الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
موقف الإسلام من الأديان الأخرى، وعلاقته بها
إذا أخذنا كلمة الإسلام بمعناها القرآني نجدها لا تدع مجالًا لهذا السؤال عن العلاقة بين الإسلام وبين سائر الأديان السماوية، أو الرسالات السماوية؛ فالإسلام في لغة القرآن ليس اسمًا لدين خاص، وإنما هو اسم للدين المشترك العام الذي هتف به كل الأنبياء، وانتسب إليه كل أتباع الأنبياء، ولم لا والإسلام هو دين الله كما قال تعالى:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (آل عمران: 19) والخلق خلقه، والرسل رسله، قد أرسل الله رسله إلى خلقه بالدين الذي عنده، فمن ثَمَّ الإسلام دين جميع الأنبياء، والرسل.
وقد ذكر الله عز وجل لنا أمثلة في القرآن الكريم فقال عن نوح عليه السلام: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْم إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (يونس:71، 72).
وإبراهيم عليه السلام قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (البقرة: 130 - 131).
ويعقوب يوصي بنيه بذلك {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِي إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (البقرة: 132).
وأبناء يعقوب أيضًا {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (البقرة: 133).
وعن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (البقرة: 127 - 128).
وهذا موسى عليه السلام يقول كما قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْم إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (يونس: 84: 86).
وعيسى عليه السلام: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران: 52).
والحواريون أتباعه {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} (المائدة: 111).
بل إن فريقًا من أهل الكتاب حين سمعوا القرآن قالوا: {قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} (القصص: 53).
وهذا سيدنا سليمان عليه السلام كان مسلمًا، ودعا إلى الإسلام:{إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} (النمل: 30، 31) فلما أسلمت بلقيس ملكة سبأ قالت: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (النمل: 44).
وهكذا إلى أن نصل إلى النبي الخاتم محمد عليه الصلاة والسلام الذي قال الله له: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام:162، 163). والأولية هنا أولية تكريم، وكذا قال: قال الله عز وجل {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (النمل: 91).
وبالجملة فإن اسم الإسلام شعار عام يدور في القرآن على ألسنة الأنبياء وأتباعهم منذ أقدم العصور التاريخية إلى عصر النبوة المحمدية، ثم نرى القرآن يجمع هذه القضايا كلها في قضية واحدة يوجهها إلى قوم محمد صلى الله عليه وسلم، ويبين لهم فيها أنه لم يشرع لهم دينًا جديدًا، وإنما هو دين الأنبياء من قبلهم {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} (الشورى: 13)، ثم نراه بعد أن يسرد سيرة الأنبياء وأتباعهم ينظمهم في سلك واحد، ويجعله منهم جميعًا أمة واحدة، لها إله واحد، كما لها شريعة واحدة، فقال تعالى:{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (االأنبياء: 92) ما هذا الدين المشترك الذي اسمه الإسلام، والذي هو دين كل الأنبياء والمرسلين.
إن الذي يقرأ القرآن يعرف كنه هذا الدين أنه هو التوجه إلى الله رب العالمين في خضوع خالص، لا يشوبه شرك، وفي إيمان واثق مطمئنٍّ بكل ما جاء من عنده على لسان أي نبي، وفي أي زمان، أو مكان دون تمرد على حكمه، ودون تمييز شخصي أو طائفي أو عنصري بين كتاب وكتاب من كتبه تعالى، أو بين رسول ورسول من رسله سبحانه، هكذا يقول القرآن:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (البينة: 5)، كما علمنا أن نقول: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ
وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (البقرة: 136).
نقول إذن: إن الإسلام بمعناه القرآني الذي وصفناه لا يصلح أن يكون محلًّا للسؤال عن علاقة بينه وبين سائر الأديان، أو بين سائر الرسالات السماوية؛ إذ لا يسأل عن العلاقة بين الشيء ونفسه فهاهنا وحدة لا انقسام فيها، ولا اثنينية، وهذا يرجع إلى أصل الدين قبل أن يدخله تحريف كالذي حدث من اليهود والنصارى، فهو دين واحد {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (آل عمران: 19).
أنتقل إلى جزئية أخرى حول ضرورة الدين في حياة الإنسان، ما هي ضرورة الدين في حياة الإنسان؟ نقول -وبالله التوفيق:
إن الدين ضرورة من ضرورات الحياة يحتاج إليه الإنسان، كما يحتاج إلى الهواء والماء والغذاء، وضرورة لا يستطيع أن يعيش بمعزل عنها، وما عاشت على وجه الأرض أمة ولا جماعة، وكانت لها حياة إلا وكان لها دين ومعبودات، حقًّا كان هذا الدين وتلك المعبودات أم باطلة، وكما يقرر التاريخ البشري أن كثيرًا من الحضارات والمدن قامت بلا مصانع، ولا حصون، ولا قصور، ولكن لم توجد أمة أو مدينة بلا معابد، أو صوامع، وتلك شهادة التاريخ بأن الإنسان يوم أن وُلد وُلد ومعه حظه من الدين والتدين، وإذا كانت الحياة قد بلغت في القرن العشرين قدرًا من الرقي والتقدم، وقدمت للإنسان ما يشتهي وما يتمنى، ووفرت له حظًّا من الرفاهية؛ فقد جاءت خطواتها عرجاء شائهة مرهقة، يوم تسلحت بالعلم، وتنكرت للدين.
لقد رغد العيش، وتقدمت الحياة، ولكن فقدت النفس سكينتها، والمجتمع أمنه: أمان النفس والروح؛ لأنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، إن ضعف الوازع
الروحي والديني والنفسي في ظل الحضارة المادية المعاصرة لا يعني اختفاء الدين، وإنما هو دليل صدق، وبرهان حق على عجز الحضارة المادية المعاصرة أن توفي بحق الإنسان، وحاجته، ورغبته في حياة أفضل.
لقد أيقظت تلك الحضارة في الإنسان غريزة الشهوة، فتحول إلى حيوان كل همه الوصول إلى نزواته، والحرص على شهواته، لكنها قتلت فيه الإنسان صاحب المشاعر، مرهف الحس والعواطف، الميال إلى الخير، فتحول إلى قطيع، همه اللقمة والشهوة، وصدق ربنا عز وجل وهو يلخص لنا حياة الكافرين بقوله وهو أصدق القائلين:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} (محمد: 12) إن الابتعاد عن النور اقتراب من الظلام، ولكن ليست كل الناس يجافي الحق ويجانب الصواب، ويظل طول عمره يتردَّى في الضلالة، بل يذهب الزبد جفاء، ويبقى ما ينفع الناس، حتى وإن كثر الزبد وقل ما ينفع الناس {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} (الرعد: 17) فمهما قل المحقون وكثر المبطلون، فلا يغررك تقلبهم في البلاد، وكما قال تعالى أيضًا:{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} (يوسف: 103).
وفي الحديث الصحيح: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله))، إن السحب الداكنة، وإن كدرت رائعة النهار لا تستطيع أن تلغي وجود الشمس، وساعة ما تزول السحب تبقى الشمس ساطعة مشرقة حتى يُؤذن لها بالغروب، إن شمس الدين، وفهم التدين سيظلان في ضمير الإنسان إلى نهاية الوجود. إن الإنسان قد وُلد متدينًا بأصل فطرته، ينزع إلى فكرة التأليه والعبادة، وإن ناله الخطأ، أو كان حظه الإسفاف والانحراف.
يقول ابن الجوزي رحمه الله: "إن القرون الأولى دانت بدين الله، حتى وسوست لهم الشياطين، فعبدوا ما نحتوا، وخضعوا لما صنعوا، وانحرفت بهم الأهواء، وسقطت همتهم من السماء إلى الأرض، فانتحلوا النحلة، وتركوا الملة، ومن قال: إن الإنسان وُلد بلا دين كلام مرفوض، كذلك من علل ظهور الدين في حياة الإنسان بشعوره بالضعف، والخوف، والقلق أمام مظاهر الطبيعة، فخاف أن يضن عليه النافع بمنفعته، أو يصيبه الضار بضره، ويوم أن يستطيع الإنسان أن ينزع من نفسه نوازع الخوف والضعف؛ استطاع أن يعيش بغير دين.
ويكون على هذا أن الدين بضاعة الأغبياء والضعفاء والمرضى، مع أن الواقع يشهد بغير هذا، فما يجد الإنسان راحته النفسية، وأمنه الروحي إلا في ظل الدين والتدين:{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (يونس:62: 64)، وقال تعالى:{إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} (المعارج: 19 - 23) الآيات.
وهذا يؤكد لنا أن الإنسان بحاجة إلى الدين، وأن الدين ضروري في حياتهم.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.