الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتدعيم الثقة والألفة، وذلك بتقوية العلاقات الكريمة بكل ما يمكن من سبل؛ إثراءً للتربية، وتأكيدًا للفضائل، يقول أحد أتباع "كنفشيوس": آراء أستاذي تملأ نفسي تحيط بي، تستغرق كل حسي، توسع مجال فكري، وتضبط سلوكي، حتى إني إذا رغبت في ترك آرائه ما طاوعتني نفسي.
ز- معاقبة المسيء حتى لا يتحول الأمر إلى الفوضى، وذلك إذا تعمد البعض الإساءةَ فلا بد من معاقبته بالعدل، وعلى قدر إساءته.
إن الباحث في العصر الحديث يقف معجبًا بهذه الفلسفة الأخلاقية؛ لتوافقها مع أحدث النظريات التربوية التي اكتُشفت في العصر الحديث، وفي الأخير.
رأي العلماء في نشأة وتطور أديان الصين
يقف علماء الأديان في موضوع نشأة الدين عند الصينيين مختلفين، حيث يشاهدون فكرة الألوهية مبهمة ومجردة من أهم الصفات التي يجب أن تحاط بها، وفي نفس الوقت يجدون أنفسهم أمام مجموعة من النظريات الأخلاقية التي يلهث العالم في العصر الحديث من أجل تطبيقها في السلوك الفردي والعام.
فيذهب العلماء في تفسير نشأة الدين الصيني ثلاثة آراء هي:
الرأي الأول: يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الدين نشأ في الصين من اختراع العقل البشري، حيث مَر بمجموعة من التطورات، ويؤيدون رأيهم بما لوحظ في الفكر الديني عند الصينيين، حيث يجدونه مركزًا بصورة رئيسة على الجانب
العملي الأخلاقي، مع سكوته التام عن تناول أحد أركان العقيدة الدينية، اللهم إلا في الألوهية، فلقد تناوله بإيجاز وتصور يدل على الاختراع البشري والتأليف العقلي، فالإله العظيم هو السماء، أو الروح السائدة فيها، وكل الآلهة الأصغر متصلة بالسماء إيجابًا وسلبًا، وحتى العبادات الواردة عبارة عن ألوان من المراسيم الإمبراطورية في العصور القديمة ألبسوها ثوب الدين، وأسسوا لها البنايات الشاهقة؛ لتكون دورًا للعبادة.
ويبدو أن الأمراء والحكام بالغوا في تدعيم هذا؛ تقويةً لسلطانهم؛ لأن الإمبراطور كان كبير الكهنة في نفس الوقت، ولهذا اشتهر تعظيم الأسلاف حتى عُدُّوا من آلهة الصينيين، ووصل الأمر ببعض هؤلاء العلماء إلى جعل الصينيين من الأمم التي لم تظهر فيها رسالة صحيحة، ويقارنها بالهنود والمصريين الذين جاءتهم رسالات سماوية، ويستنتج هؤلاء العلماء من عجز الصينيين عن الوصول إلى التوحيد الخالص، عجز العقل مجرد عن معرفة الله، والإحاطة بصفاته؛ لأنه لو لم يعجز لتمكن الصينيون من معرفة الله، وأصحاب هذا الرأي فريقان:
فريق يبني رأيه على مبدأ التطور والترقي، حيث يتتبع الفكر الصيني ويستخرج منه ما يدل على هذا.
والفريق الثاني: لا يقول بنظرية التطور أساسًا، ولذلك نجده يبني رأيه على أساس التداخل العقل في إيجاد الدين الصيني على فترات التاريخ صعودًا أو هبوطًا بلا تطور نحو الأرقى، وإلا لتمكن الصينيون من الوصول بعقولهم إلى التوحيد الخالص، مع أن ذلك لم يحدث، والذي حدث أن العقول كانت تتقهقر بالفكر والدين في الصين إلى الوراء. يقول "ولز": حدث في الصين أن أفسد التعليم
معلميهم سواء كان "كنفشيوس" أو "لاهتوس" أو غيرهما، وتغشتها الأساطير. وقد ضمت إليها أشد الطقوس والفكرات الخرافية تعقيدًا وخروجًا عن المألوف، فلقد نشطت أفكار السحر البدائية، وتحركت الأساطير البشعة التي ظهرت في ماضي طفولة جنسنا تكافح ضد التفكير الجديد في العالم، ونجحت في أن تسدل عليه ستارًا من طقوس غريبة مضحكة، وغير معقولة، وعتيقة بالية.
وعلى الجملة: فإن أصحاب الرأي الأول لا يقولون برسالة سماوية ظهرت عند الصينيين.
الرأي الثاني: يذهب أصحاب الرأي الثاني إلى القول بظهور رسالة صادقة في بلاد الصين، تضمنت دعوتهم إلى دين صحيح، والقائلون بهذا الرأي يستدلون بما في التراث الصيني من روائع أخلاقية وحكم ووصايا، لم تقف عند حد الفكر النظري، بل وصلت إلى قمة السلوك التطبيقي.
إن العديد من علماء مقارنة الأديان يقفون معجبين بما كان عند الصينيين القدماء، وكثيرًا ما يحاولون مقارنتَه بما في الكتب السماوية المقدسة؛ لاستخراج ما بينهما من تماثل في القضايا والحكم؛ تأييدًا لرأيهم في إرجاع ما عند الصينيين لرسالة صحيحة، وهؤلاء العلماء يرون أن السماء التي اتخذها الصينيون إلهًا عظيمًا لهم ورمزًا لسمو الإله وقداسته، وكل خلق من صناعته وهم إليه منتسبون، وتبعًا لطول الزمان وبُعد الرسالة، اتخذ الصينيون مظاهر الطبيعة والأسلاف والأرواح آلهةً صغرى يعبدونها ويقدمون لها القرابين؛ خضوعًا للتحريف وتداخل التأليف البشري.
وعلى هذا، فأديان الصين عبارة عن بقايا رسالة سماوية مع تآليف بشرية خيالية من وضع الكهنة والأباطرة، ويرجع السبب في رقي الجانب الأخلاقي في نظر
هؤلاء العلماء إلى اهتمام الرسالة الإلهية بهذا الجانب، وتأثر العامة بها، مما جعل التحريف يعجز عن تغيير هذا الجانب الذي امتثله الناس في حياتهم، كما أن ظهور علماء مخلصين يزكون الأخلاق، ويدعون إليها، ساعد على استمرارية السمو الأخلاقي حتى اشتهرت الصين بين الأمم جميعًا بسمو الأخلاق نظريًّا وعمليًّا. ويبدو أن النظريات أسرع في النسيان من الأعمال؛ لأن الأعمال المكررة تتحول إلى عادة وتقليد، وقد تنسى فلسفتها وتبقَى صورتها، وهذا ما جعل الصينيين أصحابَ ذوق خاص، وسلوك منظم بعد ظهور الاشتراكية وإعلان الشيوعية مذهبًا تسير عليه الصين، برغم ما في الشيوعية من تعسف وإذلال.
وهكذا، ألغِيَ الدين من نظامهم، ولكنهم حافظوا على تقاليدهم الأخلاقية وعاداتهم النبيلة.
الرأي الثالث: يرى أصحاب هذا الرأي ما رآه أصحاب الرأي الثاني، ويزيدون عليه القول: بأن "كنفشيوس" كان هو الرسول المبعوث من الله تعالى إلى الصينيين، مستدلين بسمو دعوته وأصالة مبادئه، ويذكرون أن هذا المستوى الممتاز في تعاليم هذا الحكيم الصيني يرجع سببها إلى منبعها الإلهي الذي هو أصلها ومصدره.
وبهذا يكون الرأي الثالث متفقًا مع الرأي الثاني إلى حد بعيد، حيث يشتركان في إرجاع الدين وأديان الصين إلى أصول رسالة سماوية، وهذا يستتبع بالضرورة إغفال فكرة التطور الديني، وعدم التسليم بقدرة العقل للوصول وحده إلى عقيدة التوحيد الخالص.
الخاتمة والتعليق:
بالنظر في كل ما ذُكر عند الديانة الصينية، يُلاحظ ارتباط النصوص في أغلبها بالجانب الأخلاقي، السمة الغالبة على الفكر الصيني كله، الأمر الذي يعطي عذرًا للعلماء الذين لا يرون للصينيين إلا أصحاب حكمة وفلسفة، ولولا ربط الأخلاق الصينية بالدين لرجحنا هذا الاتجاه. لقد ارتبطت الأخلاق بالدين على اعتبار أن الدين يدعو إلى حسن المعاملة، كل ما تتطلبه الآلهة هو السلوك القويم، وبالنسبة للكتب الدينية نلاحظ فيها إنها دُونت على فترات زمانية طويلة، كما أضيف إليها الحواشي والشروح العديدة التي اعتبرت أجزاءً منها، وهذا يؤكد أن قداستها اعتبارية، وأن تعظيمها جاء بسبب موقف الكهان منها، وأن نسبتها إلى أصحابها محل نظر ونقد.
وقد دخلت تطورات عديدة على أديان الصين -وبخاصة في العصر الحديث- فلقد حدث عقب ثورة 1911 ميلادية أن أُعلنت الجمهورية وأعلن دستورها الذي لم يتضمن سوى فقرات قصيرة متصلة بالدين، وقد سارع رجال الدين الصيني إلى تكوين جمعية الكنفشوسية؛ للدفاع عن دينهم، الأمر الذي كان له أثره في اتخاذ أسس الفضائل الدينية مبادئ لحركة الحياة الجديدة التي أسست سنة ألف تسعمائة وأربع وثلاثين.
وأخيرًا أعلنت الشيوعية في الصين، فعمدت إلى تغيير كافة الأوضاع في المجتمع الصيني كله، والشيوعيون يعتبرون الفكر الصيني القديم نتاجَ صراع بين الطبقات وبين أفكارهم، وبأسلوب الشيوعية المعتمدة على الظلم والقهر يحاولون نشر مبادئهم الباطلة بكافة الوسائل الظالمة.
ولكن ما هو الرأي الأرجح في تفسير نشأة الدين الصيني؟
الأرجح هو الرأي الثاني؛ جَرْيًا على ما سلمنا به، وسرنا عليه، وهو أنه ما من أمة إلا وأرسل الله لها مَن يبلغها بدينه، ويهديها إلى الحق والصواب. وإن الصين أمة كبيرة يبلغ عدد سكانها ربع العالم، ولا بد أن يُبعث فيهم رسول يدعوهم إلى الدين الصحيح. ومع الترجيح لهذا الرأي لا نسلم بأن "كنفشيوس" كان رسولًا مبعوثًا من قبل الله تعالى؛ لأن الكتب الإلهية تحدثت عن الرسل وصفاتهم ومعجزاتهم ودعواتهم، وليس "كنفشيوس" على نمطهم، لقد دَعَا إلى الإيمان بالأديان الصينية القديمة مع ما فيها من خرافات وأساطير، وأقصى ما يمكن التسليم به هو أن "كنفشيوس" أحد المؤمنين برسالة سماوية سابقة، وأنه التزم بالدعوة إلى بعض جوانبها التي تحمس لها وتصور صلاحيتها لأمته.
إن الأديان السماوية لا تمنع وجود رسالات إلهية في الصين، فلقد أخبر الله تعالى أن الرسل ورسالاتهم لم يُذكروا جميعًا على وجه الحصر، فمنهم من ورد ذكره وجاءت قصته، منهم من سكت الله عنه ولم ينزل في شأنه قرآنًا هم الجم الغفير من رسل الله تعالى، وفي نفس الوقت وضع قاعدةً تقوم على العدل الإلهي المطلق، وهي أن الرسل جاءوا إلى جميع الأمم على وجه الحصر؛ لأن الإنسان بلا رسول لا يصل إلى الحق وحده، وما دام الإنسان مسئولًا ومحاسبًا بعد الموت ليعيش في النعيم المقيم أو الشقاء الدائم، ما دام الأمر كذلك، فإن العدل يقتضي إرسال الرسل إلى جميع البشر، وهذا ما أخبر الله عنه في القرآن الكريم، حيث قال سبحانه وتعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (الإسراء: 15) وقال: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا} (النحل: 36).
وعلى هذا، فلا معارضة في ظهور رسالة ورسالات في الصين، بل إن المعارضة تكون في القول بغير هذا.
وهنا ملاحظة تتعلق بما حدث في العصر الحديث في الصين وفي أماكن عديدة، وهي أن الشيوعية داء خطير يتجه بالهدم نحو أي عقيدة أو فكرة سامية، في محاولة لإفراغ الإنسان من داخله؛ ليمتلئ بعد ذلك بالفكر المركسي والعقيدة الشيوعية الباطلة، كما أن الشيوعية تحاول دائمًا هدمَ التاريخ بصورة عامة شاملة، فما الأديان القديمة إلا حركات وصراع مستمرة، وما الدول والجماعات إلا نتاج للصراع.
وهكذا، فإن الشيوعية تهدم وتشوه ما عداها بلا منطق ولا علم، وما دارت أنها بذلك تهدم نفسها، وتضع بذور الكفر بها وبتعاليمها، وإن غدًا لناظره قريب في الصين وفي العالم كله.
وفي نهاية المطاف ألخص ما ذكرته حول دين الصين واليابان:
وحيث إن أمة الصين من أمم الحضارات القديمة كان لها مدنية وعلم، وبالضرورة كان لها دين تدين به، وتلتزم تعاليمه وتمارس طقوسه، ولقد جربت الصين جميعَ أنواع العبادات من الخرافة إلى الأسطورة إلى الحكمة إلى الأخلاق، ودانوا بالقيم الوضعية والقيم الرفيعة على السواء، وأخذوا من دين كل الأمم واعتقادات كل الشعوب، وما يعتقدون أنه لم يكن في البداية إلا إله "بانكو" الذي كان قويًّا شديدًا رهيبًا، له رأس تنين وجسد أفعى، طال عمره إلى آلاف السنين، ولما كان الموت تجمعت أنفاسه فكانت الريح والسحب، وكانت أناته الرعد، ودمه الأنهار، ولحمه الأرض، وعرقه المطر، وعظامه الصخور، وأسنانه
المعادن، وشعره الغابات والأشجار، وعينه اليسرى الشمس واليمنى القمر، أما الحشرات التي تعلقت بجسمه فهم الآدميون.
وتوالى ملوك السماء من بعده يحاولون أن يمدينوا هؤلاء الآدميين، ويهذبوهم، ويوجهوهم الوجه الصحيحة؛ حتى لا يبقوا كما خلقوا حشرات دنيئة ضارة وضالة، وعبدوا المطر والرياح والسحاب، والرعد والبرق، وكل مظاهر الطبيعة. وجعلوا السماء هي الإله الأكبر، باعتبار أن معظم الخير يأتي منها، وعبدوها بجانب الشمس والقمر والمطر، والرعد والأنهار، وأطلقوا عليها اسم الإله الأعظم "تيان" كما عبدوا أرواح أسلافهم وأجدادهم، وهذه الديانة لا تعترف بالرسل والأنبياء، وإنما يقوم بأمور الدين رجال مربون ومعلمون، ولقد دانت اليابان أيضًا بالكنفشوسية، واعتقدت مبادئها كما اعتقدت مبادئ البوذية، وديانة الشننتو القديمة، وأبرز تعاليم كنفشيوس حب العلم، ولا تزال للكنفشوسية المكانة الجليلة في اليابان.
الكنفشوسية: لقد اتصلت الفلسفة الصينية بالدين وامتزجت به امتزاجًا تامًّا، فالفسلفة في الصين لم تتجاف عن الدين ولم تنأ عنه، ولم يكن "كنفشيوس" مدعيًا للرسالة ولم يكن هو رسولًا مبعوثًا، بل كان حكيمًا فيلسوفًا يبشر بمذهب الأخلاق، وأما عقيدته فهي ما كان يعتقده الصينيون القدماء، وأساس هذه العقيدة أنهم يعبدون ثلاثة أشياء: السماء، والأرواح المسيطرة على ظواهر الأشياء الملائكة، وأرواح الآباء، ومن عقائد الصينيين أن أرواح الأموات تنفصل عنهم بعد موتهم وتبقى في الدنيا مع أسرهم، ولذلك يعبدون أرواحَ الآباء؛ تقديسًا لهم ووفاءً لعهودهم.
وعبادات الصينيين لا تعدو إلا أن تكون غناءً ورقصًا وموسيقى، ولم يكن الصينيون القدماء يؤمنون بجنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب، ولقد أخذ "كنفشيوس" بكل هذه العقائد ولم يزد عليها، فلم يؤمن باليوم الآخر ولم يفكر في حياته بعد الموت، بل كان كل همه في إصلاح الحياة الدنيا. هذا والفيلسوف الحكيم الذي لا تزال الصين تجله على اختلاف مللها ونحلها وشيوعيتها أيضًا، وله آراؤه الخلقية التي لا تزال في الصين نبراسًا يهتدى به.
ويجدر بنا أن نقول: إن ذلك الحكيم لم تكن عنايته الكبرى متجهة إلى تأليف كتب، ولكن عنايته اتجهت إلى تكوين نفوس.
وكما كانت الصين كانت اليابان في اتخاذها للكنفشوسية دينًا ومذهبًا، وما اختلط بها من الأساطير، ثم ما داهمها بعد ذلك من شيوعية وإلحاد.
وفي الأخير نذكر الصين كمثال لمسألة عدم تطور الأديان، حيث يقال: بأنها ليس من أمم الرسالات الدينية، ولم تحظَ في تاريخها القديم شيئًا من ذلك، فكيف كانت معتقداتها؟ وهل تصبح دليلًا يؤيد قضيتنا في عدم تطور الدين أم ينقضها؟
فلقد اصطلح علماء مقارنة الأديان على أن الصين على اتساع رقعتها وكثرة شعوبها، قد اختبرت جميعَ أنواع العبادات، ولكنها على الرغم من ذلك لم تحظ برسالة دينية واحدة تنشأ فيها، فلم تخرج للعالم قيمًا دينيةً تصدر منها، ولكنها أرضت العقلَ الفطري الباحث عن الألوهية بمعتقدات وردت إليها من الخارج قديمًا وحديثًا كعقائد البوذية، والمجوسية، والمسيحية، والإسلام، ولم تعط أمة عقيدتها باستثناء اليونان التي أخذت عنها رحلة "كنفشيوس" الحكيم المشهور.
ومن الجائز جدًّا كما يقول "ولز": إن أقدم حضارات الصين كانت حضارة سمراء كما كانت مماثلة في طبيعتها لأقدم الحضارات المصرية والسومارية، ومهما يكن
الأمر فإنا نجد أنه لما وافت ألف سبعمائة وخمسين قبل الميلاد كانت الصين مكونة فعلًا من مجموعة هائلة من الممالك الصغيرة ودول المدن، وكلها تعترف بولاء المفكك العُرى وتدفع رسومًا إقطاعية لإمبراطور كاهن واحد هو ابن السماء الكاهن الأعظم، وانتهى حكم أسرة "شانج" في سنة 1025 قبل الميلاد، وخلفتها أسرة "تشاو" الطويل، وانحدرت إلى البلاد شعوب من "الهون" وأنشأت الإمارات، وقطَع الحكام المحليون الجزيةَ، وأصبحوا مستقلين.
ويقول أحد الثقات الصينيين: إن البلاد كان بها في القرن السادس قبل الميلاد خمسة أو ستة آلاف مقاطعة مستقلة تقريبًا، وهذا العصر هو الذي يسميه الصينيون في سجلاتهم باسم عصر الفوضى، ويهمنا جدًّا أن ندرك أن عصر الفوضى هذا كان مليئًا بكثير من النشاط الفكري، وبوجود كثير من مجالات الفن المحلية، والعيش المرفه والمتحضر، ومع ذلك لا نجد للدين صورة راقية تدل على التوافق بين الرقي الفكري والرقي الديني، أو بين التحضر وتطور المعتقدات الدينية. فكل ما استطاع أن يصل إليه الإنسان الصيني في هذا العصر أن وجد "كنفشيوس" الذي بشر بالحلم والصبر، والبر بالوالدين، والعطف على الأقربين والغرباء، وأوصى أن تقابل السيئة بالعدل، أو وأن يقابل الإحسان بالإحسان، وقد أحزنه كثيرًا ما يغشَى الصين من فوضى وخروج على القانون، فاختط لنفسه صورة مثل أعلى لحكومة أحسن وحياة أفضل، وأخذ يتنقل من ولاية إلى أخرى؛ باحثًا عن أمير يؤخذ بنظرياته في التشريع والتعليم وينفذها، ولكنه لم يعثر قط على ذلك الأمير، وحين عثُر عليه أحاطت به مؤامرات رجال البلاط، فقوضت سلطان "كنفشيوس" عن الأمير، وتغلبت في النهاية على مشروعاته الإصلاحية.
ويتلخص مذهب "كنفشيوس" في منهج عيش الرجل النبيل أو الاستقراطي أو المثل الأعلى، أي: أنه شُغل بسلوك الشخص وأفعاله، فاهتم بالشئون العامة ورفى لاضطراب العالم وتعاسته، وأراد أن يجعل الناس نبلاءً -أي: فضلاء- رغبةً في إيجاد عالم فاضل، لذلك حاول أن ينظم السلوكَ إلى درجة تفوق كلَّ مألوف، وأن يدبر القواعد السليمة لكل مناسبة من مناسبات الحياة، وكانت صورة السيد المهذب الذي يهتم بالشئون العامة، والذي يأخذ نفسه بالتأديب الصارم هي المثل الأعلى.
ومات "كنفشيوس" محطم الآمال وهو يقول: لَمْ ينهض حاكم ذكي الفؤاد ليتخذني أستاذًا له، وها قد حانت منيتي. بيد أنه لما مات في سنة 478 قبل الميلاد، أقاموا له الهياكل، وعبدوه على سنتهم في عبادة أرواح الأسلاف الصالحين، وأوشكوا أن يتخذوا عبادته عبادةً رسميةً -أي: حكومية- على عهد أسرة "هان" في القرن الثاني قبل الميلاد، وأوجبوا تقديم القرابين والضحايا لذكراه في المدارس ومعاهد التعليم، وكانت هياكله في الواقع بمثابة مدارس يؤمها الناس لسماع الدروس كما يؤمونها لأداء الصلاة، ولم تزل عبادته قائمة إلى أوائل القرن العشرين، فخصوه في سنة 1906 بمراسم الإله الأكبر "شانجتي" إله السماء؛ لأنه في عرفهم ند السماء، ومن لم يؤمن اليوم بربوبيته من الصينيين المتعلمين فله في نفسه توقير يقرب من التأليه، وقد جعلوا يوم ميلاده عيدًا قوميًّا، يحجون فيه إلى مسقط رأسه.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.