة الخلد

قال ابن نباتة:

أفديه أعمى مغمد الخطة

ليرتقي في خده الوردي

تمكنت عيناي من وجهه

فقلت هذي جنة الخلد

قال الشيخ علاء الدين:

بلخت عليَّ بدرِّ مبسمها

فغدت مطوقة بما بخلت3

قال ابن نباتة:

بخلت بلؤلؤ ثغرها عن لاثم

فغدت مطوقة بما بخلت به

قال الوداعي:

وما يبري هوى المشتا

ق إلا ذلك المغلي

1 ساجي اللحاظ: ساكنها

2 في هذا البيت نظر إلى قوله تعالى: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران، 3/ 180] .

ص: 307

قال ابن نباتة:

من المغل أشكو نحوه ألم لجلوى

وطب الهوى عندي كما قيل في المغلي1

قال الوداعي:

يا نديمي والذي عاهدني

أنه عن شربها لن يقصرا

اسقني صرفًا ودع عذالنا

يضربون الماء حتى يخثرا2

قال ابن نباتة:

اسقني صرفًا من الرا

ح تحتُّ الهم حتا

ودع العذال فيها

يضربون الماء حتى

قال الوداعي:

باللوى صعدة عليها لواء

كل طعنات نصلها نجلاء

وقال بعد المطلع:

لا نجد عندها سماعًا لشكوى

فلهذا قالوا لها صماء

قال ابن نباتة:

وعدت بطيف خيالها أسماء

إن كان يمكن ناظري إغفاء

وقال بعد المطلع:

يا من يطيل من الجوى لقوامها

شكواه وهي الصعدة الصماء

وقد آن أن أختصر، لئلا يطول الشرح، وأكف لسان القلم، فقد طال واستطال، على عرض الشيخ جمال الدين. ونعود إلى ما كنا فيه من الاستشهاد ببيتي الشيخ علاء الدين الوداعي، على نوع التوجيه، فقد فهمت رتبته في هذا الفن وتوجيه بيته يصدق على أسماء الأعلام من رواة الحديث، في هذا الفن حيث قال:

فالعين عن قرة والكف عن صلة

والقلب عن جابر والأذن عن حسن

والمعنى الآخر في حسن، مناسبته بين القرَّة والعين، والصلة والكف، والجبر والقلب، والكسر والسمع، والحسن ظاهر. ومثله قول القاضي محي الدين بن عبد الظاهر الحلبي، يصف نهرًا صافيًا في روض نزيه:

1 ألم لجلوى: هكذا وردت في الأصل ونعتقد أنها: ألم الجوى.

2 خثر الماء: أسن وفسد.

ص: 308

إذا فاخرته الريح ولت عليلة

بأذيال كثبان الربا تتعثر1

به الفضل يبدو والربيع وكم غدا

به الروض يحيى وهو لا شك جعفر2

ومثله قول ابن الوردي:

هويت أعرابية ريقها

عذب ولي فيها عذب مذاب

رأسي بنو شيبان والطرف من

نبهان والعذال فيها كلاب3

أما التوجيه في قواعد العلوم، كما تقرر فأحسن ما رأيت فيه، قول أمين الدين على السليماني، في بعض قواعد النحو:

أضيف الدجى معنى إلى لون شعره

فطال ولولا ذاك ما خص بالجر

وحاجبه نون الوقاية ما وقت

على شرطها فعل الجفون من الكسر4

ومنه قولي:

إغراء لحظك مالي منه تحذير

ولا لتعريف وجدي فيك تنكير

يا نصب عيني غرامي كيف أجزمه

والقد مرتفع والشعر مجرور5

ومن أظرف ما وقع في هذا الباب أنه كان بالعراق عاملان: أحدهما اسمه عمر، والآخر اسمه أحمد، فعزل عمر عن عمله واستقر أحمد بسبب مال وزنه، فقال بعض الشعراء في ذلك:

أيا عمر استعد لغير هذا

فأحمد بالولاية مطمئن

فإنك فيك معرفة وعدل

وأحمد فيه معرفة ووزن

وقول ابن عنين، فيمن عزل وكانت سيرته غير مشكورة:

فلا تغضبن إذا ما صرفت

فلا عدل فيك ولا معرفة

1 عليلة: ناعمة أو مريضة.

2 الفضل والربيع ويحيى وجعفر بالإضافة إلى معانيها فهي أسماء أعلام.

3 شيبان ونبهان وكلاب، بالإضافة إلى معانيها اللغوية، هي أسماء قبائل عربية.

4 الجر للطول. ونون الوقاية أي الحاجب يحمي الجفون ويقيها من الكسر، أو التكسر.

5 وهذين البيتين أظرف من سابقيهما لأنه توسع في استعمال القواعد النحوية وفيها طباق. التعريف والتنكير، جناس: والجزم والجر.

ص: 309

وقال ابن الساعاتي: وقيل لابن أبي الأصبع:

أيا قمرًا من حسن وجنته لنا

وظل عذاريه الضحى والأصائل1

جعلتك للتمييز نصبًا لناظري

فهلا رفعت الهجر والهجر فاعل

وظريف هنا قول بعضهم:

عرج بنا تحت طلول الحمى

فلم تزل آهلة الأربع2

حتى تظل اليوم وقفًا على السـ

ـاكن أو عطفًا على الموضع

وقول محمد بن العفيف:

يا ساكنًا قلبي المعنى

وليس فيه سواك ثاني

لأي معنى كسرت قلبي

وما التقى فيه ساكنان3

ومن لطائف البهاء زهير:

يقولون لي أنت الذي سار ذكره

فمن صادر يثني عليه ووارد4

هبوني كما قد تزعمون أنا الذي

فأين صلاتي منكم وعوايدي5

ونظير هذا ما اتفق لشرف الدين محمد بن عنين، وذلك أنه مرض فكتب إلى الملك العظيم صاحب دمشق:

انظر إلي بعين مولى لم يزل

يولي الندى وتلاف قبل تلافي

أنا كالذي أحتاج ما تحتاجه

فاغنم دعائي والثنا الوافي

فعاده الملك العظيم، ومعه خمسمائة دينار، وقال له: أنت الذي وأنا العائد وهذه الصلة.

وظريف هنا قول بعض المواليا:

رأيتها وهي داخل دارها في الصحن

تنشد رمل صحنت قلبي المعنى صحن

يا ليتها مع تغنيها وطيب اللحن

ترف أجر ودع يدخل عليَّ اللحن

1 الأصائل: مفردها أصيل وهو قبيل غروب الشمس.

2 الأربع: العدد المعروف وجمع مفرده ربع وهي الدار.

3 استعمل القاعدة النحوية التي تقول: إذا التقى ساكنان يكسر الأول منهما.

4 الصادر والوارد: تعبير ديواني وتعني الخارج والداخل أو الرائح والعائد.

5 صلاتي وعوايدي: صلة وعائده أي العطايا والعائدات أو صلة الموصول.

ص: 310

وقول بعضهم من التوجيه في قواعد الفقه:

أحجج إلى الزهر لتحظى به

وارم جمار مستنفرا

من لم يطف بالزهر في وقفة

من قبل أن يحلق قد قصرا1

وقول شمس الدين بن العفيف، من التوجيه في قواعد الجدل:

وما بال برهان العذار مسلمًا

ويلزمه دور وفيه تسلسل

وقول شمس الدين بن جابر الأندلسي، ناظر البديعية من التوجيه في الحديث:

قالت أعندك من أهل الهوى خبر

فقلت إني بذاك العلم معروف

مسلسل الدمع من عيني ومرسله

على مديح ذاك الخد موقوف2

ومن التوجيه في علم العروض قول ابن نصر الله المصري:

وبقلبي من الهموم مديد

وبسيط ووافر وطويل3

لم أكن عالمًا بذاك إلى أن

قطع القلب بالفراق الخليل4

ومثله قولي، وهو مطلع قصيدة:

في عروض الجفا بحور دموعي

ما أفادت قلبي سوى التقطيع5

ومن التوجيه في الكتابة قول ابن الساعاتي:

لله يوم في دمشق قطعته

حلف الزمان بمثله لا يغلط

الطير تقرأ الغدير صحيفة

والريح تكتب والسحا ينقط6

1 في هذا البت إشارة إلى بعض مناسك الحج من الطواف والوقوف بعرفة وتقصير الشعر.

2 قوله موقوف: من مصطلحات علم الحديث، والموقوف من الحديث الذي لم يروه إلا راو واحد.

3 المديد والبسيط والوافر والطويل هي مصطلحات عروضية من أسماء بحور الشعر.

4 الخليل: هو الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب علم العروض.

5 العروض: مصطلح يفيد التفعيلة في الشعر، والتقطيع: مصطلح عروضي أيضًا يعني تقسيم البيت الشعري إلى عروض أو تفاعيل.

6 ينقط: يضع النقاط على الحروف وفيه تورية بنقط الماء التي تنزل من السحاب.

ص: 311

ولبعضهم، وأجاد، وهو ابن القيسراني:

بوجه معذبي آيات حسن

فقل ما شئت عنه ولا تحاشي6

فنسخة حسنه قرئت وصحت

وها خط الكمال على الحواشي7

وقال ابن الوردي:

رأيت فقيرًا في المرقعة التي

على حسنه دلت وحسن طباعه

بخديه ريحان الحواشي محقق

إلى الثلث والفضاح تحت رقاعه3

ومثله قول القرشي الكاتب، وقد طلبه السلطان بسب خط نقل عنه أنه زور، فاختفى في بيته ثلث سنه، وكتب إلى ابن فضل الله يسأله النظر في جاله، في رقعة أولها: يقبل الأرض وينهى، إن له ثلث سنة محقق مختف في حواشي البيت، يخشى توقيعات الرقاع من صاحب الطومار، وسؤال المملوك نسخ هذا الأمر الفضاح، بحيث لا يبقى عليه غبار، فإن المملوك وحق المصحف ما يحمل عود ريحان.

ومن التوجيه، في علم الرمل، قول الصاحب بهاء الدين زهير:

تعلمت علم الرمل لما هرجتني

لعلي أرى شكلا يدل على الوصل4

فقالوا طريق قلت يا رب للقا

وقالوا اجتماع قلت يا رب للشمل

ومن التوجيه في علم النجوم، قول بعضهم في كان وكان:

لو سنبله خلف ظهره

ناظر إليها المشتري5

ولو ذنب ما يقارن

حتى يرى الميزان6

ومن التوجيه في علم الهندسة:

محيط بأشكال الملاحة وجهه

كأن بها إقليدسًا يتحدث7

1 تحاشي: تداري.

2 الحواشي: جمع مفرده الحاشية وهي من كل شيء طرفه، والحاشية في الكتابة: الهامش.

3 الفضاح: صيغة مبالغة من فضح وهي المساوئ، والرقاع: جمع مفرده رقعة وهي ما يستعمل في الكتابة.

4 الرمل: نوع من التنبؤ: وهو عبارة عن كشف أمر مجهول بواسطة الرمل.

5 سنبلة والمتشري: من الكواكب.

6 ذنب: أي مذنب وهو من النجوم والميزان: من أبراج السماء.

7 إقليدس: صاحب نظريات في علم الهندسة.

ص: 312

فعارضه خط استواء وخاله

به نقطة والشكل شكل مثلث

وقول يوسف الذهبي بن لؤلؤ في توجيه علم الموسيقى:

وبمهجتي المتحملون عشية

والركب بين تلازم وعناق1

وحداتهم أخذت حجازًا بعدما

غنت وراء الركب في عشاق

ومثله قول شمس الدين بن جابر الأندلسي ناظم البديعية:

يا أيها الحادي اسقني كأس السرى

نحو الحبيب ومهجتي للساقي

حي العراق على النوى واحمل إلى

أهل الحجاز رسائل العشاق

ومن التواجيه اللطيفة قول ابن نباتة، في أسماء متنزهات دمشق:

يا حبذا يومًا بوادي حلق

وتنزهي مع ذا الغزال الخالي

من أول الجبهة قد قبلته

مرتشفا لآخر الخلخال

ومن التوجيه الغريب اللطيف قول ابن الوردي، ود كتب إلى بعض المخاديم بسب وظيفة القضاء، وأظنه لشيخ الإسلام شرف الدين بن البارزي:

جنبتني وأخي تكاليف القضا

وكفيتنا مرضين مختلفين

يا حي عالم عصرنا أحييتنا

فلك التصرف في دم الأخوين

وقول بعض المواليا:

لك خد يا حي عالم يا كميت الطرد

عليه لو نفس صباره وحر وبرد2

ناداه والعارض النمام حولو فرد

ما فاتك الحسن ساعة يا شقيق الورد

وقد تقدم قولي: إن الشيخ شمس الدين بن الصايغ استشهد، في شرحه المسمى برقم البردة، بشيء من أزجال أهل عصره على بعض أنواع البديع. وتقدَّمت ترجمة الشيخ علاء الدين بن مقاتل الحموي، علأد ما أوردت له ما أوردت في أنواع الجناس، وقد ذكرت له هنا في باب التوجيه، زجلًا موجها في خياط أخبرني من أدرك الحاج علاء المذكور، من أعيان أهل حماة، أن هذا الرجل دخل إلى بلاد المغرب وعاد مخلقًا بالزعفران، ورتبة الشيخ علاء الدين بن مقاتل في هذا الفن مشهورة، شرقًا وغربًا، لم تحتج فيها إلى الإطناب فوضعه الزجل، ومطلعه:

1 التلازم: من مصطلحات علم الموسيقى وهو ما يتكرر في آخر كل مقطع موسيقى "اللازمة".

2 صباره: شدة البرد والحر.

ص: 313

نهوى خياط سبحان تبارك من

بالجمال جملوا

بالمفصل وآية الكرسي

نرقى شكلو الحلو1

خاط لي ثوب سقام قصر نسجو

طال بحكم القدر

حتى إن البدن لضعفي ضاع

في عيون الإبر

راح عذولي يشكلو شكلو

ويقص الخبر

وجا مذ بوح القلب متمزق

ونسى أيش قلت لو

ولا فرج لو كرب عن قلبو

ولا عن مرسلو

ذا الحسيني بلأيقة العشاق

كم قد أخلا جيوب

وبزرو من العيون كم لو

تخرجه في القلوب

قلت بصه ثملا لك الجيب زوَّر

ولا فرج كروب

خلا سري المكتوم مشهر فيه

والذي يسألوا

جيبو مقلوب وراب على غير

الاستوا فصلو2

بعد طيب الوصال قطع وصلي

وأوصل الانقطاع

حتى خلى بيني وبين الموت

أما باع أو ذراع3

وترى ظاهري صحيح لكن

باطني في النزاع

وإن هو طول شقة بعادي

والانقطاع أوصلوا

جهزوا القطن والكفن والما

واغسلوا وفصلوا

جا الفقيه ف حبيبي يعذلني

ويرقع كلام

قلت دعني فقيه في تمزيقي

بس تلفيق ملام

قال حبك لو ظلم سلاري

تتري والسلام

وسلب إسلامي لما حذرني

عند باب منزلو

وقطع عاتقي وضربني

وايش معو يعملو

ذا الخليع الجديد نهار قد قال لي

لفظ وعقلي قمر

صف جبيني وشعري من تفصيل

نظمك المبتكر

قلت خيط الصباح يستفتح

ذيل الدجى في السحر

قال لي قصرت بل هو ستر الله

حين علي اسبلو

حابك الزرقا فاتق الخضرا

بالهلال كللو

1 المفصل: من آيات القرآن الكريم، البين الواضح وضده المجمل.

2 راب: من أربى: زائد.

3 الباع: مقياس ما بين أطراف اليدين مفتوحتين مع الصدر.

ص: 314

قال فصفني في خدي والعارض

فيها جمع الشتات

وعليها دار الطراز تنبيت

رقم ما أحلاه نبات

قال ما هو إلا شرب والحمره

دم من تقتلو

فيه خلات خيوط زرق لاحت

من جفون تغزلوا

قلت كف العتاب في ذي الصفة

ما أنا في ذا القياس

وانظر في دايره تمنطقها

بدر من غير قياس

واكسني ثوب وقار ولبسني

بالفتوة لباس

وإن جا تخليصي غرض من يديك

بالوصال طولوا

وإن قصر باعي عن صفحات مدحك

بالوفا ذيلوا1

جاز في بستان مشهر القمصان

من بكر صابحو

مثل كف المنثور في مكنونه

حين وقف صافحو

وقميص الشقيق من أكمامو

بالخجل فاتحو

وقضيب الخلاف وقف عراه

فرق حين فصلوا

وأوثق أزراره الورد في كمو

وعليه فضلوا

دي الكلام يتخلع ويتفرد

ويفصل مليح

ويفرج ويندرج أصلو

ويفتح صحيح

ويبطن من بعد تضريبو

بالسجاف يستريح2

ويعري من حبكه التخريم

ويزر رولو

أنو يطوى والنشر فيه موزون

آخرو في أوّلو

ومنه يعرض بذكر أضداده بدمشق:

ذا الزجل قاسيون على الأعدا

جد ما فيه سخف3

وعلى أرباب المعرفة من ريش

النعامات أخف

للصغير والكبير فقل عني

واحذر احذر تخف

كم زيادة عن علي وإن كان

يشتهوا يعملوا

هذا الأبلق والشقرا والميدان

اركبوا وادخلوا

1 الباع: الهمة.

2 السجاف: نوع من القماش يركب على أطراف الثوب "التخريج".

3 قاسيون: جبل يشرف على دمشق.

4 الأبلق: من الخيل الذي اختلط سواد لونه بالبياض، والشقرا: من الخيول ما بين الأصفر والأحمر.

ص: 315

كأني بمتأمل نظر في رسم كتابة هذا الزجل، فأنكره لبعده عن رسم الألفاظ المعربة الخالية من اللحن، ويعذر في ذلك، لأنه ليس له إلمام بمصطلح رسمه؛ ومن رسمه على غير هذا الطريق لم ينفذ له مرسوم، فإنه يؤديه إلى خطأ وزنه، وعراف لحنه. ومصنفه، أبو بكر بن يحيى بن قرمان الوزير، قال في خطبته: وقد جردته من الإعراب، تجريد السيف من القراب. ولم يطلب من الزجل غير عذوبة ألفاظه وغرابة معانيه. انتهى.

ومن التواجيه اللطيفة في الطب، ما اتفق أن بعض الملوك خرج لقتال أعدائه، فأيده الله بنصره، فطلب كاتب إنشائه ليكتب على الفور حكاية الحال، فتعذر وجوده في ذلك الوقت، فطلب طبيبيه وأمره بالكتابة بسرعة، وكان الطبيب حاذقًا فكتب موجهًا في صناعته: أما بعد فإنا كنا مع العدو في حلقة كدائرة البيمارستان3، حتى لو رميت مبضعًا لم يقع إلا على قيفال4، ولم يكن إلا كجس نبضة أو نبضتين، حتى لحق العدو بحران عظيم. فهلك بسعادتك يا معتدل المزاج. وكان أبو الحسين الجزار ونصير الدين الحمامي وسراج الدين الوراق لم يخرجوا عن هذا النوع في غالب نظمهم، ويأتي الكلام على ذلك في مواضعه من باب التورية، وأما توجيه أسماء أنواع البديع فهو نسيج وحده، وواسطه عقده وما ذاك إلا أنه رسم لي بإنشاء توقيع المقر الأخوي الزيني، عبد الرحمن بن الخراط الشافعي، أحد أعيان العصر في الأدب، بكتابة السر بثغر طرابلس، وأنا منشئ ديوان الإنشاء الشريف الميدي بالديار المصرية، فقصدت التوجيه بالأنواع المذكورة لتحصل الملاءمة ومراعاة النظير بذلك، فإن صاحب التوقيع من المتميزين على كلا الحالين بحسن الأدب، فمن ذلك قولي في فصل التعدية، وبعد فمنهل إنعامنا الشريف قد حلينا لأهل الأدب مورده، لتصير عقود إنشائنا بجواهر منثوره منضده، وتطلع كل براعة باستهلالها في أشرف الطالع، وتسكن النزاهة طباق البديع للمقابلة فيتنزه الناظر والسامع، ويقوم الاستخدام بما يجب عليه من واجب الخدمة، ويزيل الاقتباس بنوره عن أهلته كل ظلمة، وتجول خيول الاستطراد في رد العجز على صدره، ويحصل لأهل الأدب في زماننا تمكين فيظهر الافتتان في نظمه ونثره، ويصير لفقه المذهب الكلامي في أيامنا الشريفة ترشيح ومماثلة ومناسبة، ويبرز في توشيح التسليم من غير اعتراض مناقضة ومواربة، ويجنح العصيان إلى الدخول تحت الطاعة، ويسمع القول بموجبه من غير مراجعة في كل براعة، ويزول التجاهل بالعارف، ويصير التسجيع والمواربة عند إيجازه بالمواقف.

1 البيمارستان: المستشفى "فارسية معربة".

2 القيفا: الوريد الذي في جانب العضد "معربة".

ص: 316

وكان المجلس العالي القضائي عبد الرحمن بن الخراط الشافعي ممن حسن بيانه إيضاح، وللسر عنده حسن إيداع، وللأدب إليه التفات، لأنه بجواهر ترصيعه يشنف الأسماع، وهو الفاضل الذي إذا نظم أزال، بسهولة نظمه، الإبهام والتوهيم، وإذا نثر عقود الإنشاء فلا فرق بين عبد الرحمن وعبد الرحيم، يحسن في المطالعة والأمثلة الشريفة طيه ونشره، وهو من الشعراء فيما يبعد من القصص إذا علا في تفسيرها أمره، فلذلك رسم بالأمر الشريف لا زالت براعة المطلب منظومة في بديع زمانه بإنعامه، ولا برحت أبوابه الشريفة في تصريع وتشريع لوفود أهل الأدب في أيامه، أن يستقر لأنه ممن يحسن في التحبير، ويحصل به الاكتفاء والتتميم، ويجمع من نظمه ونثره بين التحميس والترسل، فيحسن الجمع بهذا التقسيم، فليباشر ذلك ويجعل الاستعانة بالله، ليأمن من التنكيت والتعليل، ويصير لشقة الإنشاء بعد النقص تسهيم وتكميل، ويظهر لبرد الكلام بحسن تفصيله تفويف وتوشيع1. ولأصول التهذيب والتأديب مبالغة وتفريع، والوصايا كثيرة لا تخفى على الأديب الفاضل، الاحتراس والفرق بين المستوي والمقلوب، وبه يحصل النسق في جميع الفرائد، وتظهر براعة التخلص في عنوان كل مطلوب، لأنه الفاضل الذي إن سكن ثغرًا لم يفته شنب التورية بحسن نظامه، أو جاور بحرًا فهو أديب والبحور في تصريف أوامره في نقضه وإبرامه، والله تعالى يجعل نظم هذا الثغر بحسن أدبه في بلاغة وانسجام، وكما أحسن له الابتداء يعضده بديع السموات والأرض بحسن الختام.

وقد طال الشرح في نوع التوجيه ولم يبق للإطالة وجه. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع:

خلت الفضائل بين الناس ترفعني

بالابتداء فكانت أحرف القسم

الشيخ صفي الدين قصد في توجيه بيته بعض قواعد النحو، وهو بيت عامر بالمحاسن. وقد تقدَّم ما أوردناه من هذا القسم.

وبيت بديعيتي:

وأسود الخال في نعمان وجنته

لي منذر منه بالتوجيه للعدم

التوجيه، في هذا البيت، من القسم المقدم على التوجيه في قواعد العلوم، وقد تقدم فيه أن يوجه المتكلم كلامه، إلى أسماء متلائمة اصطلاحًا من أسماء الأعلام،

1 التوشيع: التوشيه وهو أحد مصطلحات علم البديع.

ص: 317

توجيهًا مطابقًا لمعنى اللفظ الثاني من غير اشتراك حقيقه، بخلاف التورية، وقد تقدم ذلك، وتقرر الكلام عليه وعلى التوجيه في قواعد العلوم وبقية الفنون، وعلى كل تقدير، فالكل راجع إلى طريق واحد، والاشتراك هنا في النعمان، والمنذر ظاهر، ولكن في النكتة اللطيفة في الأسود، فإن المتأمل ما يتخيل، في أول وهلة، غير سواد الخال وجل القصد في المعنى الآخر، هو الملك الأسود أخو النعمان بن المنذر، وهو أحد ملوك العرب، والتورية ههنا، في التوجيه الذي هو اسم النوع البديعي، لم يفتها من المحاسن وجه، وهذا هو الأفق الذي أقمر فيه الشيخ علاء الدين الوداعي، والقاضي محي الدين بن عبد الظاهر، وغيرهما، ممن أوردنا على هذا النوع نظمه، وأوصلنا الغرض لما أطلق فيه سهمه، وما أخرت بيت العميان وبيت الشيخ عز الدين، ونثرت نظم الترتيب هنا، إلا لأنهم نسجوا على غير هذا المنوال، وتعوضوا عن مسارح الماء الحلو بالآل1. وبيت العميان:

ترى الغني لديهم والفقير وقد

عادا سواء فلازم باب قصدهم

هنا بحث لطيف، وهو أن العميان نظموا التوجيه بين التسمية التي تحتمل وجهين من المعنى، على مذهب المتقدمين وهو الإبهام، وقد تقرر أن المتكلم فيه يبهم المعنيين، بحيث لا يترشح أحدهما على الآخر بقرينة، واستشهدوا عليه بشاهد الإبهام الذي نزلوه على التوجيه، وهو قول الشاعر في الخياط، وقد تقدم: ليت عينيه سواء.

فالشاعر أبهم المعنين، بحيث يتحير السامع والمتأمل ويعجز عن ترجيح أحدهما. ولم أر في بيت العميان غير التسوية، بين الغني والفقير، فإن هؤلاء الممدوحين يعطون الفقير إلى أن يصير مساويًا للغني، وهذا هو المنى الواحد، وهو أوضح من ضوء الشمس إذ توقدت جمرة المصيف، وأما المعنى الآخر، فما وجدت في بيتهم له قرينة صالحة تدلني عليه، وصاحب البيت أدرى بالذي فيه. وقد تقدم أن نوع التوجيه قسمه البديعيون قسمين، وذهب إلى كل منهما فريق.

وبيت الشيخ عز الدين مذبذب. {بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ} 2 وهو:

نزهت طرفي وسمعي في محاسنه

وعنك إن تقصد التوجيه في الكلم

1 الآل: السراب.

2 النساء: 4/ 143.

ص: 318

أصحاب الطريق الذي مشى عليها الشيخ عز الدين، في نظم هذا النوع، قالوا: التوجيه الاصطلاحي أن يحتمل الكلام وجهين من المعنى، وهذا هو الفرق بين التورية والتوجيه، فإن التورية باللفظة الواحدة والتوجيه لا يصح إلا بعدة ألفاظ، والشيخ عز الدين أتى بكلمة مفردة تحتمل معنيين، فما نظم غير التورية والتوجيه بخلاف ذلك، والكلمة التي اقتضت اشتراك المعنين قوله: نزهت، فإنه قال إنه نزه طرفه في محاسن محبوبه، وكأنه التفت إلى العذول وقال له وعنك وهو بيت العميان سافلان خاليان ليس فيهما من المحاسن ساكن، والله أعلم.

ص: 319