الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} (الروم: 7) فمع هذه الغفلة عن الآخرة، وعن الدين ننظر إليهم، وإلى واقعهم، لقد جربوا كل ضروب السعادة فيما يظنون، وفنون السكينة فيما يزعمون، لكنهم لم يجدوها إلَّا مع الدين سيما أسلموا لله رب العالمين، واعتنقوا الدين الحق، فالحمد لله رب العالمين.
عوامل الانحراف عن الدين الصحيح، وطرق معالجة هذا الانحراف
ما هي عوامل الانحراف عن الدين الصحيح؟ وما طرق معالجة هذا الانحراف؟
كما ذكرت لك الدين، وأهميته وضرورته لكن هل كل دين صحيح أم أن البشرية قد انحرفت عن الدين الصحيح، وإن كانت البشرية قد انحرفت عن الدين الصحيح، فمنذ متى ولِمَ؟ ما هي أهم عوامل الانحراف عن الدين الصحيح؟
اعلم -رحمك الله- أنه من المعلوم أن الانحراف طرأ على البشرية؛ لأنها نشأت مستقيمة على دين صحيح أوحى الله به إلى آدم عليه السلام واستمرت الأجيال عليه قرونًا عديدة -كما سبق بيانه- ولكن وقع الانحراف بعد ذلك عن الدين الصحيح لأسباب أهمها:
أولًا: عداوة الشيطان للإنسان وتربصه به.
وقد علم أن الشيطان أعلن عن عدائه لآدم وبنيه منذ البداية، أو مع حادثة امتناعه عن السجود لآدم عليه السلام فقد توعد آدم، وذريته بالإغواء والإضلال بكل ما يستطيع، وكما حدث القرآن الكريم عنه قائلًا:{قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} (ص: 82 - 83) وكذا قال ربنا عنه {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} (الأعراف: 16، 17).
وقال تعالى في الحديث القدسي: ((إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فَاجْتَالَتْهُم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم)) فالشيطان يوسوس
للإنسان، ويزين له مخالفة الشرع، والخروج عنه ولو بقصد الخير وهو في ذلك يأخذ الإنسان خطوة خطوة، كما قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} (النور: 21) وهو في ذلك له أهداف وغايات فأهم غاياته {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (فاطر: 6) ومن أكبر أهدافه: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} (الحشر: 16، 17).
وفي قصة إضلاله للبشرية، ووقوعها في الشرك من بداية الأمر يحدثنا ابن عباس رضي الله عنهما فيقول:"ود" و"سواع" و"يغوث" و"يعوق" و"نسر" هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك، وانتسخ العلم عبدت.
قال ابن عباس: وصارت هذه الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، وقال ابن جرير في تفسيره: كانوا قومًا صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فقالوا: لو صورناهم كان أشوقِ لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم فصوروهم، فلمَّا ماتوا، وجاء آخرون دبَّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يستقون المطر؛ فعبدوهم.
ومما سبق ندرك أن هذه الحادثة هي بداية الشرك في العالم كله إلى أن وصلت إلى الجزيرة العربية، ولكن الله أرسل الرسل لكي يخرجوهم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن، ومن عقيدة الشرك إلى عقيدة التوحيد.
السبب الثاني من أسباب الانحراف: الغلو في حب الأنبياء والصالحين: فأما عن الغلو في حب الأنبياء، كما حدث للنصارى حين بالغوا في حبهم لعيسى عليه السلام فادعوا أنه إله أو ابن إله، أو ثالث ثلاثة، ونحو ذلك مما جاء في كتبهم التي حرَّفوها، وما قاله الله تعالى عن اليهود أيضًا في شأن العزير فقال سبحانه:{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (التوبة: 30) وكذا غلوهم في أحبارهم، ورهبانهم فاتخذوهم أربابًا من دون الله {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (التوبة: 31).
وقد علمت أن أول شرك وقع في الأرض كان سببه الغلو في الصالحين؛ ولذلك حذر الإسلام من الغلو في الأنبياء والصالحين، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله))، وحذر الإسلام من تعظيم قبور الأنبياء والصالحين، واتخاذها مساجد والصلاة إليها وإضاءتها، وإيقاد السرج عليها، والبناء عليها، وتجصيصها والكتابة عليها، وتعليتها ورفعها، واتخاذها عيدًا، وذلك حتى لا تكون هذه الأمور ذريعة إلى الشرك الأصغر والأكبر -كما رأينا- في قوم نوح، وكما هو مشاهد إلى اليوم؛ فالغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا معبودة تستوي في ضلالتها مع عبادة الأوثان، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه:((يا علي لا تدعن تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته)) فننظر كيف سوى النبي عليه الصلاة والسلام بين الوثنية، والقبور المشيدة التي يمكن أن تعبد من دون الله.
ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) كذا قال عليه الصلاة والسلام: ((ألا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك)) كما روت أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهما: ((أنهما رأتا كنيسة بالحبشة فقال عليه الصلاة والسلام: أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًّا، وصوروا فيه تيك الصور، أو تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة))، إلى آخر الأحاديث الواردة في هذا الشأن.
مما يدل على أن الغلو في حب الأنبياء والصالحين سبب كبير في انحراف الناس عن حقيقة التوحيد وعن الدين الصحيح.
ثالثًا: اتباع الموروثات، والتقليد الأعمى تلك التي ورثها الأبناء عن الآباء دون تردد ودون إعمال للعقل والفكر، وإبطال ما أنعم الله عليهم من نعمة العقل والفكر، وقد قال تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} (البقرة: 170) وعلى نحو ما ذكر لنا القرآن الكريم في قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام في موقفه مع قومه في مثل قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} (الشعراء: 69 - 82).
وكان هذا التقليد وبالًا على الأقوام يمنعهم من التفكير الصحيح، ويحول بينهم وبين اتباع الرسل كما قال تعالى:{وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} (الزخرف: 23، 24).
وهذا الذي حدا بهم إلى ترك الحق واختيار الباطل، وهو سبب آخر من أسباب الانحراف عن الدين نسميه إيثار العمى على الهدى.
رابعًا: إيثار العمى على الهدى فمن الأسباب التي أضلت الناس، وأخرجتهم عن منهج الحق أنهم آثروا العمى على الهدى، واستحبوا الظلام على النور؛ فكان أن كافأهم الله، فأصمهم وأعمى أبصارهم، بمقتدى نظامه في ارتباط الأسباب بمسبباتها. قال تعالى:{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (الأعراف: 179).
فهؤلاء أهملوا منافذ العلم والعرفان، وعطلوها عما خلقت له، فلم يصل إليها نور الحق؛ فقلوبهم غلف لا تعقل عن الله وحيه، وعيونهم عمي لا ترى الله في ملكوته، وآذانهم صم لا تسمع آيات الله؛ فهم مثل الأنعام التي لا تنتفع بحواسها الظاهرة والباطنة، بل أضل من الأنعام؛ إذ الأنعام لم تزود بما زود به الإنسان من قوى نفسية وعقلية وروحية، كما أنها لم تكلف بما كلف به الإنسان، بل سخرت له فامتثلت وأطاعت.
خامسًا: من أسباب الانحراف عن الدين الاعتذار بالقضاء والقدر؛ فقديمًا اعتذر المشركون عن شركهم بأنهم مجبورون بمشيئة الله على شركهم، فأنكر الله عليهم، وأعلمهم أن حجته عليهم قائمة بما منحهم من عقل، وأرسل الله من رسل، قال تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ
تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} (الأنعام: 148، 149).
وما القضاء والقدر اللذان ورد ذكرهما في القرآن الكريم، وجعلهما الله مرتبطين بفعل الإنسان ومسلكه في الحياة سوى النظام العام الذي خلق الله عليه الكون، وربط بين الأسباب والمسببات والنتائج والمقدمات سنة كونية لا تختلف، وكان من تلك السنة أن خلق الإنسان حرًا في فعله مختارًا غير مقهور، ولا مجبور ولو صح ما ذهبوا إليه لبطلت التكاليف، وكان بعث الرسل، وإنزال الكتب ودعوة الإنسان إلى دين الله، وما يجب عليه ووعده بالثواب لأهل الخير، والعقاب لأهل الشر باطلًا وعبثًا، ولا يتفق، وحكمة الخالق الحكيم في تصرفه وتكاليفه الرحيم بعباده؛ فالإنسان له حق في الحرية والاختيار، وفيه بواعث الخير وبواعث الشر كما قال تعالى:{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} (الشمس: 7 - 10) فالله خلق الإنسان مستعدًا للخير والشر فهو يسعد نفسه بالخير أو يشقيها بالشر: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} (البلد: 10) كما قال ربنا أيضًا: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} (الإنسان: 3).
وهداية السبيل فيها عقل ورسل، وكتب؛ لتضح الحقيقة وليستبين الأمر ويعلم الحق كما قال ربنا:{وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (الكهف: 29) ولكل جزاء: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا * أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا م ِ نْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا} (الكهف: 29، 31).
فالإنسان حسب اختياره يكون جزاؤه: {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (سبأ: 33)، وهذا الاختيار بمشيئة الإنسان، وإن كانت مشيئة الإنسان لا تخرج عن مشيئة الرحمن:{لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (التكوير: 28، 29).
ومشيئة الله تعالى وقدره لا يعني: أن يجبر الإنسان على اختيار دين، وإلا لأجبرهم على أن يكونوا مؤمنين، فيصبحوا بذلك كالملائكة، لكن إرادة الله ليست كذلك؛ لذلك قال الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام:{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (يونس: 99) فنهاه الله عز وجل عن مجرد الإلحاح، أو المبالغة في الدعوى، ويبقى:{إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} (الشورى: 48).
لكن الهداية والضلال، وإن كان ذلك يرجع إلى مشيئة الله عز وجل لكن على الإنسان أن يختار فالإنسان بذلك يصبح صالحًا بعقله وعمله، ومسلكه في الحياة، لدرجات القرب من الله، ولدرجات البعد عنه أيضًا، وما كانت هداية الوحي إلا تقوية لجانب الخير فيه، وللأخذ بيده من نزعات الطغيان، والهوى إلى ما قدر له من كمال في دنياه وأخراه.
سادسًا: من أسباب انحراف الإنسان عن الدين، وتطرق الفساد إلى التوحيد: ما وقع فيه الناس من ضلال فيما يرتبط بذات الله عز وجل وصفاته من حيث التشبيه والتمثيل، ونحو ذلك، فنذكر من هذا وجوهًا:
الوجه الأول: التشبيه والتمثيل، أي: أنهم شبهوا الله تعالى بغيره من خلقه؛ وذلك أن أهل الملل والنحل من غير المسلمين اتخذوا وسائل لمعرفة الله عز وجل من الصفات الجليلة، والصلة التي بينه وبين خلقه؛ فشبهوه بأجسام مختلفة، ومثلوا صفاته في ضروب من الصور والأشكال؛ فلما طالت عليهم الآمال بقيت هذه
الصور الممثل بها، وزال من قلوب الناس اسم الله الذي لم يزل ولا يزال، وصارت المشبهة بها أوثانًا وأصنامًا وتماثيل، وطفق الناس يعبدونها، ويسجدون لها ظنًّا منهم أنها مظهر من مظاهر صفات الله، ومشاهد قدرته، وتفننوا في تصور صفات الله بهذه التماثيل المنحوتة، والأوثان المصنوعة.
ومن ذا الذي يشك في أن الله تعالى يحب عباده، ويرأف بهم، والأمم الآرية اتخذت تمثال المرأة للحب الإلهي، فإنها عندهم مظهر الحنان والأمومة، وآلهة الغرام والحب؛ فعبروا عن حب الله بنوع من العبادة، وعن حنانه عليهم بحنان الأم على ولدها، فانقلب الإله عندهم أمًّا حنونًا، وجعلوا لها تمثالًا يسجدون له ويعبدوه، والطوائف الأخرى من الهنادك، قد أظهروا هذا الحب الإلهي لعباده وحنانه عليهم بما بين الحليلة وزوجها من المودة والمحبة؛ فاختار لفيفًا من الرجال زي النساء وهيأتهن، وتخنثوا شكلًا وأخلاقًا على زعم أن يحبهم كما يحب الزوج حليلته.
وكما ظهر الإله عند الروم والإغريق في صورة امرأة. أما الأمم السامية: فقد تمثل الإله عندها رجلًا وأبًا إذ كان ذكر المرأة عندها على ملأ من الناس مخالفًا للآداب السامية، وكان الأب هو رأس الأسرة وأصلها، ويدل عليه ما استخرج من بطون الأرض في بابل، وآشور، وديار الشام من تماثيل تصور الإلهَ بصورِ الرجال.
الوجه الثاني: أنهم جعلوا صفاته منفصلةً عنه، ومنشأ ذلك أن أتباع الأديان الأخرى قد فصلوا صفاته عن ذاته، وجعلوها مستقلة عنه، وبذلك تعددت الآلهة، وكثرت في جميع الفرق الهندوكية من الدين البرهمي؛ لأنهم اتخذوا كل صفة إلهية إلهًا، وجسَّمُوا تلك الصفة في صورة، وجعلوا كل صفة يُرْمَزُ لَهَا بإله معين، وبعد أن كان الله إلهًا واحدًا صار لهم ثلاثون وثلاثمائة مليون إلهًا.
وتفصيل ذلك أنهم أرادوا أن يعبروا عن قوة الإله وقدرته؛ فمثلًا قالوا: إن اليدين ترمزان إلى قوة الإله، فنحتوا الله تعالى عن ذلك بيدين قويتين من حجر، بل سولت لهم أنفسهم أن ينحتوا كثيرًا من الأيدي، وحاولوا أن يعبروا عن حكمته، فجعلوا له رأسين، واتخذوا له وثنًا ذا رأسين.
وإذا تتبعنا سبب كثرة آلهة الهنادك الكثيرة؛ علمنا أن السبب هو أنهم جسموا صفات الله، فإن صفات الله عندهم ثلاث صفات عظيمات هي: الخلق والقيام على المخلوق والأمانة، وقد جعلت فرق الهنادك هذه الصفات آلهة، وجسدتها ومن هنا كان الفصل والتعدد.
وأما الوجه الثالث في ضلالهم وفساد التوحيد وبعدهم عنه: نراهم يغترون بكثرة المظاهر في العالم، وينخدعون بضرب مصنوعات الله، وآثار مقدوراته وحين رأوا أن الله تصدر عنه ضروب من الأعمال حسبوا أنها تصدر من مصادر متعددة، وأن فاعليها كثير، فحملهم فساد رأيهم على أن جعلوا لكل عمل عاملًا مستقلًّا واعتقدوا أن الذي يحيي غير الذي يميت، ومحب العباد غير مبغضهم؛ فاتخذوا إلهًا للعلم، وإلهًا للثروة والرزق وصارت الآلهة بعدد الأفعال، وأن جميع ما في الدنيا ينقسم إلى قسمين الخير والشر، ولكل منهما إله، كما فعل أتباع "زرادشت"، وسموا إله الخير "بزدان" وإله الشر "أهومان" واعتقدوا أن العالم ساحة حرب يعترك فيها هذان القرنان المتصارعان.
هذه على الجملة أهم مظاهر الانحراف، وأهم عوامل الانحراف عن الدين الصحيح.
وأما طرق معالجة هذا الانحراف:
فكما قيل إذا شخصنا المرض استطعنا أن نعرف العلاج، وأن معرفة الداء طريق لمعرفة الدواء؛ فلا علاج لهذا الانحراف إلا أن يعود الناس إلى دين الحق،
وتوحيد صحيح، وكتاب محكم لم يحرف، وسنة مبينة ومفسرة، ولن نجد هذا إلا في دين الإسلام؛ حيث كتاب الله تعالى، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم فإذا اختلطت علينا الأمور فاتباع القرآن، والسنة بفهمِ سلفِ الأمةِ، لا سبيل لمعالجة الانحراف عن الدين الصحيح إلا باتباع منهج الله تعالى:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (الأنعام: 153).
إن دين الإسلام هو دين الفطرة، وإن دين الإسلام هو دين العقل، وهذه الفطرة التي يمكن أن تخرج عن مسارها الصحيح لا ضابط لها إلا الوحي، وهذا العقل الذي يعتريه القصور لا يكمله إلا الشرع، ومن ثم فطرق معالجة هذا الانحراف هو العودة إلى المنهج الصحيح، أو الدين الحق، والالتزام بالعقيدة الصحيحة التي تتفق مع الفطرة، وتتناسب مع العقل.
ولذلك نقول هنا: إن الدين دين التوحيد، وهو دين الفطرة، ودين العقل هو التوحيد فطرة وعقل، إن سلامة العقل توجب احترام الحقائق، وإدراك الوقائع والوقوف بالظنون عند حدودها، ورفض الأوهام، وعدم الإيمان بالخرافات، والإنسان بفطرته التي خلقه الله عليها يدرك وحدانية الإله مثلما هو يدرك بفطرته أن العدل جميل، والظلم قبيح، وأن العلم مفخرة، وأن الجهل معرَّةٌ، قال تعالى:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم: 30).
فالناس كما خلقهم الله يولدون على فطرتهم، فهم مستعدون لها مؤثرون لمنهجها يتدافعون في مجراها تدافع الماء إلى منحدره لكن العوائق المصطنعة هي التي تقطع عليهم طريقهم وتردهم عن وجهتهم يقول الله تعالى في حديثه القدسي:((إني خلقت عبادي كلهم حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فَاجْتَالَتْهُم عن دينهم، وحرَّمَت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا)).
وقد أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بعض تلك العوائق بقوله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه أو يمجسانه))، إذًا فالإسلام نادى في دعوته الخالدة إلى التوحيد ووضع القضية أمام العقل المجرد في بساطة ووضوح وبدون أيِّ تعقيدٍ، أو غموض، ثم يدعوه إلى التفكير في هدوءٍ وتبصرٍ بدون ميل، أو هوى؛ حتى يصل إلى عقيدة التوحيد التي تشهد بها آيات الخلق، وظواهر الكون، والتي بينها القرآن الكريم وجلاها للناس في منطق واضح، وأسلوب رائع، وشرح مبدع باستحالة وجود أكثر من إله واحد في الكون ذلك أن التعدد بين الآلهة يقود إلى التناحر والتنازع بينها، وإلى انحياز كل إله إلى ما خلق بما يؤدي إلى اضطراب نظام الخلق، واختلال نواميس هذا الكون، بل إلى انهيار الوجود ودماره.
قال الله عز وجل في هذا المعنى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} (الأنبياء: 22) كذا قال: {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ علوًّا كبيرًا} (الإسراء: 42، 43) وقال سبحانه: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (المؤمنون: 91، 92).
إنه كما هو معروف في التاريخ: أن الإنسان قد يتمرد على الله، أو يكفر بالله الواحد، ويعبد سواه مما يخترعه هواه، وما حدثنا التاريخ أبدًا، ولو مرة أن إنسانًا لم يتدين حقًّا أو باطلًا، ولم يستغن عن الدين على طول التاريخ، وقد استغنى عن العلم، وعن الحضارة، وعن المال، وعن الصحة إلى آخره، كما لا يستغني عن الطعام أو الماء، وهل يدل أكله للطعام الفاسد، أو الضار على بطلان الحاجة إلى الأكل، وهل يدل شرابه للماء الملوث على بطلان حاجته للغير كذلك لا يدل التدين الفاسد على بطلان الدين، وصدق الله إذ يقول:{لَا تَبْدِيلَ لخَلْقِ اللهِ}
صل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.